دافيد لوبروطون: أنثربولوجيا الحواس (ج1)

“دافيد لوبروطون عالم اجتماع وأنثربولوجي فرنسي تنصبّ اهتماماته على الجسد وعلاقته المركّبة بالعالم. وقد أصدر العديد من المؤلّفات عن سوسيولوجيا وأنثربولوجيا الجسد والألم والوجه والضّحك، وكذا عن الممارسات الرّياضيّة القصوى، وغيرها من القضايا الحيويّة الّتي تهمّ اليومي. تعتبر أبحاثه تجديدا في مجال الأنثربولوجيا والسّوسيولوجيا المعاصرة. يشتغل حاليا أستاذا بجامعة ستراسبورغ بفرنسا”.

إسم الكتاب: أنثربولوجيا الحواس- العالم بمذاقات حسّيّة

إسم المؤلّف: دافيد لوبروطون

إسم المترجم : فريد الزّاهي

دار النّشر: المركز الثّقافي للكتاب

تاريخ النّشر: الطّبعة الأولى 2020.

يستحيل الاعتقاد بالوجود للإنسان خارج الإحساس بالعالم حيث هناك تفاعل ثري بين الإحساس بالذّات والإحساس بالأشياء، حيث يتشكّل وعيه بذاته من خلال فعل الإحساس الّذي لا يكفّ عن اختراقه عبر كمّ هائل من المحفّزات الحسيّة الّتي يتمّ تأويلها بناء على الهويّة الفرديّة للإنسان، أي حسب تنشئته الاجتماعيّة الثّقافيّة وتجربة سيرته الشّخصيّة. وهذا ما يفسّر تعدّد الادراكات للشّيء الواحد، يعني أنّ التّجربة المحسوسة الّتي تعود أوّلا للدّلالات الّتي يعاش بها العالم من خلال الجسد ناتجة عن اختلاف زوايا نظر. وهذا ما يعني أنّ التّجربة المحسوسة تعود أوّلا للدّلالات الّتي يعايش بها العالم من خلال الجسد، بمعنى أنّ عالم الإنسان هو عالم الجسد كمصفاة يتملك بها ماهيّة العالم في تفاعل مستمرّ لا يتوقّف “إنّه عالم من الدّلالات والقيم، وعالم من التّواطؤ والتّواصل بين النّاس الحاضرين وبين وسطهم.”17 وهذه الدّلالات تأخذ بعدا ذاتيا كلّما تعلّق الأمر بالإدراكات الحسيّة في توجهها الثّقافي الّذي لا يقتصر على المظهر الجسماني. فالإدراكات الحسيّة هي إسقاط للدّلالات على العالم، حيث منطق اشتغال الحواس هو تبعا لهويّة الفرد الذّاتيّة وحسب السّجل الثّقافيّ الاجتماعيّ في تشكيل نظرة الفرد تجاه الأشياء والإحساس بالعالم بشكل خاصّ في تفاعل مع الغير وفق ما تتيحه ثقافته وتحدّده كنموذج حسي يتداخل فيه ما هو فردي بما هو جماعي ومجتمعي. فالنّاس يسكنون عوالم حسيّة مختلفة.

وفي سياق بحث العلاقة الحسيّة مع العالم يمكن الإشارة إى التّقليد المسيحي في اعتماده الحواس الرّوحانيّة الّتي تتجاوز الحواس الدّنيويّة في الإدراك.

لهذا يجد الأنثربولوجي نفسه أمام ثقافات وطرائق أخرى في الإحساس بالعالم. وهذا ما يعيشه الأثنولوجي بشكل اغترابي وهو يتعلّم كيف يحسّ بشكل مغاير علاقته بالعالم والآخرين، خاصّة وهو يدرك اختلاف قيم الحواس بين مجتمعه الغربيّ الّذي يُعلي من شأن البصر، والمجتمعات الأخرى الّتي تعتبر الذّوق والسّمع أهمّ من البصر. وهنا تكمن روعة الأنثربولوجيا في الإحساس بتعدّد العوالم. ومع التّجربة الأنثربولوجيّة يتمّ ابتكار علاق جديدة بالحواس، وإزالة رتابة الفكر، وتوسيع الرّؤية، وارتياد آفاق الحواس والمعنى  الّتي تتجاوز الحدود الحسيّة لأي تكوّن مجتمعي، أي أنّها تفجّر الأشياء في بداهتها الّتي تبدو كشيء طبيعي معطى.

1- أنثربولوجيا للحواس  

يختلف العالم الإدراكي بين المجتمعات، فإذا كان المجتمع الغربي يعتمد بشكل أساسي على البصر فإنّ قبائل الإسكيمو مثلا تعتمد السّمع والشّم والأصوات، بينما البصر هو حاسة ثانويّة، الشّيء الّذي يعني أنّه لا وجود لعالم إلاّ عالم الحواس والمعنى. فهي الّتي تورّط الإنسان جسمانيا في عالم لا يمنح نفسه إلاّ في شكل محسوس، أي حسب ما تتيحه لنا حدود الجسد متمثّلة في حواسنا المؤسّسة بشكل رمزي ثقافي”إنّ حدود الجسد، كما حدود عالم الإنسان، هي تلك الّتي توفّرها الأنظمة الرّمزيّة الّتي يخضع لها”.28 هكذا يستقبل الدّلالات ويتأوّل محيطه باعتماده عضوا حساسا آليّة للتّفكير، أي أنّه يمارس نشاطا معرفيا” ليس الواقع هو ما يراه النّاس وإنّما يرون عالما من الدّلالات.”29 أي أنّ ما يصنع المعنى هو ما يخترق الوعي ويشدّ الانتباه رغبة في الفهم، أو تمرّ الإحساسات دون أي اهتمام. هكذا يعيش الإنسان جسديا فضاء حياته وزمنها، حيث يؤسّس الإحساس الإدراك، أي الدّلالة، وبالتّالي حضور المعنى من خلال تجذّر جسدي للفكر”العالم المحسوس هو التّرجمة بلغة اجتماعيّة وثقافيّة وشخصيّة لواقع لا يمكن بلوغه إلاّ بطريق إدراك حسّي لإنسان مندرج في نسيج اجتماعي معيّن”32. الإحساس بالواقع وفكّ شفرات معطياته يختلف حسب الشّرط الثّقافيّ الاجتماعيّ التّاريخيّ للجسد في سيرورة تكوّنه الرّمزيّ. لذلك تختلف احساسات النّاس في علاقتهم بالأشياء كما تختلف عواطفهم. كما أنّ للغة دور كبير في بلورة الإدراكات، وهذا ما يحدّد الاختلاف بين النّاس في إدراك الاشياء ومعطيات الواقع” الكلمة تلتقط الإدراك في صوره الدّالة وتمنحه وسيلة لصياغته. إلاّ أنّ الاحساس عصي على التّعبير في مواقف كثيرة ممّا يدفع الفرد إلى بدل مجهود كبير لترجمة رهافة المحسوس. مع العلم أنّ الإنسان يقارب عالم الأحاسيس من خلال حواس تمّت تربيتها رمزيا منذ الولادة. ويؤسّس تفاعله التّجربة الحسيّة والإدراكيّة للعالم، هذه التّجربة الّتي يسهم الآخرون في تكوينها وتطويرها عبر واسطة الرّابطة الاجتماعيّة الّتي تمنح أفقا مفتوحا للمعرفة المحسوسة، بالتّعليم والتّجربة المتراكمة الّتي تعمل على استبطان أحاسيس هاربة تتمّ تربيتها لتكتسب غناها وتعدّدها، ومنحها شكلا ودلالات معيّنة. وهذا ما يفسّر صعوبة تفاعل الفرد مع وضعيات معيّنة تخرج عن إطار موارده الّتي ينهل منها تمثّلاته حيث يصعب عليه أن يفتح حواسه على صور تظلّ لديه من غير تجذر ثقافي “38 لاختلاف نظامه الرّمزي في فكّ شفرة إحساساته.

هناك وقائع كثيرة في حياة النّاس في مختلف الثّقافات تبين الدّور الكبير الّذي تلعبه تربية الحواس في خلق تفاوت واختلاف على مستوى المعرفة والفهم والإنصات لما يعتمل في الواقع الحيّ، وهذا ما تنجزه الاستعمالات الثّقافيّة للحواس من أنظمة حسيّة لا مثيل لها. فإذا كانت المجتمعات الغربيّة في طريقة إحساسها بالعالم تعطي أهميّة للبصر فذلك مرتبط بالإطار الثّقافيّ الاجتماعيّ، بالإضافة إلى الهويّة الذّاتيّة لقصّة حياة الفرد. وإذا عدنا إلى التّقليد اليهوديّ المسيحيّ نجد أهميّة كبيرة حظي بها السّمع فهو ضرورة من ضرورات الإيمان والحوار مع الرّب إلى جانب البصر الّذي له نفس القيمة. وقد اعتبر كلّ من أفلاطون وأرسطو البصر الحاسّة المفضّلة في اكتساب المعرفة واكتشاف العديد من الاختلافات. وهذا ما سار عليه رجال الكنيسة بمعزل عن القرويين المعتبرين السّمع أمرا جوهريا. وهذا ما يخبرنا به المؤرّخان لب فيفر ور. ماندرو: ينغمسون في كليّة حواسهم من غير تفضيل للبصر.” أناس الهواء الطّلق الشّفاف، الّذين ينظرون، والّذين بالأخصّ يسمعون ويستنشقون ويلمسون ويعبون الطّبيعة بكافّة حواسهم”44. لكنّ معطيات أخرى تبيّن أنّه تبلور في عصر النّهضة النّموذج البصري من خلال مفهوم المنظور كشكل رمزي وطريقة تمنح أهميّة للبصر عكس ما يخبرنا به المؤرّخان. وإذا كانت المجتمعات الأوروبيّة في ماضيها التّاريخي عرفت سيادة الشّفهيّة والسّمع، فإنّ التّقنيات الجديدة للتّصفيف في القرن 12 بالإضافة إلى ابتكار المطبعة أدّت إلى نزع سطوة الأذن ليتمّ اعتماد البصر بفضل الكثير من التّحولات الأخرى جغرافيا وطبيا، ومع  بروز الفرد تمّ الاحتفاء بالعين وعرفت وضعيّة الحواس تغيّرا كبيرا.  وهكذا سينتصر كلّ من رابيله وديكارت وكانط وهيغل لحاسّة البصر، كما أنّ الكثير من الوسائل العلميّة شجّعت هذا التّوجه كالمكروسكوب والتّليسكوب. بالإضافة إلى قيمته- البصر- في الوسط الاجتماعيّ والفكريّ، خاصّة في الأنشطة الطبيّة الّتي عرفت تطوّرا هامّا في تشخيص المرض باعتماد البصر مسنودا بالتّقنية. فقد تمّ فتح سبل سطوة العين، أي الصّورة: التّلفزيون والسّينما والحاسوب …، فصارت المجتمعات الغربيّة تختزل العالم في صور إلى درجة الاعتقاد في حقيقتها حيث كلّ شيء يتمّ تصريفه من خلال الصّور من الحروب إلى الوقائع السّياسيّة. ” وحده المرئي  يمنح مشروعيّة الوجود في مجتمعاتنا، إنّه مرئي خضع للمراجعة والتّنقيح في شكل المظهر وصورة الذّات. الصّور تحيل بعضها إلى بعض، بحيث تمارس اقتصاد العالم وتعيده لقدمه. فالنّسخة تتجاوز الأصل الّذي لا قيمة له إلّا ما تمنحه إيّاه النّسخة.”53  واليوم نلاحظ طغيان البصر انطلاقا من الكاميرات المنصوبة في كلّ مكان وصولا الهواتف الخلويّة، إنّنا إزاء مجتمعات غربيّة تعرف سطوة العين، ممّا انعكس سلبيا على تأويل متعسف لثقافات أخرى مختلفة كما حصل  بين المتاحف الأمريكيّة وشعب النّاباخو للهنود الحمر، حيث تمّ الاعتداء على رسوماتهم الاسشفائيّة بتعطيل قوّتها الرّمزيّة الحيّة كتجربة مشتركة وجعلها عرضة التّأمل الجماليّ.

تلعب الهويّة الفرديّة كإدراكات حسيّة شديدة التّركيب، بصورة كليّة ومتضافرة في طبيعة اشتغالها الدّاخليّ، والّذي كوّنته وبلورته التّربية دورا في تواصل الإنسان مع العالم في فكّ رموزه.” إنّ تجاربنا هي روافد ترمي بنفسها في النّهر نفسه الّذي هو حساسيّة شخص فريد لا يعرف الرّاحة، يتطلّبه دوما توق العالم المحيط به. فإذا نحن أحسسنا بذبيب موسيقى تؤثّر فينا، فهذا يعني أنّ الجسد ليس تواليا من المؤشّرات الحسيّة المحدّدة وإنّما تركيبة كلّ شيء يتمازج…الإدراك ليس مجموعا من المعطيات، وإنّما هو إمساك شامل بالعالم يتطلب في كلّ لحظة مجموع الحواس”61

هناك اختلاف كبير بين الفلاسفة في تقدير قيمة المعرفة الّتي توفّرها الحواس كما هو شأن أفلاطون وديكارت، إلاّ أنّ الإدراكات الحسيّة مشروطة بمعرفة الفرد في استثمار توجهها المحسوس.

 2- من البصر إلى العلم

يبدو أنّه لا مكان للأعمى في وفرة مرئي لا حد له توفّره الرّؤية، الّتي تعني من ضمن ما تعنيه القدرة على التّبصر والفهم ووزن الأحداث، وبالتّالي فالأعمى مرافق للقلق، حيث يفتقد للنّور والعقل، والتّفكير والتّفحّص. وتتميز الرّؤية بالغنى والتّعدد في الطّرائق والمنظورات وتنوّع الدّلالات. لذلك يكون البصر أكثر عمقا واتّساعا في استغلاله للمسافات الّتي تتيحها حدود الرّؤية ومحدوديتها في مختلف الاتّجاهات، وموجّها أيضا للحواس الأخرى في اشتغال إدراكها. والبصر ضرب من الاعتقاد والفهم والمعرفة بالإضافة إلى اشتغاله كمجازات تعين الفكر، عكس العمى الحامل لدلالات الجهل واضطراب العقل. وإذا كان البصري عارض ولا مبال فإنّ النّظرة أكثر عمقا وفهما واهتماما في التّفاعل مع المحسوس في احتوائه وتملكه البصري، إنّها نوع من اللّمس بالعين الّذي يؤكّد ضرورة تضافر الحواس الّتي من دونها تظلّ النّظرة مشلولة عاجزة. كما يقول ميرلوبونتي “علينا أن نتعوّد على أنّ كلّ مرئي يقتطع شكله من المحسوس، وأنّ كلّ كائن ملموس يكون منذورا مبدئيا للرّؤية، وأنّ ثمّة تداخلا وتجاوزا بين اللّمس واللاّمس أيضا بين الملموس والمرئي المندرج فيه”72 أو كما يشير إلى ذلك هاتويل” يتغذّى اللّمس والنّظر من بعضهما البعض في إدراك الفضاء”72.

والمفهوم السّائد اليوم حول البصر في المجتمعات الغربيّة مرّ بتحوّلات حيث كانت له في المرحلة الوسيطيّة قوّة وتأثيرات حسنة وسيئة، كالإيمان بالعين الشّريرة والتّحكم والتّملك واللّمس والالتهام، كما أنّه حاضر أيضا في التّواصل العاشق. وهذا ما يسمح بالقول إنّ عيون الإنسان العادي ليست هي عيون العاشق حيث تكون المرأة محطّ تقويم بصري حسب جمالها أو قيمتها…، والنّظر قوّة قادرة على اللّمس والمداعبة والعناق. كما ينتج عنه تحوّلات جسمانيّة في التّنفّس وضغط الدّم والتّوتر…، لذلك تكون للنّظرة دلالات مختلفة، فقد تكون ثقيلة، قاسية، شرسة وعدوانيّة، أو مفعمة بالحبّ والحنان، وقد تقلب الحياة رأسا على عقب. ولهذا كانت تثير الخوف والرّغبة ورهاب الخطيئة ودنسا للنّفس كالزّنا. وفي هذا السّياق يمكن الإشارة إلى رؤية يوفّرها الفيلم البرنوغرافي مشحونة بالاحتقار لكلّ ما له صلة بالمرأة، في الوقت الّذي يظهر الرّجل صاحب كرامة. لهذا يندّد الخطاب النّسوي بالحظوة الذّكوريّة للبصر. ” تركّز البرنوغرافيا على اللّذة الذّكوريّة لأنّها مرئيّة وصارخة ومنتصرة ولا يمكن الشّك فيها، ونابعة من منطق الفعل الإنجازيّ. إنّها لذّة المرئيّ الكلّيّ، ولا شيء غيره. لا يقف الأمر عند دغدغة العين، وإنّما غرسها في ثقوب المرأة إلى أبعد حدّ بحثا عن حقيقة الرّغبة.”80 هكذا هي الرّؤية ليست شفّافة وبريئة فالإنسان يتعلّم طريقة النّظر من الصّغر شيئا فشيئا اعتمادا على خطاطات إدراكيّة، حيث يصبح البصر مع سيرورة نموه مركزيا في تربيته وعلاقته بالآخرين والعالم إلى أن يكتسب شفرات الرّؤية الثّقافيّة الّتي تنقص تكوينه. وانطلاقا من مبدأ التّعلم هذا تختلف رؤية النّاس للعالم البصريّ نفسه والواقع المعيش ذاته. وما يؤكّد على أنّ البصر تعلم هو حالة الأعمى الّذي استعاد بصره، أو من عانى من مشكلات بصريّة ثمّ تحسنت وضعيته بعد فترة من الزّمن ليست بالقصيرة. ففي هذه الحالات نلاحظ صعوبات في الرّؤية بشكل عفوي تلقائي، بل ضروري من أن يتعلّم الإنسان استعمال عيونه وممارس النّظر. ” إنّ استعادة الأعمى من الولادة للبصر، لا يضيف له بعدا آخر للوجود بل يدخل زلزالا حسيّا في الهويّة. فهو كان يعتقد أنّ العالم سيمنحه نفسه بكلّ براءة وعفويّة، غير أنّه يكتشف واقعا من التّعقيد بحيث أنّه يجهد في اكتساب شفراته، محاولا بالموازاة مع ذلك أن ينسى ما يدين به للّمس والسّمع.”84 فكما قلنا سابقا بأنّ الرّؤية هي سيرورة بناء ثقافي اجتماعي ولاوعي، وهويّة فرديّة لها حياتها الخاصّة في كيفيّة استعمال النّظرة، من خلال تأويل يوجهها نحو دلالات معيّنة، إنّه استعمال تؤسّسه عين غير بريئة في بناء العالم الإدراكي الحسّي، حيث لا تسكن البراءة الملتبسة بالعجز وعدم الفهم غير عين الأعمى المسترجعة للبصر.  من هنا يمكن القول كلّ إدراك هو رؤيّة للعالم يشكّلها منظور اجتماعي وثقافي، ونظام تأويل له بصمة التّاريخ الشّخصي للفرد الّذي جعل البصر نشاطا تأويليا، ومنهجا وفكرا عن العالم. ومهما كانت حدّة النّظر فإنّ التّعلم يفرض نفسه كي يتمكن الفرد من اكتساب شفرات الإدراك حسب مهنته الّتي يسعى إلى تحقيقها، أو إنجازها. إنّها نوع من التّربية اللاّواعيّة الّتي تجعل الانسان متمرّسا ودقيقا في نظرته حسب مخزونه البصريّ. وهذا ما يؤسّس اختلاف النّظرة من مجتمع لآخر، ممّا يبعدنا عن “النّزعة العرقيّة التّمركزيّة الغربيّة طويلا في كونيّة تصوراتها عن الصّورة والمنظور، جاعلة من الصّعوبة الّتي تواجهها الحضارات الكبرى في فهمها مسألة تعود للدّونيّة الثّقافيّة أو الفكريّة. والحقيقة أنّ الغرب عرف الفشل نفسه في محاولته فهم دلالات الصّور أو التّحف التّقليديّة لتلك المجتمعات الّتي كان يحتقرها.”94 وهذا ما حصل بالفعل على مستوى الصّور الفتوغرافيا والسّينمائيّة، لكنّ طغيان التّقنيّة واقتصاد السّوق جعل العالم غارقا في الثّقافة البصريّة إلى درجة القضاء على تعدديّة العالم. مع العلم أنّ البصر فرز وتأويل، ويتعامل مع الواقع حسب حالة الفرد النّفسيّة، الحزن/الظّلمة، والفرح/ النّور الوردي. بمعنى أنّ الفضاء بلورة نفسيّة اجتماعيّة وثقافيّة، حسب الحالة المزاجيّة والأخلاقيّة والوقائع المعاشة للفرد، وتبعا لتاريخه الشّخصيّ. هنا يكمن سرّ اختلاف النّظرة من شخص لآخر، ومن عصر لآخر. لأنّ ما يعتبر اليوم خارقا للطّبيعة قد كان طبيعيا يراه النّاس وفق تصوّراتهم ومعتقداتهم الخرافيّة والدّينيّة والأسطوريّة، أي تبعا لما ينتظرون رؤيته. “فكلّ مجتمع يرسم حدود المرئيّ واللّامرئّي، وما يلزم رؤيته وما يفلت من الرّؤية، ويصوغ المقولات البصريّة الّتي هي أوّلا مقولات ذهنيّة. إنّ شيئا أو منظرا طبيعيا لا يكون دوما منغلقا في دلالة أحاديّة لأنّ كلّ شيء رهين بمن يدركه.”102

ولعلّ ما يعسّر أكثر على التّحديد الدّقيق هو اللّون، حيث تقف اللّغة عاجزة لوصفه بدقّة، وهذا ما يستلزم مقولات ذهنيّة للتّعرف على الألوان، أي اكتساب معجم للتّفكير في العالم متّصلا بانتمائه الاجتماعيّ الثّقافيّ وبحساسيته الفرديّة. “لا يوجد اللّون خارج نظر الإنسان الّذي يفصل الأشياء عن النّور. إنّه ليس فقط أمر بصريا فيزيائيا أو كيميائيا، بل هو أوّلا مسألة إدراك. لا يستبطن اللّون آليا من الطّرائق المختلفة لشبح نيوتن، إنّه معطى شخصي متشرب بالتّربية. يتأوّل الإنسان الألوان، وهو لا يسجّلها. فهي أوّلا وقبل كلّ شيء مقولات معنى ولا يتمّ إدراكها على النّمط نفسه في المجتمعات الإنسانيّة.”105

تعلمنا أنثربولوجيا الحواس على أنّ اللّون ليس شيئا معطى بديهي متّفق على طبيعته، بل إنّ إدراك الألوان خاضع للكثير من التّغير من مجال ثقافي لآخر ومن عصر لآخر، كلّ حسب معجمه في تسمية الألوان، كما أنّ هناك اختلافات كبيرة في تسمية أو تصنيف الألوان، وعلى سبيل المثال لا الحصر”قبائل البمبارا في مالي يصنفون كافّة الأشياء الخضراء أو الزّرقاء في فئة الأسود، والأصفر الغامق والبرتقالي في خانة الأحمر، والأصفر الفاتح في خانة الأبيض. أمّا قبائل النّدمبوس في زامبيا فإنّهم يطابقون أيضا بين الأزرق والأسود، وبين الأصفر والبرتقالي والأحمر.”108 وهذه الاختلافات في تصنيف وتحديد الألوان يخلق صعوبات في التّرجمة، ممّا يتطلّب إدراكا دقيقا لسياق الكلام، حيث كلّ اصطلاح لونيّ يحيل إلى فكر خاصّ عن العالم. الشّيء الّذي يجعل من الصّعب عزل الألوان عن القيم والرّمز المحليّ وفق مفاهيم عن الألوان جدّ متباينة. ومع ذلك لا شيء ثابت في حياة الإنسان فهو يغنّي باستمرار معارفه اللّونيّة وإدراكه البصري.

والبصر يجد نفسه عاجزا في وجه اللّيل الّذي يجعل الإنسان مسكونا برعب القلق والخوف بسبب استحالة ربط المعنى بالمحيط. خاصّة عندما تخترق الأصوات الملتبسة سكون اللّيل مخلّفة عشرات الأسئلة المرعبة في جوف الإنسان، لأنّ بصره عاجز عن فكّ لغز ما يحدث والحواس الأخرى مشلولة في فهم ما يجري تذكيرا بالهشاشة والتّناهي الّذي يمسك بالإنسان. فلا شيء يثقب اللّيل غير عيون العرافة والأعمى الّذي يرى عالما لا يراه الآخرون.” العمى ليس بترا لعضو، وإنّما انفتاحا للنّظر على زمن النّاس الّذي ما يزال مجهولا، وهو يعني مهارة الإبصار في ما وراء المرئي حيث تنحبس عيون من لا يرون أبدا… البصير مات في بعد عادي من الوجود كي ينبعث في آخرة لا تمنح لأي كان”120

3 – السّمع والتّفاهم: من التّفاهم التّام إلى سوء الفهم

حاسّة السّمع رغم وجودها في الزّائل والعرضي، فهي لها دور كبير في حياة الانسان لارتباطها بالفهم والفكر ومعرفة الذّات والآخر والعالم، وهي الحاسّة الّتي لا يمكن التّحكم في اشتغالها رفضا لما يأتي من العالم الخارجي من مختلف الأصوات الّتي لا تكفّ عن الانبعاث من مختلف الزّوايا وبإيقاعات ورنّات مختلفة في الشّدة والحدّة والمدّة. هكذا هو السّمع لا مكان له وممتدّ مداه يتجاوز البصر. لذلك نجد الأعمى واثقا من سمعه. “السّمع كما الشّم انغماس في العالم. فهو على عكس البصر الّذي يكون منحصرا دوما في المنظور، يكون مشعّا لا حدود لديه غير كثافة الصّوت.ّ125 ويسهّل السّمع الاندماج كانتماء اجتماعي، وهو يكشف ما يختفي وراء المظاهر. والإنسان يتعرّف وجوده من خلال إصاخة السّمع، بواسطة التّربية والتّعليم، وهو يكبر في نسيج صوتي متّصل بدلالات محدّدة، ومختلفة عمّا عاش فيه الاباء. “السّمع حاسّة الطويّة، فهو يأتي بالعالم إلى قلب الذّات، في الحين الّذي يرمي به البصر في الخارج.” 128 وتظهر قوّة السّمع الحيويّة في نوع العلاقات الصّوتيّة بين الوليد وأمّه، حيث تجعله عبر سيرورة تربويّة ونمائيّة قادرا على ولوج الرّابطة الاجتماعيّة، وأكثر من ذلك يمكن لإسماع صوت دقّات قلبها أن يمنح الحياة للوليد كما أثبتت ذلك دراسات علميّة حول الأطفال الخدج.” ليس ثمّة من شفافيّة للمعنى، والتّعلم هو مفتاح العالم الصّوتي. فالأصمّ سابقا، لا ينفتح على بهجة محيطه بقدر ما يعيش العدوان الرّائع لضجيج لا انسجام فيه…فلكي تكون الأصوات ملائمة عليها أن تتحلّل في المعنى، وإلّا فإنّها تنتج عنفا رمزيا”136.

إلاّ أنّ الصّوت يمكن أن يتحوّل من منقذ إلى تهديد لطمأنينة الانسان حين يصير مجرّد ضجيج مولّد للقلق والعنف وسوء التّفاهم لهذا لم تكف المجتمعات عن سنّ قوانين ضدّ الضّجيج الّذي حول حياة الإنسان إلى جحيم مع التّطور التّقني والحضاري، والدّيمغرافي…إلى درجة غير هيمنة البصر في الحياة المجتمعيّة. ” الضّجيج شكل ماكر من التّلوث، غير أنّه أوّلا مسألة تقدير شخصي. إنّه لا يختزل بالضّرورة في حجم صوتي، بل يقاوم أي تدبير موضوعي لأنّه نتيجة انتباه خاصّ وإسقاط عالم من القيم على معطى سمعي معيّن.”141 وهكذا تنتج حرب الحواس في تقدير قيمة الضّجيج بين المتعة والجحيم الّذي لا يطاق كلّ حسب دلالات وجهة نظره.

وأخذت هذه الحرب مظاهر طبقيّة على مستوى موسيقى الشّارع وموسيقى الصّالونات. فكلّ طرف يبحث عن السّيادة في الضّجيج أو في الانسحاب الصّوتي المولّد للمتعة والإشباع الذّاتيّ. ومهما كان التّعود على الضّجيج في تخفيف حدّته ورعبه، فإنّ نتائجه وخيمة على صحّة الانسان، وعلى قدراته في التّعلم والتّحصيل والانتباه والتّركيز، كما يؤدّي إلى تفكيك الرّابطة الاجتماعيّة. لكنّه في بعض المواقف الّتي يغلّفها الصّمت يكون بمثابة الدّرع الحامي من سطوة ورعب غياب أبسط أنواع الأصوات، أو لدرء الخطر المحدق بالنّاس كما يحدث في المواسم الاحتفاليّة، أو ليلة السّنة الجديدة. على أي فإنّ الاختلاف الاجتماعي والثّقافي والشّخصي يتحكّم في تقدير قيمة وأهميّة ومتعة الضّجيج في التّعبير عن مواقف سياسيّة واجتماعيّة واحتجاجيّة، أو في الرّغبة في القضاء على أبسط أشكاله في الوجود المجتمعي، أو في بعض التّصورات والمعتقدات الّتي تخشى الأصوات ليلا تجنّبا لغضب الأرواح. وفي هذا السّياق من التّموقف السّلبي من الضّجيج تمّ التّعامل مع الأخر الغريب كهرج ومرج يجب استبعاده، والنّفور من حضوره المزعج لغة وصوتا وموسيقى “إنّ إضفاء الطّابع الحيواني على الآخر، الّذي يتمّ تفعيله في الخطاب عن المظهر والرّائحة واللّمس ينسحب أيضا على كلامه وصوته وموسيقاه بالقدر نفسه من التّحقير.”150

لقد عرفت التّقاليد الصّوتيّة والثّقافة المحسوسة عبر سيرورة تاريخيّة تحوّلات كثيرة تغيّرت معها العواطف الجماعيّة انطلاقا من ظهور النّواقيس إلى حين الصّراع حول ضرورتها المدنيّة وما تسبّبه من ازعاجات، وتصادم مذهبي طائفي. وقد نتج عن تصفية العالم الصّوتي المألوف جراح هويّة كثيرة. ومع القرن19 طغى ضجيج الآلات البخاريّة والكهربائيّة والسّيارات…

” إنّ الأثر الجسماني للأصوات هو نتيجة لفعاليتها الرّمزيّة لا نتيجة لأثر سمعي. إنّه ليس إحساسا يشتغل وإنّما هو علامة، أي إدراك مرتبط بمعنى عظيم للتّابع أو المريد، وهو صوت يتعرّف عليه لأنّه تعلّم كيف يعرفه ويمارس الفعل تبعا لذلك.”169 فكلّ الإيقاعات بما في ذلك الموسيقى لا تعني شيئا إذا لم تكن ملائمة ومتوافقة مع تقنيات الجسد المفعمة بهوى المعنى قبل هوى الصّوت. إلاّ أنّ هذا لا يقلّل من قيمة الصّوت والسّمع الّذي ارتبط في الكثير من الثّقافات بعمليّة الخلق، حيث ولدت الآلهة المصريّة من الصّوت، كما تلقت جميع الأشياء والكائنات قدرا معيّنا من الصّوت، فكان للكلمة والصّوت حضورا كبيرا في الثّقافات الدّينيّة، حيث يعيد الكلام تشكيل الأمكنة الّتي ترتبط بالأهازيج والرّقصات. “يعيد الكلام المقدّس باستمرار تشكيل العالم كما يتمّ إدراكه من لدن عشيرة طوطميّة، وهو يرسم خطوطا من المعنى تسمح بتحقيق رحلة، بما أنّ التّرحل الإنشادي يتجاوب بعضه مع البعض بسبب المبادلات بين الجماعات المختلفة. الأهازيج والخلق يشكلان شأنا واحدا لأنّ الخلق تجلّ للإنشاد.”173  وهذا ما يعني القوّة الّتي يمتلكها الصّوت/الكلام، أي الكلمات في قدرتها على امتلاك المكان، وتحويل الواقع إلى درجة التّحكم في العلاقات الاجتماعيّة وكلّ الاشياء الوجوديّة الّتي يمكن استدعاؤها للتّحكم في الإنسان أو لتحريره من هيمنة وسطوة السّاحر. بمعنى أنّ للكلمات/ الأصوات قوّتها الّتي تتجاوز دلالاتها في إبطال السّحر وطرد الأرواح الشّريرة، وعلاج المرضى والرّبط بين الماضي والحاضر، وبالتّالي تغيير العالم. “إنّ قوّة الذّكْر لا تكمن في معنى الكلمات وإنّما في صوتها. فالكلمة “س” هي الكلمة السّحريّة الّتي تجم”د السّاحر المشعوذ كي تسقطه في تحليقه… الصّوت لدى شعب السّونغاي وغيرهم معروف بحياته المنفصلة عن مجال النّاس والحيوانات والنّباتات. والكلمات ذات قوّة والأصوات تحمل القوّة.”175 وهذا ما يؤكّد سطوة البعد الشّفهي في المجتمعات قديما وحديثا. هكذا جَذّر الانسان نفسه في العالم من خلال السّمع الّذي يعدّ غيابه إشكالا خطير في الالتحاق بالرّابطة الاجتماعيّة في صورة تتضمّن التّقدير والاعتراف. وهذا ما يعاني منه الاطفال عموما بعيدا عن حمّام الأصوات اللغوي، خاصّة الصّم، البكم، الّذي يجدون أنفسهم داخل عالم بصري يعتمد على إشارات الجسد واللّغة الشّفهيّة أو المكتوبة بعد معاناة طويلة في انتزاع هذا الحقّ في التّواصل الّذي يخرجهم من عزلتهم  وأزماتهم النّفسيّة والعاطفيّة والفكريّة والاجتماعيّة، خاصّة في المجتمع الّذي يجعل الأصمّ معاقا لأنّه يرتكز على السّمع في تربيته، عكس ما يوفّره له المجتمع الإفريقي من طقوس جسديّة تمنع إعاقته وحرمانه من المعنى، وهو يستعمل النّظر واللّمس والشّم. “إنّ الاتّصال بين العوالم الحسيّة وعالم المعنى ليس بالأمر السّهل إقامته، إذ هو يتطلّب من الشّخص الأصمّ انتباها لا يفتر كي يحافظ على التّواصل. فغياب الأصوات للتّواصل يؤدّي في العلاقة مع شخص ذي سمع إلى محادثة تتمّ في السّجل البصريّ لعناصر دلالة يتمّ بثّها باللّغة: فالفهم يتمّ بفكّ حركات الشّفتين واليدين والجسد نبرة النّظرة والإيماءات، وغيرها. وفتور المحادثة صعب الحصول لأنّ كلّ انقطاع في الاهتمام يبدّد الإشارات.”188

4– الوجود باعتباره قصّة بشرة: اللّمس أو حاسة التماس

لقد نظر الفلاسفة منذ القدم إلى حاسّة اللّمس بكونها تشمل الجسد كلّه، حيث هو في علاقة تماس بكلّ ما يأتي من الخارج، فكلّ شيء يمرّ من خلال البشرة باعتبارها عماد الحواس الأخرى. إلاّ أنّ الأفلاطونيّة بنظرة فيها ازدراء واحتقار لليد، تجعل من اللّمس حاسّة فجّة، باعتبارها موطنا للانحطاط. وهذا ما كرسه الكثير من الفلاسفة من بينهم ديكارت. لكن أن يفقد الإنسان حاسّة اللّمس، يعني أن يتحوّل الفرد إلى كتلة جامدة صمّاء لا حركة ولا فعل فيها محروما من التّمتع بالعالم. ” اللّمس الحاسّة الوحيدة للحياة فهو الفرشة الأساس لعلاقة الإنسان بالعالم… تأتي معارفنا من الحواس، وبالأخصّ من اللّمس، لأنّه هو الّذي يعلم الحواس الأخرى.”192 لهذا يتميّز الإنسان ببشرته الحيّة عرقا ولونا وسِنّا ووضعا اجتماعيا…، وهي الّتي تشكّل ذاكرته اللّاواعية بكلّ أبعادها الثّقافيّة والنّفسيّة، وهي في تواصل تماسي مع العالم.

وإذا كان للبصر وظائف وأدوار مباشرة، فإنّ اللمّس يشتغل بتماس مع الواقع والعالم، ولكنّهما متكاملان. والإنسان في اللّحظات الصّعبة والحرجة لا شيء ينقذه من محنته غير اللّمس على الشّعر والوجه، أو لمس أشياء أخرى كالحجر والسّبحة…، كلّ هذا لطمأنة النّفس، وانتزاع وجود خاصّ. إنّه الاختيار الحقيقي للواقع في المسافة بين الذّات والعالم في نوع من المواجهة الجسديّة بحثا عن حدود للمعنى. “إنّ هذه الحدود الّتي يتمّ البحث عنها بشغف تنحل في مواجهة جسمانيّة مع العالم، مع الرّغبة في لمسه والإحساس به بكامل الجسد. التماس البدني أو الانجاز يشكل حاجزا للهويّة.”198 إنّها طريقة للإحساس بالوجود وإثبات الذّات ولو من خلال الجرح والألم والاعتداء على الجسد للشّعور بذات حيّة كهويّة ذاتيّة. وفي هذا التماس تظلّ اليد هي الفاعل الرّئيسي في القيام بالكثير من المهام كيد تمّت تربيتها وفق سياق تعلمي يعبّر عن ذكاء الفعل الحر والنّشيط في استكشاف العالم. ولعلّ في طفولة اللّمس ما يؤكّد غنى تجربة التّماس العاطفي في التّغلب على أي نقص خلال سيرورة الولادة والنّمو والبقاء على قيد الحياة المفعمة بالملموس والمسموع والمشموم والمتذوّق إلى حدّ الإشباع، في حضن الأمّ الّتي هي “في الآن نفسه عماد المعنى والأحاسيس، فهي تتابع زمنيا الولادة الاجتماعيّة والفرديّة لطفل تطبع عليه نبرة علاقته بالعالم. فالطّفل يبني مفهومه للحدود ويتمثّل الثّقة الّتي تمكنه من الإحساس بالوجود بسعادة واكتمال. ومحيطه يكون في نظره مليئا بالمعنى والقيمة، فلا هو يكون ضاغطا ولا فارغا، بل يستحق الاهتمام.”208 وإذا ما افتقر إلى هذا التّماس الجلدي المشبع بالمحفزات الحسيّة والحنان، يعيش حياته بمشاكل معرفيّة و صحيّة في النّمو، ويتصرّف ببرودة، أو بمسافة وعدوانيّة تجاه الآخرين. لذلك فإنّ التّربية بنوعيها التّماسيّة والتّباعديّة تترك بصمتها بشكل مختلف على حساسيته الجسديّة والعاطفيّة وعلى بشرته كذاكرة حيّة. “البشرة هي بشكل مزدوج عضو التماس والاتّصال، وإذا كانت تتحكّم في اللّمس، فهي أيضا تقيس جودة العلاقة مع الآخرين وقيمتها. يكون الإنسان في حال جيّد أو سيء في جلدته. فعلاقة الانسان بالعالم هي مسألة بشرة.”220

فهذا التماس الجسدي من خلال حاسّة اللّمس يحقّق الإنسان وجوده، خاصّة الأعمى الّذي يرى من خلال يديه ويتعرّف ذاته ومحيطه والعالم بواسطة تربيّة دقيقة لأصابعه، أي يعتمد اللّمسيّةhaptique الّتي تجاوز اللّمس، وهي إمكانيّة يتمّ تطويرها مع الزّمن، من أجل التّغلب على المشوّشات الطّبيعيّة كالرّيح والمطر، أو الاجتماعيّة بوفرة المعلومات الّتي تتوارد عليه.” متعة العالم تتجذر لدى الأعمى في بعد آخر للواقع مقارنة مع المبصر. فإذا كانت عبارة “يوم جميل” هي بالأحرى عبارة بصريّة، فهي تأخذ لدى الأعمى نبرة حسيّة أخرى تكون شميّة أو لمسيّة.”229

والبشرة أيضا تلعب دورا في تنظيم حرارة الجسد، حيث تنعكس عليها حرارة العالم. والفرد يعيش مختلّف التّغيرات الحراريّة الجسديّة والنّفسيّة والاجتماعيّة والطّبيعيّة تبعا للظّروف ولحساسيته الشّخصيّة في الإحساس بالسّخونة والبرودة أو النّظرة الحارقة، الدّفء العاطفي والتّماس الجسدي…، والمناخ التّربوي والحرارة العائليّة أو برودتها…، وهكذا تختلف عمليّة تحمّل هذه الأوضاع الحراريّة من فرد لآخر حسب سجّله الثّقافي الاجتماعي والشّخصي. لهذا لا نستغرب تعامل بعض المجتمعات مع الحرارة بشكل مرعب كاستعمال اليد في ماء يغلي، أو في العيش في ظروف مناخيّة جدّ صعبة شتاء وصيفا شبه عراة دون أن أيّة حساسيّة إزاء البرد أو إزاء الحرارة، بمعنى أنّ الادراكات الحراريّة هي في جانب كبير هي مسألة تكون وتربية وقدرة خارقة على تنظيم الحرارة في الجسم.

******

دافيد لوبروطون: أنثربولوجيا الحواس، ترجمة: فريد الزّاهي، المركز الثّقافي للكتاب، ط1، س2020.

الهوامش من الكتاب.  

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This