في السّؤال عن الدّولة العربيّة المأزومة

تمرّ الدّول العربيّة في هذه الأيّام، بمستجداتٍ وأزمات  خانقةٍ على صعيد الاجتماع السّياسيّ، وهي بالأساس قد راكمت تركةً لا يُستهان بها على كافّة البُنى الإنتاجيّة والسّياسيّة والثّقافيّة الرّاكدة. وآخرُ هذه الأزمات  الانتفاضاتُ الّتي هزّت ميكانيزمات الدّول فضلاً عن الحروب والصّراعات العديدة. .. الخ.

قد يسأل سائلٌ لماذا السّؤال عن الدّولة كمفهوم، مع أنّ الدّولة موجودةٌ وحاضرةٌ من حيث المؤسّساتُ الحديثة، (برلمان، قضاء، أحزاب، انتخابات)، في معظم الدّول العربيّة.

يحضر السّؤال الاستشكالي إذن من خلال هذا الالتباس: أنّه بالرّغم من وجود الدّولة وحضورها وبسط سلطتها ونيل استقلالها، لماذا هذه الدّول غير مستقرّة ومستتبعة؟ هل الإشكاليّة في الدّولة العربيّة الحديثة الّتي تشكّلت أثناء الاستعمار وأنجزت ما بعد خروجه؟ أم الإشكاليّة هي في عقليّة النّخب الحاكمة في السّلطة والّتي لم تعمل على بناء مشروع يحقّق الانعتاق من التّبعيّة لقوى الاستحواذ من جهة، ومن جهة أخرى لم تعمل على بناء نموذج جديد يؤدّي إلى استقلال عن العقليّة الأبويّة لهذا الوعي الّذي يؤثّر على أنماط الفعل على كافّة مؤسّسات التّنشئة المجتمعيّة (المدرسة، مؤسّسات إنتاج المعنى. .. الخ)، وهما بطبيعة الحال يعملان على إعاقة بناء القوّة على كافّة البنى؟

ملاحظات في الاجتماع السّياسيّ العربيّ

في ملاحظة الاجتماع السّياسيّ العربيّ هناك عدّة نماذج حاضرة وفاعلة بقوّة سوف نقوم بتوصيفها إلى حدّ مّا بغية فهم العقليّة المستحكمة وبالتّالي من أجل تفسير هذه الظّاهرة، الدّولة هي أشياء كثيفة وعديدة، هي أفكار ومعارف وفنون وثقافة وإنتاج، الدّولة أكثر من دال، ولكن الدّال والمهماز أو العصب الأقوى فيها هو الهويّة العميقة لفئاتها وللفاعلين فيها. أمّا اليوم فإنّ دولنا المأزومة تبحث في كيفيّة الارتهان غربًا وشرقًا، فنرى البعض يقدّم أوراق اعتماده للغرب والبعض الآخر للشّرق، وأحدهم يرى أنّ الحلّ للفكاك من قوّةٍ مّا، هو في التّوجّه نحو أحضان قوّةٍ أخرى، ولكن لا أحد يملك أو يقدّم مشروع بناء قوّةٍ داخليّة:

أوّلًا: الأنموذج الملكي الأميري

هذا النّموذج قائمٌ بشكلٍ كبير على بُعد القرابة لناحية التّوريث السّياسيّ. والتّوريث هو نقل الشّيء المأثور من شخصٍ إلى آخر بقرارٍ فردي أو جماعي. وهو أساس الشّبكة الوراثيّة، الّتي تعكس نفسها من المجتمع على أساس مؤسّسات السّلطة أو الدّولة (خليل، أحمد خليل، التّوريث السّياسي في الأنظمة الجمهوريّة العربيّة المعاصرة، ص 13)، وهذا النّموذج موجودٌ لدى التّاريخ العربيّ وغير العربيّ منذ زمنٍ بعيد، لكنّه ما يزال حاضرًا وبقوّةٍ حتّى الآن مع وجود الدّولة الحديثة والعلاقة هنا تبدو مقلوبةً أي أن بنى الحداثة (المؤسّسات الحديثة من حزب إلى إعلام إلى برلمانات)، هي في خدمة بنى التّقليد (القرابة والعائلة بوجه خاصّ لناحية توريث الزّعامة- القوّة).

هذا النّموذج مع انقطاعه في العديد من الدّول العربيّة كمصر، حيث كان في سلالة محمد علي باشا(ملوك – خديوات) باني الدّولة المصريّة الحديثة، بقي ممتدًّا حتّى الملك فاروق، وفي اليمن (المملكة المتوكليّة اليمنيّة) الّتي انتهت في عهد عبدالله السّلال، وكذلك على سبيل المثال في العراق في ظلّ الاحتلال الانكليزيّ الّذي جاء بالملك فيصل. هذا الأنموذج وإن انقطع في العديد من البلدان واستبدل بنخبٍ أخرى (عسكريّة) ما زال موجودًا في دول كالأردن مع العائلة الهاشميّة ودول الخليج كالسّعوديّة مع عائلة آل سعود، والكويت الأميريّة مع عائلات السّالم والجابر، والبحرين مع عائلة آل خليفة، وقطر مع عائلة آل ثاني. ودولة المشيخات في الإمارات. والسّلطنة في عمان، وكذلك الحال في مملكة المغرب في شمال أفريقيا… الخ.

هذه الدّول لكلّ منها واقعُها الخاصّ، ومع أنّها تبدو مستقرّةً سياسيًا، إلّا أنّها دولٌ ريعيّة بمعنى أنّها تابعة إلى السّوق الرّأسمالي العالمي لسوق التّجارة والنّفط ولهذا فإنّها معرّضة إلى نكسات بسبب أنّها لم تعمل على إطلاق ديناميات تحديث في بنى الإنتاج، أمّا على صعيد الثّقافة فهي دولٌ تتبنى أيديولوجياتٍ ماضويّة على صعيد فهم النّص ممّا يؤمّن لها تماسكًا على صعيد الجماعة، ولكنّ السّؤال في حال وجود وضع طارئ كيف سوف تتعامل مؤسّسات الدّولة مع هذا الطّارئ خصوصًا أنّ هذه المؤسّسات مرتبطة بحقّ العائلة الحاكمة من هنا سياسيًا وإن كانت تتمتّع باستقرار نسبي بسبب وفرة المال إلاّ أنّه مستقبلًا لا أحد يمكنه التّنبؤ خصوصًا بأنّها اعتمدت بشكل أحادي على نموذج اقتصادي لا يمكن أن يوفر ديمومة لأنّه مرتبط بسبب ولهذا مع انتفاء السّبب ربّما تنتفي معه هذه الحالة.

كيف بالمنطقة إن كانت تشهد صراعًا تخلخلت معه ركائز الاجتماع، بسبب أدوات عدة منها العصبيات الحزبيّة والطّائفيّة والمذهبيّة والعائليّة والمناطقيّة، وهذه الصّراعات هي بين قوى الاستحواذ الخارجيّة من أجل خيرات المنطقة (الطّاقة / البترول والغاز)، وعلى طرق التّجارة والنّقل، كلّ هذا الصّراع أحدث عطبًا بسبب جهوزيّة الأرضيّة لوجود التّوترات والّتي لم تعمل هذه النّخب على بناء نماذج تحاكي الواقع المأزوم بفعلها.

ثانياً: الأنموذج الجمهوري

تحوّلت الدّول إلى النّظام الجمهوري بعد فترة الاستعمار، وقد اصطدمت بعائق النّهضة نتيجةَ واقع أنّ النّهضة لكي تنبلج، فلا بد من عدم وجود آخر مستعمر وقوي، على سبيل المثال أنجزت أوروبا مشروع بناء الدّولة وهي لم تكن مستعمرة أي لم يكن هناك من وجود لآخر، أمّا في الحالة العربيّة أنجزت الدّول الحديثة في فترة الاستعمار، أي تمّ إسقاط نموذج جاهز مطبق على البنى السّياسيّة العربيّة.

وقد أتت غالبيّة البرجوازيات الصّغيرة الحاكمة من طبقة التّجار (الكومبرادور) كالنّموذج اللّبنانيّ، والّتي أصبح فيها التّحالف فيها بين البرجوازيات التّجاريّة ورؤساء الطوائف وقد تكرّس التّوريث حتّى اليوم بوجود عائلات من الفترة الإقطاعيّة والّتي عملت على تبديل في أنماط إنتاجها، بغيّة التّكيف مع أنماط السّوق الحديث. كذلك أتت النّخب الحاكمة من المؤسّسة العسكريّة، ولهذا دورة النّخبة لم تؤدي إلى سيرورة طبيعيّة حسب مفهوم بوتومور (توم، بوتومور، النّخبة والمجتمع)، أخذ هذا النّموذج يتشابك ما بين الدّيمقراطيّة والتّوتاليتاريّة، أي ما بين المدني والعسكري، وهذا النّموذج موجود في عدّة دول في شمال أفريقيا كالجزائر ومصر، وفي سوريا حتّى الآن وفي دول أخرى كالعراق قبل الدّخول الأميركي، واليمن قبل إعلان الحرب عليها من قبل السّعوديّة والدّول الحلفاء.

منذ سنوات ومع دخول المنطقة بمرحلة الانتفاضات وما سمّي بالرّبيع العربي، فرض هذا المستجد قراءة تتمتّع بأدوات تنفذ إلى الواقع الّذي حدث فيه عطب طارئ في ميكانيزم حقل القوّة، وهذا الطّارئ أدخل المنطقة في مسارات لم تتحوّل بنيويًا على صعيد الدّولة لعدّة أسباب، أعيد معه الإسلام السّياسي بشكل قويّ فبعد مرحلة القوميّة واليسار أتت مرحلة صعود الفقه السّياسي والّتي أثيرت حولها الكثير من النّقاشات في القرن الماضي في عصر النّهضة من علي عبد الرّازق ومحمد عبده، إذ أخذ معه الإسلام السّياسي طابعًا ليبراليًا لناحية الدّيمقراطيّة والعلمنة بعد تفكك الإمبراطوريّة العثمانيّة، (راجع كتاب ألبرت، حوراني، الفكر العربي في عصر النّهضة، علي، عبد الرّازق، الإسلام وأصول الحكم). ثمّ راح بعد مرحلة أخرى يأخذ أشكالاً أخرى لناحية تطبيق منهج السّلف خصوصًا مع فكر الإخوان المسلمين وبالتّحديد فكر سيد قطب الّذي كفّر الدّولة ووصم المجتمع بالجاهليّة داعيًا إلى استلهام نموذج إسلام الخلفاء الرّاشدين، (راجع كتاب، سيد، قطب، معالم في الطّريق).

كمرحلة أوليّة قمنا بوصفٍ للاجتماع السّياسي العربيّ، أمّا الآن فسوف نقوم بعرض للنّخبة العربيّة من النّاحيّة الفكريّة السّياسيّة، بغية الوقوف على عتبة هذه الظّاهرة (الدّولة) وتوصيف أدقّ للحالة من النّاحيّة المجتمعيّة لأنّها حالة سوف نقوم بدراستها من زاوية العلوم الاجتماعيّة سياسيًا ومعرفيًا، فالأهمّ دراسة الدّولة لا من النّاحية القانونيّة بشكل كلاسيكي، إنّما من ناحية البنى والحوامل الّتي تشكّلت منها السّلطة الّتي تحكم الدّولة كما فعل ميشيل فوكو بالمنهج الأركيولوجي، لأنّ الدّولة هي الشكل الأخير للسّلطة، (راجع كتاب ميشيل فوكو، إرادة المعرفة، ص 101).

على هذا فالأهمّ هو الوقوف على عتبة الأرضيّة الّتي تشكّلت منها الدّولة / السّلطة، والخطابات الّتي توزّعت منها، أي الرّجوع إلى البيئة والمسار التّاريخي الّذي أنتج الأداليج بشكلٍ معرفي لكي نعي بشكل معرفي علاقة الأفكار بالواقع. فكما هو ظاهر يعاني المجتمع العربي وبالأخصّ العقل العربي مشكلة هويّة تطال الذّات العربيّة لناحية الإطار المرجعيّ الّذي يقارب الواقع بما فيه من ظاهرات وأزمات والأهمّ مسألة التّقدم والتّحديث. نقول هذا بعد مراجعة للمفكّرين الّذين عاينوا العقل العربي أو الأديولوجيات العربيّة بشكل نقدي، خصوصًا في مرحلة النّهضة في القرن الماضي بعدما اصطدم العرب بالآخر – الغرب الاستعماري في القرن التّاسع عشر بدءًا من رحلة رفاعة رافع الطّهطاوي الّذي وصف في (الدّيوان النّفيس في إيوان باريس) رحلته إلى فرنسا ببعثة من محمد علي باشا، ومن ذاك اليوم رأى العرب الهوّة ما بين العالمين من كافّة النّواحي خصوصًا أنّ الغرب أحدث قطيعةً مع ماضيه وعمل على استقلال تاريخي مع مناهجه السّابقة في ميادين المعرفة وراكم إنجازات عدّة انطلاقًا من واقعه من عصر النّهضة حتّى عصر الأنوار محدثًا ثوراتٍ على مستوى المعرفة والسّياسة والإنتاج والثّقافة.

مع سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة ودخول مرحلة الاستعمار بدأ الاحتكاك العربي مع الآخر الغربي فنيًا وفلسفيًا وسياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا فطرح سؤالًا أساسيًا شكل ركيزةً وخلفيّة لكلّ تفكير ألا وهو، لماذا تقدم الغرب ونحن تراجعنا؟ شكل سؤال شكيب أرسلان مهمازا يؤرّق الوجدان والعقل العربي، ومن هذا السّؤال بدأت مسارات التّفكير تتوزّع على عدّة أطر ونماذج منها من استلهم النّموذج الغربي اللّيبرالي واستبطنه بشكل كلّي، ومنهم من رأى الحلّ بالرّجوع إلى الماضي أي التّراث، ومنهم من كان توفيقيًا ما بين الأخذ من الآخر الغرب ومن الآخر التّراث وبالتّالي في جميع الحالات لم يبنَ نموذج مستقلٌ انطلاقًا من الواقع، لأنّ هذه النّماذج إن كانت من الغرب فهي نتاج واقع الغرب وبالتّالي لا يمكن إسقاطها على واقع لا يشبه الواقع الّذي أنتجت منه، وأمّا الرّجوع إلى التّراث كذلك فإنّ التّراث هو ابن بيئته وبالتّالي ما أنتجه فقد أنتج لشروط موضوعيّة مغايرة، لذلك وصلنا إلى نتيجة اليوم وهي أنّ الفكر العربي ما زال يعاني من تبعيّة على كافّة الصّعد السّياسيّة والمعرفيّة والاقتصاديّة، فالوعي العربي للنّخب هو وعي مفارق للواقع وعي قياسي قياس الشّاهد على الغائب على رأي الجابري (راجع كتاب، الخطاب العربي المعاصر)، لهذا فالأهمّ ليس دراسة المحتوى إنّما المضمون أي دراسة الأدوات الّتي تحكم فينا، من هنا وبما أنّ الدّولة هي شيءٌ معنوي وبالتّالي ليست شيئًا حسيًا، إنّما هنالك من يمثل الدّولة لأنّ الدّولة عبارة عن مؤسّسات وسلطة أي نخب تدير هذه المؤسّسات، كما شرح التوسير في بحث أجهزة الدّولة الأيديولوجيّة المدنيّة كالمدرسة ودور العبادة والتّنشئة، والعسكريّة كالبوليس والجيش، (راجع التوسير، الأيديولوجيا وأجهزة الدّولة الأيديولوجيّة، نقلا عن، بيار، أنصار، العلوم الاجتماعيّة المعاصرة)، لأنّ هذه المؤسّسات هي في قاع السّلطة ذات النّموذج الإرشادي الحثّي.

وفي هذا السّياق لكي نرى واقع الدّولة، لا بد من النّفاذ إلى النّخب الّتي تدير البنى المجتمعيّة للدّولة، لأنّ الدّولة هي الشّكل الكلّي للنّسق المجتمعي.

النّخبة السّياسيّة العربيّة

تتشكّل النّخبة العربيّة من عدّة روافد، أوّلًا من الرّافد القرابي كالأنموذج الملكي والأميري في دول الخليج، وثانيًا هناك نخبة آتية من حقل الدّين كنموذج حزب النّهضة الاسلاميّ في تونس وعلى رأسه الشّيخ راشد الغنوشي في السّلطة التّشريعيّة، وثالثًا من النّخبة الاقتصاديّة وعالم الأعمال كنموذج آل الحريري في لبنان، ورابعًا من النّخبة العسكريّة في سوريا ومصر والجزائر على سبيل المثال، فمصر منذ ثورة الضّباط الأحرار لم تشهد رئيسًا خارج المؤسّسة العسكريّة إلاّ باستثناء محمّد مرسي الّذي لم يكمل ولايته وكأنّ السّبب هو في اختلال التّركيبة البنيويّة، واللاّفت هو فترة حكم الرّؤساء فإن لم يورث الحكم بشكل عامودي لابنه أو ابنته، أو بشكل أفقي عبر أصهرته لأنّ المصاهرة تلعب دورًا كبيرًا في السّياسة والتّحالفات لأنّها كما وجد كلود ليفي سترواس أداة تحالف وتبادل، إلاّ أنّ فترة الرّئيس تكون في بعض الأحيان طويلة الأمد مثلًا العقيد القذافي حكم أربعين سنة في ليبيا وفي ذلك رغبة في البقاء، وعلى هذا فإنّ الرّوافد حين تتداخل، فإنّ القرابة تؤدّي إلى السّلطة أو العكس بمعنى أن وصول رئيس إلى الحكم يصار إلى إعادة تشكيل حقل القرابة في السّلطة، أو أنّ السّلطة والفترة الطّويلة في الحكم تؤدّي إلى حقل الإنتاج وتتحالف معه، وفي طبيعة الحال فإنّ ذلك يؤدّي إلى استبداد وهذا ما حدث في العديد من الدّول العربيّة، هذا الوضع يؤدّي إلى ملاحظة أنّ هذه الدّول وإن كانت ديمقراطيّة في المحتوى لكن في المضمون كان هناك استبداد بمعنى حكم الحزب الواحد والرّئيس يبقى لعقود عديدة في الرّئاسة.

إنّ العقل السّياسي العربي ما يزال حتّى اليوم يتعاطى وإن كان من خلال الأحزاب أيضا بعقليّة الشّيخ والمريد، وبأنّ الحزب أشبه بالتّكايا والزّوايا، وبدل أن تكون التّربيّة الحزبيّة تربيّة تنشئ عقليّة مغايرة، نرى أنّها تكرس الاتباع أكثر. لقد استلهمت من أبو يعقوب السّجستاني في كتاب الينابيع، ممثولاتٍ وأقيسةً من العالم الرّوحاني المقدّس على عالم السّلطة الدّنيوي وفي هذا حرفة ودلوجة للتّحكم، من خلال الصّليب ذات الأضلاع الأربعة ولكن استبدلتها بأضلاع مغايرة لأقانيم السّجستاني: السّابق، التّالي، النّاطق، الأساس (راجع كتاب، ابو يعقوب، السّجستاني، الينابيع). ليحلّ مكانها أربعة شبيهة من ناحيّة العقليّة السّياسيّة أيضا بشكل رباعي ولكنّه حديث شكلًا، أمّا مضمونًا فإنّ الذّهنيّة ما تزال مستحكمة لناحيّة العقليّة المربعة من الأقانيم الأربعة:

–  الدّعوة /الزّوايا والتّكايا وحلقات المساجد + المذاهب = الأيديولوجيا / الأحزاب.

–  الإمام / السّلطان أو الخليفة = رجل السّياسة / الزّعيم أو القائد.

–  العالم = المثقّف أو رجل الدّين.

–  الغلام أو المستجيب = الشّعب أو الأنصار / المنتمون إلى الأحزاب.

من خلال عرض لبعض النّخب الّتي تحكم الدّولة العربيّة، تظهر أمامنا عدّة أنماط سياسيّة للحكم، نمط تقليدي من خلال النّخب القرابيّة القائمة على التّوريث للأبناء، ونمط كاريزمي من خلال الفترة الطّويلة الّتي يحكم بها الزّعماء لعقود، أمّا النّمط العقلاني التّرشيدي فإنّه خافت، وهذا يحتاج إلى تربيّة مجتمعيّة تهيء جوًّا وعقلياتٍ تقطع مع الأنماط السّابقة، فالأساس هو المجتمعي لأنّ منه يخرج السّياسي والاقتصادي والثّقافي.

من هنا نعود إلى أزمة العقليّة القياسيّة بالنّماذج المطبقة وهذا ينسحب بدوره على مختلف النّماذج (اللّيبراليّة، والماركسيّة، والقوميّة، والسّلفيّة)، العقليّة البطركيّة الّتي تمارس بشكل لا واعٍ نموذج العشيرة لناحيّة تدجين الجماعة بأدوات الأيديولوجيا السّلفيّة تارّة، أو اللّيبراليّة/الماركسيّة الإشتراكيّة تارةً أخرى، والشّبه بين الاثنين هو في غياب تقديم مشروع يقارب متطلّبات الواقع والتّنميّة. يدعم هذا الكلام فشل نموذج التّجارب القوميّة العربيّة (الّتي كانت التّجربة النّاصريّة ممثلة لها)، وقوميّة البعث العراقي والسّوري، الّتي نظر لها العديد من المفكرين (ساطع الحصري، انطون سعادة. .. الخ.)، وكذلك تجربة الإشتراكيّة، الّتي لم تنجح هي الأخرى نظرًا إلى فرض نموذج بشكل تعسفي على الواقع، والّتي نظر لها العديد من المفكّرين، كصادق جلال العظم (دفاعًا عن الماديّة والتّاريخ)، أو حسين مروة (النّزعات الماديّة في الفلسفة العربيّة الإسلاميّة)، اعتمدت هذه القراءات وغيرها ممّا لا يسع ذكره، على نموذج أحادي مطبق، ممّا أدّى بطبيعة الحال إلى الفشل نظرًا إلى اعتماد مفاهيم بعيدة عن أرض الواقع كمفهوم الطّبقة الّتي تغيّر فيها الوعي الطّبقي بطبيعة الحال وأيضا هذا المفهوم أنتج من خلال مصانع أوروبا وبالتّالي غياب هذه المفاهيم وعدم الشّبه بينهما.

لا يختلف الأمر كذلك مع دعاة السّياسة اللّيبراليّة، الّتي تستبطن المفاهيم الغربيّة للقرن الثّامن والتّاسع عشر لناحية التّنظير للمدنيّة والدّيمقراطيّة وكأنّها لحظة توكفيل في زيارته أمريكا، من هنا ذابت هذه النّخب، النّقد هنا يتعدى نقد العروي في ثلاثيّة الشّيخ، ورجل السّياسة، وداعية التّقنيّة، (راجع كتاب، عبدالله، العروي، الأيديولوجيا العربيّة المعاصرة)، لناحية استنفاد نفسها في نقد هذا النّموذج ملمحًا إلى نموذج آخر شبيه لناحية الأخذ، وكأنّها علبة من الأشياء نختار منها ما يناسب أدلوجتنا، إنّما النّقد في هكذا تصنيفات تعميميّة.  لهذا نحن بحاجة إلى نقد النّقد، إلى مراجعة الأسلحة نفسها.

سياسيًا اليوم وبسبب عدم وجود مشروع بديل أتت الانتفاضات العربيّة يتيمة لناحية التّأصيل الفكري نظرًا لعدم وجود حوامل ورافعة ترفع هذا التّحول، لهذا لم تتحوّل هذه الانتفاضات إلى تحوّلات بنيويّة، إنّما رأينا بالمقابل الحروب والاقتتالات الطّائفيّة، ودخول المشاريع شرقًا وغربًا، وذلك يعود إلى عدم استقلال وسيادة الوعي الفكري، فالشّرط يبدأ بمشروع بناء ينسحب على كافة الأبنيّة الأخرى بشكل تزامني، من هنا فالتّحولات أتت أفقيًا على المستوى السّياسي، أي لم تشهد تحولًا على مستوى عامودي، أي أنّ النّماذج نفسها تعيد إنتاج نفسها، لأنّها نماذج مستحكمة وبقوّة، وهذا واقع الحال فالّذي يراقب ويلاحظ الواقع يرى معاودة إلى أكثر استتباعيّة، فهذه على سبيل المثال تركيا الّتي تبنت نموذج الإسلام الفقهي تدخل إلى ليبيا بكلّ قوّة، المشكلة هي في غياب الوعي بالاستقلال التّاريخي للعقل العربي، منذ مئات السّنين وذلك بعد سقوط الدّولة المركزيّة كمفهوم، من قبل البويهيين تارة ومن السّلاجقة تارة أخرى، وهذا يؤكّد أنّنا بحاجة إلى بناء مفهوم الدّولة الأمّة ببعدها القومي، فالقوميّة خيط هادٍ يعمل على توحيد العناصر المتعدّدة بدلًا من العصبيات المذهبيّة والقرابيّة، الّتي نبه لها ابن خلدون منذ قرون عندما وصف عقليّة الدّولة العربيّة.

البرجوازيات الإنتاجيّة

مفهوم البرجوازيّة هو مفهوم أنتج في أوروبا وقام على أكتاف الطّبقات الإقطاعيّة، لهذا فقد راكم من حركة التّجارة الماركنتليّة، مكاسب ضخمة على صعيد رأس المال، ولهذا أصبحت لديه مصالح جديدة، ممّا جعله يدعم بنى مختلفة منها ما له علاقة بالمعرفة والثقافة، أدى إلى تحالف بين هذه الفئة (البرجوازيّة) مع الفئات الأخرى (المعرفة والثقافة) مقابل تحالف الأرستقراطيّة مع مؤسّسات الدّين والمعنى، وكانت إرهاصات ذلك هي ما حدث داخل المؤسّسة الدّينيّة نفسها ما مكن من خلق فهم جديد على صعيد أنماط العمل والفكر من كسل الإنسان الكاثوليكي إلى عقليّة ادخار الانسان البروتستانتي، وهذا ما أشار إليه ماكس فيبر في كتاب (الأخلاق البروتستانتيّة وروح الرّأسماليّة)، أي أن هذه الرّؤية مكّنت لاحقًا من خلق عقليّة اقتصاديّة مغايرة. وهذا بالإضافة إلى الظّروف الموضوعيّة الأخرى من الاكتشافات الجغرافيّة، وتراكم رأس المال وتصدير السّلع إلى المستعمرات، بالإضافة إلى التّقدم العلمي والمعرفي، ورؤية الكائن المختلفة إلى العالم وغياب الغائيّة واعتماد مفهوم المنفعة وغيرها من أسباب، لكنّ هذه الإشارة توضّح أنّنا ما نزال في حدود عقليّة لم ترقَ إلى مستوى تحديث البنى، تشهد على ذلك البرجوازيات الّتي لا تزال في حدود التّجارة، وهذه الفئة يسميها فيبر برجوازيات طفيليّة تعيق الإنتاج، لأنّ القوّة في تخلقها البرجوازيات الصّناعيّة الخلاّقة. وهذا يعود إلى عدّة أسبابٍ منها ربّما أنّه لم يُصَر إلى تقديم فهم جديد للنّص داخل المؤسّسة الدّينيّة لدينا، أي أنّنا بحاجة إلى فهم جديد من داخل المؤسّسة لكي يكون له مشروعيّة ويكون دافعًا صوب تربيّة وعقليّة جديدة، لأنّنا وإلى حدّ ما وليس بشكل كلّي كما ذكر نصر حامد أبو زيد أمّة النّص، (راجع كتاب، نصر حامد، أبو زيد، مفهوم النّص، دراسة في علوم القرآن)،  فالإشكاليّة ليست بالنّص إنّما في تأويل النّص لأنّه لا أحد يستطيع ادّعاء امتلاك الحقيقة في ما يخصّ النّص. إذن فالنّخبة العربيّة الإنتاجيّة نخبة فرديّة وليست جماعيّة من ناحيّة الأنانيّة ينسحب هذا التّفكير على المؤسّسات الاجتماعيّة من تنميّة القدرات البشريّة والتّعليميّة وغيرها. بالإضافة إلى أسباب تتعلّق بالنّخب الحاكمة الّتي ما تزال تتعاطى بعقليّة الممتلكات وتوريثها أي أنّها لم تعمل على بناء مؤسّسات إنتاج تتمتّع بالدّيمومة إنّما بالفرد، إذن الحاجة هي في قطع هذه الذّهنيّة القطع التّاريخي والوجداني وكيفيّة التّعامل العلمي مع الواقع، وفي أن نعي حاجة بناء مشروع مشترك وإطلاق ديناميات تحديث لبنى الإنتاج بشكل يتزامن مع تنميّة قطاعات التّعليم، وخلق أسواق حمائيّة داخليّة منعًا لإغراق السّوق بالسّلع الخارجيّة بفرض رسوم عالية، فالدّخول بلعبة السّوق قد أحدثت تراجعًا على حساب الدّاخل، ولنا في نموذج التّجربة الألمانيّة خير مثال، لطالما غرقنا في النّماذج الماركسيّة والرّأسماليّة ولكن لم ندرج على الانفتاح على تجارب أخرى كمدرسة فريديريك ليِست الألمانيّة الّتي نظرت لمفهوم الحمائيّة الدّاخليّة بغيّة تنشيط السّوق الدّاخلي، من هنا الحاجة لفكر اقتصاد سياسي آخر، عماده يكون الإنتاج القومي من خلال تحالف الدّولة مع القطاعات الأخرى، وأن يكون السّوق في خدمة الدّولة لا أن تكون الدّولة في خدمة السّوق المرتبط بمصالح السّوق العالمي، في هذا السّياق نرى أنّ الدّولة القوميّة (الأمّة) عصبها الإنتاج، لهذا فكل حديث عن بناء الدّولة لا يسبقها الحديث عن الإنتاج بشكل تعاقبي لا يعوّل عليها، وهذا ما حدث في الواقع العربي فضعف هذه الدّول وارتهانها إلى مراكز قوى التّدافع هو اعتمادها على قطاعات لا تؤمن الاستقلال والسّيادة، فطالما نحن بحاجة إلى السّواح وإلى سلع الغير سوف نبقى في هذا الضّعف، على سبيل المثال دولة عميقة محوريّة كمصر لا يمكن أن تعتمد على قطاع المقاولات والعقارات والسّياحة، وهذا بدأ منذ عهد الرّئيس السّادات، عندما استبدل نموذج البناء الدّاخلي النّاصري على الرّغم من النّقد والإخفاقات العديدة فيه إلاّ أنّ استكماله كان من الممكن أن يحقّق في المستقبل مردودًا على صعيد القوّة والاستقلال، لأنّه أفضل من النّموذج التّالي الّذي جعل أمّة ضخمة لا يستقيم حال العرب من دونها، أن تفتح سوقها للأسواق الأخرى على حساب نهضة الدّاخل، إنّما نراها اليوم غارقة ليس بأزمات الدّاخل فحسب إنّما في الخارج أيضا، من جهة الأزمة اللّيبيّة، والأثيوبيّة من جهة أخرى، وهناك سؤال آخر ألا يعود سبب تبوء مراكز جديدة ولعب أدوار شتّى في الاجتماع السّياسي للدّول العربيّة المختلفة لكلٍّ من إيران وتركيا، إلى غياب الدّور العربي وإلى الفراغ الّذي خلفته قوة ومركزيّة هذه الدّول، أي أنّ عدم وجود بديل وأنّ الفراغ الموجود، هو الّذي سمح لتلك الدّول بالدّخول إلى السّاحة العربيّة بشكل قويّ بحيث أنّها أصبحت دولًا فاعلة في المسار الاجتماعي والسّياسي.

الأنتلجنسيا العربيّة

حال النّخبة الفكريّة والثّقافيّة العربيّة لا يختلف كثيرًا عن حال النّخب الأخرى، من حيث أنّها لم تعمل على بناء نموذج معرفي مستقل له مفاهيمه وأرضيّة خطاب من متطلّبات الواقع والمجتمع، وهذا يعود بشكل غير مباشر إلى السّلطة العربيّة، لأنّ المعرفة والسّلطة هما في علاقة توزيع وتبادل، فكما أنّ المعرفة بحاجة إلى حقل القوّة – السّلطة لكي تعمل على إنتاجها بشكل جماعي لأنّ المعرفة الفرديّة غير منتجة، بل إنّ المعرفة تبنى بشكل جماعي (راجع كتاب، توماس، كون، بنيّة الثّورات العلميّة)، كذلك فإنّ السّلطة صاحبة المشروع هي بحاجة إلى المعرفة، من هنا إن كانت السّلطة تعمل على بناء نهضة على كافّة الميادين فإن المعرفة سوف تزدهر معها بشكل محايث، وهذا يأخذنا إلى فرضيّة بأنّ المعرفة لم يعد لها إنتاج في الوسط العربي بسبب تفكّك الدّولة العربيّة منذ قرون، والآن لا يختلف الوضع كثيرًا، لأنّ الدّولة وإن كانت حاضرة إلاّ أنّ نخب السّلطة لا يوجد لديها مشروع على مستوى نهضة الأمّة، لم نرَ تحولًا على صعيد البنى المعرفيّة، فأتت الأخيرة موزّعة على نماذج تعيش اغترابًا على الصّعيد الإجرائي للواقع.

من خلال ما سبق ذكره، نرى أنّ أغلب أدوات التّفكير والمفاهيم والمناهج، مستقاة من سياقات خارجيّة، وتحديدًا من الغرب منذ عصر الأنوار بفروعها ومدارسها المتنوعة، صحيح أنّ المعرفة وقراءة الواقع لا تمنع من الاستئناس بأدوات معرفيّة من عدة روافد بغية إغناء الموضوع المُبنى في العرفة، لكنّ الإشكاليّة هي في استبطان منهج مطبق وإسقاطه على الواقع.

لذلك نرى داعي الحداثة في أحيان كثيرة، يؤخذ من واقع آخر وإن كان معاصرًا، شأنه شأن الشّيخ الّذي يأخذ أيضاً من واقع آخر وهو الماضي – التّراث، فالأخير وإن كان سلفيا باعتماد مقولات الماضي الّذي بنيت فيه المعرفة انطلاقًا من زمانها ومكانها الخاص، فإنّ داعية الحداثة بعدة فروعه الماركسيّة واللّيبراليّة الحديثة، هو الآخر يحاول تبني مقولات منجزة لها سياقها التّاريخي والّذي لا يمكن أن يكون شبيهًا بالسّياق العربي الرّاهن، نظرًا لاختلاف الثّقافة والعقليّة وبنى السّياسة والإنتاج، وهناك طبعًا نماذج أخرى لا يسع أن نذكرها نظرًا إلى أنّ الموضوع لا يتمحور عليها، لكنّ الإشارة مهمّة لأنّ الدّولة قائمة على كلّ البنى ومن أجل الحديث عن الدّولة وواقعها لا بدّ أن نشير إلى البنى الّتي تتألّف منها الدّولة، وخصوصًا بنى المعرفة لأنّ نهضة الدّولة وقوّتها قائمة بشكل رئيس على هذه البنى الّتي تمدّ حقل القوّة لجعله اكثر سيطرة. بينما نرى في السّلطة العربيّة وإن كان هناك تحالف بين حقل السّلطة ورجال الدّين مثلًا فإنه يكون تحالفًا من أجل الأول وتأبيد سلطته، أو إن كان بين السّلطة وداعية الحداثة فإنّه كذلك يكون من أجل التّرويج لأيديولوجيّة الحاكم الّذي يحكم باسم خطابها وأدبياتها لأنّها تحوّل الوعي إلى وعي مقلوب للجماهير. إذن في هذه الحال تكون مصلحة السّلطة هي في الاستفادة من الأدوات كافّة، الأحزاب والمثقّفين والأجهزة الإعلاميّة لا لغايّة مشروع نهضةٍ معين، إنّما لغاية رغبة السّلطة في الحفاظ على مكتسبات الحكم. أمّا المثقف النّقدي اللاّتقني فنراه بعيدًا يعيش اغترابًا عن هذه الحالة بل إنّنا نرى أكثر من ذلك نراه محاربًا ومنبوذًا ومحكومًا عليه أيضًا في بعض الدّول والأمثلة عديدة.

خلاصات واستنتاجات (عودٌ على بدء)

الدّولة انطلاقًا مما سبق هي المدلول الّذي غيبناه بشكلٍ أو بآخر، لأنّها أم المعاني وسر الأسرار الّذي منه تنطلق كلّ الانبلاجات الهوياتيّة، فالبدءُ هو للدّولة أي بناء القوّة وأسباب النّهضة لأنّ الدّولة تنسحب على كافّة البنى المجتمعيّة، فمهما عملنا وطورنا من أدواتنا ومن البنى والحقول، فلن نستطيع النّهوض طالما أنّ الدّولة ليست مستقلة، وأنّ الشّرط الكبير لبدءٍ آخر على صعيد الوعي والعقليّة والثقافة والإنتاج وغيرها من محدّدات وشروط لن تبدأ إذا بقيت بنية الدّولة سائلة ورخوة، بمعنى أنّ مؤسّساتها يجب أن تكون أقوى من كلّ زعيم أو حزب، لا أن تذهب وتتفكّك مؤسّسات الدّولة مع ذهاب جماعة أو فئة أو رئيس، بل يجب أن تكون كلّ الفئات والأحزاب في خدمة الدّولة ومؤسّساتها لا العكس، بمعنى أنّه لا يجب أن تحدث أي زعزعة عند كلّ استحقاق أو انتخابات في معاودة الإنتاج لدورة النّخبة، لأنّ ذلك سوف يؤسّس لوعي جديد قائم على المشاركة والانفتاح والتّعدد، أي أنّ الانتماء الأوّل لا يكون إلاّ للدّولة الأصيلة، لا للعشيرة ولا للمذهب ولا للحزب ولا للمصالح الضّيقة الأنانيّة وعلى هذا يجب أن تبنى الدّولة، لأن في ذلك سوف يتضاءل الصّراع بين الفاعلين، لأنّ الفاعل سوف يكون الدّولة بمؤسّساتها العميقة، وإلّا لماذا موضوع الصّراع العربي الإسرائيلي تراجع بهذا الشّكل، أليست الدّولة العربيّة اليوم ضعيفة بمكان وغارقة كلّ واحدة بأزماتها، بحيث إنّها لا تستطيع أن تفرض مكتسبات للفلسطينيين، إنّما هي ضعيفة بمكان أنّها لا تقدر على إجبار الكيان الإسرائيلي عن بعض التّنازل لا أكثر.

كلّ هذه الأسئلة تجعلنا نعود إلى السّؤال عن الدّولة، وإلاّ لماذا اليوم نحن ما نزال غارقين في الفقر والجهل والاقتتال الطّائفي، لماذا ما نزال جماعاتٍ، كلّ جماعة تحتكر المعنى والنّص وتعمل على تأويله بما يناسب اجنداتها. أليست الإشكاليّة في الدّولة المأزومة بحيث أنّنا نشهد في كلّ فترة ولادة تنظيمات وحركات مارقة على الشّرعيّة، السّبب ليس فقط الخارج إنّما الدّاخل أيضا لأننا لم نعمل على وأد أسباب الخروج، بل عملنا على تهميش الفئات، كلّ ذلك عمل على توفير الأسباب  لكلّ الأزمات، من هنا شهدنا في كلّ فترة هويات وانتماءات متعددة تستغل لحسابات ومشاريع، لأنّ كلّ أسباب الابتعاد عن المركز (الدّولة) موجودة، الفقر، التّهميش، التّمييز (الطّائفي، الإثني، العرقي، المناطقي، الحزبي، القرابي)، البطالة، الضّعف، التّفكك، غياب التّنمية، والتّعليم، غياب الشّعور بالقوةّ تجاه الآخر، ضياع فلسطين، انهزام الرّوح الدّاخليّة، الرّكود الفكري والمعرفي، الاستهلاك للتكنولوجيا والأفكار والسّلع الخارجيّة، وعدم الإنتاج على كافّة الصّعد حتّى ثقافيًا من فنون وأدب وموسيقى، والأهمّ اليوم سحر التّقنية الّذي أدّى إلى استلاب أكبر وتغليف للوعي عبر اصطناع الصّور، الشّعور بالدّونيّة تجاه القوى العالميّة.

إذا سمح بروز كلّ هذه الأشكال الّتي تسبب الضعف في مجتمعاتنا، وهو غياب الحاضنة / الدّولة القويّة المستقلّة، الّتي تكون راعيّة وموحّدة لكلّ الفئات والطّبقات، الّتي ترعى الإبداع وتطلق ديناميات التّحديث والمعرفة والإنتاج، عندها سوف تفرز جيلًا ذا عقليّة جماعيّة، تقدّر فيه كلّ الإنجازات والتّضحيات. فالعمل يجب أن يكون من خلال تفكيك لهذه العقليّة السّلطويّة الّتي تمنع بناء القوّة على مستوى جماعي، من أجل بناء ذهنيات إن وصلت إلى السّلطة فالمحرّك لها يكون رغبة القوّة الجماعيّة، وأن تسبتدل المصلحة من حدود الذّات إلى حدود الكلّ وأن تخرج المعرفة منها من تمركز على الفرد إلى رحاب وفضاءات الأمّة / القوميّة، عندها سوف تفكّك رباعيّة السّلطة القائمة على: (السّلطان، الغلام، الدّعاة “خزنة المعنى”، الأيديولوجيا).

على سلطة واعية استراتيجيّة، والخروج من العقل التّاريخيّ الوجدانيّ، نحو استقلال تاريخي عن الوعي السّابق، صوب وعي نقدي إبداعي لا اتّباعي، وعي يستحثّ الرّغبات يؤسس لروح عصر جديد قائم على الوحدة والبناء، يبدأ بوعي جماعي يعمل على مصلحة الكلّ / الدّولة بدلًا من أن نبقى مرتهنين شرقًا وغربًا وهذا حال الدّول الضّعيفة الّتي تلجأ إلى التّموضع في محاور من هنا وهناك بغيّة الاحتماء بالآخر من الآخر.

******

لائحة بأسماء المراجع

  • السّجستاني، أبو يعقوب، الينابيع، تقديم وتحقيق مصطفى غالب، (منشورات المكتب التّجاري للطّباعة والتّوزيع والنّشر، بيروت، الطّبعة الأولى، 1965 م )، 174 صفحة.
  • أبو زيد، نصر حامد، مفهوم النّص، (المركز الثّقافي العربي، بيروت، الطبعة السّابعة، 2008 م)، 319 صفحة.
  • خليل، أحمد خليل، التّوريث في الأنظمة الجمهوريّة العربيّة المعاصرة، (المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، بيروت، الطّبعة الثّانية، 2003 م)، 174 صفحة.
  • فيبر، ماكس، الأخلاق البروتستانتيّة وروح الرّأسماليّة، ترجمة: محمد علي مقلد، (مركز الإنماء القومي، بيروت، دون ذكر الطّبعة والتّاريخ)، 200 صفحة.
  • بوتومور، توم، النّخبة والمجتمع، ترجمة: جورج جحا، ( المؤسّسة العربيّة للدّراسات، بيروت، الطّبعة الأولى، 1972 م)، 175 صفحة.
  • حوراني، آلبرت، الفكر العربي في عصر النّهضة 1798 _ 1939، ترجمه إلى العربيّة كريم عزقول، (دار النّهار للنّشر، بيروت، الطّبعة الثّالثة، 1977 م)، 479 صفحة.
  • كون، توماس، بنية الثّورات العلميّة، ترجمة: شوقي جلال، (سلسلة عالم المعرفة، الطّبعة الأولى، 1992 م)، 382 صفحة.
  • قطب، سيّد، معالم في الطّريق، (دار الشّروق، مصر، الطّبعة الأولى، 2011 م)، 196 صفحة.
  • عبد الرّازق، علي، الاسلام وأصول الحكم، (دار المدى للثّقافة والنّشر، بيروت، الطّبعة الأولى، 2011 م)، 95 صفحة.
  • الطهطاوي، رفاعة رافع، الدّيوان النّفيس في إيوان باريس، حرّرها وقدّم لها أحمد كنعان، (دار السّويدي للنشر والتّوزيع، أبو ظبي، الطّبعة الأولى، 2002 م)، 320 صفحة.
  • الجابري، محمد عابد، الخطاب العربي المعاصر، دراسة تحليليّة نقديّة، (مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، الطّبعة السّادسة، 1999 م)، 218 صفحة.
  • فوكو، ميشيل، إرادة المعرفة، تاريخ الجنسانيّة، ترجمة: سلمان حرفوش، (دار التّنوير للطّباعة والنّشر، لبنان، الطّبعة الأولى، 2017 م)، 205 صفحة.
  • أنصار، بيار، العلوم الاجتماعيّة المعاصرة، ترجمة: نخلة فريفر، (المركز الثّقافي العربي، بيروت، الطّبعة الأولى، 1992 م)، 338 صفحة.
  • العظم، صادق جلال، دفاعاً عن الماديّة والتّاريخ، (دار الفارابي، بيروت، الطّبعة الأولى، 1990 م)، 532 صفحة.
  • العروي، عبدالله، الأيديولوجيا العربيّة المعاصرة، (المركز الثّقافي العربي، بيروت، الطّبعة الرّابعة، 2011 م)، 272 صفحة.
  • مروة، حسين، النّزعات الماديّة في الفلسفة العربيّة الاسلاميّة، (دار الفارابي، بيروت، الطّبعة الأولى، 2002 م)، أربعة مجلّدات، 2026 صفحة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This