هل منحَنا نصر حامد أبو زيد طوق نجاة فرفضناه؟ / أحمد عبد اللطيف

يعدُّ نصر حامد أبو زيد (1943 ــ 2010) واحدًا من أهم مفكري مصر في الثلاثين عامًا الأخيرة، وواحدًا من أهم المفكرين الإسلاميين العرب المحدثين، بجانب أسماء كبيرة، مثل طه حسين، وعابد الجابري، وجورج طرابيشي، وهادي العلوي، ومحمد أركون، وكلهم لهم إسهامات كبيرة في قراءة الفكر الإسلامي وتاريخه، وكلهم أصحاب رؤى هامة ومؤثرة في إعادة تلقي التاريخ والنص القرآني. وأبو زيد حلقة من هذه السلسلة التي أسّس لها منذ النصف الأول من القرن العشرين طه حسين بكتب فارقة أبرزها “الشعر الجاهلي”، وإن كان نصر يلتقي مع محمد أركون في معالجة النص الأساس في الثقافة العربية.
تراجيديا يونانية
تتوافر سيرة أبو زيد على منبعين يمنحانه أهمية قصوى في ما يخص الثقافة العربية وأزمتها: محاكمته أمام القضاء المصري وتهديده بالقتل، وما تبع ذلك من منفى إجباري؛ والثاني تفكيكه للنص القرآني وتناوله له باعتباره خطابًا يمكن تأويله، والاستدلال على أنه نص بشري (بمعنى أنه موجَّه للبشر)، وما يتبع ذلك من تأويل وتاريخية. الشق الأول سياسي بالأساس، مجرد بحث للترقية في قسم اللغة العربية في كلية آداب القاهرة، ينتقد فيه أبو زيد فكرة البنوك الإسلامية التي انتشرت في التسعينيات، مثل الريان، والسعد، ويفككها ليحيلها إلى فكرة البنك المدني، ويكشف التلاعب بالدين في هذا النوع من الاقتصاد لجذب مستثمرين. المسؤول عن الترقية، عبد الصبور شاهين، وكان مستشارًا لهذه البنوك، يقرر رفض البحث (حتى هنا المسألة أكاديمية بحتة)، ثم التصعيد الإعلامي ضد نصر، مستقطعًا من البحث عبارات يستدل بها على “كفر” المفكر الإسلامي (وهي المعركة الأساسية التي طلب فيها شاهين الاستقواء بالمجتمع). المعركة الشهيرة أدت بنصر إلى المحكمة، وحينها رفض بكل عزة طلب القاضي بأن يتشاهد ليدحض تهمة الكفر، فقال نصر: “هذه محكمة تفتيش”. ورغم أن المحكمة حكمت عليه بالتفرقة عن زوجته الدكتورة ابتهال يونس، إلا أن نصر هو من انتصر في العمق في هذه المحاكمة، إذ رفض محقًا أن يثبت إيمانه من عدمه، وظل متمسكًا بأن الدين أمر شخصي، وأن ما يعرضه أطروحات فكرية يرد عليها بالفكر، وليس بالترهيب.
نتوقف هنا أمام لحظات الأزمة لنرى أعداء الفكر الإسلامي التنويري: الجماعات السلفية وسلطة مبارك التي تدعي المدنية. كانت أطروحات أبو زيد الفكرية تهدم الكهنوتية التي أسست لها الجماعات الإسلامية والأزهر، فعُمق فكر أبو زيد امتداد للفكر المعتزلي، ما يتناقض مع فكر الأشاعرة وأهل السنة والجماعة الذي يقوم عليه الأزهر ويتبناه كما تتبناه الجماعات السلفية بإضافات مختلفة بحسب مدى تطرفها أو اعتدالها. ولأن عمل أبو زيد الفكري كان في الأساس في “النص”، و”التأويل”، وينطلق من أساس فكري وفلسفي حداثي مستفيدًا من تطور نظريات تلقي الخطاب والتأويل في الغرب، كما استند على عبد القاهر الجرجاني والتراث العربي، بات خطابه منبوذًا من الدوائر المنغلقة على نفسها، بل وناصبته العداء لأنه يهدد كيانها. هكذا، لم تكن معركة عبد الصبور شاهين ضده إلا قمة جبل الثلج، اقتناص لحظة مناسبة لتأليب المجتمع، وليس الأكاديميا فحسب، عليه. استغل عبد الصبور شاهين صعود التيار الإسلامي في التسعينيات، وقوتهم في الشارع، ليلقي بـ(أبو زيد) في أتون معركة، منتظرًا منه الاستسلام والتراجع، مع ثقته التامة أن النظام المصري الذي يعادي أفكار أبو زيد كذلك لن يقف في موقف الدفاع عنه. في تلك الفترة، تعرض المفكر فرج فودة للاغتيال، برغم أن أطروحاته كانت سياسية في الأساس (وتخلت عنه الدولة، ونسيته كأنه لم يكن)، وتعرض نجيب محفوظ لمحاولة اغتيال فاشلة، ولم ينجُ أبو زيد من الاغتيال إلا بالمنفى.
وإذا كان هذا موقف التيار الإسلامي من أبو زيد، فموقف الدولة لم يختلف كثيرًا. فدولة مبارك كانت تحارب الإرهاب أمنيًا، لكنها تفتح الجوامع لنشر الخطاب نفسه، وكانت تلعب لعبة مواءمات سياسية تدجن فيها التيار السلفي، وتفتح المجال السياسي لجماعة الإخوان (وتسجنهم في الوقت نفسه، في لعبة العصا والجزرة)، وتمنح للقوات المسلحة سلطة المال والمشاريع الاقتصادية، ثم مع ظهور جمال مبارك صعّد طبقة رجال الأعمال. كانت الدولة تكسب التيار الإسلامي في صفها، وتمتنع عن التصادم معه، خاصة مع صعود العمليات الإرهابية، وهو الموقف الذي تجلى بوضوح في أزمة الروايات الثلاث الصادرة عن هيئة قصور الثقافة المصرية، وحينها أصدر فاروق حسني، وزير الثقافة، قرارًا بمنع الروايات المثيرة لغضب التيار الإسلامي، بعد مظاهرة كبيرة لطلاب الأزهر. بالإضافة إلى ذلك، كان أبو زيد مناوئًا لسلطة مبارك، وكانت تصوراته عن الدولة المدنية والدولة الحديثة تقع في خندق العداء مع أساس الدولة المصرية. بذلك، وقف أبو زيد وحيدًا من دون أي دعم، إلا من اليسار المصري الذي لم يكن له إلا سلطة محدودة في الصحافة. لتنتهي المعركة بأوامر سرية من نظام مبارك بأن يرحل عن البلد فورًا، لأنه معرض للاغتيال في أي لحظة.
منهجية أبو زيد
يقوم مشروع نصر حامد أبو زيد على ركيزتين: إعادة قراءة التراث الديني، ومراجعة القراءات السابقة له، على أرضية علم الهرمونيطيقا، وهو العلم المختص بالتأويل مستلهمًا الفلسفة الغربية في قراءتها للاهوت، وبالتحديد جادامر، وقراءة القرآن باعتباره خطابًا وليس نصًا، ومن الركيزة الثانية تنبثق أفكار “بشرية القرآن”. وبالاعتماد على مربع أرسطو يمكن تلخيص نظرية أبو زيد بالتالي:
كل رسالة يمكن تحليل خطابها
القرآن رسالة
القرآن يمكن تحليل خطابه.

يرى أبو زيد أن الفكر النصي جامد، فيما الفكر الخطابي تأويلي، ومن هنا يحرر القرآن من جمود دلالاته. وفي اعتقاده ببشرية القرآن، لا ينفي عنه كونه إلهيًا منزلًا من عند الله، ولكنه يقول بأن القرآن منزل إلى البشر، ومن أجل حياة البشر، وبمجرد نزوله للواقع البشري يجب قراءته من منظور بشري، وبالتالي فهو نص مرتبط بسياقه التاريخي. يقول أبو زيد: “الخطأ الجوهري في موقف أهل السنة، قديمًا وحديثًا، هو النظر إلى حركة التاريخ وتطور الزمن بوصفها حركة نحو الأسوأ” لذلك فهم يتجمدون عند العصر الذهبي للإسلام، وهو توقف أيديولوجي. ثمة أسئلة أساسية تؤيد بشرية القرآن، لماذا لم يُجمع أيام الرسول؟ ولماذا لم يتنزل على الرسول مرة واحدة؟ إن ارتباط كثير من آيات القرآن بالمناسبات من ناحية، وانتقاله من نص شفاهي أيام النبوة إلى نص كتابي مع أبي بكر يعني، من بين ما يعنيه، انفتاح دلالاته. ولعل تعدد الأصوات في النص الإسلامي دليل إضافي إلى أن القرآن ليس صوت الله وحده، كما يتضح ذلك في دراسة د. ابتهال يونس المعنونة “صوت الإنسان في الخطاب الإلهي”، إذ رصدت الباحثة أربعة أصوات بشرية: “صوت الإنسان من خلال الحوار المباشر مع الله… صوت الإنسان في السرد من خلال قصص القرآن… صوت الإنسان الذي يلي الأمر الإلهي… والنوع الرابع ما يمكن أن نسميه الدعاء والابتهالات…”. هذا التنوع الصوتي في الخطاب القرآني لا يخلو من دلالة، خاصة أن الصوت البشري يشغل مساحة ليست بقليلة.
كانت معركة بشرية القرآن هي معركة أبو زيد الكبرى مع تيار السلفية الإسلامية بتنويعاته، مع المتن المسيطر على السلطة على طول التاريخ الإسلامي، ووصولًا للحظة الآنية، وهو التيار المسيطر على الأزهر، والمنتشر في المعاهد الدينية، والمتبنى داخل المساجد وأروقة المحاكم (بما أن الإسلام هو دين الدولة طبقًا للدستور)، وبحسب طرح أبو زيد، ستكون الشريعة لخدمة المجتمع، وهو ما يحفظ للقرآن صلاحيته في كل زمان ومكان، وما يمنحه صفة الخلود. وبناءً على هذه الرؤية، سيُعاد النظر في مسألة المواريث والحجاب (والحجاب تحديدًا من الأسئلة المطروحة على الساحة منذ التسعينيات)، وكذلك التعايش مع غير المسلمين في المجتمع ذي الأغلبية المسلمة، وكل ذلك سيؤدي بنا إلى دولة المواطنة، حيث يتساوى جميع المواطنين في حقوقهم بغض النظر عن دينهم ولونهم ونوعهم. إذًا، كان طرح أبو زيد يصب في تشريع جديد لا يعادي الإسلام كدين (ولا يهمّشه كما يحدث في الطرح العلماني الغربي)، إنما يجعله صلب المجتمع، ويخلق وشائج بينه وبين الدولة الحديثة. لقد أدرك المفكر التنويري أن حل أزمات الثقافة العربية لا يجب أن يكون مستوردًا من تجارب أخرى، وإن أمكن الاستفادة منها، بل الحل في المجتمعات الإسلامية يجب أن يكون مرتبطًا بالنص الأساسي وهو القرآن. ومن منطلق إيماني (رغم تكفيره)، استعرض ما يمكن أن يكون تجديدًا في الخطاب الديني، أطروحة شديدة العمق والفهم تذهب إلى روح التشريع وتفترض العدل في المشرّع، ولعل افتراضية “لا يمكن فهم النص القرآني كما فهمه الأولون وتطبيقه بنفس الطريقة”، كانت الدافع نحو هذا الفهم، وهو ما دفعه لدراسة الهرمونيطيقا، العلم الذي طبقة جادامر أولًا على النصوص اللاهوتية قبل أن يتطور ويصبح السيميولوجيا الذي لاقى رواجًا كبيرًا في النصف الثاني من القرن العشرين لقراءة النصوص الأدبية.

الواقع وأطروحات أبو زيد
لم تكن معركة أبو زيد دينية فحسب، كانت سياسية كذلك، وبقدر ما كانت تهدد الكهنوت الإسلامي، كانت تهدد الكهنوت العسكري المتحالف في الأساس مع التيار الديني، بسياسة العصا والجزرة (جماعة الإخوان في سجون مبارك، وجماعة الإخوان في برلمان مبارك، جماعة الإخوان جماعة محظورة، وفي الوقت نفسه معروفة للسلطة وتتحرك على أرض الواقع). هنا كانت مأساة أبو زيد، أنه عدو للجميع، بلا سند ولا ظهر، حتى جامعة القاهرة التي ينتمي إليها ويدرّس فيها كانت أول من وقف ضده، وسعت إلى تكفيره وتفريقه عن زوجته. كان صوتًا منبوذًا في وقت كان فيه الداعية عمرو خالد يشغل الجوامع الكبرى في القاهرة، وتباع شرائطه الكاسيت بملايين النسخ، ويُقدم نفسه (ببدلة حديثة وحليق اللحية) كوجه للإسلام المودرن، فيما كانت دعوته تنصب على فرض الحجاب، وخطابه ليس إلا الخطاب السلفي الذي يرضي السلطة السياسية من ناحية، ويرضي عموم التيارات الإسلامية من ناحية أخرى، وكان من عواقبه الاجتماعية انتشار ظاهرة التحرش بالنساء، وخاصةً من غير المحجبات، كنوع من العقاب والاستباحة، ومنح الرجل سلطة كبيرة على جسد المرأة، وظهرت مقولات السينما النظيفة، واحتل سؤال التابوهات مكانة بارزة في الأدب المصري، خاصة التابو الجنسي، وكان من عواقب ذلك مظاهرة طلاب الأزهر في بداية الألفية ضد رواية “وليمة لأعشاب البحر” لحيدر حيدر، بعد أن صنفها أحد الشيوخ برواية الإلحاد والكفر، فخضعت السلطة المصرية وصادرتها. توازى ذلك مع “أزمة الروايات الثلاث”، التي تحول فيها إبراهيم أصلان، وحمدي أبو جليل (كرئيس ومدير تحرير بسلسلة نشر حكومية)، إلى النيابة كمسؤولَين عن إصدار ثلاث روايات “تحرض على الكفر”، وخضع فاروق حسني، وزير الثقافة حينها، لدعاوى التكفير، وأمر بمصادرة الروايات. بذلك كانت فترة التسعينيات فترة حاسمة في التكوين السوسيوثقافي الجديد في مصر، انتصر فيها الصوت الراديكالي بقوة مساندة سلطة مبارك له، وهي السلطة نفسها التي أمرت نصر حامد أبو زيد بالهروب من مصر قبل أن يتعرض للاغتيال. وحتى لا يؤكد أبو زيد دعاوى التكفير، اختار المنفى في هولندا، والتدريس في إحدى جامعاتها، ورفض المنفى في الولايات المتحدة.
لقد ظهر المفكر نصر حامد أبو زيد في لحظة فارقة في تاريخ مصر، وأطروحاته كانت بمثابة طوق النجاة للمجتمع، لكن التحالف الديني/ السياسي كان يتطلع إلى مجتمع التكفير والمصادرة. وبعد عشر سنوات على رحيله، لا تزال كتبه ودراساته متداولة، وتفتح ثقبًا يعبر منه النور.

 

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This