المواطنة وسياسات الرياضة في تونس : حوار مع الحفصي بضيوفي، أستاذ محاضر في علم الاجتماع (ج. 02)

نواصل في هذا الجزء الثاني من الحوار مع الدكتور الحفصي بضيوفي الحديث عن سلطة المجتمع المدني وعن الرياضة المواطنية والحق في ممارستها بين النظرية والتطبيق بالإضافة إلى عديد المواضيع الأخرى.

**********************

قبل استفحال موجة الانتشار السّريع لوباء الكورونا المستجدّ، كنتم قد شاركتم في الندوة العلمية التي نُظّمت بكليّة الطب بتونس وتم خلالها عرض مُخرجات عمل “لجنة النهوض بالصحّة عبر الأنشطة البدنية والرياضية”، كيف تُقيّمون نتائج هذا العمل ومدى قدرة التوصيات التي قدمتموها على المساهمة في اعتبار الرياضة أحد الأسلحة الفعالة في مقاومة هذا الوباء الزاحف؟

لا أحد ينكر مدى أهمية النشاط البدني لصحة المواطن. من الجانب الصحّي و الترفيهي. كانت لي فرصة هامّة جدا لأنّني كُلّفت، بالتعاون مع زميلة جامعية استشفائية، بتنسيق عمل لجنة مشتركة من الخبرات الجامعية الرياضية والخبرات الطبيّة. وقد عملنا معا على تقديم الخطوط العمليّة لهذا المشروع. وفعلا توصلنا الي صياغة خارطة طريق من جهة ومن جهة أخرى برنامج عملي لدمج النّشاط البدني كمكوّن علاجي يقترحه الأطباء على مرضاهم. نحن في الحقيقة لم ننطلق من فراغ، بل أمكن لنا الوقوف على بعض التجارب والسلوكيات التي تصبّ في هذا التوجّه. ومن خلال معاينتنا لواقع المجتمع التونسي يمكن القول أنّ هذه التجربة الرائدة كان يمكن لها أن تنجح لو توفّرت الاستمرارية والمتابعة.

ربما هذا المشروع سيرى النور بعد التفرّغ من جائحة كورونا 19 وذلك ما أرجوه.

الثورة أعطت للمواطن حق التنظّم والتظاهر وممارسة حقوقه المدنية والسياسية، فأسّس سلطة تراقب وتقترح وتعارض.

تُعتَبرون، دكتور الحفصي، إلى جانب مهامكم الرسمية، من الوجوه البارزة التي يتكرّر حضورها في مختلف الأنشطة والندوات والدروس التي تهتم بالشأن الحقوقي والمواطني والتي كان لها دور هام في صياغة عديد السياسات التي تبنّتها الحكومات المتعاقبة في تونس، فهل تعتقدون اليوم أنه يمكن الحديث عن “سلطة المجتمع المدني” في تونس ما بعد الثورة؟ وكيف يمكن، حسب رأيكم، تقييم أداء هذه “السلطة” وهل هي بحاجة اليوم إلى العمل على كسب المزيد من “الصلاحيات” ؟

السياسي في تونس لا يُصغي إلى من حوله إلّا عند الازمات وهذه ظاهرة غير صحيّة. فبعد الثورة منطق الغنيمة أصبح سائدا لدى الاحزاب السياسيّة. وهذا المنطق إن ساد لدى الطبقة السياسية الحالية فستكون له عواقب وخيمة على مؤسّسات الدولة. لأنّ السياسي لم يتخلّص من الخلط الذي أسّس له النظام السياسي ما قبل الثورة في تطويع الدولة لخدمة الحزب.

العائق اليوم هو عدم توفّر الامكانيات المادية التي تسمح باحترام الطفل عند ممارسة نشاط بدني.

الثورة أعطت للمواطن حق التنظّم والتظاهر وممارسة حقوقه المدنية والسياسية، فأسّس سلطة تراقب وتقترح وتعارض. يبدو أن الصراع القادم سوف يكون حول استكمال مسار الانتقال الديمقراطي وذلك باستكمال المؤسسات الدستورية والنصوص الترتيبية للحدّ من التأويل.

يتحدث الدستور التونسي في فصله الثالث والأربعين عن “دعم” الدولة للرياضة أما عند حديثه عن حقوق الطفل في الفصل السابع والأربعين فإنه يذكر الحق في “الصحة”   و”التربية” دون تحديد واضح لمعنى “الصحة” أو ماهية “التربية”. هل نحتاج اليوم، دكتور، لأن نقول بوضوح أنّ “الرياضة حق” توفره الدولة لكل مواطن وأن “التربية البدنية” هي كذلك من حقوق الطفل التي لا غنى عن توفيرها له؟ وهل أن تطوّر التشريعات سينعكس بالضرورة على الممارسة في الواقع ؟

التربية البدنية هي مادة تُدرّس في المؤسسات العمومية والخاصة منذ الاستقلال. ممارستها إجبارية على كل تلميذ، لا مانع صحّي له، مرسّم بمؤسسة تربوية. لم يتطوّر مفهوم المانع الصحي ولم تتطوّر مناهج تدريس هذه المادة. أمام تطوّر المجتمع التونسي، لابدّ من تغيير التشريعات التي تُعطي للحكم المحلي أكثر مرونة في تحقيق هذا الحق الأساسي. فالعائق اليوم هو عدم توفّر الامكانيات المادية التي تسمح باحترام الطفل عند ممارسة نشاط بدني. وهذا الاحترام يتمثل أوّلا وبالذات في امكانية اختيار النشاط البدني وتوفر امكانيات ممارسته. التخلي النّهائي على نموذج الرياضة التنافسية واقتراح أنشطة بدنية تنمّي القدرات الفكرية والإبداعية. التربية البدنية لم ترتق بعد إلي تربية بدنية تهذب الفرد وترسخ لديه ضرورة ممارسة نشاط بدني مدى الحياة : هذا هو الهدف الاساسي من هذا الحق الدستوري.

الرياضة المواطنية، في مفهومها الشامل، هي أن تكون لدى  كل مواطن امكانية اختيار وممارسة النشاط البدني الذي يرغب فيه.

في كتابه “الرياضة والمواطنة” يقول الدكتور الإماراتي أحمد الشريف الحاصل على الدكتوراه في تقويم المنظمات الرياضية وإدارتها: “المجال الرياضي مثله مثل كل المجالات الحيوية الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يربط المواطن بمزيد من الحب والانتماء لوطنه” وتتحدثون أنتم عن “الرياضة المواطنية” هل لكم أن تقدموا لنا تعريفا لهذا المفهوم وعلاقته بالشباب ومقاومة الفكر المتطرّف وسؤال الهوية في زمن الهويات “السائلة” بعبارة زيغمونت باومان ؟

الرياضة المواطنية، في مفهومها الشامل، هي أن تكون لدى  كل مواطن امكانية اختيار وممارسة النشاط البدني الذي يرغب فيه. لأننا نعتبر أن ممارسة الرياضة يجب أن تكون لها نفس القيمة لدى الفرد كالمأكل و الملبس. وهنا تكمن قيمة المدرسة ومناهجها في ترسيخ هذا السلوك. الرياضة يجب أن تُمارس مدى الحياة.

كما يجب الفصل بين الرياضة المواطنية والرياضة التنافسية. فهذه الاخيرة أصبحت صناعة وبالتالي لابدّ من تغيير التشريعات المتعلقة بالهياكل الرياضية التي أصبحت لا تتوافق وواقع الرياضة المحترفة. فالمرفق العام يراقب ويرافق لكن لا يتدخل في الرياضة التنافسية المحترفة.

في نهاية هذا اللقاء معكم، دكتور الحفصي، لو تقدّمون لنا نبذة عن أعمالكم ومشاريعكم البحثيّة المستقبلية أو ما أنتم بصدد انجازه حاليّا وهل سيكون للحالة المجتمعية الراهنة التي يعيشها المواطنون بمختلف فئاتهم، في تجربة إنسانية فريدة، صدى في هذه المشاريع والأبحاث ؟

المشروع الذي إكتملت معالمه هو دراسة سوسيولوجية للرياضة في تونس. أمّا المجال الذي أشتغل عليه فهو المدرسة الدامجة ودراسات سوسيولوجية حول الفئات الهشّة وخاصة الأشخاص في وضعيات الإعاقة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This