الأدب والمعرفة.. كيف يولد الفكر داخل الرواية؟ / محمود عبد الغني

ا-1-

إن اختراع الأدب من طرف الإنسان هو أمر عظيم، لكن جعل الأدب يتجاوز المعرفة بالأداة والمنهج واللغة والتخييل هو عنوان نصر لا نظير له. ظلت المعرفة، هذه المسكينة، تخطب ودّ الملاحم والقصائد والتراجيديات طيلة قرون، إلى أن جاء عصرنا وفرّق بينهما.
لا نعرف بالضبط عدد النصوص التي كانت أدبًا وفكرًا في آن. لكن، حسب الدارسة الفرنسية جاكلين روميلي، يمكن أن تناهز مليون نص منذ الإغريق إلى اليوم. لم تكن هذه الحضارة تميّز بين “أدب” (أشعار، تراجيديات) وبين التفكير. إذا عدنا في الزمن إلى الوراء، وحللنا عند أي إغريقي وسألناه: حدثنا في طور أول عن أدبكم، ثم، في طور ثان، حدثنا عن فكركم، فإنه سيستغرب، لأنه ينتمي لحضارة كانت تضع الأدب إلى جانب الفكر.
-2-

لا أعرف هل مسموح تعويض لفظة “معرفة” بـ”فكر”. لأنني إذا استعملت لفظة “فكر” سيكون سهلًا الحديث عن التفكير، لكن إذا اكتفيتُ بلفظة “معرفة” فعليّ من الآن إنهاء مقالتي بالحديث عن: أعرف، القارئ عليه أن يعرف، المجتمع عليه أن يعرف… في حين أن لفظة فكر/ تفكير تحتوي على جاذبية خاصة.
نحن في حاجة قصوى إلى معرفة ما تتضمنه نصوص أدبنا من معرفة. لكن، لنعترف بذلك، هذه المعرفة حين تتحول إلى أدب تصبح “صعبة” الفهم والتأويل. ولا شيء يساعد على فهمها وتأويلها غير نقاد الأدب.
سأتناول في حديثي جنسًا أدبيًا واحدًا هو الرواية، التي تقع نظرية الأدب في حرج أثناء تعريفها. ومصدر هذا الحرج أن الرواية تضمّ كل شيء، دون حاجة إلى تصنيفها إلى أنواع تفيض عنها: رواية اجتماعية، رواية نفسية، رواية تاريخية، رواية بوليسية، رواية الأسرة، رواية البحر، رواية الحرب، رواية الشمال، رواية الجنوب.. لقد سخر غي دي موباسان، في روايته “بيير وجان”، من هذه التصنيفات. الصينيون كتبوا روايات عن الأطعمة، واليابانيون أيضًا، فهل نسميها “رواية الطعام” أو “رواية تذوق الطعام”؟
لكننا نلاحظ أن هذا الحرج في التعريف لا يلازم أبدًا مؤلّفي الملخصات الأدبية، الذين ينظرون إلى الرواية على أنها “ليست أكثر من سرد نثري خرافي طويل بعض الشيء”.
وإذا التفتنا إلى الرواية الأفريقية، وهي حقًّا تستحق منا التفاتة خاصة (منذ مشروع ذاكرة الشعوب)، فإننا سنضيف تصنيفات وأنواعًا أخرى بالاستناد إلى المعرفة الاجتماعية والأسطورية التي تدعمها. لكننا سنكون عرضة للسخرية. لنفعل مثل الإغريق ونتحدث عن الرواية، عن الأدب، دون حاجة إلى اقترانه بلفظة أو مصطلح آخر.
إن الحديث عن الأدب والفكر (المعرفة كما جاء في عنوان المقالة) هو حديث بالدرجة الأولى عن الدلالة، في حين علينا أيضًا أن نقبل بتيار “انعدام الدلالة”. وهو تيار لا يبحث عن المعرفة بالأدب، بل عن “دودة الأدب” (ماهية الأدب).
هل كل أدب يحتوي على فكر هو أدب جيد: إيكو، فارغاس يوسا، عبد الله العروي، منيف، جبرا، غيرفين يالوم… لكن ما معنى عبارة: أدب جيّد؟ إن جودة الأدب كامنة في كونيته وعالميته، وعبوره للتاريخ والثقافات، ووجوده في كل مكان، وذلك، بكل تأكيد، يجعلنا نقبل به في الهيئة التي وُجد بها.
لكن رغم اختلاف حدود الأدب، فلنؤكّد على الأمر التالي، وهو أن في مصلحة الأدب التغاضي عن مظهره، فيحْسُن إهمال المستوى الظاهر للإنجاز الأدبي، أي مستوى التمظهر (هنا هي المعرفة الملحقة بالأدب في عنوان المقالة: الأدب والمعرفة)، وذلك لتنزيل فكرة الأدب ضمن مستوى أكثر شمولية وأكثر تجريدًا. إذًا، من أجل فهم جيّد للأدب، لا بد من وضع الأدب في تصور شمولي.
-3-
“فكر الرواية العربية”، أو بمَ تفكر الرواية العربية؟ سياسة الرواية، أو كيف تدخل الرواية ساحة المعركة، تلك كانت محاور محاضراتي أثناء زيارتي للتدريس في جامعة بكين. لأن الصينيين يربطون هم أيضًا بين الأدب والمعرفة، بين الشاعر وروح كونفوشيوس الموجودة في كل مكان. قد يكون هذا السؤال فرعًا، أو شُعبة، من سؤال طرحه الفيلسوف الفرنسي بيار ماشيري: “بمَ يفكر الأدب؟ تطبيقات في الفلسفة الأدبية” (1)، وحمل عنوان كتاب صدر سنة 1990.
نعم، الرواية تفكّر، والشعر يفكّر، والفيلسوف الألماني مارتن هايدغر شاهد على ما أقول: “يجب أن لا نمارس الفلسفة إلا بشكل قصائد”. وفيتغنشتاين أيضًا أشار إلى “الشبه المدهش بين البحث الفلسفي والبحث في علم الجمال” (2).
أما موقف ب. ماشيري، رغم أنه على مسافة من الآراء السابقة، فيمكن تلخيصه في كون الفلسفة تجد حقيقتها النهائية في الأدب. الفلسفة ليست سوى أدب، وحسب هايدغر الفلسفة ليست سوى شعر. لكن اليوم، لا بد من الاعتراف بذلك، أصبحت مثل هذه الأفكار وضعًا تقليديّا، لكن مع ذلك لا ينبغي تجاوزه، فلربّما يتمّ التنديد بالرواية، وبالأدب عمومًا، بكونها تسيء إلى التفكير، وإلى تقاليد التفكير. أو تسيء إلى السياسة، وإلى تقاليد المعارك والمواجهات السياسية. إن هذا الشك نابع أصلًا من سؤال قد يكون هو السؤال نفسه الذي طرحه الفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير: كيف يعمل الأدب خارج نفسه؟ كيف يتحوّل إلى خطاب مختلف؟ (3)
بدأ الروائي العربي اليوم يتخلّى عن شهادة الأشياء الصامتة: الثياب، الأثاث، الجدران، الطرق… كما كان الأمر في بداية القرن التاسع عشر مع بلزاك مثلا. وعاد إلى الأشياء الناطقة، إلى الإنسان الذي يبوح بكل شيء بواسطة لسانه وعقله وذاكرته. عاد الروائي إلى الكلام السياسي المقصود والمتعمّد. بدأ شيئًا فشيئًا يضيع إرث فلوبير: الأسلوب هو كل شيء والموضوع غير مهمّ. كم هو ثقيل هذا الإرث: الأسلوب هو الطريقة المطلقة في رؤية الأشياء.
إن تمييز فلوبير بين الأسلوب (الشكل) والمضمون يُجاري مقولة “أسلوب القول” التي وضعها الأسلوبيون. و”أسلوب القول” مفهوم ينطلق من مجموع خصائص القول الشكلية (4). إنه تمييز قديم منذ أفلاطون الذي ميّز الأمور التي تُقال من طريقة قولها (5).
-4-

ما معنى الفكر؟
قد يبدو هذا السؤال غير جيّد في السياق الروائي. لكن بعد بضع فقرات سيتضح أنه مناسب جدًّا للقضية التي سندرسها. إن الفكر يمرّ بين قطبين أو حدّين متقابلين: الهوياتي- العام، المختلط- اللاهوياتي، (الفردي، الاستثنائي) – (6). الفكر إذًا، يشقّ طريقًا نحو “الآخر”. الفكر منذ ولادته يريد أن يبلّغ نفسه، ونفس الشيء بالنسبة للتأمل الهوياتي واللاهوياتي. التفكير محاطٌ دومًا بالمعيقات والمخاطر وهو يخوض مغامرة العبور إلى غيره، إلى نقيضه. كل فعل يمكن أن يضيع في السماء أثناء عبوره إلى نقيضه: الفكر، الترجمة، تحويل قصيدة إلى نثر… لكن يمكن لهذا الضياع أن يتقلّص إذا أعدنا رسم (توضيح) طريق العبور نحو التخوم الأخرى. بهذا المعنى أوظّف مصطلح “فكر” في سياق الرواية العربية.
كيف يولد الفكر داخل الرواية؟ أو بصيغة أخرى كيف تولد الرواية المفكّرة؟ سأجيب عن شطر من السؤال (التفكير) بالاستعانة بالفيلسوف الفرنسي هنري لوفيفر (1901-1991): “يولد التفكير في اللقاء بين الأشكال والمضامين. بين أمور أخرى: لأن هناك أشياء بينهما، ثقوب، امتلاءات أخرى، بين انفصالات أخرى، والتقاءات أخرى”. (7)

“بدأ الروائي العربي اليوم يتخلّى عن شهادة الأشياء الصامتة: الثياب، الأثاث، الجدران، الطرق… كما كان الأمر في بداية القرن التاسع عشر مع بلزاك مثلا. وعاد إلى الأشياء الناطقة، إلى الإنسان الذي يبوح بكل شيء بواسطة لسانه وعقله وذاكرته”

ليس في مقدورنا التغاضي عن العلاقات التي وضعت الرواية نفسها في خدمة نسجها وتطويرها، فمنذ بداياتها والرواية تستوعب العلاقات بين الأفراد والقيم والأفكار المُثلى التي تقود وتنظم حياتهم. فعوض مراقبة وتقييم الأفعال الإنسانية الواقعية، انطلقت الأعمال الروائية الأولى من مجموعة من المُثُل وقامت بعد ذلك بتخيّل أنماط سلوك إنسانية تتصرف تجاهها باحترام كامل (باعتبارها صنفًا من المثُل)، أو تناقضها وتنتقدها بشكل كامل (باعتبارها صنفًا مضادًّا للمُثُل) – (8).
هل هذا اللقاء بين الأشكال والمضامين المختلفة يتمّ في وقت واحد، أثناء وقوع حدث، أو بزوغ فكرة أو نموذج التخييل السردي، أم أن الأمر يحدث وفق منطق دياكروني؟ وهذه الدياكرونية قد تمتد عقودًا أو قرونًا. هنا أعيد طرح سؤال طرحته الروائية الفرنسية شلوي بريندلي بمناسبة مرور خمسين سنة على أحداث مايو (أيار) 1968 بفرنسا: “لكن أين ذهب فكر مايو؟” في نبرة من الحيرة. أين “الأدب الكبير”، بعيدًا عن الرواية البوليسية والتاريخ الرسمي؟ لتجيب: إن مايو 68 ينفلت من الأجناس القوية، مثل الرواية، كما لو أن الأدب يتحدث عن شيء آخر، كما لو أنه خارج الحدث (9).
هذا ما لاحظه أيضًا إيمانويل بونصي، فالرواية الفرنسية المعاصرة انشغلت بالثورة الفرنسية (1789)، وبالحربين العالميتين. قصص كثيرة عن أحداث تاريخية سابقة ملأت الروايات الفرنسية، شكّلت إبدالًا جارحًا لا يمكن تجاوزه من أجل ذاكرة عائلية ووطنية في الآن نفسه. إضافة إلى أنه كشف جديد للهوية وتساؤل حول السياسة والالتزام. أما عن قضية تغيير المجتمع أو قول ما هي نهايتها ومصيرها، فإن “أحداث” 1968 لم تخلق أي متخيّل في السنوات الأخيرة (10).

-5-

الروائيون على وعي بأن الحقيقة التي تمتلئ بها رواياتهم لم تخطر قطّ على بالهم من قبل، ولم يبحثوا عنها كما يبحث الفلاسفة والعلماء باتباع طرق معيّنة. تصل الحقيقة إلى الرواية عبر قاعدتين أساسيتين: الأولى باعتبارها معادلًا لواقع بعيد، والثانية تحضر كبديل لضدّها. إن الحقيقة، لأنها كذلك، تسلك دروبًا غريبة (11).
لنتأمل مثلا هذا المقطع من رواية “بكارة” (12) للروائي التونسي الحبيب السالمي:د
“… سيقول له إنّ كلّ الرجال أو معظمهم اعترضتهم هذه المشكلة لجأوا إلى أصابعهم. الصغيرة منها أو الكبيرة على حدّ السواء… وهناك من يردّد أنّ بعضهم استعان بأشياء أخرى. أشياء لا تخطر ببال، إلا من أصابه الهلع، فلم يعد قادرًا على التفكير والتمييز بين الأمور. عود ثقاب. مبرد. قلم. وحتى مسمار” (13).
ما ذكره السارد هنا يتحدّى العديد من الحقائق، يتحدّى حتى الفكر بسبب هذه الغرائبية التي تنقل حكاية نفس مذعورة. فهل الحقيقة إذًا ووجهت بالتشوه حين قطعت مسالك ملتوية، ودروبًا غريبة؟ إن الجواب على هذا السؤال يفترض البحث عن مكان تلك الدروب. أين توجد إذًا؟ وكم من حقيقة اجتازتها؟ وفي أي زمن؟
إن من يقرأ المقطع أعلاه يحيله على حقيقة لاواعية. إن الإصبع، وعود الثقاب، والمبرد، والقلم، والمسمار… أدوات غير متوقعة، بل تصبح مخيفة حين تُعرَف أنها أصبحت بديلة للعضو التناسلي للرجل لحلّ مشكلته ليلة دخوله على زوجته لإحداث ثقب في غشاء البكارة. وما يثير الانتباه أيضًا هو أن السارد قام بجردها مع مراعاة ترتيبها من الأقل إلى الأكثر ضررًا: من الإصبع إلى المسمار. إنها سبع أدوات إذا أضفنا إليها العضو. إنها تدخل في مجال العدد وتثير الخوف. والعدد ذو معنى هنا، ولينقص واحد أو يزيد.
حدث ذلك في زمن ما بعد الثورة. زمن الإخصاء، الزمن الذي كشف عيوبًا كثيرة. نقرأ في الصفحة 22: “لم تتوقّف (منّوبية”) عن شتم كل الرجال الذين يحسدون سي البشير، والدعاء عليهم. وما يؤلمها حقًّا هو أن هؤلاء الحسّاد تكاثروا بعد الثورة. وبعضهم صار يجاهر بحسده لسّي البشير بل ويتطاول عليه، في حين أنّه لم يكن يجرؤ حتى على النظر مباشرة إلى عينيه قبل الثورة.” (14).

هوامش:

1. – Pirre Machery, A quoi pense la littérature? Exercices de philosophie littéraire, éd. PUF. 1990.

– بيار ماشيري، بمَ يفكّر الأدب؟ تطبيقات في الفلسفة الأدبية، ترجمة: د. جوزيف شريم، المنظمة العربية للترجمة، 2009.

2. نفسه، ص.ص. 19-20.

3. Jacques Rancière, Politique de la littérature, éd. Galilée, 2007..

4. بيار لرتوما، مبادئ الأسلوبيات العامة، ترجمة: محمد الزكراوي، المنظمة العربية للترجمة، 2011، ص.16.

5. أفلاطون، الجمهورية، الكتاب الثالث.

6. Henri Lefèbvre, Qu’est-ce que penser ?, éd. Publisud, 1985, p.73.

7. – Ibid. 123.

8. Thomas Pavel, La pensée du roman, éd. Gallimard, p. 53

9. Chloé Brendlé, L’introuvable récit, Le nouveau magazine littéraire, Mars 2018, p. 46.

10. Ibid, 36

11. فكرة وردت عند فرويد في تحليله لشخصية سيرغي بانكيجيف، أحد مرضى فرويد الذي عرض تحليلًا مفصّلًا لحالته في كتاب “خمس محاضرات – في التحليل النفسي”، ويسميه رجل الذئاب.

12. الحبيب السالمي، بكارة، دار الآداب، بيروت، 2016.

13. نفسه، ص.18.

14. نفسه، ص. 22.

شارك هذا المقال

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This