مأساة لشبونة بين فولتير وروسو

صبيحة يوم الفاتح من نوفمبر لعام 1755 تعرّضت مدينة لشبونة لزلزال كبير تراوحت قوّته بين ثماني درجاتٍ ونصف وبين تسع درجات) وفق تقديرات علماء اليوم. يتعلّق الأمر بالزّلزال الأكثر تدميراً في التّاريخ، والّذي حوّل العاصمة البرتغاليّة خلال دقائق معدودة إلى كومة من الأنقاض وسحابة من الغبار، وقد كانت تُعدّ من أرقى الحواضر الأوروبيّة. كانت تحفل بالمتاحف، والمكتبات، والمسارح، والكاتدرائيات، ودار للأوبيرا، وكانت تضمّ نحو عشرين ألف بناية من ست وسبع طوابق، تبعاً للرّقم الّذي أورده روسو في نقاشه مع فولتير حينها، وهو ارتفاع شاهق بمقاييس ذلك الزّمن، فضلاً عن القصر الملكيّ، والمكتبة الملكيّة الّتي كانت تضمّ مخطوطات نادرة تعود إلى مرحلة الكشوفات الجغرافيّة الّتي قادها البرتغاليون خلال القرنين الخامس عشر والسّادس عشر.

كان الدّمار هائلاً، وطال مداه دولاً كثيرةً مثل إسبانيا والمغرب، وخلال يوم واحد كان عدد الضّحايا قد بلغ عشرات الآلاف، معظمهم من سكّان العاصمة البرتغاليّة لشبونة. غير أنّ الأسوأ لم يأت بعد.

كان مركز الهزّة الأرضيّة يقع في المحيط الأطلسيّ قبالة السّواحل الغربيّة البرتغاليّة، وبعد أن هرع النّاجون إلى السّاحة المفتوحة لرصيف الميناء، تضرّعاً لله وأملاً في النّجاة من الهزّات الارتداديّة، شاهدوا فجأة مياه البحر تنحصر وتكشف عن قعر البحر في مشهد رهيب، وما هي إلاّ لحظات حتّى انطلق طوفان بحري/تسونامي ليضرب ساحة الميناء، ويغمر المدينة المهدّمة، ويغرق الكثيرين من الباقين.

كان وقع الصّدمة كبيراً إلى درجة أنّ ملك البرتغال سيعاني رهاباً شديداً، وسيعيش على أثره بقيّة حياته داخل خيمة في مرتفع خارج العاصمة. والواقع أنّ الأمر كان أشبه بـ”ارتجاج في العقل الجمعيّ” من هول صدمة ناجمة عن لامعقوليّة المأساة أكثر من المأساة نفسها.

لقد جرت العادة أن يكون ردّ فعل العقل الإنسانيّ أمام الكوارث، هو الشّعور بوجود عقاب مّا، وهو ما كان يؤجّج مشاعر الذّنب والتّأثيم، والّتي يدرجها سبينوزا ضمن الانفعالات الحزينة. لكن هناك ملاحظة أساسيّة، إن كان من خصائص معظم الانفعالات الحزينة –مثل الخوف والغضب والكراهيّة- أن تكون مشتركة بين الإنسان والحيوان، إلّا أنّ الشّعور بالذّنب يخصّ الإنسان حصراً.

يتعلّق الأمر بانفعال بالغ الأهميّة والخطورة أيضاً؛ إذ أنّه يُمثّل من جانب أوّل أصل “القوانين والتّمدن”، كما يمثّل من جانب ثانٍ أصل “الكهنوت” و”العنف المقدّس”، وفي النّهاية بوسعنا أن نتعامل معه بأسلوبين ممكنين، يمكّننا -من جهة أولى- أن نضعه ضمن الانفعالات الحزينة وفق أسلوب سبينوزا، كما يمكننا -من جهة ثانية- أن نتعامل معه وفق رؤية ديكارت الّذي لا يعتقد بوجود انفعالات سيّئة وأخرى جيّدة، بل يعتقد بأنّ هناك استعمالاً سيئاً للانفعالات مقابل استعمال جيّد لها. لكنّنا نستطيع الاعتماد على الفكر المركّب لكي نستنتج بأنّ الاستعمال الجيّد للانفعالات هو كلّ استعمال يساهم في تقليص أمد الانفعالات الحزينة مقابل إطالة أمد الانفعالات المبهجة.

بهذا النّحو، إذا كانت عقدة الذّنب تثير الحزن، والّذي حين يطول يهدّد صحّة الذّات والحضارة، فإنّ الاستعمال الجيّد للشّعور بالذّنب يعني القدرة على التّقليص من أمده، وذلك عن طريق كلّ من آليات التّفريغ (الفنّ)، آليات المعرفة (العلم)، وآليات تدبير الذّات (الحكمة).

لعلّ الشّعور بالذّنب هو الانفعال الحزين الأكثر عرضة لسوء الاستعمال في تاريخ الحضارة الإنسانيّة، وذلك بفعل منظومات راهنت على إطالة أمده من أجل السّيطرة على أرواح النّاس. لذلك، لم يهاجم نيتشه التّقاليد المسيحيّة بقوّة إلاّ بسبب تمحورها حول عقدة الذّنب.

غير أنّ التّداعيات جاءت مختلفة هذه المرّة:

ضمن تداعيات زلزال لشبونة انهارت معادلة أنّ الكارثة تساوي العقاب، وذلك بعد أن تهاوت كلّ المبرّرات الدّينيّة الممكنة للعقاب.

كيف جرى ذلك؟

لقد صادف زلزال لشبونة يوم عيد القدّيسين، حيث كان معظم النّاس متواجدين داخل الكنائس لأجل الصّلاة وإحياء قدّاس العيد، وهو السّبب في ارتفاع عدد الضّحايا بفعل سقوط سقوف عشرات الكنائس على رؤوس المؤمنين، وبحيث لقي آلاف المصلّين حتفهم بجانب عشرات الرّهبان ورجال الدّين، في ظروف بالغة القسوة، دون أن ننسى أنّ للكارثة فصلاً إضافياً، حيث اشتعلت النّيران لعدّة أيّام في المناطق الّتي لم يطلها الطّوفان البحري، وذلك بسبب آلاف الشّموع الّتي أُشعلت في عيد القدّيسين قبيل ضربات الزّلزال، فانتهت النّار إلى إفناء كلّ ما هو قابل للاحتراق، علاوة على تراث ضخم من الكتب والمخطوطات النّادرة. هكذا اكتمل مشهد المأساة.

زلزال دمّر كل شيء، تلاه طوفان أغرق كلّ شيء، ثمّ نيران أحرقت كلّ شيء، وكلّ هذا “الغضب العظيم” حلّ في يوم مخصّص للصّلاة، والتّضرّع إلى الله، فهل بقي لأنصار العناية الإلهيّة من أقوال؟ّ!

يتعلّق الأمر بصدمة مدوّية تلقّاها العقل الدّيني، وتسبّبت في ارتجاج عنيف للضّمير الغربيّ، وأرغمت رجال الدّين على التزام الصّمت أمداً طويلاً تحت وقع الصّدمة. لكنّ ربّ ضارة نافعة، بحيث عندما يخرس الكهان يلتفت النّاس إلى جهة الفلاسفة. هكذا كان الحال، وعلى ذلك النّحو لا يزال الحال إلى الآن، بحيث أنّ الملاحظ، ضمن سياق العلمنة الجارية داخل المجتمعات الغربيّة، هو تسابق وسائل الإعلام على الفلاسفة عقب كلّ الكوارث، والصّدمات، والأزمات.

كان أثر زلزال لشبونة على فلاسفة الأنوار كبيراً، وكان النّقاش بين فلاسفة الأنوار قويّاً مدوّياً، لا سيّما ذلك النّقاش الشّهير بين فارسيْ التّنوير الأوروبي، فولتير وروسو.

لقد تمحور النّقاش بينهما حول مفهوم الشّر ومصدره، معنى الحياة وقيمتها، حقيقة العناية الإلهيّة وحدودها، وما إذا كان الإنسان يعيش في أفضل العوالم الممكنة أم لا؟ وهو النّقاش الّذي كان مفصلياً بقدر ما سيكون مرجعياً.

“تشاؤم” فولتير

عقب زلزال لشبونة، كتب فولتير قصيدة تحت عنوان (مأساة لشبونة)، من خلالها وجّه نقداً لاذعاً إلى الأطروحة المحوريّة للفيلسوف الألمانيّ لايبنتز، الّتي تزعم أنّنا نعيش في أفضل العوالم الممكنة، وهو النّقد الّذي سيواصله في رواية (كانديد) بآليات البلاغة الرّوائيّة.

حين نتحدّث عن قصيدة (مأساة لشبونة) فإنّنا لا نتحدّث عن مجرّد قصيدة مكتوبة بحسّ فلسفي على منوال قصائد المعري، بل فلسفة مكتوبة بأسلوب القصيدة الشّعريّة، وذلك على منوال كثير من الفلاسفة اليونانيين قبل سقراط، وكثير من الفلاسفة الرّومانيين، وهو ما يدلّ على أنّ الطّلاق بين الفلسفة والشّعر ليس بائناً كما ظنّ كثيرون، بل ظلّت المعاشرة سارية ولو بدرجات.

تتجلّى الفكرة الأساسيّة لقصيدة فولتير في اعتبار أنّ عالمنا الّذي نعيش فيه ليس هو أفضل العوالم الممكنة كما تصوّر لايبنتز، بل هو عالم تعيس ومليء بالشّرور والمآسي الّتي يصعب على الحسّ الإنسانيّ السّليم أن يتقبّلها، أو أن يقتنع بمختلف التّبريرات الرّائجة حولها، من قبيل ادّعاء احتواء المآسي على منافع بالنّظر إلى القوانين العامّة للحياة، للمجتمع، أو للتّاريخ. غير أنّه يردّ على تلك المزاعم باستنكار شديد اللّهجة يقول فيه “أيّ عزاء يمكننا أن نقدّمه للسّكان المكلومين حين نقول لهم: اسقطوا وموتوا بهدوء؛ فمن أجل سعادة العالم ستنهار ملاجئكم… وجميع شروركم هي خير بالنّظر إلى القوانين العامّة” (مأساة لشبونة). يبدو فولتير هنا كما لو أنّه يقدّم رداًّ شمولياً، وأحياناً استباقياً، على فلسفات الأمل كافّة، من لايبنتز الّذي يوم وفاته كان فولتير لا يزال شاباً يافعاً، مروراً بروسو الّذي عاصره، ووصولاً إلى هيجل الّذي كان لا يزال طفلاً صغيراً يوم وفاة فولتير.

يقول فولتير في قصيدته المذكورة:

“يوماً مّا سيكون كلّ شيء على ما يرام، ذلك هو الأمل.

اليوم كلّ شيء على ما يرام، ذاك هو الوهم”.

هل معنى ذلك أنّ فولتير يتغنّى بالأمل؟

لا، أبداً، ذلك أنّه في نهاية القصيدة، وفيما يبدو توضيحاً لموقفه، يصنّف الأمل ضمن خانة العيوب والشّرور، حيث أنشد يقول:

“وخليفة في قديم الزّمان

حين حانت ساعة الاحتضار

قال لله معبوده في آخر مناجاة

سأحمل إليك أيّها الملك الأوحد والكائن اللاّمحدود

كلّ ما لا تملكه في امتدادك الواسع

من عيوب، وندم، وشرور، وجهل

لكن كان عليه أن يضيف الأمل”.

لعلّ قصده في أوّل الأمر هو الأمل كما يراه الآخرون، والّذي هو مجرّد سراب مدمّر.

الأمل شقاء طالما يعني الانتظار، والانتظار عامل من عوامل التّوتر والحزن طالما يجعلنا نتعلّق بما لا يتوقّف علينا، ومن ثمّة نقع في آتون الإحباط. الانتظار شقاء حارق، لا سيّما حين يتعلّق الأمر بانتظار حدوث ما لا يتوقّف حدوثه علينا. وليس الأمل في آخر المطاف سوى انتظار ما لا يتوقّف علينا، أمّا الأشياء الّتي تتوقّف علينا فنحن لا نواجهها بالأمل، بل بالعمل. لذلك، بقدر ما تنزع الخيبة السّحر عن العالم فإنّها تمثّل أيضاً دافعاً قويّاً إلى العمل، والإنتاج، والإبداع.

لأجل ذلك كلّه أطلق فولتير على لسان (كانديد) عبارته الشّهيرة: علينا أن نحرث حديقتنا.

“تفاؤل” روسو

جاء ردّ روسو على فولتير سريعاً في (رسالة حول العناية الإلهيّة). ماذا قال؟ منذ البداية لم ينكر روسو تقديره الكبير لفولتير، بحيث أكّد بصريح العبارة بأنّ الأصدقاء جميعهم يعرفون مقدار محبّته لكتابات فولتير. مثل هذا البوح يؤكّد مرّة أخرى بأنّ فرسان التّنوير الحقيقيين لا يتردّدون في تبادل الاعتراف، وأنّ الاختلاف لا يفسد الودّ إلاّ بين الصّغار. غير أنّ مثل ذلك البوح لم يمنع روسو عن الرّد على أطروحة فولتير، حيث يؤاخذ عليه بأنّ ما كتبه حول زلزال لشبونة لا يمكن أن يمنح للمنكوبين ذلك العزاء الّذي يحتاجون إليه، بل يتّهمه بأنّه يفاقم من حزن الإنسان، مذكّرا إيّاه في الوقت نفسه بأنّ التّفاؤل عزاء لا يجب أن نحرم الإنسان منه. بعد ذلك يعود إلى المنافحة عن مبدأ لايبنتز القائم على أساس أنّنا نعيش فعلاً في أفضل العوالم الممكنة.

لا بأس في التّذكير أيضاً بأنّ جذور ذلك المبدأ التّفاؤلي تعود إلى سفر التّكوين من الكتاب المقدّس: بعد الانتهاء من خلق العالم بما فيه من أرض وسماوات وبحار وحيوانات، فقد “رأى الله كلّ ما عمله، فإذا هو حسن جدّاً” (سفر التّكوين).

إذا كان العالم الّذي خلقه الله “حسن جدّاً” فما هو مصدر الشّرور والمآسي والآلام؟

بوسعنا أن نجمل مقاربة رسالة روسو في الإجابة عن السّؤال ضمن أربع قضايا أساسيّة:

القضيّة الأولى، كلّ ما يخرج من يد الخالق/ الطّبيعة جيّد وحسن وجميل، ولا يبقى للشّر من مصدر آخر سوى الإنسان وأسلوب حياته المخالف للطّبيعيّة. تلك هي الأطروحة الأساسيّة لفلسفة روسو، والّتي يستعيدها أمام اختبار زلزال لشبونة، مُنبّها بالمناسبة إلى أنّ نمط البناء في مدينة لشبونة وفق الطّوابق المرتفعة يخالف الطّبيعة، ويفسّر سبب ارتفاع عدد الضّحايا.

ملاحظة حول القضيّة: صحيح أنّ أسلوب البناء كان عاملاً في ارتفاع عدد الضّحايا، غير أنّ سقوف الكنائس بدورها سقطت على آلاف المصلّين، دون وجود طوابق بالضّرورة. على أنّ هناك استنتاج أهمّ، لو كان رجال الدّولة الّذين سيتكفّلون بإعادة بناء لشبونة بعد الزّلزال، روسويين، لما فعلوا ما فعلوه. ما الّذي فعلوه؟ ساهموا في ظهور علم الزّلازل، وعملوا على تطوير أنماط البناء لكي تصير مضادّة للزّلازل، مع زيادة في ارتفاع البناء. وقد كان ذلك كلّه بمثابة تطوّر كبير في الحضارة المعاصرة.

القضيّة الثّانية، غالباً ما يكون الموت بسبب كوارث الطّبيعة أقلّ مأساويّة من الموت بسبب أخطاء الإنسان. حيث أنّ الكثير من التّدابير الّتي اتّخذها الإنسان في مواجهة الموت الطّبيعي قد جعلت الموت أكثر تعقيداً وإيلاماً، وفي هذا الصّدد يقدّم روسو مثالين: مثال الأطباء الّذين قد يطيلون من أمد الاحتضار فيجعلونه أشدّ قسوة حين يصرّون على مواصلة الحياة بأي ثمن؛ ومثال الكهّان الّذين يصنعون شروطاً ثقافيّة تجعل تجربة الموت أشدّ جزعاً وتهويلاً.

ملاحظة حول القضيّة: صحيح أنّ كثيراً من الأنماط الثّقافيّة جعلت الموت أشدّ رعباً وألماً وتعقيداً، غير أنّ الكوارث الطّبيعيّة في المقابل لا تصنع موتاً رحيماً أو أقلّ قسوة، لا سيّما عندما يتعلّق الأمر بالجائحات أو بسرطان الأطفال على سبيل المثال.

القضيّة الثّالثة، الكلّ على ما يرام، لكن بالنّسبة للكلّ. فحين تكون بعض الأمور على غير ما يرام فليس معناه أنّ كلّ شيء على غير ما يرام. ذلك أنّ العناية الإلهيّة تشمل النّوع البشري إجمالاً، ولا تخصّ كلّ واحد على حدة. وكما يقول روسو: عندما توجعني أسناني فالأمر مؤلم لكن ليس معناه أن لا شيء على ما يرام، عندما أكون فقيراً فهذا سيِّئ لكن ليس معناه أنّ العالم سيئ، ذلك أنّ العناية الإلهيّة لا تهتمّ بالتّفاصيل، وكما قال سينيكا “لا تطلب من الله أن يحرس محفظتك”. ليس الموت نقمة إلاّ بنحو جزئي؛ لأنّ الّذي يحدث في واقع الأمر هو أنّي “سأموت وتأكلني الدّيدان، لكنّ أبنائي وإخواني سيعيشون كما عشت، وجثّتي ستخصّب الأرض الّتي سيأكلون منها” (رسالة حول العناية الإلهيّة).

ملاحظة حول القضيّة: نهاية حياتي لا تعني نهاية الحياة. هذا الرّأي حكيم بلا خلاف. غير أنّ بعض الكوارث قد تهدّد أنواعاً من الحياة بأكملها، بل قد تهدّد الحياة برمّتها، مثل الجائحات والنّيازك مثلاً. فما القول في هذه الحالات؟

القضيّة الرّابعة، إذا استحضرنا فرضيّة خلود النّفس في الأخير، وفق أطروحة الخلاص الأخرويّ، فلن يمثّل الموت بالتّالي أيّ شرّ طالما لن يكون سوى عتمة خاطفة في نور الأبديّة كما يقول روسو. إذن كلّ شيء على ما يرام بالنّظر إلى سرديّة الخليقة.

ملاحظة حول القضيّة: قد تكون فرضيّة خلود النّفس مريحة للنّفوس، وقد تبدو معزيّة حين نقترب من النّهاية، بيد أنّها لم تمثّل في أي يوم من الأيّام ضمانة للحياة الجيّدة، كما أنّ قدرتها على الإقناع غير مضمونة على الدّوام. وفي هذه الحالة نحتاج إلى بدائل قد لا تقدّمها سوى فلسفات الخيبة.

تبدو أطروحة روسو مريحة للنّفس، غير أنّها تحمل في نفس الوقت بذور الأمل المدمّر، شأنها في ذلك شأن كلّ فلسفات الأمل. الأمل في الرّؤية الكليّة للحياة قد يبرّر كلّ المآسي الّتي قد تحفل بها التّفاصيل الجزئيّة، وقد يبرّر كلّ أشكال القسوة خلال الطّريق نحو الخلاص.

رغم أنّ هناك كثير من المبالغة في الرّبط بين أفكار روسو ومقصلة روبيسبيير، وكذلك بين أفكار هيجل والغولاغ الستاليني، وهي من نوع المبالغات الّتي تستهوي الكثيرين، إلّا أنّ قسطاً من الشّبهة يبقى قائماً في معظم التّأويلات، ذلك أنّ فلسفات الأمل قد تتحوّل إلى مشاجب لأجل تبرير العنف والقسوة مثلما حدث في سنوات رعب الثّورة الفرنسيّة، وفي سنوات الرّعب الستاليني.

العبرة

بعد زلزال لشبونة، أمضى الملك بقيّة حياته –كما سبقت الإشارة- في خيمة خارج العاصمة، رافضاً العودة إليها، وقد أوكل لكبير الوزراء في البرتغال، ويدعى بومبال، مهمّة الإشراف على إعادة البناء، إعادة بناء العاصمة والدّولة وكلّ شيء.

ماذا فعل بومبال؟

بعد أن أطلق عبارته الشّهيرة، “علينا الآن أن ندفن الموتى ونطعم الجوعى”، قام بعدها بإعداد استمارات للسّكان النّاجين تتضمّن أسئلة دقيقة حول الزّلزال والهزّات الارتداديّة، وهو الجهد الّذي ساهم في ظهور علم الزّلازل، وعلى يد ذلك الرّجل العظيم ظهرت أولى التّصاميم المضادّة للزّلازل، وجاءت بدورها مرتفعة، بل أكثر ارتفاعاً في بعض الأحيان. بهذا النّحو عاودت الرّوح البرومثيوسيّة للحداثة وهجها في الأخير.

لقد كان أساس معاودة النّهوض هو الانطلاق من روح فلسفيّة جديدة تقول ما يلي:

مأساة لشبونة لم تكن مبرّرة، وهي تؤكّد مرّة أخرى أنّ الطّبيعة تمثّل بيئة معادية للإنسان.

تلك هي الحقيقة الّتي تنكرها فلسفات التّفاؤل، والحال أنّ على الإنسان أن يعمل بنفسه على تحسين موقعه في الطّبيعة والكون، ولو بالتّدرج البطيء، وبقليل من الثّقة، وكثير من الحذر أيضاً.

لذلك السّبب بالذّات، يقال في مجال إدارة الدّولة: المتفائل مستشار سيئ.

الخيبة لا تعني الاستسلام والخنوع، بل تعني عكس ذلك تماماً، الشّجاعة، العلم، والعمل.

بل يكمن أساس تقدّم العلم في مبدأ الخيبة بالذّات؛ ذلك أنّ العلم لا يكافح ضدّ ظواهر الألم، والمرض، والشّيخوخة، وموت الأطفال، وانقراض الكائنات، إلاّ لأنّه يعتبر تلك الظّواهر مآس غير مبرّرة، فلا دورات الحياة تبرّرها، ولا حركة التّاريخ.

لكن إذا كانت المآسي غير مبرّرة، ويجب مقاومتها إلى الرّمق الأخير، فهل هناك من حاجة في أن يتعلّم الإنسان حكمة تحمّل المآسي؟!

لماذا نحتاج إلى الحكمة إذا؟

نحتاج إلى الحكمة لأنّ طريق العلم طويل، وانتصاراته جزئيّة، وسيبقى المستقبل لأمد طويل جدّاً محفوفاً بكثير من اللّاتوقع، انعدام اليقين، وعدم الأمان.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This