خمسة مفاهيم لعصر الخيبة

 

العزاء، الرّحمة، الجمال، التّأمل، واللّعب، خمسة مفاهيم للاشتغال الفلسفيّ الرّاهن، خمسة مفاتيح للتّعامل مع الوضع البشريّ الرّاهن، خمسة أعمدة للحكمة في عالم اليوم، والّذي هو عالم ما بعد الأديان، ما بعد الأيديولوجيات الخلاصيّة، ما بعد اليوتوبيات الثّوريّة، ما بعد المُثُل القوميّة والقيم العليا، أو لعلّه عالم أفول آخر الأوثان بالمعنى النّيتشوي للعبارة.

لكن هل بوسع تلك المفاهيم أن تجتمع لكي تؤلّف خطاباً واحداً، سؤالاً واحداً، إشكالاً واحداً، مبحثاً واحداً، ومن ثمّة عنواناً واحداً؟ وأي خطاب هذا الّذي بوسعه أن يحتضن مفاهيم تبدو كأنّها تنتمي إلى مرجعيات متناثرة متنافرة؟

هذا ما أدّعيه ابتداءً وبلا تردّد:

تلك المفاهيم الخمسة بوسعها أن تؤلّف جهازاً مفاهيمياً متكاملاً داخل الفلسفة الرّاهنة، وهذه هي مطارحتي في الموضوع، بيد أنّ ذلك الهدف يقتضي تعديل وجهة نظرنا في تاريخ الفلسفة، وهو التّعديل الّذي سأحاول أن أجعله يبدو مقنعاً ويسيراً.

ماذا أقصد؟

بوسعي أن أستوحي من تاريخ الفلسفة نفسه عديداً من المنظورات المغايرة باعتبارها أدلّة تحت الحساب، كأن أستدلّ بادئاً بشوبنهاور، على النّحو التّالي:

الرّحمة مفهوم محوري عند شوبنهاور، والتّأمل ـبجانب الجماليات ـ يمثل عزاء لشقاء الفانين. بهذا المعنى تؤلّف مفاهيم الرّحمة، العزاء، التّأمل، والجمال، جهازاً مفاهيمياً متكاملاً داخل فلسفة شوبنهاور. فماذا عن اللّعب؟

بوسعي أن أستدلّ بالاعتماد هذه المرّة على فلاسفة العصر الرّوماني فأقول:

العزاء لدى شيشرون، سينيكا، فلوطرخس، وبوثيئوس مفهوم محوري في الخطاب الفلسفي، وهو يمثّل اللّحظة القصوى للتّعبير عن مشاعر الرّحمة في مواجهة نوائب العيش كافّة، من قبيل الشّيخوخة، والمرض، والمنفى، والفقد، والإفلاس، والموت. كما هو واضح أيضاً أنّ الخطاب العزائي في الفلسفة الرّومانيّة يعتمد على جماليات البلاغة الشّعريّة. غير أنّ الرّهان على السّخريّة والتّسليّة والتّرفيه، واللّعب إجمالاً، أمور لم تغب عن العزاء الرّومانيّ. مثلاً، يعتقد سينيكا أنّ أفضل ما نفعله في فترة العواصف السّياسيّة هو أن “نمنح أهميّة قصوى للتّرفيه والدّراسة” (حول سكينة النّفس). وإن كان سقراط قد واجه إعدامه بنوع من السّخريّة فقد واجه الفيلسوف الرّوماني كانوس إعدامه باللّعب حسب رواية سينيكا، إذ كان يلعب الشّطرنج عندما نودي عليه للإعدام فقال لصاحبه، أنا أتفوّق عليك بنقطه فإيّاك أن تغشني بعد موتي (سكينة النّفس). لم تقف التّسلية عند هذا الحدّ بل حتّى الرّهان الشّهير الّذي سيسمىّ فيما بعد بـ”رهان باسكال”، مارسه كانوس في شكل لعبة مسلّية حين قال لأصدقائه السّجناء، قبيل إعدامه، بروح لا تخلو من دعابة: كنتم دائماً تسألونني إن كانت الرّوح خالدة أم لا؟ أنا الآن سأتأكّد بنفسي (سكينة النّفس). بهذا النّحو أيضاً يكون للحكمة والبلاغة والتّأمل والتّسلية وظائف عزائيّة داخل الفلسفة الرّومانيّة.

هناك إمكانيات أخرى متاحة ولو جزئياً، لا بأس من إثارتها، مثلاً تساعدنا “العذراء الحمراء” سيمون فايل، لكي ندرك أنّ أساس فلسفة ماركس هو أعمق من كلّ المعادّلات الاقتصاديّة الّتي قامت عليها أطروحته في نقد الاقتصاد السّياسيّ، ذلك الأساس هو مشاعر الرّحمة والتّعاطف في مواجهة الشّقاء الإنساني. لذلك لم تكن فلسفة سيمون فايل سوى محاولة للتّوليف بين مشاعر التّعاطف لدى ماركس ومشاعر الرّحمة لدى المسيح. فضلاً عن ذلك فقد جعلت سيمون فايل الجمال معياراً للحقيقة، في عبارة بليغة تقول فيها: إنّه لجميل بما يكفي لكي يكون حقيقياً (التّجذر).

يوجد أسلوب آخر في الاستدلال، بوسعي أن أنطلق فيه من وعي اللّحظة الرّاهنة طالما الوعي الفلسفي وعي بالرّاهن، ومن ثمّ أقدّم الأطروحة على النّحو التّالي:

في عالم ما بعد الأديان، وما بعد الأيديولوجيات الخلاصيّة، والّذي هو عالمنا اليوم، عالم ما بعد المسيحيّة الرّسميّة، ما بعد الماركسيّة الكلاسيكيّة، وما بعد الإسلام السّياسيّ؛ عالم ما بعد انتظار عودة المهدي، وعودة المسيح، وعودة بوذا، وعودة المنقذين والمخَلصين كافّة؛ عالم ما بعد انتظار عودة “العصر الذّهبي”، والعودة إلى “الجنّة المفقودة”، وحلول “المساء الكبير”، وبزوغ “الفجر الموعود”، وذلك باختلاف الأسماء والمسمّيات؛ عالم ما بعد الخلاص الثّوري الّذي كانت تحلم به الحركات الثّوريّة، ما بعد الحداثة بلغة بعض مدارس علم الاجتماع، ما بعد السّرديات الكبرى بلغة النّقد الثّقافي؛ ما بعد الإنسانيّة بلغة البيولوجيا الجديدة، وما بعد البعديات نفسها بلغة لا تخلو من بلاغة؛ عالم “أفول الأصنام” بلغة نيتشه، و”نزع السّحر عن العالم” بلغة مارسيل غوشيه؛ وبالجملة عالم الخيبة الجذريّة بلغة أبلغ تعبيراً، نكون قد فقدنا عنصرين أساسيين، وما علينا إلّا الانتباه إلى أنّ الفقد قد صار نهائياً وبلا رجعة، وعلى ضوء الاعتراف بالخيبة الجذريّة يمكننا أن نعيش، وأن نساعد الآخرين على العيش. العبرة في ذلك أن ندرك بأنّ الحياة مجرّد حلم لا يستحقّ أن نتقاتل من أجله.

لكن، ماذا فقدنا تحديداً؟

أولّاً، فقدنا القدرة على تبرير الشّر، حيث لم يعد بإمكاننا أن نبرّر أي شكل من أشكال الشّر سواء باسم “الخطيئة الأصليّة” مثلما فعلت المسيحيّة الرّسميّة في المستوى الدينيّ، أو باسم أخطاء اقترفها المرء في حياة سابقة كما تقترح البوذيّة في رؤية دينيّة أخرى، أو باسم قوانين التّاريخ كما فعل هيجل في المستوى الفلسفي، أو بدعوى أنّ كلّ شرّ يأتي إلّا ويرد شراً أكبر منه كما ترى كثير من الثّقافات الشّعبيّة.

ثانياً، فقدنا الأمل الّذي كان يحدونا بصدد إمكانيّة اجتثاث الشّر، حيث لم يعد بإمكاننا أن نحلم بالخلاص النّهائيّ من الشّر، سواء عن طريق الثّورة كما تصوّرت الحركات الماركسيّة في المستوى الفلسفي، أو عن طريق الحرب المقدّسة (الجهاد) كما تصوّرت الأصوليات الدينيّة في المستوى الدينيّ، أو عن طريق التّطهير العرقيّ (المحرقة) كما تصوّرت النّازيّة في المستوى السّياسيّ، أو عن طريق الحرب الأخيرة التّي ستنهي كلّ الحروب كما تصوّر المحافظون الجدد، أو نحو ذلك من الرّؤى الخلاصيّة، بل لعلّ تجارب التّاريخ قد أوصلتنا في النّهاية إلى خلاصة مخيّبة للآمال بنحو جذري، بيد أنّها أبعد ما تكون عن القسوة، أقرب ما تكون من الرّحمة، مفادها أنّ كلّ محاولات اجتثاث الشّر قد خلّفت شروراً أشد سوءاً، وأنّ التّعايش بالتّالي مع قدر من الشّر لهو أهون من مغامرة اجتثاث لا تنتج في الغالب سوى شرّ أكبر من السّابق. وهذه الحكمة يعرفها العقل السّياسي المعاصر، ويضطرّ للعمل بها في كثير من مقارباته.

ما الشّر إذاً؟

واضح أنّ الخير لا نعرفه بالبداهة، ولا نستطيع تعريفه بكامل الوضوح، طالما يظلّ مرتبطاً بمختلف التّأويلات الثّقافيّة والدينيّة وحتّى المزاجيّة أحياناً، والّتي قد تتغيّر بتغير المواقف والظّروف والسّياقات. فالشّخص الّذي قد يرى كلّ الخير في ثروة من المال سرعان ما سيرى الخير كلّه في جرعة من الماء إذا تاه في الصّحراء، والشّخص الّذي يرى كلّ الخير في منصب رفيع يحصل عليه سرعان ما سيرى الخير كلّه في شفاء ابنته الصّغيرة إذا أصيبت بداء السّرطان، وهكذا دواليك.

الخير معطى سائل لا يستقر على شكل أو حال، لا يمكننا الإمساك به، ولا نكاد نعرفه أو نمسك به حتّى نفقّده في الحال، ثمّ يأتي علينا يوم ندرك فيه أنّنا لا نعرف عن الخير سوى أنّنا لا نعرف عنه أي شيء. وهل كان سقراط يقصد شيئاً آخر غير صعوبة معرفة الخير وتعريفه!؟

غير أنّ الشّر نعرفه حقّ المعرفة، ولا أحد منا يجرؤ على تجاهله أو إنكاره.

ما الشّر تحديداً؟

لا بأس أن نعترف بأنّنا في المستوى النّظري قد لا نتّفق حول أيّ شيء، طالما من طبع النّظر أن يتّبع وجهات النّظر، لكنّنا يجب أن نعترف أيضاً بأنّنا في المستوى العملي نتّفق بمقتضى الضّرورة حول كثير من المسائل. عملياً هناك ما يكفي من البداهات الّتي تفرض نفسها عنوة، وهي في كلّ أحوالها بادية بوضوح وجلاء، ولا تثير لدينا في العادة أدنى شكّ:

الألم شرّ، والشّقاء شرّ، والمعاناة شرّ، والعذاب شرّ. جميع هذه الشّرور نعرفها حقّ المعرفة، ولا أحد منا يجرؤ على تجاهلها أو إنكارها؛ إذ يكفي أن تعاود الاقتراب منّا حتّى نعرفها، يكفي أن نراها على مسافة بعيدة منّا حتّى نتعرّف عليها، يكفي أن يخبرنا أحد عنها حتّى نعرف عن ماذا يتحدّث؟

معطى آخر، لا نستطيع أن نعثر على الخير إذا لم نفتّش عنه دوماً وباستمرار، ورغم ذلك فقد لا نستطيع أن نراه، وقد تتغيّر وجهة نظر الواحد منّا بين الفينة والأخرى، وقد يراه كلّ واحد منّا فيما يتوقّع أن يراه، أو يرغب في أن يراه. فهذا يراه في ضحكة طفل صغير، وذاك يراه في صفاء السّماء، وثالث يراه في مال أو لقاء أو شفاء، إلخ، لكنّ الشّر في المقابل لا ينتظر منّا أن نبحث عنه، بل يقدّم نفسه على حين غرّة ويفاجئنا عنوة دون استدعاء وبلا استئذان.

يرغمنا الشّر على أن نراه يومياً في وجوه البؤساء وملامح المقهورين، وأن نسمعه دوماً في أنين المتوجّعين وصيحات المعذبين، وأن نشعر بقربه حين يدنو منّا ويقترب. يكفي أن يبكي الطّفل الّذي كان يضحك قبل قليل حتّى يطلّ الشّر برأسه الرّهيب، يكفي أن تكفهرّ السّماء الّتي كانت صافية قبل لحظة حتّى يحلّ الحزن الكئيب، يكفي ألاّ يأتي المال أو اللّقاء أو الشّفاء حتّى يخيّم الشّعور بالشّقاء.

قد لا ينجح السّلام في إقناعنا بأنّه سلام بالفعل، قد لا يقنعنا بذلك إلّا بعد أن نفقده ويغدو مجّرد ذكرى، غير أنّ الحرب تقنعنا بسهولة ومنذ أوّل وهلة بأنّها حرب بلا شكّ. قد لا تنجح الصّحة في إقناعنا بأنّها صحّة إلاّ بعد أن نفقدها، غير أنّ المرض يقنعنا بسهولة بأنّه مرض بلا شكّ. وبالجملة قد يفشل الخير في إقناعنا بأنّه خير، اللّهم من خلال الأثر الّذي يتركه بعد رحيله وزواله، غير أنّ الشّر ينجح بسهولة في إقناعنا بأنّه شرّ، وهو يقنعنا منذ إطلالته الأولى.

كذلك من خصائص الخير أن يطلب منّا أن نبادر ونمشي نحوه دون توقّف، دون أن نعثر عليه بالضّرورة، أمّا الشّر فهو الّذي يبحث عنّا باستمرار، وكلّ ما نحاول فعله هو أن نتفادى ضرباته، ثمّ أن (إن) أقصى نجاحنا في هذا المجال أن نتفادى معظم ضرباته، أو نتفادى ضرباته الأشدّ ضراوة، ولو إلى حين، طالما الضّربة القاضية تنتظرنا عند صافرة النّهاية.

وحده الشّر نعرفه جيّداً، وإنّه ليرغمنا على أن نعرفه بكلّ يقين وبلا خلاف.

الشّر هو اليقين الوحيد الّذي يستطيع أن يصمد في زمن الشّك والنّسبيّة والارتياب. ومن غيره يستطيع أن يصمد في وجه ثورة انعدام اليقين؟!

فعلاً، قد تنفعنا النّسبيّة الأخلاقيّة في التّعامل مع مفهوم الخير، ولو في حدود نسبيّة بدورها، لا ننكر ذلك، غير أنّ النّسبيّة الأخلاقيّة لا تنفع في التّعامل مع مفهوم الشّر. بل في مجال الشّر لن تكون النّسبيّة سوى أسلوب لا أخلاقي في تبرير الشّر، وليس هناك أسوأ من الشّر سوى تبرير الشّر. إنّنا لا نختلف على سبيل المثال حول أنّ أكل لحم البشر شرّ كبير، وأنّ هذا الحكم هو حكم كوني لا يتيح أي مجال لاحترام خصوصيات قبائل آكلي لحم البشر (الكانيبال) بدعوى النّسبيّة الأخلاقيّة، على سبيل المثال. كذلك القول عن القربان البشريّ، وختان الفتيات، والعنف الثّوري أو الجهادي، وعبادة الزّعيم، ونحو ذلك.

في غياب كلّ أنواع الخلاص الّتي سبقت في تاريخ البشريّة، والّتي كانت تبرّر الشّر، أو تعد الإنسان بقرب اجتثاثه، فإنّنا أبناء اليوم، عالم خيبات الأمل، لسنا نملك من سبيل آخر لمواجهة قسوة الحياة سوى استعادة تاريخ الفلسفة برؤية تستند إلى خمسة مفاهيم أساسيّة: الرّحمة، العزاء، التّأمل، الجمال، واللّعب.

لكن، مرّة أخرى، ما هو الخيط الرّابط بين تلك المفاهيم؟

حين نرى شخصا يتألّم، يعاني، يتعذّب، أو يحتضر، فباستثناء أن نكون شامتين لمرض في قلوبنا، أو لا مبالين لقساوة في نفوسنا، فأمامنا مستويان للتّأثّر:

أوّلاً، قد نشعر بالشّفقة الّتي تثير فينا مشاعر الحزن وتصيبنا بالشّقاء، ولهذا السّبب يرفضها كلّ من سبينوزا ونيتشه، وهما محقّان في ذلك.

ثانياً، قد نشعر بالرّحمة الّتي تبعث فينا مشاعر التّضامن، وتغمرنا بالفرح والارتياح حين نحسن التّصرّف، وتساعدنا بالتّالي في الحفاظ على القدرات الأساسيّة الّتي نحتاج إليها: القدرة على التّفكير، القدرة على الإبداع، القدرة على الحبّ، والقدرة على الحياة.

الفارق كبير إذاً بين كلّ من الشّفقة التّي تثير مشاعر التّذمّر، والرّحمة الّتي تثير مشاعر التّضامن، ولذلك تُمثّل الرّحمة أسمى مستويات التّفاعل مع معاناة الغير، طالما لا تثير في الذّات أيّ انفعال من الانفعالات التّعيسة والمعطّلة للنّمو.

أمام شقاء الغير، والّذي يلازم الوضع البشري الّذي ننتمي إليه، حين نشعر بالحزن ولا نستطيع فعل أيّ شيء سيشتدّ بنا الحزن ويتفاقم إلى أن يشلّ قدرتنا على النّمو ويعطّلها، وأمّا حين تغمرنا مشاعر التّضامن، فحتّى لو لم يكن بالإمكان فعل أيّ شيء، سيكون بإمكاننا أن نمضي إلى المرحلة الموالية، مرحلة العزاء، والعزاء فرصة للتّضامن البلاغيّ المبدع والبرهانيّ المقنِع، وهو فرصة أيضاً لأجل تفعيل مشاعر الرّحمة والحكمة والمحبّة، باعتبارها مشاعر تحفظ النّمو والكرامة.

يكون الرّد على الفواجع بالحكمة والعزاء، ويكون الرّد على الكراهيّة بالمحبّة والجمال، ويكون الرّد على القساوة بالرّحمة والتّضامن، ويكون الرّد على الخيبة الجذريّة بالفلسفة العمليّة. على أنّ هذه الرّدود كلّها لا تنشد الخلاص أو النّجاة، بل كلّ ما تنشده هو القدرة على العيش في عصر خيبات الأمل.

أن نكتشف أنّنا نعيش في ظلّ حياة بلا معنى، واقع بلا مُثُل، تاريخ بلا غاية، عالم بلا سحر، معناه أنّ مهمّة الفلسفة اليوم أن تجعلنا نتعامل مع الحياة باعتبارها مجرّد لعبة. عندما نعتبر الحياة لعبة فإنّنا سنعيشها بآمال أقلّ، ومخاوف أقلّ، وحنين أقلّ، وانتظار أقلّ. بمعنى سنعيشها أكثر فأكثر، وبعد حصص من التّمرّن قد تصبح الحياة لعبة ممتعة في آخر المطاف.

بوسعنا الآن العودة إلى سؤال البدء بصيغة أكثر اكتمالاً:

أخلاق الرّحمة لأجل تخفيف القسوة، بلاغة العزاء لأجل تقليص الأحزان، التّأمّل الجمالي لأجل دفع البشاعة، البرهان العقلي لأجل الحدّ من الأوهام، غريزة اللّعب لأجل مقاومة ملل حياة مملّة في الغالب، وإجمالاً فإنّنا نتحدّث عن العيش مع الخيبة.

الخيبة هي الخيط الرّابط إذاً، وهي روح العصر وواقع الحال.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This