ديمة الشكر.. الحجلة حين تسير على الرنين المطوق / بشير البكر

كتاب ديمة الشكر “الرنين المطوق” يختلف عن كثير من الكتب التي يكتبها بحاثة زماننا السريع. كتاب نحس حين نتصفحه أنه يليق بزمن آخر، لأن الكاتبة طرقت موضوعاً بعيداً من البحوث الدارجة والمعتادة اليوم، واقتحمت باب عروض الشعر العربي الموصد منذ زمن طويل كي تفكك الكثير من الشيفرات المعقدة، وتطرح حلولاً لألغاز مضت عليها قرون. بل إنها قامت بمغامرة ناجحة للذهاب في الاتجاه المعاكس، من الحداثة الشعرية بعيداً نحو أول الشعر العربي، من أجل ربط حاضر القصيدة العربية بماضيها، وجبر ما انكسر من أوزان بسبب المعارك الطويلة التي عرفها هذا الميدان قديماً وحديثاً.

هناك سؤال يستوقف القارئ حين يقع على العنوان، حول مفهوم ومعنى الرنين المطوق. وبالنسبة إليّ، لا أدري لماذا أوحى لي العنوان بكتاب ابن حزم الاندلسي، صاحب كتاب “طوق الحمامة”. لكنه لم يكن أكثر من خيال، مع أن الكاتبة تذهب إلى الأندلس في معرض بحثها عن تدوين العروض، ووصلت بذلك إلى نتائج فريدة حول علم العروض في الماضي والحاضر. وكتبت الشكر كتابها بلغة توحي وكأنها نسجته على أحد بحور الشعر العربي، كما لو أنها تجرب كتابة قصيدة واحدة تستعمل فيها خلطة من كل البحور، حيث يبدو موزوناً من أوله إلى آخره، من دون أي كسر في اللغة المشغولة برهافة عالية. واشتغلت على الشكل والتشكيل حتى جاء المطبوع منمنماً أليفاً لعين القارئ من الناحيتين الجمالية والدلالية. وقبل أن نجد جواباً للسؤال الأول، يقفز سؤال آخر: لماذا ذهبت الكاتبة الحداثية إلى العروض، وقد كتب الكثيرون قبلها في هذا المجال، وفوق ذلك هي غير متخصصة في الأدب؟ وعن هذا السؤال تجيب في حوار مع موقع “جدلية”: “تبلورت فكرة الكتاب خلال سنين من قراءتي لعلم العَروض، الذي لم يقدني إليه إلا شغفي بالشعر الحديث حصراً، بشقّيه الموزون (التفعيلة) وغير الموزون (قصيدة النثر). الشعر الحديث هذا هو أصل القصة كلها، إذ بدأت بقراءته منذ الصغر وكان حديقتي السرية، خلافاً للقصيد أي الشطرين المقفى الذي كان حصة ما هو رسمي وقتها، أقصد المدرسة”. أعجبها الشعر الحديث، فبدأت تقرأ عن شعرائه وعنه، فاكتشفت “خلافاً” لم يعجبها، إن جاز التعبير، بين شعراء الحداثة، حول أمر محدد هو الوزن، هكذا أرادت التعرف من كثب إلى ما اختلف حوله الشعراء الذين أحبهتم، وتوضح أكثر المفارقة التي قادتها إلى العروض: “لم أكن لأكتب عن العروض لو لم أولد الآن، فلو كنت قد ولدت في القرن التاسع عشر مثلاً لما خطر الأمر في بالي مطلقاً، من هنا أنا مدينة لشعراء الحداثة، هم من قادوني إلى علم العروض”.

هذا الكتاب، على أهميته الكبيرة، مظلوم لأسباب عديدة. أولها، أنه لم ينل حظه من الإعلام والاهتمام، وكان حرياً أن يحظى باستقبال خاص من الأوساط الأكاديمية، وغير الأكاديمية، لما وصلت إليه الباحثة من نتائج ذات قيمة استثنائية فعلاً، من خلال الربط بين حاضر وماضي الشعر العربي، في رد واعٍ وذكي على مَن أرادوا تكريس مفاهيم القطيعة بين الشعر العربي الحديث والقديم. والسبب الثاني، أن المهتمين بهذا النمط من الكتب، فئة ضيقة جداً، تنحصر في المتخصصين، ويمكن الجزم بأن عدداً محدوداً من أهل الصنعة كلف نفسه عناء الاطلاع عليه، رغم أنه كتاب نافع وضروري لهؤلاء الذين يعيش أغلبهم بين رفوف مجلدات يغطيها الغبار، ولم تحرضهم الجماليات الجديدة للحداثة لمواكبة الأشكال الجديدة وما طرحته من إيقاعات مختلفة. والسبب الثالث، يعود إلى تراجع الاهتمام بالشعر. وللأسف، فإن هذا الموقف انسحب على وسائل الإعلام ودور النشر ومراكز البحث والتدريس. ورغم أن العرب يباهون بكونهم أمة شعر، فإنهم باتوا غير مكترثين لما آل إليه حال الشعر والشعراء. وعلى ما يبدو، لم تراهن الكاتبة على رواج الكتاب كثيراً، واللافت هنا أنها لم تقطع في تصنيفه من حيث التقسيمات المتعارف عليها، لكنها انحازت إلى نسبه إلى “من يحبون الشعر ويقدرونه مثلي، ولا يجدون أن عليهم الاختيار بين التراث والحداثة أو بين الوزن وغيابه أو بين الأشكال الشعرية”.

ويبدو حب الكاتبة للشعر، المحرك الأساس لكتابة هذا الكتاب. ويسجل لديمة الشكر، التي لم تتخصص في الأدب، أنها أمضت وقتاً طويلاً تنقب في كتب العروض التي تتميز بأنها تعليمية، كي تضع كتاباً ذا قيمة علمية وعلى قدر كبير من المتعة. وغير حبها للشعر، ساهمت دراستها للموسيقى في فك لغز العروض: “فطنتُ فوراً إلى أنه لا يمكن مطلقاً تعلم العزف من طريق قراءة كتب الصولفيج، ولو أمضيت عمراً وأنت تقرأ، يجب أن تقرأ النوتة وأنت تسمع النغمة في آن واحد، العمليتان متلازمتان. والعروض كذلك، إذن هنا فهمت كيف دوّن الخليل علم العروض بالاستناد إلى أمرين يسمحان بالقراءة المنغمة من جهة، وبتدوين الإيقاعات بطريقة تجريدية من أجل حفظها من الضياع من جهة أخرى، وبكلام أبسط، النغمات: فعولن مفاعلين الخ تشبه إن جاز التعبير.. دو ري مي”.

وفي حوار دار بيني وبين الكاتبة، حول سر اهتمامها بالعروض، قالت: “إن أحدًا تقريبًا لا يحب علم العروض، وحين شغفت به منذ سنوات- وعادة ما أتكلم عما يشغفني- كان التعليق الأكثر تواتراً: يعني فعولن؟.. بنبرة لا تخلو من التعجب والسخرية المبطنة في آن واحد. لكني لم أهتم البتة لسبب بسيط: أنا أحب العروض. وفضائل العروض علي كثيرة، منها مثلًا تقديري للشعر الحديث، موزونًا وغير موزون، وانتباهي إلى قوة الشكل في ترتيب النغمات والمعاني، والأهم تدريبي على قراءة الكتب التراثية الأكثر تعقيدًا. كأن خزانة سحرية انفتحت من نغمات الشعر ومن قصص الشعراء واللغويين، فلعلم العروض، مثل غيره من العلوم، قصص وحكايا، ربما من أجملها حكاية عباس بن فرناس العالم والشاعر والموسيقي والمخترع، الذي كثيرًا ما يُشبّه بليوناردو دا فينشي، بصورة محقة. قصته مع العروض تدل على ذكاء استثنائي… إذ وصل جزء من كتاب الخليل بن أحمد، أو نسخة منه، إلى قصر الأمير عبد الرحمن في قرطبة، وهو الجزء الذي يحتوي شواهد الخليل، أي الأبيات الشعرية الممثلة لكل بحور الشعر بأنواعها كافة. واسم هذا الجزء: المثال. قيل إن جواري القصر كن يتلاهين بالكتاب في القصر. المهم أن الكتاب وصل ابن فرناس، فقرأ الشواهد الشعرية وعرف من نغماتها المتنوعة أنها تبطن علمًا، خصوصاً أن ابن فرناس كان عازفًا ومؤلفًا موسيقيًا، فأرسل إلى المشرق يطلب الجزء الأول واسمه: الفرش، قرأه وفهم العروض وصار يدرّسه في قرطبة، فانتشر العروض في الأندلس كلها. إلا أن أمور العلم لا تستوي مع فقهاء الدين، الذين اتهموا العالم بن فرناس بالشعوذة، نظرًا لقوله مفاعيل مفاعيل. لحسن الحظ أن القاضي لم يكن جاهلًا بالعروض، هذا صحيح، لكن الأفضل أن ينظر المرء إلى الأمر من وجهة نظر ثانية، تقول إن ابن فرناس أنقذ نفسه حين نشر علم العروض، فوصل إلى القاضي الذي دفع عنه تهمة الشعوذة. العبرة كلها هنا، انتشار العلم وحده، الكفيل بالتخلص من كل موبقات الشر والتخلف. أفكر كثيرًا في هذه القصة، وأستدعيها باستمرار بيني وبين نفسي، حين يستنكر أحد ما حبي لعلم العروض”…

ويبدو أن العمل على هذا الكتاب أخذ ديمة الشكر إلى التبحر في إشكاليات الشعر العربي، وتشهد على ذلك مقالتها عن طه حسين “في عشق العميد”، التي كرستها للحديث عن كتاب الشعر الجاهلي، لتمر على استعراض الكتب التي صدرت في هذا المضمار، ولعل أقواها وأمتعها كتاب ناصر الدين الأسد “مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية”. وتفسر الشكر سر اعتبار العميد، شعر امرؤ القيس، منحولاً، من خلال دراستها للعروض: “لكن العودة إلى علم العروض المرذول، تنصف امرئ القيس وغيره من الجاهليين، ذلك أن التقفية والتصريع (بتبسيط شديد: استعمال اللام في الشطور الأربعة مثلًا)، من أسس بناء القصيد، أي الشطرين المقفى. لقد كان القصيد وقتها، يتشكّل وفقًا لقواعد دقيقة، لم يستطع الشعراء الالتزام بها كلّها ودفعة واحدة، من هنا شاع الإقواء كعيبٍ عروضي في الشعر الجاهلي (لا تخلو منه معلقة امرئ القيس)”. وتخلص إلى أن العميد اختار، الشعر الجاهلي، “غطاءً” من أجل تمرير أفكار نقدية قوية تجاه التقديس، وثار عليه كثرٌ: “طائفة لأنها تهوى الشعر الجاهلي، فكتبت فيه، وأخرى لا تميل لإخضاع المقدس للبحث العلمي، فحاكمته”.

وفي الوقوف عند لغة هذه الكاتبة، تبدو الحرفية عالية. أولاً، هناك معرفة متعددة الحواس للغة. ثانياً، هناك بحث دقيق في المفردات. وثالثاً، تأتي القدرة على التوليف عالية جداً. ويبرز هنا الحب الخاص للعربية التي لم تتعلمها في الجامعات، فهي خريجة علوم اقتصادية، لكنها اشتغلت بالأدب والصحافة، وعلى معرفة معمقة باللغتين الفرنسية والانكليزية، لكن المجال الذي شدها أكثر من غيره هو النقد. ورغم أنها مقلّة جداً، فإنها صاحبة بصمة مختلفة في هذا المجال، ولديها قراءات ذات قيمة خاصة لبعض الشعراء مثل محمود درويش، سركون بولص، سعدي يوسف، وأنسي الحاج، وآخرين.

ديمة الشكر، الناقدة الأدبية، ذات اللغة الخاصة الخالية من الشوائب، الموزونة بإتقان، ذات الاختصاص. حين تكتب، فإنما تقوم بذلك بشغف وحب وفرح. تمتلك لغة حية، تلتقي فيها الموهبة والصنعة في سلسلة الافتتاحيات التي كتبتها للملحق الثقافي في صحيفة “العربي الجديد” الذي أشرفت على إصداره لسنوات، وفي افتتاحيات متنوعة، بعضها يتناول شخصيات ثقافية، روائية (حنان الشيخ)، أو قصصية (زكريا تامر)، تشكيلية (كمال بلاطة)..إلخ. وكانت تختار تلك الشخصيات وفق ما يمكن أن نسميه الحدس النقدي، بوصفه خياراً يتقاطع فيه الذاتي بالموضوعي.

عن المدن

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This