عادت بعد 6 سنوات من السبي… معاناة الأيزيديين مع “داعش” / باز علي بكاري

استطاع ماهر أن يستعيد ابنه الكبير، وعالجه من آثار تنظيم “داعش” وعاد الفتى ليندمج مع المجتمع الذي ينتمي إليه، لكن يبدو أنه أمام تجربة مشابهة اليوم، وهذه المرة ستكون مهمته، إعادة لم شمل أسرته بأكلمها وتعريف الأطفال إلى أمهم وأخيهم.

“فقدت 17 شخصاً من عائلتي بينهم زوجتي وثلاثة من أطفالي، استطعنا تحرير طفلين وانقطع تواصلنا مع الآخرين، وهذا يضاعف ألمنا”، بهذه الكلمات تحدث إلينا ماهر محمود الشاب الأيزيدي قبل نحو عام أثناء إعداد “درج” تحقيقاً عن الأطفال الأيزيديين.
مأساة ماهر وعائلات أيزيدية كثيرة ما زالت مستمرة منذ اليوم الأول لهجوم تنظيم “داعش” على مناطقهم في كردستان العراق.

راهناً بعد طول انتظار، أبلغ ماهر “درج” بأنه استطاع الوصول إلى زوجته ساهرة (25 سنة) وابنه هيوان (7 سنوات)، إذ كانت تسكن مع مجموعة من عائلات “داعش” داخل مخيم الهول في ريف الحسكة، الذي تديره الإدارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها.
يروي ماهر آلية البحث التي اتبعها لتحرير زوجته من المخيم، الذي يضم أكثر من 70 ألف شخص من عائلات مسلحي تنظيم “داعش”، والذي بات أشبه بمدينة متكاملة بحسب سيدة من داخل المخيم فضلت عدم ذكر اسمها.

«استطعنا عبر بعض المصادر من مخيم الهول في ريف الحسكة السورية، أن نحصل على معلومات تفيد بوجود زوجتي وابني هيوان في المخيم». ويتابع الشاب الأيزيدي: «في البداية لم نكن متأكدين من أنها زوجتي لكن الأكيد أنها أيزيدية، وحينها بحثنا عن سبيل لتحريرها أياً كانت سواء زوجتي أم غيرها، لكن تأكدنا في ما بعد أنها زوجتي، إذ أرسل لنا المصدر صورة لها وقال إنها مع ولدها، وهنا بدأت مرحلة أخرى من البحث عن سبيل لإخراجها بطريقة آمنة كونها كانت تسكن بين مجموعة من عائلات داعش من السوريين».

وأوضح ماهر أن عملية تحرير زوجته تطلبت تدخل قوات الأمن في المخيم، يقول «أبلغنا إدارة المخيم أن شخصاً من طرفنا لديه معلومات عن زوجتي داخل المخيم سيذهب إليهم، وبالفعل دل المصدر إدارة المخيم على الخيمة التي كانت تسكن فيها زوجتي، وفي المساء قامت قوات الأمن داخل المخيم بمداهمة الخيمة وسُلّمت هي وابني إلى إدارة المخيم».

وأكد ماهر أن السبب الذي دفع زوجته إلى عدم الكشف عن هويتها الأيزيدية هو الخوف، «كانت خائفة من أن تقول أنها أيزيدية، أو أن تصرح لأي شخص بذلك، لا سيما أنها كانت مع مجموعة من عائلات التنظيم، وكانت تعيش في جو من غسيل الدماغ، وتعرّض السكان للتخويف، من أنه في حال قالوا للإدارة إنهم أيزيديين فعودتهم لأهلهم تعني مصيراً مجهولاً، وهذا كان العائق لعدم تسليمها نفسها لإدارة المخيم والتصريح بأنها أيزيدية». لكن ماهر الذي لم يلتق زوجته بعد لم يتمكن من التحقق من أسباب بقائها في المخيم وعدم سعيها إلى العودة، على رغم مضي وقت طويل على هزيمة “داعش”. ويرى مراقبون أن العشرات وربما المئات من الأيزيديات اللواتي سباهم التنظيم، يترددن في العودة بسبب تشربهن فكر التنظيم هن وأولادهن.
مصادر عدة من داخل المخيم وخارجة أكدت أن «الكثير من الأيزيديين قدموا أسماء وهمية منذ اللحظة الأولى التي دخلوا فيها المخيم، وذلك لسببين فمنهم من تم غسل دماغه واعتنق أفكار التنظيم، والسبب الآخر هو الخوف سواء من أن يصبحوا هدفاً لعائلات داعش داخل المخيم، أو من المصير المجهول الذي رسمه التنظيم في مخيلتهم في حال عودتهم إلى أهلهم».

“المصادر” سبيلاً للحرية
تنشر الصفحة الرسمية للبيت الأيزيدي إقليم الجزيرة، باستمرار صوراً ومعلومات عن فتيات أيزيديات وأطفال أيزيديين يتم تحريرهم من داخل مخيم الهول في ريف الحسكة.

وبالسؤال عن آلية التعرف إليهم ومن ثم إخراجهم من المخيم، يوضح فاروق طوزو الرئيس المشترك للبيت الأيزيدي في إقليم الجزيرة لـ”درج” أن «الوصول عادة إلى أي امرأة أيزيدية أو طفل أيزيدي موجود في المخيم يكون من طريق مصادر خاصة متعاونة مع اللجنة المختصة بتحرير الأسرى في البيت الأيزيدي».

كانت خائفة من أن تقول أنها أيزيدية، أو أن تصرح لأي شخص بذلك، لا سيما أنها كانت مع مجموعة من” عائلات التنظيم، وكانت تعيش في جو من غسيل الدماغ”.

وعن عملية إخراج ساهرة وابنها، يقول طوزو «بالنسبة إلى ساهرة وابنها، كانت لدى اللجنة الخاصة بتحرير الأسرى معلومات حصلنا عليها من زوجها ماهر وبعد المتابعة والتحقق من صحة المعلومات، تمكنا من الوصول إليها واستلامها من إدارة مخيم الهول، حيث كانت تسكن في خيمة هي وابنها ضمن مخيم مخصص للسوريين من عائلات تنظيم داعش الإرهابي».

وبحسب الأرقام التي صرح بها مسؤولون في البيت الأيزيدي لوسائل الإعلام، فقد تم إخراج نحو 150 فتاة وطفلاً أيزيديين من المخيم بناء على معلومات من مصادر داخل المخيم.

“ابني لم يعرفني!”
«كحال أخيه بيوان لا يعرف ابني هيوان كلمة واحدة باللغة الكردية، حتى أنه لم يعرفني حين تواصلت معه للمرة الأولى بعد 6 سنوات، ويبدو أنني سأضطر إلى المرور بالتجربة التي مررت بها مع ابني بيوان» يقول ماهر محمود.

وكان ماهر أوضح في اللقاء الأول الذي أجراه معه “درج” قبل نحو عام أنه واجه صعوبة في التعامل مع ابنه بيوان إذ قال حينها «واجهنا صعوبة في التعامل معه، فقد زرع تنظيم داعش فكره في دماغ ابني، حتى أنه نسي لغته الكردية، وتعاليم دينه، ويتحدث إلينا كعنصر من تنظيم داعش».
استطاع ماهر أن يستعيد ابنه الكبير بيوان، وعالجه من آثار تنظيم “داعش” وعاد الفتى ليندمج مع المجتمع الذي ينتمي إليه، لكن يبدو أنه أمام تجربة مشابهة اليوم، وهذه المرة ستكون مهمته، إعادة لم شمل أسرته بأكلمها وتعريف الأطفال إلى أمهم وأخيهم.
يقول ماهر الذي لم ينكفئ عن نشر صور زوجته وابنه سواء القديمة منها أو الجديدة فرحاً بعودتهما «أنا الآن بانتظار انتهاء الإجراءات لألتقي زوجتي وابني اللذين حرمت منهما لست سنوات، وما يهمني الآن لم شمل العائلة ومحاولة نسيان ما كان».
هذا جزء من قصة واحدة بين قصص مأساة كثيرة تعيشها عائلات أيزيدية خطفها تنظيم “داعش”، ووزّعها على المناطق التي سيطر عليها خلال السنوات الماضية، وللحديث تتمة مع ساهرة التي لم تستطع الحديث عن تجربتها وما زالت تحت تأثير الصدمة حتى الآن، ومع قريناتها من الأيزيديات اللاتي ما زلن أسيرات “داعش”.

عن درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This