معضلة “قلب الظّلام” هل رواية كونراد نقد للكولونياليّة أم مثال عنها؟ (ج1)

ديفيد دينبي

“من منكم جاء من عرق بربري”؟ صاح البروفيسور جيمس شابيرو مخاطباً طلبته.

“كلّنا جئنا من أفريقيا” قال الطّالب الأمريكي ذو الأصول الأفريقيّة في الدّورة الدّراسيّة، وهو من سأدعوه هنري، مشيراً بهدوء إلى الافتراض السّائد بين معظم الأنثروبولوجيين أنّ الحياة البشريّة نشأت في أفريقيا جنوب الصّحراء الكبرى. كان هنري يقول أنّه ما من تراتبيّة عرقيّة بين النّاس – أي أنّنا جميعاً “برابرة”.

ابتسم شابيرو. لم يبدو أنّ هذا الجواب هو ما كان يبحث عنه بالضّبط، لكنّه كان جواباً جيّداً. حاول مرّة أخرى. “هل أنت طبيعيّة”؟ زمجر في وجه طالبة تجلس على طاولة في مؤخّرة حلقته الدّراسيّة. ما هي القيود الّتي تكبّلكِ؟ ما الّذي يسمّركِ؟ هل تحاولين التّمدن بجلوسك هنا لقراءة الآداب الإنسانيّة؟

كانت تلك نهاية السّنة الدّراسيّة. كان المزاج العامّ مضطرباً، كثيفاً ومثقلاً بالاحتمالات. باختصار، كنّا نقرأ جوزيف كونراد، الكاتب الأخير في دورة جامعة كولومبيا للآداب الإنسانيّة، واحدة من دورتي الكتب المشهورة “العظيمة” الّتي لطالما كان طلاّب كولومبيا المقبلين على التّخرج مُطالبين بها. كلا الدّورتين، الآداب الإنسانيّة والدّورة الأخرى، الحضارة المعاصرة، كانتا مكرّستين لأكثر أشكال السّرد سخريّة في الثّقافة الغربيّة. كانت لائحة الكلاسيكيات في دورة الآداب الإنسانيّة تبدأ بهوميروس وتنتهي وفق التّسلسل الزّمني بفرجينيا وولف. كنت قد أنهيتُ السّنة بقراءة الكتب ذاتها جالسّاً في أحد صفوف الآداب الإنسانيّة، الّتي كانت تُدّرس كلّياً من خلال المقاطع، إذ لم يكن هناك محاضرات. كان يُخصّص للمعلّمين الأفراد في نهاية العامّ أسبوع من أجل الاختيار الحرّ. بعض المعلّمين كان يختار العمل مع نصوص دوستويفسكي أو مان، أندريه جيد أو بورخيس. شابيرو، المختصّ بشكسبير من قسم اللّغة الإنكليزيّة والأدب المقارن (كتابه شكسبير واليهود ستنشره مطبوعات جامعة كولومبيا في كانون الثّاني) اختار كونراد.

كانت المصطلحات البلاغيّة لأسئلة شابيرو –الوحشيّة، الحضارة، القيود، التّسمير-  مُستقاة من “قلب الظّلام” رواية كونراد الصّغيرة العظيمة عن النّهب الكولونيالي، والطّلاب الّذين كان معظمهم طلاّباً جدداً أصابهم المسّ. لم تفقد رواية كونراد “المألوفة لأجيال من القرّاء” بعد مئة سنة شيئاً من قدرتها على الإدهاش وإثارة الرّوع: تبقى في العديد جوانبها نقطة انطلاق أساسيّة لمناقشة الحداثة، الإمبرياليّة، نفاق الغرب وأمجاده وأوجه الغموض في “الحضارة”. أخضعها عشرات النّقاد لمختلف التّأويلات الرّمزيّة والميثيولوجيّة والنّفسيّة. اقتبس ت.س. أليوت سطراً منها كمقدّمة لقصيدته “الرّجال الجوف”، فوكنر وهمنغواي تأثرا بها بشدّة، كما هو الحال بالنّسبة لأورسون ويلز وفرانسيس فورد كوبولا الّذي استخدمها كخلفيّة لملحمته القاتمة عن الأمريكيين في فيتنام “القيامة الآن”.

على أيّ حال وقع كونراد ولا سيّما “قلب الظّلام” في السّنوات الأخيرة في شرك الارتياب الأكاديمي بينما أصبح الكتّاب “موقعاً للنّزاعات” في الرّطانة الغريبة للسّكان الأصليين. مع ذلك قدّم كونراد رؤية القرن التّاسع عشر الأوروبيّة للأفارقة بوصفهم همجاً. هاجم الإمبرياليّة البلجيكيّة في الوقت الّذي بدا فيه أنّه يمجّد نظيرتها الإنكليزيّة. في عام 1975 هاجم الرّوائي والكاتب النّيجيري المرموق شينوا أشيبي “قلب الظّلام” لعنصريتها، ودعا إلى حذفها من قائمة الكلاسيكيات الغربيّة. إدوارد سعيد، أحد أشهر النّقاد والباحثين في كولومبيا اليوم أبرز عداءه لها مؤخّراً وأثار عدداً من الأسئلة التّي تنال منها. إدوارد سعيد ليس محطِّماً لقائمة الكلاسيكيات بالتّأكيد. لكن إن كان كونراد فاقداً للمصداقيّة، فمن الصّعوبة بمكان أن نتخيّل تحدّياً أكثر نجاحاً للتّركة الأكاديميّة من الاستنكار المستمرّ “لمناقشات الهيمنة” في النّصوص الكلاسيكيّة الغربيّة. هناك أيضاً السّؤال الّذي لا بدّ منه والمتعلّق بالعدالة لكونراد ذاته.

قلب الظّلام الّتي كًتبت في أقلّ من شهرين في نهاية عام 1898 ومطلع عام 1899  هي في آن معاً قصّة رحلة ونوع من حكاية خياليّة كئيبة. يسافر مارلو، سارد كونراد، وأناه البديلة المألوفة، التّاجر البحري من القرن التّاسع عشر، صعوداً عبر الكونغو في خدمة الشّركة التّجاريّة البلجيكيّة الجشعة آملاً أن يستعيد السّيد كورتز مندوب الشّركة اللّامع وتاجر العاج الّذي غيّبه الصّمت على نحو غامض. السّيد كورتز العظيم! الجميع في إفريقيا يثيرون الشّائعات عنه، يحسدونه، وباستثناء نادر يبغضونه. كورتز زهرة الحضارة الأوروبيّة (كلّ أوروبا ساهمت في خلق كورتز)، المثال في الرّأفة واللّطف، الصّحفي، الفنّان، الإنساني، ذهب صعوداً عبر النّهر وبمرور الوقت في الأحراش تخلّى عن نفسه ليسلمها إلى نوع معين من ممارسات غربيّة. ببندقيّة في يده، نصب نفسه إلهاً أو شيطاناً مهيمناً على الأفارقة. كونراد مبهم فعلاً بشكل واضح بصدد ما يفعله كورتز، لكن إن قلت أنّ كورتز “يقتل بعض النّاس، يمارس الجنس مع بعضهم الآخر، يسرق كلّ العاج” فإنّك لن تكون، كما أعتقد، مخطئاً كثيراً. في حالة كورتز، الإحسان المزعوم للكولونياليّة قد أزهر من خلال الجريمة. رحلة مارلو من أوروبا إلى أفريقيا ومن ثمّ صعوداً إلى موقع كورتز في الأعماق هي كشف لحضيض وفاجعة المهمّة الكولونياليّة، إنّها أيضاً، في عقل مارلو، عودة إلى بدء الخليقة عندما حكمت الطّبيعة الجموح والعفويّة، ورحلة مجازيّة إلى الأعماق عبر طبقات الذّات لإخضاع وقهر الرّغبات. عند بوابة الموت، يقابل مارلو وكورتز كلّ منهما الآخر.

غالباً ما تشكّل قراءة عمل أدبي صدمةً، لقاء مع ذاتك الأولى الّتي تجاوزتَها، ولقد شعرتُ بالانزعاج في البداية بينما لم أكن كذلك في الماضي من المعالجة النّبيهة، الرّائعة، المروعة والإثارة النّابضة (ما من كلمة أخرى) لبراعة كونراد اللّغويّة الفنيّة المضنيّة. ولد كونراد في أوكرانيا البولنديّة حيث سمع نطق الإنكليزيّة بينما كان صبيّاً (والده ترجم شكسبير)، كانت الإنكليزيّة لغته الثّالثة، ونثره كان ولا يزال يكشف نزوع الفرنسيّة “لغته الثّانية” إلى الميلودراما الفكريّة الرّفيعة والتّجريد المقفى (جاذبيّة القبح). نثر كونراد متصلّب، بذيء، شنيع. النّاقد الإنكليزي العظيم فرانك ريموند ليفيز الّذي أحبّ كونراد سخر من بعض الجمل مثل “كانت سكينة قوّة عمياء مكفهرة إزاء غاية مبهمة”. رأى ليفيز أنّ الأسلوب كان منمّقاً غريباً في إثارته للمشاعر (في محاكاة ماكس بيربوم السّاخرة* لكونراد نقرأ):

الصّمت، الصّمت الخفيض وقلق ليلة مداريّة غمرا الكوخ، المحمّص بالشّمس، والّذي تعرّق بخاراً تحت الضّوء السّاخر للنّجوم. في الكوخ كانت هيئة الرّجل الأبيض، السّمين والشّاحب، مغطاة بالنّاموسيّة تلك الّتي كانت ذاتها وهما مثل كلّ شيء آخر ولكن بدرجة أكبر.

قراءة بعض جمل كونراد حين تكون وحيداً أمر يشبه الصّراخ أو العويل بالتّأكيد، لكنّ المرء يقرأها في وحدته فقط عند المراجعة النّقديّة كما في حالة أشيبي أوليفيز. بقراءة الحكاية مباشرة تبدّد انزعاجي بعد حوالي عشرين صفحة وقبض عليّ كونراد بنبرته على نحو لا فكاك منه، وحتّى أكثر تراكيبه رعباً وقوّةً تقع في مكانها ملخصة العديد من المسائل المحدّدة التّي تناولها قبلاً. يتحدّث مارلو:

“كان الإبحار إلى أعلى ذلك النّهر أشبه بالسّفر إلى الوراء، إلى بدايات العالم الأولى، حين كانت النّباتات تغطّي وجه الأرض وكانت الأشجار ملوكاً. المجرى الفارغ، والصّمت العظيم، والغابة المنيعة. كان الهواء دافئاً، سميكاً، ثقيلاً، متثاقلاً، وكانت أشعّة الشّمس تتسلّل كئيبة. امتدّ المجرى المائي مهجوراً في عتمة المسافات الظّليلة، وعلى الضّفاف الفضيّة كانت أفراس النّهر والتّماسيح تتشمّس جنباً إلى جنب. جرت المياه المتوسّعة عبر مجموعة من الجزر الشّجريّة. يضلّ المرء طريقه في ذلك النّهر كما يحدث في الصّحراء، ويصطدم طوال اليوم بضفاف نهريّة مغمورة بالمياه في بحثه عن القناة إلى أن يجد نفسه مسحوراً ومنقطعاً بشكل أبدي عن كلّ ما كان يعرفه في الماضي –في مكان مّا، بعيداً، في وجود آخر ربّما. هناك لحظات يعود فيها ماضيك إليك، كما يحدث أحياناً عندما لا تمتلك لحظة واحدة لنفسك، لكنّه يأتي على هيئة حلم صاخب قلق تتذكّره بدهشة في خضم الحقيقة الغامرة لعالم النّباتات والماء والصّمت الغريب. لكنّ سكون الحياة هذا لم يكن يشبه السّلام بأي شكل من الأشكال، كان سكون قوّة ووحشيّة تخيّم فوق نوايا غامضة”.

تبدو الكتابة الآن “على نحو مّا” أقرب إلى الأفلام السّينمائيّة، إذ تغرق في الإحساس والرّونق، في الأفعال المتطرّفة والعنف الشّاذ “حتّى لو قُدم بطريقة غير مباشرة”، بالرّعشة الغامضة والصّياغات الثّريّة التّحذيريّة المرعبة. على الرّغم من ذلك، وبطرق أخرى، كانت قلب الظّلام حداثويّة بقوّتها الفكريّة، بهارمونيتها الخاصّة المعاصرة الغريبة كلّياً حتّى أنّني فشلتُ (حين كنت أصغر سنّاً) بملاحظة ما تنطوي عليه من كبرياء عظيم وازدراء عظيم، مزاجها السّيكولوجي الّذي بالكاد يحتوي عصياناً مّا، دعابتها السّاخرة الّتي توشك أن تكون ضغينة:

“لا أدّعي القول أنّ ذلك القارب البخاري سيبقى عائماً طوال الوقت، ففي أكثر من مناسبة كان عليه أن يتقدّم في المياه قليلاً وعشرون من آكلي لحوم البشر يخوضون في الماء ويدفعون به. كنّا قد جّندنا بعض هؤلاء الشّبان تمهيداً لتشكيل طاقم للقارب. كان آكلو لحوم البشر أولئك جيدين إذا أخذنا الظّروف المحيطة بالحسبان. رجال يمكن للمرء أن يعمل معهم، وأنا ممتن لهم. فعلى الأقلّ لم يأكل بعضهم بعضاً أمامي. جلبوا معهم مخزونا من لحم فرس النّهر فسد مع مرور الوقت وجعل غموض البراري يزكم أنفي. شيء يبعث على الغثيان! يمكنني أن أشمّه الآن. كان المدير معي على متن القارب، بالإضافة إلى ثلاثة أو أربعة حجاج مع عصيّهم –الطّاقم كاملاً. أحياناً كنّا نقع على محطّة قريبة من الضّفة تتشبّث برداء المجهول، وكان الرّجال البيض يهرعون خارج الخيمة المتهالكة مع إيماءات قويّة تشي بالفرحة والدّهشة والتّرحيب. كانوا غريبين جدّاً. بدا عليهم وكأنّهم ضحيّة سحر مّا. كانت كلمة عاج ترن هناك لبعض الوقت. ومن ثمّ تابعنا طريقنا في الصّمت، على طول الامتدادات الفارغة، حول المنعطفات السّاكنة، بين الجدران العالية التّي تحف بمسارنا الملتف. ونحن نردّد بتصفيق أجوف ذلك الإيقاع الرّتيب للعجلة العنيدة”.

بعيداً عن أعين مواطنيهم العائدين إلى الوطن الّذين واصلوا تغطية المهمّة الكولونياليّة بلغة الإحسان المسيحي والتّمدين أصبح المستكشفون “الحُجّاج” أكثر جشعاً ووحشيّة. المتوحّشون الّذين يأكلون لحم فرس النّهر يمارسون ضبط النّفس، بينما لا يفعل الأوروبيون ذلك. كان هذا هدف شابيرو من سخريته تلك في البداية:”الوحشيّة” متأصّلة في كلّ منّا، بمن في ذلك الأكثر “تمدّناً”، لأنّنا نعيش، تبعاً لكونراد، فاصلاً موجزاً بين قرون ماضية لا تحصى من الظّلام وظلمات أخرى لم تأت بعد. المسامير وحدها، اللّازمة بشدّة لإصلاح مركب مارلو البخاري المثير للشّفقة توفّر الثّبات –المسامير والمركب نفسها وقوانين البحارة والواجب هي ما يجعل الحياة محتملة في أزمنة الفوضى الأخلاقيّة. مارلو يقابل كورتز في النّهاية، يحتقره بسبب استسلامه وفي الوقت ذاته، وبتناقض فاتن، يُعجب به لرحلته الطّويلة المضنية إلى قاع روحه وعثوره هناك، عند تخوم الموت، على قيامة حياته. قد يكون هذا أشهر مشهد موت كُتب منذ شكسبير:

“لم أر في حياتي كلّها شيئاً على غرار ذلك التّغيير المفاجئ الذّي كان يتلامح على وجهه، وآمل ألاّ أراه ثانية. آه، لم أتأثر. لكنّني سُحرت. بدا لي وكأنّ نقاباُ قد تهاوى وسقط. رأيتُ على ذلك الوجه العاجي تعبير الزّهو الكئيب، والسّلطة المتوحّشة، والرّعب الجبان –تعبير اليأس العميق. هل عاش حياته ثانية بكلّ تفاصيل الرّغبة والإغواء والاستسلام في تلك اللّحظة من القصوى من المعرفة التّامّة؟ صرخ همساً في وجه صورة مّا، رؤية مّا –صرخ مرّتين، صرخة لم تكن أكثر من تنهيدة:

الرّعب! الرّعب!”

الكثير من الجدل والحفاوة الدّوريّة واكب لفترة طويلة السّؤال عمّا كان كورتز يعنيه بصيحته المثيرة: “الرّعب”. كان أحد الأشياء التّي يعنيها بالتّأكيد هي احتفاله المديد بـ”القبح” – بسقوطه الرّوحي. أسئلة شابيرو الافتتاحيّة تفسح المجال لقراءة القصّة تستجوب الحضارة الغربيّة التّي يُعتبر كورتز ممثلّاً أعلى لها والّتي كان الطّلاّب نماذج لها بفتوتهم.

عندما سأل شابيرو الصّف لماذا يعتقدون أنّه اختار “قلب الظّلام”، ارتفعت الأيدي قبل أن ينهي سؤاله.

“اخترته لأنّ لبّ المنهج الدّراسي بأكمله يتجسّد في كورتز” قال هنري، الّذي كان قد أجاب عن سؤال شابيرو الأوّل. “نحن نجسّد هذه المعرفة، والكتاب يسأل، هل سقطنا في العدم، هل غرقنا أم أنّنا خرجنا بإحساس أقوى بالذّات”؟

هنري حوّل الكتاب إلى امتحان للدّورة الدّراسيّة وله أيضاً. كان لكونراد أهميّة شخصيّة عظيمة بالنّسبة له، الأمر الّذي لم يفاجئني. فهو أمريكي- أفريقي من بالتّيمور، في سنته الثّانية في جامعة كولومبيا، نيتشوي متحمّس، وقد كان هذا نصّاً نيتشوياً على الرّغم من زعم كونراد  أنّه لم يحب نيتشه. حياة ذات معنى بالنّسبة لهنري -أسطورته الشّخصيّة- تتطلّب (كما قال في الصّف مرّات عديدة) التّحدي، الصّراع وتجاوز الذّات. كان طويلاً وقوياًّ، بقصة شعر قصيرة مثبتة وصوت متحمّس خفيض. بعد شهور عديدة من هذه الدّورة وسم نفسه بعلامة أخويّة السّود في كولومبيا – وهو فعل تهكّم مرير غير مُتاح لأعضاء العرق المسيطر. كورتز المروع كان مثالاً له مثلما كان لبطل كونراد، مارلو.

طالبة في السّنة الأولى من الصّين كانت خلفيتها الأدبيّة بريطانيّة وعالميّة رأت الكتاب أيضاً كاختبار للحضارة الغربيّة. لكن بخلاف هنري، كرهت الهاوية. كان كورتز رجلاً مغوياً، رسولاً للتّفسخ. “هل يسعنا التّعامل مع المعرفة الّتي يضنينا البحث عنها”؟ سألت. “أم أنّنا سنردد مع كورتز، الرّعب”؟ كان انفجار كورتز، بالنّسبة لها، إقرار بفشل المعرفة.

تبنّى العديد من الطّلبة نفس الإشارات. لكنّ المفاجئ، أنّ الطّلبة في نهاية الدّورة الدّراسيّة كانوا مستعدّين تماماً ليروا سنتهم الدّراسيّة في الكلاسيكيات الغربيّة سنةً إشكاليّة. قراءتهم “للكتب العظيمة” يمكن تأكيدها فقط إذا ما كانت في الوقت ذاته موضع تساؤل. لا شكّ أنّ أسئلة شابيرو البلاغيّة قد شكّلت استجاباتهم، لكنّ حدّة الاستجابات لا زالت تدهشني.

“الكتاب نوع من الامتحان” قال طالب من واشنطن دي سي. “هل يغفر وجود هذا الكتاب الهيمنة الثّقافيّة الذّكوريّة؟ هل يفتدي التّعليم في هذه التّقاليد”؟ أعتقد أنّه كان يعني “هل يغفر وجود كتاب كهذا جرائم الإمبرياليّة؟”. كان ذلك على أي حال هو سؤالي.

كان الطلاّب في حالة معنويّة طيّبة ويتمتّعون بالشّجاعة والجرأة، وبينما كانت الدّورة الدّراسيّة تمضي قدماً كانوا يناقشون مواضع معيّنة في النّص. كان البعض يحمل دفتره الصّغير في يده مثل المبشّرين أمام الجمهور المؤمن. صارع شابيرو طوال العام لجعلهم يقرأون بصوت عال وبإحساس عاطفي بالكلمات وغالباً ما كانوا يفعلون بشكل رتيب وممل كما لو كانوا يقرأون من دليل الكمبيوتر. لكنّهم  يقرؤون الآن بصوت عال بصورة تلقائيّة بأصوات حيّة ترن كالأجراس.

“هذه الدّورة ضرب من الاختزال، أليس كذلك”؟ قال شابيرو. “بدأنا بالرّحلة إلى طروادة”.

“إنّها تشبه كلّ الرّحلات خلال الجحيم الّتي قرأناها”. قال طالب سأدعوه أليكس، نحيل، له هيئة زاهد، ابن بروفيسور. استشهد بالرّحلات إلى العالم السّفلي في الأوديسة والأنيادة، استشهد بدانتي الّذي تمثّله كونراد في ذهنه بالتّأكيد في بعض من لحظاته العظيمة. يصل مارلو إلى إحدى محطّات الشّركة التّجاريّة، مستعمرة مهدّمة على نحو مفجع من الماكينات المعطوبة والسّكك الصّدئة، وهناك يلتقي، تحت الأشجار، دزينة من العمال الأفارقة المرهقين المتروكين للموت. “بدا لي أنّي كنت غارقاً في حلقة سوداويّة لجحيم مّا” يقول:

“كانوا يموتون ببطء –بدا ذلك واضحاً. لم يكونوا أعداء، لم يكونوا مجرمين، لم يكونوا مخلوقات أرضيّة آنذاك –كانوا مجرّد ظلال سوداء للمرض والمجاعة مشلوحين في العتمة الخضراء. لقد أتوا بهم من مغاور الشّاطئ بعقود قانونيّة ثمّ ألقوا بهم في بيئة وحشيّة وقدّموا إليهم طعاماُ غريباً فوهنت أجسادهم ومرضوا، ثمّ سمحوا لهم بالزّحف والرّاحة. كانت تلك الأشكال الميّتة حرّة كالهواء –وشفافة مثله. بدأتُ أميّز بريق العيون تحت الأشجار. وعندما نظرتُ إلى الأسفل رأيتُ وجهاُ على مقربة من يدي. كانت العظام السّوداء متراخية، وكان كتف واحد مستندا على الشّجرة. ارتفعت الرّموش ببطء ونظرتُ إلى العينان الغائرتان، عينان ضخمتان فارغتان، وكان البريق الأبيض الأعمى يخبو ويموت ببطء في أعماق العينين. بدا الرّجل شاباًّ –أقرب إلى صبي- لكنّكم تعرفون مدى صعوبة تقدير أعمارهم. للم أجد ما أفعله سوى أن أقدمّ له إحدى قطع البسكويت الجيّدة الّتي كانت في جيبي. أطبقت عليها الأصابع ببطء وأمسكتها –لم ألاحظ أي حركة أو نظرة أخرى. كان قد ربط قطعة من القماش الصّوفي حول رقبته –لماذا؟ من أين جاء بها؟ هل كانت شارة أم زينة أم تميمة أم مهدئاُ؟ هل كانت مرتبطة بأي فكرة؟ بدت مذهلة حول رقبته السّوداء، هذه الخرقة البيضاء القادمة من وراء البحار.

على مقربة من الشّجرة نفسها تكوّرت صرتان أخريان بزوايا حادّة وأرجل مسحوبة إلى الخلف. كان أحدهما، بذقنه المرخي على ركبتيه، يحدّق في الفراغ بطريقة مرعبة، أمّا الشّبح الآخر فقد ألقى بجبينه كأنّه ينوء تحت حمل مّا، وفي أرجاء المكان كافّة كان رجال آخرون مبعثرين وملقيين هناك بلا أيّة حركة كأنّهم قد خرجوا لتوّهم من صورة لمجزرة أو وباء”.

بالرّغم من الجملة الأخيرة الّتي تربط غابة الموت بالكوارث القديمة الّتي عفا عليها الزّمن، ثمّة إحساس هنا، كما قال العديد من القرّاء، بشيء لا سابق له من الفظاعة، شيء جديد تماماً على الأرض، وهو ما صار يُعرف لاحقاً بالإبادة الجماعيّة. على الأقلّ كان بعض الأوروبيين الّذين يجبرون الكونغوليين على العمل الشّاق “ليبراليين” مخلصين “لوأد العادات البربريّة”، بحسب إحدى سخريات كونراد المريرة. ربّما لم يكن ما ارتكبوه في الكونغو مذبحة مدبرة بيد أنّها كانت مذبحة وبعض الطّلاب الّذين أشاروا إلى الأمر شعروا بالحرج. لقد فعلها الرّجل الأبيض. لقد خلقنا جهنماً على الأرض. “قلب الظّلام” المكتوبة في نهاية القرن التّاسع عشر لاقت صدى واسعاً طوال القرن العشرين لسوء الحظّ. صدمة مارلو ودهشته إزاء الغرابة المطلقة لأشكال الفظاعات البشريّة تتنبأ بما شعر به الحلفاء الّذين حرّروا معسكرات الاعتقال في 1945. كان الجواب على سؤال “هل ينقذ هذا الكتاب الغربَ من الشّعور بالخزي” واضحاً تماماً: ما من كتاب يمكن أن يوفّر كفّارة لأيّ ثقافة. لكن إن كان يتعذّر العودة عن بعض الجرائم، فإنّ إقراراً صريحاً بالجريمة قد يقود إلى غفران جزئي للخطيئة. في قلب الظّلام كتب كونراد إقراراً كهذا.

كان ذاك جوهر القراءة اللّيبراليّة الّتي جهد تلامذة شابيرو في استخلاصها بمحض إرادتهم، بحماسهم – ثمّ وبشكل مفاجئ انزلق الصّف إلى خلاف مرير. لم يكن أليكس سعيداً بالطّريقة الّتي تحدّث بها شابيرو والتّلامذة الآخرون عن كورتز والمحاكمة  الأخلاقيّة الذّاتيّة للغرب. كان يعتقد أنّ تلك المقاربة سطحيّة كما لم يكن بمقدوره أن يرى الكتّاب وفقاً لمنظور قيامي. كان كورتز مجرماً، شخصيّة منعزلة. لكنّه لم يكن ممثّلاً للغرب أو لأيّ شيء آخر. “لماذا يكون هذا الكتاب نقداً للغرب”؟ ما من ثقافة تحتفي برجال مثل كورتز. ما من ثقافة تؤيّد ما قام به”. كان هناك اعتراض عام، مع أنّ البعض ابتسم. أذعن قليلاً “حسناً يمكن قراءة النّص كنقد للغرب، ولكن ليس للغرب فقط”.

من زاويتي في الغرفة ألقيت نظرة متفحّصة عليه. كان مشدوداً كطبل، جافّاً، وسخيفاً إلى حدّ مّا. لم يكن له أي صلة بكورتز، كان هذا موقفه الواضح. لقد أنكر الصّلة الّتي أقرها التّلامذة الآخرون. كانت ملامحه تشي بالحدّة والانقباض. كنت أعرف هذا التّلميذ، لقد رأيته في الصّف فقط لكنّ هناك شيء مألوف بصدده أغضبني ولا يسعني أن أحدّد ما كان هذا الشّيء بالضّبط. لماذا كان بليداً على هذا النّحو؟ لم يدع الطّلبة الآخرون أي مسؤوليّة شخصيّة عن الإمبرياليّة ولم يغرقوا بالإحساس بالذّنب. جلّ ما فعلوه أنّهم اعترفوا بمساهمتهم في حضارة “متقدّمة” من الممكن أن تفقد حاملها الأخلاقي.

هنري، المنحن إلى الوراء على كرسيه- بمواجهة الجدار، وراء أليكس، الجالس على الطّاولة، أصرّ على القراءة الوجوديّة. “كورتز هو كلّ شخصيّة بشريّة، لقد هبط إلى العمق تحت طبقات الأهل، الدّين والمجتمع”.

أليكس رفض بحدّة. كانا يتحدّثان متجاهلين أحدهما الآخر طارحين زوايا مختلفة في المقاربة، لكن كان هناك حدّ لصوتيهما اللّذين أسفرا عن روح عدائيّة مضت إلى ما وراء خلافهما في الرّأي. كان هناك فاصل مُحرج، وشعر الطّلبة بالاضطراب. لم أر أبداً مثل هذا الخلاف في الماضي، وما قالاه لم يكن يشكل أرضيّة للغضب، لكن عندما تشبّث كلّ منهما بموقفه امتلأت الغرفة بالتّوتر. حاول شابيرو أن يهدئ السّجال، بينما نظر الطّلبة الآخرون إلى بعضهم البعض بدهشة وفزع. لم يكن السّجال بين هنري وأليكس حول العرق، مع أنّ العرق كان يخيّم فوقه. في الظّل، أثار هنري الطّريقة الّتي تأمل كونراد من خلالها الافتراضات الأوروبيّة لزمنه، مصوّراً الأفارقة برييّن وبدائيين. بدأ بصياغة حالة شبيهة بحالة أشيبي (الذّي نشر مقالته العدائيّة في إصدارات نورتون النّقديّة) ثمّ توقّف في منتصف الجملة متخلّياً عن موقفه فجأة. في صفنّا عن “الملك لير” وفي أوقات أخرى خلال الأشهر العديدة المنصرمة كان قد ناقش بشكل صريح كرجل أسود، لكنّه في تلك الدّقيقة لم يكن معنياً. بدا أنّ ضرورة ملحة أعظم قوّة قد غلبته –ليس المسألة العرقيّة بل الوجوديّة، حاجته الملحة للهويّة ليس فقط كأمريكي-أفريقي ولكن كرجل مُحاصر. “الطيّب والشّرير متّفقان” قال ثمّ أكّد “كلاهما ينهار تحت الضّغط، وهذا الأمر يصحّ بالنّسبة للجميع”.

“يتناول الكتاب أيضاً الفرق بين الخير والشّر” أجاب أليكس بحدةّ. “الجميع يقاضي كورتز”. لكنّ هذا ليس صحيحاً. مارلو يقاضي كورتز، كونراد يقاضي كورتز. بالعودة إلى بروكسل جرى الحداد عليه بوصفه رسولاً للتّنوير.

نظرتُ عن قرب. كان أليكس يشبه “الولد الشّرير” الخيالي في احتفال عيد الفصح اليهودي، الولد الّذي يقول للآخرين “لماذا هذا العيد مهمّ بالنّسبة إليكم”؟ – مُنكراً أي صلة شخصيّة بحدث يتمتّع بأهميّة عظيمة. كنتُ أعرفه جيّداً. كان وجهه ضيّقاً وشاحباً ذو أنف عظمي تغطّيه نظاراته، جلده ضامر، وملامحه تشي بالعنجهيّة الجنسيّة. كان مُتألقاً جدّاً وشابّاً جدّاً. من بين كلّ طلاّب شابيرو في الصّف كان –رأيتُ هذا للتّو- الأقرب لما كنته أنا في الثّامنة عشرة أو التّاسعة عشرة من عمري. كان واثقاً من نفسه بشكل منقطع النّظير وفصيحاً لكنّي فهمته جيّداً وأجفلت منه. إنّه القارئ المتوسّط العمر، غير المتسامح مع ماضيه وما كانه، ربّما أمكن تشبيهه بشبح متجوّل.

لم أتمكن من رؤية تعبير هنري الجالس متلّفعاً بسترته الخضراء ذات الياقة الضّيقة، ونظارته السّوداء، وقبعته البيسبول . لكنّ تعبير شابيرو كان واضحاً: لم يكن سعيداً. ربّما مضى بعيداً قليلاً بأسئلته البلاغيّة الّتي أشعلت حماساً منذراً بالتّحول إلى حريق هائل، ما دفعه إلى التّحرك سريعاً محوّلاً المحادثة باتّجاه مختلف محفّزاً الطلّاب أن يشرحوا استخدام كونراد لكلمة “ظلام”. جعلنا كونراد نعرف أنّه حتّى بريطانيا –حيث يجلس مارلو راوياً قصّته- لطالما كانت أحد الأمكنة المظلمة على الأرض. لبعض الوقت، شرح المدرّس والتّلامذة النّص بطريقة حياديّة. كان شابيرو قد قضى العامّ بأكمله بين تحليل بنية ولغة الكتب ومباغتة رضا التّلامذة عن أنفسهم بأسئلته البلاغيّة. لكنّ التّحليل الرّصين لم يكن مبتغاه، على الأقلّ ليس لهذا النّص، وسرعان ما عاد إلى تواطؤ الغرب والجامعات الغربيّة في سياسة دأب الملك ليوبولد الثّاني ملك بلجيكا –الرّجل المسؤول عن بعض أسوأ الفظائع في أفريقيا الكولونياليّة- على الإشادة بنبلها وغيريتها.

“وإلّا كيف لكم يا رفاق أن تُمدنوا “الآخرين” إلاّ لسبب نبيل”؟ قال شابيرو. أنتم يا رفاق جميعاً صنيعة هذا السّبب النّبيل. شعار جامعة كولومبيا، مترجم من الجملة اللّاتينيّة، بنورك نرى نوراً. هذا هو النّور الّذي من المفترض أن يخترق قلب الظّلام، أليس كذلك؟.

“لكنّ التّنوير يحدث فقط من خلال الظّلام” قال هنري، المتشبّث بموقفه، وأليكس اعترض بغضب مرّة أخرى –ذلك أنّه ما من ظلام بالنّسبة له- ولدقيقة مخيفة ظنّنت أنّ الانفجار وشيك.  النّسوة في الصّف واللّاتي بقين صامتات لأغلب الوقت خلال هذه المناقشات كنّ مصدومات ثمّ اعترضن بغضب “هذا استعراض ذكوري لإبراز الأعظم ثقافة بينهما”. صحيح، ولكن ربّما كان الأمر يتعلّق بالعرق أيضاً. على الرّغم من أنّ شابيرو استعاد النّظام، فإنّ شيئاً ما قد تهشّم، والصّف الّذي كان قد بدأ بداية مثاليّة حيث ينخرط الجميع في النّقاش قد تداعى.

******

جيمس شابيرو: أستاذ جامعي أمريكي ومؤرخ أدبي يعمل في جامعة كولومبيا.

-الاقتباسات بين قوسين من ترجمة “قلب الظّلام” للدكتور مالك سلمان.

*مجموعة من سبعة عشر محاكاة ساخرة كتبها رسام الكاريكاتير الإنجليزي وكاتب المقالات السّاخر ماكس بيربوم .

*اللّغة المشتركة: مجلة أمريكيّة تدور حول الحياة الفكريّة والأدبيّة في الأوساط الأكاديميّة.

https://www.newyorker.com/magazine/1995/11/06/the-trouble-with-heart-of-darkness

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This