مقدّمة عامّة في القلق والرّهاب (ج1)

ما هو مرض القلق؟:

هناك اختلاف كبير حول تعريف القلق كمرض مستقلّ، لكنّه بشكل عامّ يمكن القول أنّه “شعور عامّ غامض غير سارّ، بالتّوجس والتّحفز والتّوتر، مصحوب عادة ببعض الأعراض البدنيّة، وزيادة في النّشاط العصبيّ اللاّإرادي”. أي هو حالة انفعاليّة مؤلمة تكمن في شعور الانتظار المضني لتوقّع خطر غير محدّد وشيك الوقوع، دون وجود شيء ظاهر يوحي بوقوع هذا الخطر، وانفعال غير سارّ، مع شعور مكدّر بتهديد، أو هم مقيم، وعدم راحة واستقرار، وما يرافق ذلك من إحساس بالتّوتر الشّديد وخوف دائم لا مبرّر له من النّاحيّة الموضوعيّة. وغالباً ما يتعلّق هذا الخوف من المستقبل والمجهول. كما يتضمّن القلق استجابة مفرطة لمواقف لا تعني خطراً حقيقياً ولا تخرج في الواقع عن إطار الحياة العاديّة، لكنّ الفرد القلِق غالباً ما يستجيب لها كما لو كانت ضرورات ملحّة، أو مواقف تصعب مواجهتها. وقد عرف فرويد القلق الأساسي بأنّه الميل إلى النّظرة المتشائمة للأمور، وقوامه أن يعاني المرء على نحو تحت شعوري إزاء ذاته والآخرين والعالم، عاطفة من الضّيق والارتياب الدّائم والمبهم، مع ميل اكتئابي وشك منتشر، وبضرب من النّفور إزاء العمل والذّات والبيئة.

ينطلق القلق أمام الشّعور بخطر داهم وغير محدّد، فيصبح الفرد فريسة حصره، ويخترع فكره المآسي على الرّغم من أنّه يدرك لا معقوليتها الموضوعيّة، وقد يكون القلق (الحصر) مجرّد ضيق نفسي (أفكار سوداء) أو قلقاً دائماً أو ذعر دونما سبب، لنصل إلى حالات الحصر الكبير جدّاً، الّذي يترك الفرد غارقاً في الذّهول، وعندئذ يخشى الموت المفاجئ، وضياع سائر وسائل وجوده، وغالباً ما تنهي هذه الأزمة بإفراز قوي من البول (غزارة البول).

ويميّز فرويد بين الحصر العصابي (عصاب القلق) والحصر الواقعي، فالحصر الواقعي يبدو شيئاً معقولاً ومفهوماً باعتباره استجابة لإدراك خطر خارجي، وأذى متوقّع، ويرتبط بفعل الهرب المنعكس، ومن ثمّ يتوجّب اعتباره تظاهراً لغريزة البقاء،[i] رغم أنّه قد يختلف من شخص لآخر تبعاً لمستواه الانفعالي والثّقافي والمعرفي، فالّذي يثير الرّعب لشخص، قد لا يثيره لآخر. وبالتّالي فإنّ موضوع الحصر الواقعي (الخوف أو القلق الواقعي) خارجي ومعروف، على عكس حالات الحصر العصابي أو عصاب القلق، حيث مصدر التّهديد غامض يرافقه صراع نفسي وتوتر انفعالي عميق، لا نجده في حالات الخوف الواقعي. كما أنّ دوام الحالة تكون حادّة ومؤقتة في الخوف، لكنّها مزمنة في القلق. فإذا كان الخوف يتعلّق بموضوع حاضر ومعروف، مثلاً: إنّني أخاف من خنزير بري يندفع باتّجاهي، إنّني قلق من مجرى سفر، أو نتيجة خزعة أو تصوير بالأشعة “قلق موضوعي”، فليس الخوف هنا سوى اسم آخر لضرب من انشغال البال له ما يسوغه بصورة مباشرة. فإنّ الحصر النّفسي أو عصاب القلق يتّصف موضوعه أن المرء يستشعره ويخشاه لكنه موضوع عائم غير محدّد، وإذا ما كان شديداً يسمى بالذّعر، الّذي قد يرتبط بدالة القلق والانفعال المنتشر في الحصر، فالذّعر قد يرتبط بتجارب سابقة مرتبطة بالقلق، ولكن لماذا تولّد بعض الحوادث بالصّدفة ذعر عند أفراد ولا تولدها عند آخرين؟ إنّها متعلّقة بالخبرات الرّضّيّة للفرد، فالصّدمة النّفسيّة مهما كانت من النّاحيّة الموضوعيّة، لا تكتسب نوعيتها الكميّة والكيفيّة – بوصفها حصراً – إلاّ بحسب الفرد وحالته الرّاهنة.

ويشير عصاب القلق عند فرويد إلى حالة تتّسم بانتظار خطر من الأخطار والتّهيؤ لهذا الخطر، الّذي يكون غالباً غير معروف. وفي حين يتصف القلق البسيط أنّه عاطفة من انشغال البال، بل من الذّعر، أمام خطر يمكن تحديده على الأقلّ، فإنّ الحصر العصابي، ينبعث على قاعدة من القلق الأساسي دون موضوع، ولا داع، بل ولا ذريعة، فالمصاب بالحصر لا يعلم لما هو مصاب به، وهو في نوبته يعاني الانطباع الجسمي النّفسي المأساوي، انطباع خطر هائل وغير معروف، يتقدّم وكأنّه كارثة لا يمكن له أن يتنبأ بها، لكنّها محتومة، ويعرف جانييه تلك الحالة أنّها “ضيق نفسي وجسمي ناشئ عن شعور بخطر وشيك الوقوع، يتّصف بخشية عميقة يمكن أن تنتقل من انشغال البال إلى الذّعر”. ذلك أنّ مصدر الخطر الحقيقي لا يبدو من التّجربة، ولا من الذّاكرة، ولا في الشّعور، وليس له سبب واضح. إنّه ضرب من ضروب اللّغز الكريه. حصر عائم متأهب للتّشبث بمضمون أوّل خاطر يمكن أن يتخذه كذريعة أو حجّة، يؤثّر في أحكام المرضى، ويختار التّوقعات والتّرقبات، ويترصد الفرص كافّة ليجد لنفسه تبريراً، حيث توقّع أسوأ الاحتمالات وأوخمها، فيكون في كلّ حادث عارض نذيراً بخطب مّا، مع ميل دائم إلى تأويل الوقائع والأحداث على أسوأ وجوهها، فيسيطر مزاج الكدَر والتّشاؤم أو ما يسمّى (الحصر التّرقبي).

يمثل الرّهاب (الفوبيا) أحد ظاهرات القلق، ويمكننا تعريف أعراضه باعتبارها (سلوكيات تجنبيّة غير متناسبة مع الموقف، ولا يمكن تفسيرها منطقياً، لا يستطيع الفرد التّحكم فيها إراديا  تؤدّي إلى الهروب و تجنب المواقف المسبّبة للرّهاب). إنّ القلق الرّهابي يطلقه وجود شيء، أو موقف، أو شخص، ليس لأيّ منهم طابع الخطر من النّاحيّة الموضوعيّة، لكنّه يعتبر مرعباً بالنّسبة للرّهابي، فيؤدّي ذلك إلى سلوك مٌقاوم، يعمل على إبعاد القلق بتجنّب الموضوع المُفزع، حيث تصبح الأشياء أو المواقف تصبح مُمرضة من خلال المدلول الرّمزي الّذي يجده المريض فيها. وقد يظهر الرّهاب من خلال الخشية من نوبة قلق أو حصر، يطلقها موضوع أو وضع ليس لهما بحدّ ذاتهما طابع موضوعي خطير، والحصر يزول في غياب هذا الشّيء أو الوضع، ومن الأشكال العظمى، يمكن أن توجد حالة هلع حقيقيّة مع خشية من الإغماء، وحتّى الموت في الأشكال المتطرّفة، حيث فقدان الحسّ بالواقع وفقدان الشّخصيّة. أمّا الأشكال الصّغرى فغالباً ما تترجم بغثيانات، وتعرّقات، وخفقانات، وعسر تنفسي،  نشوء الدّوار.

من ذلك نميّز بين ثلاثة تظاهرات للقلق:

  1. قلق الموضوع: الّذي يدرك موضوعه في الوقائع، والأحداث، وفي الواقع المعاش المتضخم في بعض الأحيان تضخماً مغالياً، أو المفسّر تفسيراً خاطئاً، والقلق العادي قادر دائماً على أن يرتبط بموضوعات أو ببواعث تسوّغه، إنّه حالة سيكولوجيّة شائعة.
  2. التّوقع القلق: وهو الّذي يتحدث عنه فرويد، إنّه قلق عائم، جاهر لارتباط بمحتوى تصوّر أوّل قادر على أن يقدّم له ذريعة، تؤثّر في الأحكام، ويختار التّوقعات، ويترصّد جميع المناسبات لكي يجد لنفسه تسويغاً، إنّه يميل إلى توقّع الأسوأ، وسمة من سمات الطّبع الّذي يتصف به كثير من الأشخاص الّذين لا يبدون مرضى على الإطلاق باستثناء ذلك، هذا القلق هو قلق أساسي، قلق الذّات المرتبط بوجود هذه الذّات، وبوضعها الّذي يتمّ إدراكه بصورة يكتنفها اللّبس نتيجة اضطراب الأنا.
  3. قلق اللّاشعور: ويمكن موازنته بالنّموذجين السّابقين من حيث موقعهما، فقلق الموضوع قائم بوضوح تامّ في الشّعور، وقلق الذّات قائم بصورة محسوسة في ظليله. أمّا هذه الفئة الثّالثة فإنّها تنتمي هي ذاتها إلى اللاّشعور، والمقصود بها حالات انفعاليّة مكبوتة تثير قلقاً لاشعورياً في الجزء الأكبر منه، وحصراً رهابياً مرتبط بضرب من ضروب الكبت، وهو ينمو دائماً في الأنا بصورة مؤكّدة لكي ينبجس من عزل دافع ليبيدي في اللاّشعور.

أنواع القلق والرّهاب

للقلق في علم النّفس الحديث مكانة بارزة، فهو المفهوم المركزي في علم الأمراض النّفسيّة والعقليّة، والعرض الجوهري المشترك في الاضطرابات النّفسيّة، بل وفي أمراض عضويّة شتّى. وهو يصيب نحو 5% من السّكان في أي وقت بعينه، يصل حوالي 1% منهم إلى درجة العجز، وأغلب المصابين منه من النّساء (حوالي 80%) ولعلّ السّبب في ذلك يعود إلى الضّغوطات المتعدّدة المنزليّة والخارجيّة على المرأة الّتي تترافق مع تغيّرات متعدّدة في إفرازاتها الهرمونيّة. وتبدأ الحالات في أغلبها عند أواخر العقد الثّاني وأوائل العقد الثّالث من العمر، إذ من النّادر نسبياً أن يبدأ المرض قبل سن 15، أو بعد سن 35.

وبالإطار العام يمكن التّحدث عن نوعين من القلق:

الأوّل: هو الّذي يخبره النّاس في الأحوال العاديّة الطبيعيّة كردّ فعل على الضّغط النّفسي أو الخطر، حيث يستطيع الإنسان أن يتبيّن بوضوح شيئاً ما يهدّد أمنه أو سلامته، كأن يصوّب لص مسدساً نحوه، فهو عندئذ سيشعر بالاضطراب، فيجفّ حلقه، وتعرق يداه وجبهته، وتزداد ضربات قلبه وهياج معدته، ويمكن أن نسمّي هذا النّوع بـ”القلق خارجي المنشأ”، أو القلق المُستثار.

الثّاني: هو القلق داخلي المنشأ “الحصر”، وهو ما نقصده عندما نتحدّث عن العصاب، الّذي يبدأ عادة بنوبات من القلق تدهم المصابين، فجأة ودون سابق إنذار أو سبب ظاهر، وأحياناً تبدو أن أعضاء مختلفة من الجسم قد أفلتت من زمامها، كزيادة كبيرة في ضربات القلب، أو الإحساس بالدّوار، والاختناق.

عن هذا النّوع الثّاني يمكننا التّحدث عن ثلاثة أشكال سريريّة للقلق:

  1. نوبة القلق: تشتمل على لوحة سريريّة لافتة بغناها وشدّتها، إذ يغدو المريض مرتعاً لشعور بالخوف الشّديد الغامض، ويكون في حالة انتظار لكارثة وشيكة الوقوع دائماً من خطر لا يمكن تحديده، وفي بعض الحالات فإنّ هذا القلق المنتشر العائم يجد مرتكزاً له يتثبت به من خلال وساوس قهريّة مصاحبة له، كالخوف من الموت مثلاً الذّي يثيره ألم جسدي، أو الخوف من الجنون المرتبط بانطباع يتكوّن لدى الشّخص بعدم قدرته على مراقبة أفكاره، هذا الشّعور بالذّعر يجتاح الوعي، ويغذّي اجترارات فكريّة فيعبّر الشّخص عن أسفه بخصوص الماضي، وعن خوفه وتشاؤمه من المستقبل، وشعوره المؤلم بضعفه وقلة شأنه، فيعبّر مظهره العامّ عن حالته، فالوجه شاحب يتصبّب عرقاً، وتدل ملامحه على الإنهاك، فتارة يغدو المريض مثبطاً يشله الخوف، وتارة أخرى متهيجاً مع صراخ وردّات فعل عنيفة لأقل تنبيه .
  2. الحالات القلقيّة المزمنة: ولذلك مظهران، فعلى الصّعيد النّفسيّ يولّد القلق حالة توتّر مؤلمة يتمثل بترقّب وشعور مسبق بتهديد مبهم يؤدّي إلى شعور بعدم الأمان، فنجد الشّخص القلق يشكّ في كلّ شيء، وغير قادر على اتّخاذ أبسط القرارات، مع مشاعر بالإخفاق وعدم الكفاءة والدّونيّة. وعلى الصّعيد الجسديّ يعتبر القلق مسؤولاً عن العديد من التّظاهرات الوظيفيّة كالاضطرابات التّنفسيّة والهضميّة والبوليّة والعصبيّة.
  3. الأشكال الجسديّة للقلق: هناك تظاهرات قلبيّة تنفسيّة كالرّبو مع خفقان وآلام حول القلب، ويبيّن الفحص غالباً وجود نبض سريع غير مستقرّ، وانخفاض التّوتر الشّرياني رغم أنّه يُظهر مخطّط القلق الكهربائي عادة أي اضطرابات، ونجد هذه الحالات عن 90% من مرضى القلق. وهناك أيضاً اضطرابات هضميّة نشاهدها في 50% من الحالات، تتمثّل في حسّ ثقل بطني وغثيان وجفاف الفم، وبلع الهواء، واضطرابات بوليّة. كذلك نجد اضطرابات عصبيّة كفرط التّهيج العصبي – العضلي، وشبه دوار، هروب السّاقين، صداع متنوّع، تعرّق اشتدادي، اضطرابات النّوم، وقد تُلاحظ أحلام مقلقة وكوابيس واستيقاظات ليليّة متكرّرة، أو فرط في النّوم.

أمّا التّصنيف الأميركي الحديث، فيميز بين ثلاث مجموعات أساسيّة من الاضطرابات القلقيّة وفق الأشكال الّتي تظهر بها الأعراض:

المجموعة الأولى: تضمّ الاضطرابات الرّهابيّة بأنواعها المتعدّدة. والمجموعة الثّانية: تشمل الحالات القلقيّة حصراً ومنها اضطراب الرّعب، القلق المعمّم، الاضطرابات الوسواسيّة. أمّا المجموعة الثّالثة: فتضمّ حالات التّوتر الّتي تعقب الصّدمات الحادّة والمزمنة “القلق الارتكاسي”، وتضمّ على الأقلّ أربعة من الأعراض التّالية:

أ-عسر التّنفس.

ب-خفقان القلب.

ت-الألم الصّدري.

ث-الإحساس بالاختناق.

ج-الدّوار.

ح-الإحساس بالابتعاد عن الواقع.

خ-تشوّش في الحسّ (تنميل السّاقين و اليدين).

د-هبّات ساخنة أو باردة.

ذ-التّعرق.

ر-الشّعور بالغثيان.

ز-الارتعاش العضلي.

س-الخوف من الموت أو الجنون أو ارتكاب فعل غير مراقب في سياق النّوبة.

1-أمّا القلق المعمّم فهو ثابت يدوم شهراً على الأقلّ ويتظاهر بأعراض:

أ-التّوتر العضلي.

ب-الاضطرابات العصبيّة اللاّإراديّة.

ت-الانتظار المخيف.

ث-فرط التّنبيه للوسط المحيط بالشّخص.

القلق الارتكاسي والقلق العصابي:

يختلف القلق الارتكاسي عن القلق العصابيّ في شدّته وطول مدّته، فيمكن وصفه باعتباره قلق صدمة، قد يكون موقفاً مفجعاً فردياً أو جماعياً ومن أشكاله:

4-القلق الارتكاسي الحادّ: يحدث في إطار عصابات الخوف (الحرب – الغرق – الحوادث المختلفة أو كوارث طبيعيّة) وتظهر عادة الأعراض بعد الحدث المسبّب، إذ نلاحظ اختلاط عقلي مؤقّت، وحالات حلميّة مرعبة، وهياج نفسي حركي، مع صراخ وانفعالات عنيفة مع هروب، أو قد تشلّ الفرد الخوف ويصبح في حالة ذهول، وقد تتطوّر المسألة إلى حالات هستيريّة أو رهابيّة، حسب شدّة التّماسك الانفعاليّ والنّفسيّ للشّخص.

5-القلق الارتكاسي النّاجم عن الخوف المديد: يشاهد عند ضحايا الاضطهاد العرقيّ والسّياسيّ، وترتبط شدّة هذه الحالات بخطورة المعاناة الّتي يعيشها الشّخص، ويمكن لهذه الاضطرابات أن تتطوّر بشكل مزمن مع وهن نفسي، لامبالاة، عدم استقرار، اجترارات اكتئابيّة، اضطرابات عصبيّة لاإراديّة.

6-القلق الارتكاسي النّاجم عن احباطات انفعاليّة: قد يحدث القلق عقب إحباط، إذ يؤدّي ذلك إلى تنشيط قلق الانفصال الطّفولي، ويستمرّ القلق ما دامت الخسارة الانفعاليّة لم يتمّ التّعرف عليها، وغالباً ما يحدث ذلك بعد مناسبات الحداد، إذ ترتبط حالات الحداد بالقلق أكثر من ارتباطها بالاكتئاب الحقيقي، الّذي يتأخر ظهوره المحتمل، فنلاحظ التّهيج وفرط النّشاط الحركي، وشعور مضني بالتّوتر، مرتبطاً بمحاولة تجنب الذّكرى المؤلمة.

7-القلق الارتكاسي النّاجم عن الآفات العضويّة: وهي ردّات فعل عن مواجهة حالة خطر كما في حالات الجراحة الحادّة، ونرى ذلك في حالات فرط النّشاط الدّرقي، وهبوط سكر الدّم، والعديد من لآفات الوعائيّة.

أمّا القلق العصابي فهو عرض انفعالي نفسي مستقلّ أو قد يظهر مرافقاً لجميع الأمراض العصابيّة، ويقسّم إلى ثلاثة أشكال:

  1. عصاب الضّيق: ويتّصف بقلق عائم معزول يتميّز بأعراض نفسيّة وجسديّة دون أن ترتبط النّوبة بعامل مسبب أو بوجود اضطراب عضوي.
  2. الوهن النّفسي: وهو شكل تعبيري خاصّ للقلق يلاحظ عند الانطوائيين الخجولين، ويبدو الوهن عندهم على شكل تردّدات وشكوك دائمة تخفّض النّشاط العامّ، مع إحساسات مؤلمة بالتّعب الجسدي والفكري بصورة خاصّة، مع صعوبة بالتّركيز والتّذكر لا سيّما عقب الاستيقاظ الصّباحيّ، وشعور بالضّعف وعدم الرّضا والافتقار الجنسيّ.
  3. عصاب الوهم الجسدي: حيث يتركّز القلق هنا على مستوى جسدي، فالشّخص المنهمك بصحّته يتّخذ ذريعة من أبسط الشّكاوى الجسديّة -المبتذلة غالباً- ليعبّر عن قلقه حول المرض والموت، فتكون كلّ مخاوفه مركزة على جسده فتنحصر نشاطاته واهتماماته في هذا المجال، ويُلاحظ شكايات المريض ولجوئه الدّائم إلى الأطبّاء، وقد يترافق ذلك غالباً بالمطالبة العدوانيّة بحجّة عدم فعاليّة الطّرق العلاجيّة العديدة الّتي طبّقت على علاجه بالذّات.

الفوبيا (الرّهابات)

اشتقت كلمة “فوبيا” من الكلمة اليونانيّة الّتي تعني (الخوف) ويقصد بها جملة الأعراض الّتي تعبّر عن مجموعة خاصّة من حالات الرّعب، القلق، والذّعر المرتبط بأشياء، أماكن، تجارب، ومواقف محدّدة. فهي عبارة عن استجابات خوف غير رشيدة، مختلّة وظيفياً وغير معاونة.

إنّ قائمة أنواع الفوبيا متنوّعة تنوّع الحياة ذاتها، فقد اشتملت حالات الفوبيا الموثّقة، الخوف من البلع، الأطفال الصّغار، الأشجار الطّويلة، الأشخاص قصيري القامة، السّحب السّوداء. كذلك نجد حالات الفوبيا الأكثر شيوعاً المتمثّلة بالخوف من الطّيران، الثّعابين، الحشرات، الأماكن المرتفعة، الحبس، الزّحام، المرض، الدّم، الإصابة.

وينظر الآن إلى حالات الفوبيا باعتبارها ظاهرة طبيعيّة ومتوقّعة نتيجة عدم التّوازن في نظامنا العصبيّ، إنّها مركّبة ومتفاقمة بفعل المعلومات السّيئة والتّفسير المظلل للتّجربة الّتي يعيشها الفرد من الفرد ذاته، والتّي تتأثّر بتجارب وصدمات الحياة، ونمط الشّخصيّة، واضطرابات المزاج، وأسلوب الحياة غير الصّحيح، وضعف التّدعيم مع جمود مهارات التّكيّف.

تتميّز الشّخصيّة الرّهابيّة بالقلق وفرط الحساسيّة من الحرمان – عدم النّضج الانفعالي والعاطفي – الميول الاكتئابيّة – تثبيطات شتّى لا سيّما جنسيّة – حالة خدر دائمة – خجل وتردّد – خوف من الالتزامات من أي نوع سواء في الحياة العاطفيّة أو الاجتماعيّة – فرط انشغال – طبع مترفع وتصرّفات متحديّة على شكل هروب إلى الأمام. ويكتشف عادة العصاب الرّهابي في سنّ الرّشد، في سياق انتكاس مرضي، ودراسة السّوابق المرضيّة، تكشف تقريباً بشكل دائم عن أسبقيّة الانفعاليّة المفرطة والقلق، حيث أنّ مخاوف طفوليّة (رهاب حيوانات – خوف من الظلام) قد تمتد من مرحلة الطّفولة إلى المراهقة مقنّعة بدرجات متفاوتة بأنماط سلوكيّة تطمينيه.

تتشكّل الفوبيا “الرّهابات” من عنصرين هما (قاع الحصر) وهو جبلّي طفلي للرّهاب، ومن ثمّ تضاف بهبّات إلى هذا القاع نوبات الحصر، مع دلالاتها النّفسيّة والجسميّة معاً. فمن الدّلائل النّفسيّة: انتظار مصيبة غير محدّدة، وشعور المرء بأنّ قوّة ما تمسكه، قوّة يرمز لها الموضوع الرّهابي، قوّة داخليّة وخارجيّة في الوقت نفسه، تعريه وتكشفه، وانطباع بالعزلة والهجر عن الفهم ورد الفعل، وانتظار مرتعش لنهاية النّوبة أو الإنقاذ، كوصول شخص من الأشخاص أو حدوث حدث مّا، أمّا الدّلائل الجسميّة: تظهر من خلال انطباع من الانقباض الحادّ على مستوى الحلق والجهاز التّنفسي والهضمي، يصل في بعض الأحيان إلى الإحساس بالموت الوشيك، وهذا النّوع قد لا يكون له علاقة مباشرة بكبت اللاّشعور، بل له علاقة بطاقة دافعيّة – اللّيبيدو – كانت تبحث عن أن توظّف ولم تفلح في ذلك، لذلك يتثبّت هذا الحصر بالنّوبات، على حدث أو موضوع كضرب من الدّلالة الحاليّة، قد وظّف فيهما بفعل حادث من الحياة الماضيّة، أو مصادفة، أو أي شيء آخر، وبعض هذه الموضوعات يحدّدها الرّأي الجماعي أنّها تثير القلق، ويردّد صداها اللاّشعور، والشّعور الجزئي الجماعي النّاتج عن تداعيات تاريخيّة للجماعة (نباح كلب – نعيق البوم – القمر الباهت – مرور حيوان قارض – ظلام وهدوء …) وبعضها قد يتوافق مع ظهورها حالة من القلق المتعاظم لدى الفرد، أو نوبة حصر.

إنّ القوّة الرّئيسيّة الثّابتة في إحداث مرض القلق، تتضمّن أنواع مختلفة من التّعليم الشّرطي، ومن شأن العقل أن يستجيب لنوبات القلق التّلقائيّة بأن يحاول تجنّبها، ولكنّ هذه العمليات الّتي تهدف إلى حفظ الذّات، وإن كانت توفّر الحماية من جانب، فقد تزيد من جانب آخر من تقييد المريض ومن العجز والاكتئاب عنده، فالأمر أشبه بقيام معركة بين حفظ الذّات من جهة، وتزايد العجز من جهة أخرى، فحين يتّفق وقوع أمر مّا، عندما يخبر المريض نوبة من نوبات القلق التّلقائيّة، وإذا بهذا الأمر يكسب القدرة على إحداث استجابة القلق والخوف حتّى وإن لم تكن هناك نوبة من نوبات القلق التّلقائيّة، فالإنسان الّذي كان راكباً مترو الأنفاق حين حدثت النّوبة، سوف يشعر باستجابة بدنيّة عندما يجد نفسه مرّة ثانية في مترو أنفاق لا ارتباط بينه وبين المترو الأوّل على الإطلاق، فيتحوّل مترو الأنفاق إلى مثير لاستجابة القلق و الخوف، أي الفوبيا، ومع مرور الزّمن، كلّما ازداد وقوع النّوبات التّلقائيّة في أماكن وملابسات متنوّعة، كلمّا ازداد عدد الأماكن الّتي تستثير القلق والفوبيا، وبالتّالي سلوك التّجنب.

ويرى فرويد أنّ الرّهابات يصعب تصنيفها في وضوح ضمن نطاق الحالات العصابيّة، إذ يرى فيها تناذرات يمكن أن ترجع إلى أعصبة مختلفة، دون أن تكون بحد ذاتها تشكّل كيان مرضي قائم بذاته، وهو يرجعها إلى ما يسمّيه بالهستيريا الحصريّة، الّتي يفرقها عن الهستريا التّقليديّة (التّحويليّة) في أنّه في الأولى لا يتحوّل الكبت فيها من النّفسي إلى البدني، بل تبقى فقط ضمن الإطار الحصريّ دون أن يصاحبها أعراض جسديّة، كما هو الحال في الهستيريا التّحويليّة، كما أنّها أعصبة تصيب أكثر ما تصيب الطّفولة. أمّا في الهستيريا الحصريّة، فنجد مجهودا نفسيا دائبا من أجل تقييد الحصر الّذي غدا طليقاً، فلا تبقى أمام الأنا إلّا أن تسدّ الطّريق على كلّ مناسبة يمكن أن تؤدّي إلى ظهور الحصر، ويكون ذلك بإقامة حواجز نفسيّة، تحوطات، كفّ، تحضيرات ذات نمط وسواسي، وهي آليات دفاعيّة تتبدى لنا في صورة رهابات وتؤلّف ماهيّة المرض.

لنأخذ على سبيل المثال معاناة شخص يعاني من رهاب البرق، إذ يقول “أتصوّر شيئاً مّا مثل هذا باعتباره السّيناريو الّذي يمثّل الحالة الأسوأ بالنّسبة لي: أعرف أنّ السّحب السّوداء تتجمّع، ولكنّي أنتهز فرصة وأخرج لشراء صحيفة أو ركوب تاكسي، أمشي مسرعاً ولم يحدث شيئاً، ولكن فقط قبل أن أصل آمناً إلى داخل التّاكسي أو بيتي، أصدم بشحنة كهربائيّة بصورة لا تصدّق، تجحظ معها عيناي، وترتعش كلّ أعضاء جسمي الدّاخليّة، أتصوّر نفسي أنفذ حكم بالإعدام على كرسي كهربائي، والدّخان يتصاعد من أنفي وفمي. لا أموت في الحال، ولكنّي أستلقي هناك على الأرض دون أن يساعدني أحد، شاعراً بأنّ قلبي في نبضاته الأخيرة، في نوبة احتضار الموت، أخذت أفكّر كيف عرفت أنّ هذا سوف يحدث، وكيف لا ينبغي أن أخاطر، يجب أن آخذ جانب الحيطة والأمان. كان البرق فقط بانتظار أن يصطادني، وقد أعطيته الفرصة”. يتّضح هنا أنّ هذا الشّخص يخاف أكثر ممّا تعنيه ظاهرة البرق الماديّة. إنّه يربط لا شعورياً البرق بأيّ عقاب أو هجوم مؤلم “يأتي من السّماء” دون إنذار، هنا عقدة ذنب وقلق طفل خائف يختبئ خوفاً من لكمة ليس لها تفسير من والده المشحون غضباً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This