عن اللَّاشيء كأهزوجةٍ ونثر

نحنُ أسرى اللَّاشيء عنوةً، وبكلِّ تشبُّث.

المجهول

صوتُ عويلِكَ في لحظةِ الفراغ يأتي صامتاً ككينونتِكَ الرَّثَّة الَّتي تصرخُ صراخاً يملأُ العالمَ إلَّا أنَّه صراخٌ صامتٌ لا يُصدِرُ أيَّ أصواتٍ تُذكَر، إنَّما يدوي مُصعَّداً لعوالمَ داخليَّةٍ تجترُّ فيها كلَّ هذا العالمِ ثُمَّ تُعيد بصقَهُ بشكلٍ دراماتيكاليٍّ على هيئةِ كائنٍ هلاميٍّ غيرِ مُتعيَّن.

 

صوتُ قرقعةِ كلِّ من حولِكَ يجتاحُ عوالمكَ مُتهكِّماً منكَ ورافعاً أصابعَهُ المُجعَّدةَ أمامَكَ: أحمقٌ، أرعنٌ، أهوكٌ، مأفون.. كم أنتَ ضعيفٌ في خِضَمِّ الحياةِ وبراغماتيَّتها الخشنة!    وأنتَ تسير مُصِرَّاً على ألَّا تُهادِنَ في موقفٍ لا هوادةَ بهِ من عالمٍ يساوي العدم.

تسامحٌ مّا ينثرُ عبيرَهُ بأجسادِ طفلين متشاجرين في شوارعِ المدينة..

أيُّ طرقٍ سوداويَّةٍ هي طرقنا؟
ألقابٌ.. مفاهيمٌ.. اعتمارٌ في بنى ذهنيَّةٍ مُتعطشِّةٍ لشيءٍ مّا لا تعرفُهُ.

فجأةً تأتي الأشياء الَّتي تمنَّيتَها في سرِّكَ، إلَّا أنَّكَ نسيتَ أمنياتِكَ في لحظةِ انسيابِ المعارفِ من ذاكرةٍ عجوز دكَّ التَّلفُ مضاجعَها فأهلكها.

صوتُكَ يعلو في شارعٍ اعتادَ صمتَكَ وخفّتَك المؤتَلَفين.. انتصارٌ مّا عمَّ الأحياءَ المظلمةَ والدَّاكنة، ولم تَسلَم منه الأزقّةُ الكالحة، وشوارعُ الأشجارِ الَّتي سامرتْكَ آلامَكَ وأوجاعَكَ، وشاركتْكَ أفكارَكَ وقصائدَك.

مفاعيلُ مفاهيمِكَ تَفوقُ كلَّ الاعتبارات.. لله دُرُّكَ من عارفٍ!

تعودُ أدراجَكَ مبتسماً وغيرَ آبهٍ لعوالمَ قديمةٍ اعتمرتْ كيانَكَ الإنسانيَّ البسيط، مُنتصِراً على أشدِّ هواجسِكَ اللّعينة والقميئة.

في مساءٍ غير باردٍ هنالكَ من يستحقُّ أنْ يُكتبَ عنهُ إلَّا أنَّهُ دخلَ عنوةً في ذاكرةِ النِّسيان.. تراهُ سائراً مختالاً في شوارعِ الأشجارِ ذاتِها، مغنِّياً بكلِّ سعادةٍ لكلِّ مهمَّشي هذا العالمِ الجائر.

المسخ يسير يوميَّاً ويترنَّح.

بحلم وبظلّ شهر بالي مشغول

يطلعلي قول شعر، وما بعرف قول.

بتذكَّر مرَّة سهرنا بخيمة، وبهاك السَّهرة وشوشتك كلمة.

ثلاثُ جملٍ بسيطةٌ لا تكلُّفَ بها تكتبُها بعدَ مرورِ ما يقارب سبعةَ أشهرٍ من سنةٍ تمرُّ دونَ أن ترى فيها أيَّ أحد، ودونَ أن يشتعلَ قلبكَ أو ينشغلَ بأيِّ شيء؛ فالحياةُ لم تعدْ تعطيكَ الفرصَ لتُحبَّ أو تكره، ولم يعدْ بالُكَ مشغولٌ بالآخر، فكلُّ ما تفعلُهُ هو أنَّك تتسابَقُ مع الوقتِ في مُحاوَلةِ ركلِ الكرة.. في مُحاوَلةِ الاستمرار من أجلِ الطَّعام والبقاء.

تركلُ الكرة وتعودُ لتلطمَ وجهَكَ الشَّاحبَ جرَّاءَ كلِّ شيء، ثمَّ تُحاوِلُ أن تضعَ أسباباً أخرى للاستمرار.

تفكِّرُ بالمستقبل، ثمَّ تتيقَّنُ أنَّ ما تملكُهُ هو الحاضر وضبابٌ أسودُ اللَّون يعتمرُ مستقبلَكَ.. تسقطُ أحلامُكَ ثمَّ تُحاوِلُ لملمَتِها من جديد والمُجامعة بينها، لكنْ من سوءِ حظِّكَ أنَّك لا تستطيعُ العثورَ على كلِّ الأجزاءِ المفقودة فتبكي كأيزيس الَّتي تبحثُ عن أشلاءِ زوجها أوزيريس، وتُحاوِل تجميعها من جديد.

يسقطُ الوقت، ويسقطُ الحاضر، وتسقطُ أنت ثُمَّ تَرتطِمُ وتسمعُ صوتَ عظامِكَ الَّتي تُسحَقُ على البلاط وتُطحَن، لكنَّك بحاجةٍ إلى الوقوف من جديد لتسيرَ بجسدٍ مُحطَّمٍ ومُتخلخِلٍ لتُكمِلَ المسير إلى المُتنفَس الأخير.

تستيقظُ في كلِّ أيَّامِكَ وتحملُ “كافكا” بين ذراعيكَ وتحسُّ بالتَّماهي مع سامسا؛ أنتَ سامسا وهو أنت، أنتَ حشرتُهُ المقزِّزة وهو حشرتُكَ القذرة.. “أنتما مُجرَّد نطفةٍ رعناء من ريحِ سموم.”**

لا قيمةَ لك ولا قيمةَ له، تتشابهان فتحضنان بعضكما بعضاً، وكأنَّكما على موعدٍ منتظر.. تسمِّي نفسِكَ سامسا المسخ وتشعرُ يوميَّاً بعدميَّتِكَ القاتمة ولا جدواك.

نعم، أنتَ الحشرة الصَّغيرة الَّتي تُكنَّسُ وتُرمَى.. الحشرةُ الَّتي تمصُّها العائلة وتتقيَّأها متى تشاءُ وكيفما تشاء..

المسخ والأسرة.. قداسةُ الأسرة.. وهمُ القداسة.. قذارة الوصاية… وماذا بعد؟

هل هنالِكَ أسبابٌ أخرى للسَّير قُدماً؟

تُسمِّي نفسَكَ المسخ وتحضُنُ المدينة، وشارعَكَ المُهترِئ، وألوانَ شارعِكَ الباردة والجافَّة.. فتتذكَّرُ التَّنوَّعَ الفنِّيَّ، الاختلافَ، الإبداعَ، الفنَّ والإبداع…

آمان لبلاهةِ الوجود؛ لتجميلِهِ لكَ ولواقعِكَ.. أنتَ المسخ، وهذا هو كلُّ شيء، لا مناصَ لك من التَّرنُّح.

…………………….

* اللَّوحة للفنَّان الأمريكيِّ إلين أنتوني هانزن بعنوان: “جوّ اللَّاشيء“.

العبارة للشَّاعر المصريِّ صلاح عبد الصَّبور.**

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This