الجهل المقدس الايراني… شيوخ يواجهون “كورونا العلماني” / محمد حجيري |

يقال إنه في زمن الأزمات والمحن، يزداد حضور التخاريف الدينية والميتولوجية، تتجه الأنظار الى عالم الغيب بعد الاصطدام بالواقع المر، حصل ذلك بعد حرب حزيران 1967، وفي الحروب اللبنانية(1975 – 1990)، وفي الحرب السورية، كان الأولياء يظهرون كـ”منقذين”، وكانت أخبارهم تنتشر في الأوساط الشعبية وتقترب من أن تكون في عناوين الصحف، وتتحول موضع جدل ونقاش كما فعل صادق جلال العظم في كتابه “نقد الفكر الديني”، ورأى فيه أن “الإيمان بظهور شخصيات مقدسة مثل السيدة العذراء أمر طبيعي وقديم بالنسبة إلى غالبية الناس، وهدفه هو التغلب على الآلام اليومية والشعور بالشقاء في مواجهة حياة صعبة”.

والحال أن خطب وفتاوى بعض الملالي والمعممين باتت تثير السخط والملل، من ذاك الذي يدعو الى وضع صورة شجرة بدلاً من صورة فتاة على الفايسبوك، او ذاك الذي يحرم استيراد الملابس الداخلية… ومع كورونا هناك كمية من التصريحات مصدرها الخرافة، وأصبحت مألوفة وتنم عن هذيانات وأزمة مستفحلة وسريالة وجهل مقدس، فرجل الدين الإيراني أو آية الله عباس تبريزيان، خريج حوزتي النجف وقم الدينيتين، الذي يعرف باسم “أب الطب الإسلامي”، اثار ضجة بنصائحه “الطبية”، التي يرى بموجبها أن ارتداء الكمامات للوقاية من كورونا ينبغي أن يقتصر على النساء دون الرجال لأسباب صحية بحسب ما نقلت وكالات الأنباء. وكتب تبريزيان على تلغرام: “إن الرجال بسبب وجوب نفقة الأسرة عليهم أن يخرجوا من البيت ليقوموا بأنشطة كثيرة خارج البيت، لذا في حال ألزموا بتغطية وجوههم لفترات طويلة سيؤدي ذلك إلى الإصابة بالأضرار والأمراض، نتيجة لتراكم غاز ثاني أوكسيد الكربون خلف الكمامة، بعبارة أخرى لربما أن يكون هذا الإجراء يؤدي إلى الإضرار أكثر من الفوائد، لذا يعتبر مكروها من الناحية الشرعية”. ويواصل تبرير نصيحته هذه بالقول: “ولكن بما أن السيدات عادة ليس على عاتقهن واجب كسب الرزق ويتواجدن بشكل أكبر في البيوت لذا لا مانع في استخدام الإناث للكمامات خارج البيت بل ضروري، يمكن القول إن احتمال إصابة الرجال بفيروس كوفيد 19 عبر الهواء ومن شخص إلى شخص آخر غير موجود بتاتا، وهذا الأمر يخص النساء فقط وينقل أساسا من النساء إلى الرجال وذلك في حالة التماس المباشر”. يحظى تبريزيان بشهرة واسعة في إيران، ويُقدِّم وصفات لعلاج أمراض كثيرة من السرطان إلى باركنسون، وكثيرًا ما يسخر في مقابلاته من الطب الحديث ويهاجمه. ويدعي تبريزيان أنه يعالج يوميًّا أكثر من مئة مريض يعانون من أمراض مستعصية بالطب الإسلامي، ويعتقد أن اعتماد المرضى على الأدوية الكيماوية هو مخطط “صهيوني”، هذه الاسطوانة التي تحضر في عقل الذين يعيشون على وقع المؤامرة الكونية. وقد أُغلق مكتب تبريزيان في قم بحكم قضائي وفق ما نشرته وكالة الأنباء الرسمية، لينتقل بعدها إلى مشهد، وقالت الوكالة أن تبريزيان اعتبر انتشار الوباء في قم “عقوبة الهية بسبب ما لحق به”. ولعل من أغرب وافدح ما نصح به تبريزيان، “علاج جديد” يقضي بدهن فتحة الشرج بزيت البنفسج، وعرض الرجل في قناته في تطبيق تلغرام، وصفته التي يدعي أنها ستجلب الشفاء لمن يعانون من كوفيد-19، وقال “قبل الخلود إلى النوم، ضعوا كرة قطنية مغموسة في زيت البنفسج على فتحة الشرج”… وعدا عن تخريفاته الطبية، يلجأ تبريزيان إلى محاربة الطب… فقد أقدم في تشرين الثاني نوفمبر الماضي على إحراق كتاب دليل هاريسون للطب بحضور عدد من مؤيديه ومجموعة من طلابه، وقبل ذلك في شهر كانون الثاني يناير، وصف تبريزيان كتاب أساسيات الطب الداخلي بـ”الخطة للنفوذ الصهيوني والأميركي والاستكبار العالمي” للقضاء على الثورة الإيرانية.

وليس تبريزيان وحده على خط المعجزات والجهل المقدس، فقبل اشهر، صدرت مذكرة قضائية باعتقال مرتضى كوهنسال، المروج لما يعرف في إيران بـ”الطب الإسلامي”، والذي كان يدور على المستشفيات، ويعطي بعض “الأدوية المعجزة” للمصابين بكورونا. وكان كوهنسال الذي ادعى أن لديه “علاجًا معجزة” أطلق عليه “عطر النبي”، أعطى لأحد الشبان المرضى علاجه هذا قبل أن يتوفى الأخير بعد ذلك بثلاثة أيام. ولا تقتصر الامور على الطب الغيبي والشعوذي، ففي كل يوم تصريحات مثيرة للجدل في ظل نظام الملالي، قال إمام في مدينة قم الإيرانية، عباس موسوي مطلق، إن كورونا هو “فيروس علماني”، وإنه “يسعى بآثاره المدمرة (..) لقيادة البلدان المتدينة إلى الضلال ونحو الإلحاد”، وفقا لما نقل “راديو فردا”. وسخر رواد موقع التواصل الاجتماعي في إيران، من تصريحات رجل دين إيراني متشدد، أكد أن ظهور كورونا، هو مقدمة لظهور المهدي المنتظر. ولفت علي رضا بناهيان، المقرب من خامنئي، في تصريحات لوكالة أنباء تسنيم الإيرانية إلى أنه “وفق الروايات ظهور الامراض والأوبئة ومنها كورونا هو مقدمة لظهور الإمام المهدي”، ودعا الإيرانيين إلى نشر الفيروس بين الناس، لأن ذلك سيعجل بظهور المهدي، وقال آنذاك إنه “من أهم فلسفات كارثة ظهور فيروس كورونا قبل ظهور المهدي، هو أن يفهم البشر ضرورة وجود شخصية لإدارة هذا العالم”. وكتب رئيس الحوزة الدينية في إقليم فارس محمد أستوار ميمندي مقالاً نشر على موقعها يرى فيه أن “فيروس كورونا يمثل عذاباً إلهياً لكثير من الأشخاص نتيجة سلوكهم ولكنه يشكل اختباراً للمؤمنين من أجل الوصول للكمال الإنساني”. ويرى محمد جواد باقري، خطيب جمعة مدينة أسالم أن الفيروس كفارة لذنوب المؤمنين” و”عندما يقبل الناس على ارتكاب ذنوب لم يرتكبوها من قبل فإن عقابهم الإلهي يتمثل في الوقوع في مصائب لم يعرفوها من قبل”.

هذا غيض من فيض من تصريحات بعض المشايخ في ظل الكورونا، غيض من جهل مقدس يطوق مجتمعنا وتفكيرنا، وحتى في ظل نظام ترامب يحضر بطريقة من الطرق، وسيكون لنا عودة لرصد التصريحات حوله… هو “الجهل المقدس”(أوليفييه روا) وكان تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية، سلط الضوء على تراجع سلطة رجال الدين في إيران في ظل أزمة كورونا. وتواجه المؤسسة الدينية الإيرانية انتقادات حادة من قبل وسائل الإعلام، وأيضاً احتجاجات واسعة بين الإيرانيين تجاه الدور الذي لعبه رجال الدين خلال تفشي كورونا.

وتخاريف بعض الشيوخ حول كورونا، لا تختلف عن تهويمات بعض جنرالات الحرس الثوري والتهديد بمحو اسرائيل من الوجود بدقائق…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This