الكوجيتو أو ميلاد الذّات في الفلسفة الحديثة

مقدمة:

يمثّل ديكارت لحظة مهمّة في تاريخ الفلسفة الأوروبيّة، فهو نقل الاهتمام الفلسفي الّذي كان سائدًا في القرون الوسطى من نمط التّفكير الميتافيزيقيّ الّذي كان يركّز على مسائل الإيمان وعلاقة العقل أو الفلسفة بالدّين، إلى التّفكير في الإنسان نفسه باعتباره ذاتًا مفكّرة ينبغي أن يكتشف وجوده ويوجد معنى لحياته. ومن ثمّ وضع ديكارت تأسيسات ويقينيات نقطة بدايتها هو الشّك المنهجي وصولًا للأنا أفكّر. هذا التّحول الفلسفي الكبير الّذي أنجزه ديكارت يؤرّخ لبدايات التّفكير في الذّات الإنسانيّة وإثبات دورها المركزي في نقد المعرفة الموروثة وإعادة تأسيسها على أسس يقبلها العقل. وباستناده للعقل أسّس ديكارت الفلسفة الحديثة الّتي استطاعت عبرها أوروبا أن ترسّخ العقلانيّة وتسير في دروب التّقدم.

سأحاول في هذه الورقة دراسة تشكّل الذّات المفكرة عند ديكارت عبر الإجابة عن مجموعة من الأسئلة منها كيف انتقل ديكارت من الشّك إلى اليقين؟ ما طبيعة الأنا الّتي اعتبرها ديكارت مبدأ لفلسفته؟ هل يدعو ديكارت لعقلانيّة منغلقة؟ لماذا احتاج ديكارت لإثبات وجود الله لكي يضمن أو يثق بالحقيقة (حقيقة الأنا أفكّر)؟

ستتمّ هذه الدّراسة عبر تقسيم الورقة لثلاث أجزاء الأوّل أركّز فيه على الشّك الدّيكارتي، والثّاني سيكون عن الكوجيتو، والأخير سيتناول الضّمان الإلهي للحقيقة.

الشّك:

نقطة الانطلاق في المشروع الدّيكارتي هي الشّك في جميع الأحكام والآراء المسبقة الّتي كانت سائدة، بغية تأسيس حقيقة راسخة يبني عليها مشروعه الفلسفي. وفي مراجعة دقيقة لحياته توصل إلى أنّ هناك الكثير من الأفكار الّتي تلقّاها وصارت حقائق بالنّسبة له ينبغي أن تُمتحن وتُوضع محلّ شكّ، محاولًا بذلك تحرير نفسه من كلّ ما تلقاه منذ نعومة أظافره حيث تبدى له مضطربًا وقابًلا للشّك لذلك نجده يقول “لهذا قرّرت أن أحرّر نفسي، جديًا، مرّة في حياتي، من جميع الآراء الّتي آمنت بها قبلا، وأن ابتدئ الأشياء من أسس جديدة، إذا كنت أريد أن أقوم في العلوم قواعد وطيدة، ثابتة، مستقرّة”[1] وهنا يظهر أنّ هدف ديكارت ليس شكًا من أجل الشّك بل هدفه مراجعة للذّات من جميع ما آمنت به من أجل بناء قواعد راسخة وثابتة فهو شكّ من أجل إعادة البناء. كما أنّ المعارف الّتي تلقاها ديكارت وحاول أن يخضعها للشّك مصدرها هو الحواس حيث يقرّر “ولمّا كانت حواسنا تخدعنا أحيانًا، أردت أن أفرض أنّه ليس من شيء هو في الواقع كما تجعلنا الحواس نتخيّله”[2] وعلى الرّغم من أنّه يتحدّث في بداية تأمّلاته عن أنّ هناك معارف لا يستطيع أن يشكّ فيها باعتبارها واضحة ومتميّزة؛ إلاّ أنّه وانطلاقًا من فكرة أنّه إنسان ينام ويحلم يفترض صعوبة أخرى تحوّل بينه وبين افتراض وضوح هذه المعارف فيتوصل إلى “أنّه لا توجد علامات قاطعة، ولا أمارات يقينيّة، كفاية، نستطيع بها أن نميّز، بين اليقظة والحلم، تمييزًا دقيقًا”[3] فهناك أفكار بسيطة وقد يكون مصدرها الحواس، لكن لا يمكننا الثّقة فيها لاستحالة تمييز اليقظة عن الحلم، فربّما حياتنا هي عبارة عن حلم مستمرّ. لكن مسيرة ديكارت الشّكيّة لا تكتمل إلاّ بافتراضه للشّيطان الماكر، ذاك الكائن الخيالي الّذي يستطيع تضليل حواسنا، وبالتّالي يتوصّل إلى حالة شكّ كلي، أي في جميع المعارف سواء كانت مصدرها الحواس أو غيرها مثل الرّياضيات والهندسة الّتي كان يعتبرها معارف بديهيّة. يلصق ديكارت هنا الخطأ والتّضليل بالشّيطان وينزّه الله عن أن يكون سببًا في تضليله حيث يقول “فإذا كان ممّا يتنزّه عنه الله أن يكون قد خلقني عرضة للخطأ، دائما، فممّا لا يليق بمقامه أن يأذن بوقوعي في الخطأ أحيانًا، وإنّي على يقين أنّ هذا لا يقع بإذنه”[4] وهنا يتصوّر ديكارت الله على أنّه كامل، وهو تصوّر ديني للإله، وبالتّالي لا يمكن أن يكون مصدرًا للخطأ. لكنّ هذا الأمر يثير سؤال أساسي وهو لماذا لم يخضع ديكارت هذه القناعة ذات الطّابع الدّيني -أي الّتي يقرّر بموجبها أنّ ممّا لا يليق بمقام الله أن يوقعه في الخطأ- للشّك كمثلها من المعارف المسبقة الأخرى؟

أعتقد أنّ ديكارت لم يستطع أن يتحرّر كلّيًا من أسر الرّؤية الدّينيّة، فظلّ وفيًا لها وخاضعًا لمرتكزها الأساسي بل يستخدم مفاهيمها، فالشّيطان الماكر الّذي يضلّل ويوقع النّاس في الخطأ هو مفهوم موجود في صميم الإيمان المسيحيّ. كما أنّه لم يتحرّر من جميع ما آمن به من آراء وذلك لأنّ قناعة الإله الكامل والّذي لا يخطئ ظلّت حاضره عنده. ومن هنا يأتي اتّهام ديكارت بأنّه لم يستطيع أن يؤسّس بشكل كلّي لعقلانيّة تستبعد ما هو ديني عن مجال الفلسفة. ولكنّنا نقول أنّ ما يكتسب أهميّة في الشّك الدّيكارتيّ ليس افتراضه لهذه المفاهيم الّتي لا يمكن لفلسفته أن تقوم دونها؛ ولكن المهمّ هو هذه المراجعة النّقديّة للثّقافة الّتي تقوم على التّسليم والتّقليد للآراء القديمة ومحاولة ترسيخ الذّات الإنسانيّة كصانعة لخلاصها ومصدر لمعارفها. وعلى الرّغم من أنّ هناك صعوبة في التّحرر كلّيًا من كلّ ما هو موروث ومُكون للشّخصيّة الإنسانيّة إلاّ أنّ المحاولة الدّيكارتيّة بحسب فهمنا هنا غايتها ليست إلغاء الأفكار والأحكام المسبقة بقدر إخضاعها لعمليّة تفكير وفحص وبالتّالي نقد المعرفة الّتي تؤسّس من الخارج وإرجاعها للإنسان ليعيد تأسيسها من جديد، فديكارت يعيد للذّات وعيها بذاتها وفعاليتها الّتي فقدتها وسط الإيمان والتّقليد الّذي كان سائدًا. حيث يقول فيري “إنّ المسألة هنا تدور حول استبعاد حجج السّلطة بواسطة الممارسة الحرّة للرّوح النّقدي، أي رفض الخضوع بلا تمحيص للأفكار، الجاهزة، المتقبّلة من الخارج، وذلك على اعتبار مقتضى أساسي، وهو أن نفكّر بأنفسنا”[5]. فديكارت رفض المعرفة الموجودة والمفروضة بواسطة السّلطة (أي تلك الأفكار الّتي يتمّ التّعرف عليها سواء كان من المدرسة أو العائلة أو الكنيسة وقبولها من غير أي فحص أو مراجعة) لكي يؤسّس لمعرفة جديدة راسخة ويقينيّة، ومُفكّر فيها. وبهذه المراجعة النّقديّة الّتي ابتدعها ديكارت لكلّ الأحكام الموروثة والشّك فيها نستطيع أن نقول على الرّوح الدّيكارتيّة بأنّها روح نقديّة بامتياز. وهي روح نحتاجها في مجتمعاتنا حيث تسود عندنا الأفكار المسبقة والمعارف الماضويّة الّتي شكّلت سدًّا منيعًا أمام المسيرة نحو الأنوار والتّقدم.

نجد عند ديكارت نزعة مهمّة وهي أنّه لم يحاول ابتداءً أن يشكّك في اعتقادات الآخرين من برج المثقّف الّذي يحكم على كلّ شيء استنادًا لحشو المعارف الّتي تلقاها من الكتب أو استنادًا لذاته النّرجسيّة، ويصل لدرجة تجهيل معارف الآخرين، وتبيين زيفها وعدم فائدتها؛ بل انطلق مشروع ديكارت من ذاته هو أولًا، فأخضع ما تلقاه سابقًا للنّقد والمساءلة وهذا واضح من خلال كتاباته ذات الطّابع التّأملي والّتي تبدأ بتجارب فعليّة ولكنّها ذاتيّة في الأوّل ومن ثمّ يبحث بعد ذلك في إمكانيات نشرها وتعميمها على الآخرين. ونحتمل هنا وجود سببين الأوّل: قد يتمثّل في نزعته المحافظة والّتي تتمثّل في عدم رغبته في مواجهة السّلطة السّياسيّة والاجتماعيّة مواجهة مباشرة، احترازًا منه لما يمكن أن يحدث نتيجة لهذه المواجهة. والثّاني: قد يكون واعيًا بأنّ على المثقّف الّذي يريد تحرير المجتمع من التّقليد والموروث أن يبدأ بتحرير نفسه أوّلًا ومن ثمّ يصبح مثالًا ونموذجًا للآخرين. ولكنّنا نرجّح السّبب الأوّل نسبة لطبيعة العصر الّذي عاش فيه ديكارت، حيث يتمّ اتّهام العلماء بالهرطقة وبالتّالي نفيهم أو حرقهم كما حدث مع بعض علماء عصره.

الكوجيتو:

كيف تمكن ديكارت من الانتقال من حالة الشّك إلى اليقين؟

حاول ديكارت السّير في طريق الشّك بحثًا عن شيء ثابت وراسخ يعتمده كحقيقة أولى يمكن أن يؤسّس عليها فلسفته، متمثّلاً القواعد الّتي وضعها في كتابه مقال عن المنهج. وبعد أن رفض كلّ المعارف المسبقة والأشياء المحسوسة فكّر في ذاته الّتي تشكّ، لكي يعثر بداخلها على نقطة ارتكاز، فحاول تجريد نفسه من كلّ ما هو جسدي ليرى إن كان وجوده يتقوم من غير البعد المحسوس والمادي في الإنسان ويتوصّل إلى قوله “لما كنت لا تنكر أنّك تشكّ بل على العكس من ذلك، تشكّ شكًّا مؤكّداً، حتّى أنّك لا تستطيع الشّك فيه، صحّ كذلك أنّك أنت الّذي تشكّ موجودٌ، وهو أمر على غاية من اليقين حتّى أنّه لا يمكن لك الشّك فيه”[6] فهنا يتوصّل ديكارت إلى أنّ الّذي يشكّ لا بدّ أن يكون موجودا فعمليّة الشّك نفسها هي برهان يقيني وغير قابل للشّك على الوجود، فالشّك يستوجب إذن الوجود. وحتّى إذا وجد شيطان ماكر فإنّه لا يستطيع أن يضلّله عن أنّه يشكّ ما دام هو يشكّ. ولكن ديكارت لا يقف عند هذه النّقطة بل حاول أن يتعرّف على طبيعة هذه الأنا الّتي اعتبرها حقيقة يقينيّة توصّل إليها عبر فعل الشّك. وهنا أحدث ديكارت نقلة كبيرة في الفلسفة من الأسئلة الّتي تتمحور حول اللاّهوت والايمان والعالم إلى سؤال عن طبيعة الإنسان نفسه، إذن ما هي طبيعة هذه الأنا الّتي اتّخذها ديكارت مبدأ لفلسفته؟ ينفي ديكارت تعريف الإنسان بأنّه حيوان عاقل. كما أنّه في بحثه عمّا يميّز هذه الأنا حاول أن ينفي جميع الصّفات الّتي نسبها للبدن ولم يتبقى له إلاّ صفات النّفس والّتي تتمثّل في التّغذي والمشي والإحساس والتّفكير، وأخيرًا يتوصّل إلى أنّ “إذا صحّ أن لا جسم لي، صحّ أن لا تغذي لي ولا مشي. ثمّ أوردنا صفة الإحساس لكن لا إحساس دون جسم”[7] وهنا ينفي الصّفات الأولى الثّلاثة للنّفس بسبب ارتباطها بالجسم ولم يبقى إلاّ صفة التّفكير حيث يقول “هنا أجد أنّ صفة الفكر تخصّني. وهي وحدها لصيقة بي. أنا موجود هذا أمر ثابت. لكن كم من الوقت؟ ما دمت أفكر.. أسلم الآن جبرًا بشيء صحيح. أنا شيء يفكّر”[8] بالتّالي يتوصّل ديكارت إلى أنّ الّذي يميّز هذه الأنا ويشكّل طبيعتها هو التّفكير إلى درجة أنّ وجودها لا يمكن أن يستقيم دون هذه العمليّة. فهنا توجد مطابقة تشكّل الحقيقة بالنّسبة لديكارت وهي تلك الّتي تكون بين فعل التّفكير والوجود. كما أنّ ما يلفت الانتباه هنا هو أنّ ديكارت يثبت الذّات المفكّرة أوّلًا ويعتبرها مبدأ أوّل ومصدر أساسي للمعرفة الّتي تأتي لاحقًا واقصد هنا العالم من حوله والله، فالذّات أوّلًا ومن ثمّ الموضوع. هذه الذّات المفكّرة سيصبح لها تأثيرها لاحقًا في جميع التّيارات الفلسفيّة اللاّحقة لديكارت لأنّه رسّخ لمبدأ أنّ الإنسان مستقًلًا عن التّقليد وبواسطة ذاته المفكّرة (أي عقله) يستطيع أن يصنع التّاريخ والتّقدم بل حتّى القيم، وهنا كان ديكارت يحاول أن يخلص البشريّة من القيود الطّبيعيّة والاجتماعيّة الّتي تفرض عليهم التّسليم والخضوع ويشرع في بناء مشروعٍ معرفيٍّ يؤسّسه الإنسان بواسطة ذاته المفكّرة.

وفي إطار إجابته عن سؤال ما هو الفكر يقول ديكارت “أقصد بالفكر كلّ ما يختلج فينا بحيث ندركه بأنفسنا إدراكًا مباشرًا. ومن أجل هذا لا يقتصر الفكر على التّعقل والإرادة والتّخيل، بل الإحساس أيضا”[9] فهذه الإرادة الّتي تجعله يشكّ سابقًا وينفي أو يثبت أمرًا مّا، بالإضافة للتّخيل بل الإحساس نفسه، أمورًا تندرج لاحقًا ضمن فعل التّفكير نفسه الّذي يعتبره مبدأ سابقًا لها، فهذه كما يسمّيها ديكارت نفسه صفات للفكر ولا يمكن أن تنفصل عنه. وهذا ما يؤكّده هوسرل أيضا “أفعال الوجدان والإرادة وأحوالهما المتنوّعة: كالاستلذاذ والاستئلام وكالفرح والحزن وكالشّوق والهرب وكالأمل والخوف وكالعزم والعمل. كلّها تشملها عبارة ديكارت (أفكر)”[10] وعلى الرّغم من الخلط البائن هنا بين ما هو فكري وما هو وجداني إلّا أنّ هذا التّصور للإنسان يعبر بنظري عن (هذا الكائن الّذي يسمّى إنسانًا) على عكس من يتصوّر الإنسان بأنّه كائن مفكّر فحسب أو من يتصوّره بأنّه كائن يشعر ويتأثّر في تجاهل متعمّد لكونه مفكّرًا.

هذا الشّيء الّذي يفكّر نعرفه بحسب ديكارت أكثر ممّا نعرف الجسم وذلك لأنّنا إذا تأمّلنا بحواسنا شيئًا مّا ماديًا (كقطعة شمع) ومن ثمّ جردناها لاحقًا من كلّ الصّفات الّتي رأيناها أو لمسناها، أي تأمّلناها عارية، نستطيع مع ذلك أن نعرفها ولا يمكن أن تتكوّن معرفتها بالنّسبة إلينا “دون الاستناد إلى روح إنسانيّة”[11] وبالتّالي نحن نعرف هذه الرّوح أكثر ممّا نعرف الجسم.

وبهذا يتوصّل ديكارت عبر شكّه إلى اكتشاف هذه الذّات المفكّرة عبر ذاتها، أي أن يعرف الإنسان نفسه بواسطة فعل التّفكير وبالتّالي يستطيع أن يرجع كلّ معرفة بموضوع مّا إلى هذه الذّات المفكّرة فتصبح هي مصدرها وهي القادرة على الحُكم عليها (أي المعرفة) سواء كان بالصّواب أو الخطأ، أي القادرة على تقييمها. وهذا قد يسوقنا إلى سؤال أساسي وهو هل هذه المعارف الّتي تتوصّل إليها الذّات بعد هذا الشّك هي حقائق نهائيّة؟ أو بمعنى آخر هل يدعو ديكارت لعقلانيّة منغلقة؟ ليست هنالك مشكلة في أن يعتقد إنسان مّا في صحّة ما توصّل إليه من معارف، ويدافع عن هذا الاعتقاد، لكنّ المهمّ هو هل توصّل لهذه الحقائق بعد شكّ وإعادة فحص أم لا، أي هل تمثّل المنهج الّذي وضعه ديكارت والّذي يقرّر بموجبه “أن لا أقبل شيء مّا على أنّه حقّ، ما لم أعرف يقينًا أنّه كذلك: بمعنى أن أتجنّب التّهور، والسّبق إلى الحكم، وألّا أدخل في أحكامي إلاّ ما يتمثّل أمام عقلي في جلاء وتمييز، بحيث لا يكون لدي أي مجال لوضعه موضع شكّ”[12] ففي حالة تمثّل منهج من هذا النّوع سيظلّ الفحص والشّك حاضرًا في كلّ ما يمكن أن يكون غامضًا أو غير واضح. وإذا درسنا هذا المنهج يتّضح لنا أن ديكارت لا يضع حقائق ومعارف نهائيّة بقدر ما ينبهنا لمنهج نستطيع استنادًا إليه أن نصل لمعارف واضحة ومتميّزة. وأعتقد هنا تكمن أهميّة ديكارت بل وراهنيته، أي في منهجه الّذي يشدّد كثيرًا على أهميّة أن يكون العقل الإنساني هو الّذي يصنع المعرفة والحَكم عليها. ولا أعتقد أنّ هناك مشكل إذا اعتبر ديكارت الحقائق الّتي وصل إليها في تأمّلاته بعد الشّك بديهيّة وبالتّالي يقينيّة حتّى وإن كانت تتوافق مع الإيمان المسيحيّ، ما دام أنّه استخدم منهجًا محدّدًا يشدّد على أهميّة الوضوح والجلاء فيما يخصّ المعرفة.

تكمن قيمة الكوجيتو أيضا في أنّ ديكارت يثبت عن طريقه أنّ هذه الذّات الإنسانيّة والّتي اعتبرها شرط للمعرفة، هي ذات حرّة. وبالتّالي مسؤولة عمّا ينتج عن هذه الحريّة سواء كان خيرًا أو شرًّا حيث نجده يقرّر “أن أعلى مراتب الكمال عند الإنسان هو أنّه حرّ الاختيار، وهو الأمر الّذي يجعله خليقا بالمدح والذّم”[13] فالإنسان بالنّسبة إليه مستقل تمامًا بأفعاله، يصبح جدير بالثّناء إذا أحسن التّصرف في هذه الحريّة، كما سيصبح خليقًا بالذّم إذا أساء التّصرف في هذه الحريّة. وبالنّسبة إليه الخطأ الّذي يمكن أن يقع أو ينتج عن استعمال حريّتنا مبرّر بسبب أنّ الإنسان كائن متناه وبالتّالي فإنّ عقله لا يمكن أن يكون تامّ المعرفة، كما أنّ هذا الخطأ هو إنسانيًا ولا يصحّ أن ننسبه للإله. وتتّضح الحريّة الّتي يقرّرها ديكارت في فعل الشّك نفسه؛ بمعنى أنّ الإنسان يستطيع استنادًا لكونه حُرّ أن يشكّ، ويضع أحكامه المسبقة موضع تساؤل. وهذه الفكرة بالنّسبة لنا تكتسب أهميّة كبيرة في الفكر الدّيكارتيّ خصوصًا إذا قارناها مع ما قبله (العصور الوسطى) حيث التّسليم بالقدريّة أو الجبريّة.

الضّمان الإلهي للحقيقة:

اعتبر ديكارت الكوجيتو حقيقة أولى ثابتة، ويقينيّة. ولكنّه انشغل بما الّذي يمكن أن يضمن هذه الحقيقة، وعلى الرّغم من اعتقاده بصحّتها إلاّ أن ليس هناك شيئًا كما نفهم منه يجعله يثق بهذه المعرفة، لذلك لجأ لإثبات وجود الله، وهو يثبته وينصبه كمبدأ أعلى للحقيقة، كضامن للكوجيتو كما سنرى. والمميّز في هذا الدّليل (الّذي لم يكن أوّل من اخترعه) هو أنّ ديكارت لا يبنيه على مشاهدات خارجيّة تنطلق من العالم إلى الله (كما هو شائع في الفلسفة الأرسطيّة) بل من الذّات الإنسانيّة إلى الله. سنورد هنا طريقتين في الاستدلال على وجود هذا الإله الدّيكارتيّ:

الأولى: هناك دليل يتوصّل إليه ديكارت انطلاقًا من الشّك حيث يقول “فإنّني لما فكّرت في شكوكي، بسبب أنّ ذاتي لم تكن تامّة الكمال، لأنّني تبيّنت أنّ المعرفة كمال أكبر من الشّك رأيت أن أبحث أنّي تعلّمت أن أفكّر في شيء أكمل منّي، وعرفت يقينا أنّ ذلك يجب أن يكون ذا طبيعة هي في الواقع أكمل، هذه الطّبيعة هي الّتي ألقت إلي بهذه الفكرة. وهذه الطّبيعة هي الله”[14] وكما رأينا سابقًا أنّ الشّك دلالة على الوجود (كوني مقتنع بالشّك هذا يعني أنّني موجود)، هنا نجد ديكارت يعتبر الشّك نفسه (كنقص) دلالة على وجود الكامل. كما أنّه ينفي أن يكون التّفكير في الكمال من مصدر آخر غير الله نفسه الكامل. فالتّفكير فيما هو كامل لا يمكن أن يستمدّ من العدم ونتّفق معه في هذا باعتبار أنّ هناك صعوبة كبيرة أن نكون صورة ذهنيّة عن أمر ما من اللاّشيء. ولكن يمكن أن تستمدّ فكرة الكمال هذه من التّجربة، أي تجربة الذّات الإنسانيّة في العالم المحيط بها، فإحساسنا بالنّقص دائما يجعلنا نتصوّر ما هو أكمل (وقد يكون غير موجود)، وهو ما يحرّكنا في سبيل القضاء على النّقص نفسه والاقتراب من الكمال، فالشّيء هنا يعرف بضدّه، أي طالما يوجد نقص بالضّرورة هناك فكرة كمال أساسها هو هذا النّقص المرتبط بالتّجربة وليس الله. وديكارت يرفض هذا الأمر أي استمداد فكرة الكامل من داخل النّفس الإنسانيّة من غير أن يقدّم حجج تنفي إمكانيّة أن يخلق الإنسان مستقلًا عن الله فكرة مّا عن معرفة كاملة أو غيرها ممّا يطمح إليه الإنسان.

الثّانية: هذا الدّليل مشتقّ من الأوّل فحاول ديكارت فيه إثبات أنّ الإنسان لا يمكن أن يكون علّة نفسه وإنّما الله الكامل هو العلّة، ومع إقراره السّابق بأنّه موجود غير كامل فهو ليس الكائن الوحيد في هذا الوجود. يقول “جلى أنّ من عرف شيئا أكمل من ذاته لم يهب الوجود لذاته؛ إذ إنّه لو كان يستطيع ذلك لكان يهب من ذاته كلّ كمال وصل إلى علمه. ويترتّب على ذلك أنّه لا يستطيع البقاء إلاّ معتمدًا على الموجود الكامل وهو الله”[15]

ويتوصّل ديكارت أخيرًا بعد إثباته لوجود الله إلى “أنّ هذه الأشياء الّتي نتصوّرها واضحة ومتميزة هي جميعًا حقيقيّة، هذا الّذي جعلته أوّلًا قاعدة ليس ثابتًا إلاّ لأنّ الله كائن، وأنّه ذات كاملة، وأنّ كلّ ما فينا يصدر عنه”[16] وهنا يصبح الكوجيتو لا معنى له في غياب الله، أي إذا أردت أن تثبت أنّك كائن موجود ومفكّر لا بدّ بحسب ديكارت أن تثبت أنّ الله موجود. فالله كامل ومصدر للفكر، بالتّالي يمكننا الاطمئنان والثّقة بالعقل الإنسانيّ لأنّ الله لا يمكن أن يخدعنا. وإذا كان الكوجيتو يحتاج الله لكي يكون يقينيًا وصادقًا كلّيًا لماذا أثبته ديكارت أوّلًا ومن ثمّ الله؟ في الحقيقة لا يمكن تفسير هذا الأمر إلاّ بالقول أنّ هناك نزعة دينيّة ظلّت قائمة ومسيطرة نوعا مّا على تفكير ديكارت. ونعتقد أنّ الفكر لا يحتاج لضمانة إلهيّة حتّى يتمّ وصفة بأنّه يقيني، فالإنسان وانطلاقًا من أنّه حرّ يستطيع أن يكتسب معرفة ويؤسّس ليقين ذاتي سواء كان في الأمور الحياتيّة العامّة أو في العلم والفلسفة، وقد يكون يقين مرحلي بمعنى قد يتغيّر بتغير الظّروف الّتي تتمثّل في عجز النّظريات أو الرّؤى القديمة عن تفسير حالات ومشكلات معيّنة موضوعه أمامنا، وكلّ ذلك من الممكن أن يكون باعتماد الإنسان على نفسه وليس على جوهر مفارق.

وعلى الرّغم من ذلك نجد مع ديكارت مساحة كبيرة للعقل الإنسانيّ (الّذي يعتبره أفضل الأشياء قسمة بين النّاس بشكل متساو)، مركزها هو الحريّة في أن نشكّ ونعيد فحص أحكامنا المسبقة هذا ما هو أساسي بالنّسبة لنا، وهو ما اكتسب أهميّة كبرى سواء كان في عصر ديكارت نفسه حتّى أصبح يسمّى عند البعض عصر الفلسفة الدّيكارتيّة أو في العصور اللاّحقة له.

خاتمة:

ناقشنا فيما سبق بدايات تشكّل التّفكير في الذّات مع ديكارت انطلاقًا من الشّك الّذي اعتمده كوسيلة للحقيقة ومن ثمّ استبعد كلّ الحجج الموروثة أو تلك الّتي يقبلها النّاس من غير فحص ونقد، وتوصّلنا إلى أنّ ما يكتسب أهميّة في طريقة التّفكير هذه ليس التّجرد الكامل من الأحكام المسبقة بقدر إخضاعها للتّفكير والمساءلة ومن ثمّ نقد الثّقافة الّتي تقوم على التّسليم وإعادة بنائها على أسس راسخة يعتمدها العقل الإنساني. أيضا رأينا كيف انتقل ديكارت من حالة الشّك إلى اليقين عن طريق إثبات وجوده أوّلًا والّذي توصّل إليه عبر فعل الشّك نفسه؛ ومن ثمّ إثبات أنّه كائن مفكّر. وبذلك رسّخ لمفهوم الذّات الإنسانيّة الّتي تستطيع أن تفكّر في العالم وتخضع الطّبيعة لسيطرتها، وبالتّالي خلص البشريّة من القيود الاجتماعيّة والطّبيعيّة الّتي كانت تفرض عليها سابقًا وفتح المجال لاستخدام العقل الإنسانيّ للحكم بالصوّاب أو الخطأ على المعارف المختلفة. كما إنّني ذكرت بأنّ قيمة الكوجيتو تكمن في ترسيخه للذّات الإنسانيّة الحرّة وبالتّالي المسؤولة.

وضّحنا أيضًا أنّ ديكارت احتاج لإثبات وجود الله كضامن أعلى للحقيقة وذلك لأنّ كلّ ما فينا يصدر بحسب ديكارت عن الله وبما أنّه كامل فلا يمكن أن يخدعنا. وأشرنا إلى هناك مؤثّرات دينيّة تتمثّل في هذه الفكرة بالذّات لم يستطع أن يتخلّص منها ديكارت، كما قلنا بأنّ الإنسان الحرّ الّذي يستطيع التّمييز بين الصّواب والخطأ في عالمه الّذي يعيش فيه على الأقلّ بإمكانه ضمان صدق معارفه.

******

[1] رينه ديكارت، تأمّلات ميتافيزيقيّة في الفلسفة الأولى، ترجمة: كمال الحاج (بيروت، منشورات عويدات، 1988)، الطّبعة الرّابعة، ص25.

[2] رينه ديكارت، مقال عن المنهج، ترجمة: محمود محمد الخضيري (القاهرة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 1985)، الطّبعة الثّالثة، ص213.

[3] رينه ديكارت، تأمّلات ميتافيزيقيّة في الفلسفة الأولى، مرجع سابق، ص27.

[4] المرجع نفسه، ص30.

[5] لوك فيري، أجمل قصّة في تاريخ الفلسفة، ترجمة: محمود بن جماعة (بيروت، دار التّنوير للطّباعة والنّشر، 2015) الطّبعة الأولى، ص40.

[6] رينه ديكارت، البحث عن الحقيقة بالنّور الطّبيعي، ترجمة: سفيان سعد الله (صفاقس، دار محمد على للنّشر، 2006)، الطّبعة الأولى، ص145.

[7] رينه ديكارت، تأمّلات ميتافيزيقيّة في الفلسفة الأولى، مرجع سابق، ص39.

[8] المرجع نفسه، ص 39—40.

[9] رينيه ديكارت، مبادئ الفلسفة نصائح منهجيّة للفكر، ترجمة: عثمّان أمين (عمان، الأهليّة للنشر والتّوزيع، 2019)، الطّبعة الأولى، ص 68.

[10] إدموند هوسرل، أفكار ممهدة لعلم الظّاهريات الخالص وللفلسفة الظاهرياتيّة، ترجمة: أبو يعرب المرزوقي (بيروت، جداول للنشر والتّوزيع، 2011)، الطّبعة الأولى، ص82.

[11] ديكارت، تأمّلات ميتافيزيقيّة في الفلسفة الأولى، مرجع سابق، ص47.

[12] ديكارت، مقال عن المنهج، مرجع سابق، ص190—191.

[13] ديكارت، مبادئ الفلسفة، مرجع سابق، ص91.

[14] ديكارت، مقال عن المنهج، مرجع سابق، ص219—220.

[15] ديكارت، مبادئ الفلسفة، مرجع سابق، ص78.

[16] ديكارت مقال عن المنهج، مرجع سابق، ص230.

******

المراجع والمصادر:

ديكارت رينه، تأملات ميتافيزيقيّة في الفلسفة الأولى، ترجمة: كمال الحاج، بيروت، منشورات عويدات، 1988، الطّبعة الرّابعة.

ديكارت رينه، مقال عن المنهج، ترجمة: محمود محمد الخضيري، القاهرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1985، الطّبعة الثّالثة.

ديكارت رينه، البحث عن الحقيقة بالنّور الطّبيعي، ترجمة: سفيان سعد الله، صفاقس، دار محمد على للنّشر، 2006، الطّبعة الأولى.

ديكارت رينه، مبادئ الفلسفة نصائح منهجيّة للفكر، ترجمة: عثمّان أمين، عمان، الأهليّة للنشر والتّوزيع، 2019، الّطبعة الأولى.

فيري لوك، أجمل قصّة في تاريخ الفلسفة، ترجمة: محمود بن جماعة بيروت، دار التّنوير للطّباعة والنّشر، 2015 الطّبعة الأولى.

هوسرل إدموند، أفكار ممهّدة لعلم الظّاهريات الخالص وللفلسفة الظّاهرياتيّة، ترجمة: أبو يعرب المرزوقي، بيروت، جداول للنّشر والتّوزيع، 2011، الطّبعة الأولى.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This