الصّور الفوتوغرافيّة لا تصنع صداقة

البكتريا اللّطيفة الّتي تحوّل الحليب إلى لبن تعطيه معنىً آخر… الأصدقاء بكتيريا بجدائل ملوّنة، إنّهم هدف الفوز الممتع في الثّواني الأخيرة من نهاية المباراة.

لو كتبنا على محرّك البحث غوغل: ما تعريف الصّداقة؟ لوجدنا آلاف التّعريفات المختلفة، ولو وجهنا السّؤال لأشخاص من بيئة واحدة وأعمار متقاربة لاختلفت التعّريفات أيضا، فالتّجربة الشّخصيّة لكلّ فرد  وخلفيته الثّقافيّة والدينيّة والتّقاليد والأعراف والوضع الاقتصادي والسّياسي والاجتماعي كلّها ستؤثّر في تعريفه للصّداقة والوطن والحبّ والأمومة وغير ذلك من المصطلحات، فعلى سبيل المثال  هناك من يرى أنّ الحبّ هو الرّابط المقدّس الّذي لا يتغيّر ولا يتبدّل حتّى نهاية الحياة، بينما يرى آخرون أنّ الحبّ هو مفردة دخلت على البشريّة حديثاً ولم تكن في العصور القديمة بين الذّكر والأنثى، بل كان هناك الغريزة الجنسيّة، ومع تطوّر البشريّة جاءت كلمة الحبّ لتكون واجهةً لطيفةً  للغريزة، فبدل أن تقول لشخص يثيرك أنّك تريد أن تمارس الجنس معه تخبره أنّك تحبّه ثمّ تذهبان إلى السّرير.

أمّا بالنّسبة للصّداقة فهناك من يُعرّفها بشكل سلبي ولا يؤمن بوجودها، والمثل الشّعبي المشهور الّذي يردّده الكثير من النّاس يدلّ بشكل مّا على ذلك “احذر عدوك مرّة واحذر صديقك ألف مرّة“. ومن منّا لم يسمع الكثير من القصص عن أشخاص تعرّضوا لغدر الأصدقاء وخيانتهم على كافّة المستويات، ولكنّ هذا لا ينفى وجود الصّداقة أيضا بالمعنى الإيجابيّ بالنّسبة للكثيرين، وبالطّبع أنا منهم، فالحياة بالنّسبة لي تبدو بائسةً وبائسةً جدّاً دون وجود الأصدقاء. في الصّف الثّالث الثّانوي غادرت القرية للدّراسة في المدينة، وكانت هذه المرّة الأولى الّتي أحتكّ بها بأبناء المدن أنا القادم من الرّيف محمّلا بإرث ديني وعادات وتقاليد محافظة، التقيت بالصّدفة بشخص أصغر منّي بثلاث سنوات وبعد نصف ساعة من الحديث صدمني بقوله إنّ الله إن كان موجودا فكلّ ما فعله غير مفهوم وغير مبرّر وأحيانا لا معنى له، وراح يسرد الكثير من الأمثلة الّتي تدعم فكرته… لم أشعر طوال فترة مراهقتي بصدمة هزّتني من الدّاخل كما فعل هذا الوغد المتطاول على ذات الله المقدّسة وقدرته اللاّمتناهية، وصعقني أنّه كان يقول ذلك  دون أن يشعر بالخوف والرّهبة وكأنّه يتحدّث بكلام عادي عن شخص مّا لا أهميّة له. فيما بعد أصبح هذا الوغد أقرب أصدقائي… ولكنّ هذه الصّداقة كانت بحاجة للوقت ولكثير من الاختبارات على كافّة الأصعدة كي تصبح متينةً، ففي البداية كان هناك صراع فكري وثقافي واختلاف هائل في وجهات النّظر والاهتمامات. كبرنا عدّة سنوات وأصبحنا أكثر عقلانيّة ونضج، وأصبحت آراؤنا متقاربةً على الصّعيد الأخلاقيّ والاجتماعيّ، ولم نعد نهتمّ للنّقاشات المتعلّقة بالله والدّين، ودون قصد خضعت هذه الصّداقة للاختبار المالي “الثّقة الماليّة” والوقوف بجانب الآخر ودعمه، ثمّ جاءت الأنثى وكان هذا الاختبار حسّاساً للغاية هل سيتخلّى عن الوقت الّذي يقضيه معي ليقضيه مع من يحبّ هل سيمتنع عن مشاركتي تفاصيل حياته وأسراره لأنّه وجد أنثى يمكنه مشاركتها؟! والكثير من التّساؤلات… وتلا ذلك اختبار من نوع آخر يدلّ على مدى عمق العلاقة ومتانتها ومدى النّضج الّذي وصلنا إليه حين قال: أنت اقترفت الكثير من الأخطاء في حقّي خلال الأشهر الماضية. فقلت: معك حقّ. ولم أقدّم مبرّرات، وهو فعل الأمر ذاته ودون أي عتاب ولوم قفزنا فوق كلّ شيء وكأنّ شيئا لم يحدث.  بالطّبع كان جذر هذه الصّداقة قائماً على عدّة أشياء من وجهة نظري وهي الحبّ والاحترام والضّحك، هذه الأشياء الثّلاثة كانت ترافق كلّ مراحل الصّداقة.

يقول فرنسيس بيكون: الصّداقة تضاعف الفرح، وتقسم الحزن على اثنين.

كنّا نتقاسم ثمن علبة السّجائر والمتّة، ونوفّر من مصروفنا اليومي المال لشراء “كاسيت” في نهاية الشّهر لفنّان نحبّه، وحين تسوء أحوالنا الماليّة لدرجة عجزنا عن توفير ثمن “الكاسيت” كنّا  نفكّر بمشاريع اقتصاديّة قريبة إلى أدب الواقعيّة السّحريّة في أمريكا اللاّتينيّة، وبالطّبع كانت بعض هذه المشاريع، أو للدّقة أكثر كانت  كلّ هذه المشاريع خاسرةً مالياً… لكنّها ممتعة ورائعة.

في إحدى المرّات اقترحت عليه أن يدخل شريك معي بمشروع بناء فندق في منطقة صحراويّة وتأمينه ضدّ الغرق بمياه البحر بمبلغ يعادل ثلاثة أضعاف تكلفته، وبعدها نفكّر بطريقة مّا لجلب البحر إلى الصّحراء وإغراق الفندق ثمّ الحصول على مبلغ التّأمين، وبالطّبع لم يتردّد بالدّخول كشريك مالي وشكرني لأنّي سمحت له بذلك، وقال بالحرف الواحد: أنت تملك ذكاءً اقتصادياً لا مثيل له على هذا الكوكب. حينها أخبرته أنّ هناك مشكلة صغيرة في هذا المشروع لم أجد لها حلاًّ، وهي أنّنا لا نملك مالاً لبناء الفندق… فقال: الجزء الصّعب والأهمّ هو فكرة المشروع، أمّا بالنّسبة للمال فيعتبر مشكلةً ثانويّةً. ساد الصّمت قليلا وبعدها جاء بالحلّ السّحري وهو أن نشتري دراجتين هوائيتين ونقوم بجولة حول العالم ونعمل على تصويرها ونشرها وننتظر إلى أن نصبح مشهورين ثمّ نقوم ببيع الدرّاجتين بمبالغ باهظة الثّمن تكفي لبناء فندق وشراء ألوان لرسم البحر الّذي سنغرق فيه فندقنا. ولشدّة فرحتي ودهشتي بالحلّ الّذي قدّمه نسيت يومها أن أسأله من أين سنأتي بثمن الدرّاجتين؟! بمثل هذه المشاريع كانت أزماتنا الماليّة سهلة الحلّ وكانت حياتنا أخفّ وأجمل، كنّا فقراء نتقن فنّ العيش المرح ونسج الأحلام المستحيلة.

الآن مضى حوالي أربعة وعشرون عامّ على صداقتنا، وأقلّ من عشرين صورة فوتوغرافيّة تجمعني معه… آلاف الصّور لا يمكنها أن تصنع صداقة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. محمد ليبان

    جميلة و ملهمة قصتك، وكذلك اسلوبك، شكرا ا. رامي،.. أتمنى لك التوفيق والنجاح

أضف تعليق

Share This