“النهوض العاثر”.. إشكالية قضايا الدين والدولة والإصلاح والتجديد 

يشمل كتاب محمد حلمي عبد الوهاب “النهوض العاثر: الإصلاح والتجديد في الأزمنة الحديثة، المشارب والتجارب”، الذي صدر حديثا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عرضًا لقضايا الدين والدولة والإصلاح والتجديد، إلى جانب تناول إشكالية إصلاح مؤسسات المجال الديني، وتجارب الإصلاح والتجديد في العالم الإسلامي، وإشكاليات الأصولية والأصولية المضادة، وما يرتبط بها من مسائل العيش المشترك وقضايا الأقليات الدينية.

إصلاح مؤسسات المجال الديني
يتألف الكتاب (464 صفحة بالقطع الوسط) من ثلاثة أقسام، وفي أول قسم منها، “إصلاح مؤسسات المجال الديني”، ثلاثة فصول.
في الفصل الأول، “الإرث الثقيل: من ينهض بمهمّة إصلاح المجال الديني؟”، يهتمّ المؤلف بأزمة الإصلاح والنهوض في ظل صدمة الحداثة، ويثنّي بالكشف عن المقصود بمفهوم المجال الديني وأبرز تجلياته، ويختم بمقاربة تدبير الشأن العام في أزمنة التغيير، وإمكانية الإصلاح الديني من الداخل.
أمّا في الفصل الثاني، “إصلاح مؤسسات المجال الديني: مناهج التعليم الديني في الأزهر الشريف أنموذجًا”، فيرصد المؤلف أبرز محاولات الإصلاح التي تمّت في الأزهر إبَّان النصف الأول من القرن العشرين على يد محمد عبده، والتي امتد أثرها بُعيد وفاته لدى الشيخ مصطفى المراغي، والشيخ مصطفى عبد الرازق، والدكتور محمد يوسف موسى، والشيخ أمين الخولي، والشيخ عبد المتعال الصعيدي. ثم يُقدِّم عملية مسحٍ للمناهج الأزهرية التعليمية الحديثة في فرعَي الفقه والتوحيد، في المرحلتين التعليميتَين الإعدادية والثانوية، إضافةً إلى مواد أخرى.
في حين يركز المؤلف، في الفصل الثالث “المرجعيات الدينية في أزمنة التغيير: وثائق الأزهر الشريف أنموذجًا”، على رصد الدور الذي أراد الأزهر أن يؤدّيه في مرحلة انتفاضات الربيع العربي، بوصفه وسيطًا بين الفرقاء السياسيين، إلى أن انتهى به الأمر فعليًّا إلى أن يصبح مرجعًا وعاملًا نشطًا في إنتاج الخطابَين السياسي والديني العامَّين. ويشمل هذا الرصد جملة التحولات الكبرى التي طرأت على خطاب المؤسسة الأزهرية، والثوابت التي انطلقت منها في إصدار وثائقها، والغايات التي تغيَّاها الأزهر الشريف من وراء ذلك.

إصلاح وتجديد في العالم الإسلامي
في القسم الثاني من الكتاب، “تجارب الإصلاح والتجديد في العالم الإسلامي”، ثلاثة فصول. وفي الفصل الرابع، “مفهوم النهضة في فكر مالك بن نبي: السنن التاريخية وإمكانية التغيير في مشروعه الحضاري”، يهتمّ المؤلف بتطور مفهوم النهضة لدى مالك بن نبي، ويكشف عن الإطار الوظيفي لمفهوم الحضارة في فكره، كما يسلط الضوءَ، ضمن تضاعيف مشروعه النهضوي، على تبيان مركزية السُّنن الإلهية والتاريخية ودورها في التغيير.
من جهة أخرى، يُعنى المؤلف، في الفصل الخامس “تيارات الإصلاح والتجديد في شبه القارة الهندية من شاه ولي اللَّه الدهلوي إلى أبي الأعلى المودودي”، بأهم تيارات الإصلاح والتجديد التي نشأت في شبه القارة الهندية إبَّان القرنين التاسع عشر والعشرين؛ بدءًا بشاه ولي الله الدهلوي، مرورًا بالسيد أحمد خان ومحمد إقبال، وانتهاءً بأبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي.
ثمّ إنّ المؤلف يركّز، في الفصل السادس “الجدال في شأن الدين والدولة في الأزمنة الحديثة: سجالات محمد عبده وفرح أنطون أنموذجًا”، على نقاشات دارت بين محمد عبده وفرح أنطون، خصوصًا ما يتعلق منها بمسألتَي الدين والعِلم، والطابع المدني للسلطة في الإسلام.
أصولية وأصولية مضادة
في القسم الثالث من الكتاب، وهو بعنوان “في الأصولية والأصولية المضادة: العيش المشترك وقضايا الأقليات الدينية”، ثلاثة فصول. وفي الفصل السابع، “فقه العيش المشترك في الأزمنة الحديثة: الأصول والامتداد”، يركز المؤلف على اجتهادات مدرسة الإمام محمد عبده وإخفاقاتها في ما يتعلق بترسيخ قيم التعايش المشترك، وانزواء قيم التعددية الدينية والثقافية في مناهج التعليم، وواقع الحياة الاجتماعية للأقباط في الحالة المصرية. كما يقارب المؤلف بشأن التعايشِ في النصوص الدينية والخبرةِ التاريخية، الهويةَ، والانتماءَ، ورؤَى العالم.
أمّا في الفصل الثامن، “التقريب بين المذاهب الإسلامية وإشكالية الصراع على المرجعية الدينية”، فيرصد المؤلف علاقةَ الأزهر بالتشيُّع، محللًا نشأة “دار التقريب بين المذاهب الإسلامية”، والظروف التي أحاطت بها، وانقسام علماء الأزهر الشريف بين مؤيّدٍ ومعارضٍ. كما يركز على الجدالات التي استمرت نحو نصف قرنٍ؛ بسبب كتاب المراجعات، وفتوى الشيخ محمود شلتوت المتعلقة بجواز التعبُّد بالمذهب الجعفري، وصولًا إلى حالتَي الشدّ والجذب بين الأزهر والمؤسسات الشيعية، خصوصًا عقب اندلاع ثورة 25 يناير 2011 وما تبعها من حوادث.
إثر ذلك، يهتمُّ المؤلف، في الفصل التاسع “أخلاق الطاعة في الفهم السلفي المعاصر: النص والوعي والتاريخ”، بتحولات طرأت على التيار السلفي المصري المعاصر في مستوى الخطاب، وفي مستوى الممارسة العملية أيضًا، بشأن مفهوم الطاعة، والموقف من الديمقراطية، والدولة المدنية، والمشاركة السياسية، وقيم المواطنة والتعددية، وما يتصل منها بوضعية الأقباط والمرأة بصفة خاصة، وذلك من خلال تحليل البنى المؤسِّسة للخطاب السلفي في النص والتاريخ، والنهوض بمقاربة نقدية لأخلاق الطاعة كما تقدمها الأدبيات السلفية.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This