الفرانكفونيون هم الأدباء الأجانب الذين يكتبون باللغة الفرنسية، من دون لغتهم الأصلية، رواياتٍ وقصائدَ ومسرحياتٍ ودراساتٍ نقدية ونصوصًا مختلفة في الثقافة العامة؛ في ازدواجية لغوية فرضتها ظروف الإقامة، أو ظروف اللغة التي استهوت كثيرًا من المهاجرين الأدباء المغاربة، والأفارقة، وجزر الأنتيل، وبلدان أوروبية أخرى، كما حصل عند التشيكي ميلان كونديرا، والروسي أندريه ماكين، والإسباني خورخي سومبريم، وغيرهم من الأدباء العالميين الذين انغمروا في اللغة الفرنسية وتضاعيفها، وكتبوا فيها، وربما أضافوا إليها، أو أضافت لهم، في هذه الأدبيات المتعددة.
و”حدائق موليير” (تأليف شاكر نوري، دار المؤلف، لبنان، 2018) يتحدث فيه ثلاثون أديبًا من أدباء الفرانكفونية يمثلون أطيافًا مغاربية وأجنبية هم خلاصة الأدب الفرانكفوني المتسيد في فرنسا. ومثل هذا العدد الكبير المجتمع يحتاج الى مقدمة وافية حول ضرورة وأهمية ومسببات استعمال اللغة الفرنسية في الكتابات الإبداعية لأدباء متعددي المناشئ الجغرافية والوطنية، والاهتمامات في تجارب غير متشابهة، وربما متناقضة، وأيديولوجيات متقاطعة في الرؤى السياسية والفكرية وحتى الجمالية؛ لهذا استوعبت المقدمة كثيرًا من الأسئلة التي تستوضح هذه الظاهرة العالمية، وتحاول أن تجيب على أسئلة كثيرة: هل اللغة الفرنسية ضرورة، أم اختيار؟ هل هي اغتراب، أم طريق نحو العالمية؟ هل يشكل الأدب الذي يكتبه فرانكفونيون إضافة الى الثقافة العربية، أم يساهم في خلخلة الهوية العربية؟ هل تساهم الرواية المغربية الفرانكفونية بدور في تشكيل الوعي الجماعي العربي؟ وهل تفتح الكتابة باللغة الفرنسية الباب أمام الكتّاب العرب لتناول المحرمات التي لا يمكن للكاتب العربي أن يقترب منها؟ وهل تختلف طريقة التعامل مع النص الأدبي في اللغتين؟ وهل يمكن عدّ هذه النصوص جزءًا من

الأدب العربي، أم هي من التراث الأدبي الفرنسي؟
مثل هذه الأسئلة الكبيرة يمكن استجلاؤها بشكل أولي في حوارات قديمة وجديدة مع كثيرٍ من هؤلاء الأدباء العرب والأجانب أمام لغة واحدة جمعتهم، لكن من جغرافيات مختلفة، وثقافات متعددة، وأمزجة أدبية غير متقاربة كثيرًا، كجورج شحادة، وياسمينة خضرة، وأندريه شديد، ورشيد بو جدرة، وليلى صبار، والطاهر بن جلون، وألبير قصيري، وصلاح ستيتيه، وعبدالكبير خطيبي، وسليم باش، وأمين معلوف، وعمر منير، ومالك شبل. وفي هذا المتحف الحواري متعدد الزوايا والرؤى والأفكار والأطروحات الأدبية والمعرفية الناضجة، سنجد أن الروح العربية في الجماليات المغاربية، مثلًا، لا تغادر الوعي الفني ولا الواقعي، وأن “الهجرة” التي تسببت بها اللغة لم تجعل من النصوص هدفًا للهجرة النفسية والواقعية بقدر ما هي هجرة لغة إلى لغة أخرى وجغرافية ثانية تتوفر على حاضنات “مفقودة” في الجغرافية الأصلية، وقد تكون اللغة الجديدة التي تنمو في مناخ ثقافي صحي قابلة لأن تتشكل على تصريفات موضوعية جديدة منشأها الإبداعي عربي وخيالها عربي، لكن لغتها فرنسية في هذه الهجرة القسرية، أو الطوعية، لذلك نجد جميع المحاوَرين، وهم أعلام أدبية، يشددون على هذه الفاصلة النفسية التي لا يمكن تجاوزها في الأحوال كلها، حتى أن رشيد بوجدرة بعد أن كتب سبع روايات باللغة الفرنسية عاد وكتب غيرها في اللغة العربية متسائلًا (هل حدث أن سعى شعبٌ ما الى البحث عن جذوره في لغة أخرى غير لغته؟).
ومثل هذا التأصيل الواعي لا يمكن عدّهُ حنينًا إلى اللغة، إنما هو وعي بالهوية الروحية والنفسية التي تشكلها العربية، لكن الطاهر بن جلون لا يستطيع الكتابة بالعربية، فالفرنسية استحوذت عليه، وهو استحواذ طفولي مُعَدٌّ استعماريًا لا فكاك منه على الأغلب. في الوقت الذي يرى فيه عبدالكريم غلاب أن الفرنسية قد تحد من مضامين الكتّاب العرب، ولا يكون لها التأثير المطلوب، وهذا الانغماس اللغوي/ العربي هو الجوهر في الهوية النفسية، بينما يرى كاتب ياسين أن العربية لغة انقرضت، مثل اللاتينية، وأن اللغة الفرنسية (هي منفاي)، إذ يكون المنفى عبارة عن لغة أخرى تقتل أو تستحوذ على اللغة الأساسية، وبالتالي تجنح إلى فضاءات مغايرة.
وفي هذه الإقامة “اللغوية”، التي أضحت منبرًا خطابيًا وحماسيًا عند كثيرين، ثمة إشكاليات

دائمة بين الكتّاب الفرانكفونيين قائمة في آراء متناقضة، فاللغة – الوعاء تمكنت في فترات مختلفة من أن تكوّن لها قارئها الآخر عربيًا، فالطيف/ اللغوي/ الفرنسي واسع الانتشار في البلاد المغاربية، وبالتالي يرى معظم هؤلاء الكتّاب أن إيصال الصوت “العربي” فرنسيًا أمر قائم وحقيقي، وهو ليس تذبذبًا ثقافيًا أو متسببًا بفقدان الهوية العربية بقدر ما هو أحد وسائل التشنيع بالاستعمار الفرنسي، وبلغته التي حاول من خلالها طمس الهوية العربية، وتشويه أجيال متتالية بالطريقة ذاتها، ولكن عندما تكون اللغة الأخرى (منفى) يصبح التعامل النفسي أكثر صعوبة في التلقي العام، والصعوبة عند كاتب ياسين مثلًا أنه (ينفي) نفسه في اللغة الأخرى، لذا فالفرانكفونية هي سياسة أيضًا، حاولت الدولة الفرنسية من خلالها أن تجمع هذا الطيف العربي المغربي والأوروبي إلى حد ما، وتكريس اللغة فيه في عهد الرئيس ميتران، عندما نظمت فرنسا مجلسًا للفرانكفونية، بوصفه فضاءً رمزيًا موحدًا وعالمًا متنوعًا توحده اللغة وتجمعه الإرادة المشتركة، كما جاء في (دفاتر الشرق) المجلة المتخصصة بقضايا الشرق. لكن الفرانكفونيين المتناقضين في الانتماء إلى اللغة الفرنسية لديهم كثير من التبريرات والتحليلات والآراء الشخصية في مثل هذا الانتماء، فأندريه شديد تقول (أشعر بهويتي الشرقية على الدوام.. والفرانكفونيون قدموا إضافات إلى اللغة الفرنسية)، ورشيد بوجدرة يرى أنّ بعض الفرانكفونيين (لديهم مصالح دنيئة، لأنه يعجب الفرنسيين، ويصفقون له). وليلى صبار (الأدب الفرانكفوني يقترح متخيلًا جديدًا على اللغة الفرنسية)، وياسمينة خضرة (لم أصل بعد إلى نضج الخطاب باللغة العربية)، وإدمون عمران (أتكلم العربية بطلاقة، لكنني لست متمكنًا منها مثل الفرنسية)، وجواد مديدش (فرنسيتي أفضل من عربيتي)، وصلاح ستيتيه (الفرنسية تسيطر علي)، ونديم غورسيل (الفرنسية أعطتني إمكانية التفكير وصياغة المفاهيم الأدبية)، والطاهر بن جلون (العربية لغة مقدسة)، وجيسيل بينو (الفرانكفونية حملت أنفاسًا جديدة للغة الفرنسية)، وفؤاد العتر (من الفرانكفونيين من يكتب بوضعية العبد الصغير).
وفي هذه المطارحات التبريرية في أغلبها نجد البون شاسعًا بين كثيرين في طريقة التفكير والأداء الإبداعي عبر اللغة، حملته هذه اللقاءات التي كشفت كثير من النوازع الفرانكفونية المتباينة عبر رموزها العربية وغير العربية في تعاطي اللغة الفرنسية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This