مفهوم “البراديغم” بين ياوس والغذامي

إنّ مصطلح البراديغم(1) المرتبط ارتباطا وثيقا بالفيلسوف الأمريكيّ توماس كون الّذي وظّفه في كتابه “بنيّة الثّورات العلميّة La structure des revolutions sientifiques”، والّذي فنّد بمقتضاه ارتهان حركيّة العلم في تطوّره وسيرورته لمبدأ التّراكم وأضحى مفهوم الأنموذج /البراديغم يجعلنا ننظر إلى العلم ليس كتراكمات كميّة، وإنّما كنقلات نوعيّة أو ثورات تخرج عن المألوف وتتجاوزه وتؤسّس لرؤية جديدة “إنّه بالأحرى إعادة بناء قطاع بكامله على أسس جديدة”(2).

موت المؤلّف:

عدّ مفهوم “البراديغم” بلا ريب مصدر إلهام للنّاقد الألمانيّ روبرت هانس ياوس إذ اقتبس مفهوم الأنموذج/البراديغم من التّصوّر الّذي أسّس عليه توماس كون نظريته حول تاريخ العلم ليضعه في الحاضنة الأدبيّة، ومن مسوّغات هذا السّعي الياوسيّ اعتباره أنّ التّاريخ الأدبي الغربي قائم بالأساس على ثلاثة نماذج:

1 – نموذج كلاسيكي ذو نزعة إنسانيّة.

2 – نموذج المقاربة التّاريخيّة-الوضعيّة.

3 – نموذج جمالي شكلاني.

وهذه النّماذج لم تعد قادرة على النّهوض بالدّراسة الأدبيّة ممّا تطلّب نموذجا جديدا برزت ملامحه مع الدّرس الافتتاحيّ الّذي ألقاه ياوس في جامعة كونستانس سنة 1968 حيث تمّ رسم الخطوط العريضة لبديل نظريّ ومنهجيّ طموح يعيد الاعتبار لتاريخ الأدب ضمن الحركة الثّقافيّة أنذاك.

إنّ النّقد الأدبي عبر تاريخة الطّويل كان كلّ مرّة ينقل مركزه ثقله المعرفيّ بين البؤر الثّلاثة المكوّنة للنّص الأدبيّ وهي المؤلّف والنّص والقارئ، وقد كان النّموذج الياوسي الجديد عبارة عن زحزحة لمركزيّة المؤلّف والنّص والاهتمام بالقارئ أو المتلقي، فبعد أن كان المؤلّف وبيئته أو نفسيته أو الإطار الّذي ينطلق منه أو النّص ذاته هي المحدّدات الكفيلة بالولوج إلى عالم النّص أضحى المتلقي حجر الأساس في عمليّة إنتاج النّص ومدّه بسبل الحياة.

بناء على هذا انزاح الضّوء عن المؤلّف والنّص لصالح القارئ إلى حد أمكننا أن نعتبر هذا الانزياح بـ”الموت الثّاني للمؤلّف” بعد الموت البارتيّ نسبة إلى رولان بارت الّذي عنون مقالا له نشر سنة 1967 بـ”موت المؤلّف”، إذ عدّ مقاله “التّعبير الرّسمي لانتهاء عهد الاحتفاء بالمؤلّف” (3)، فالعمل الأدبي وفق التّصوّر الياوسيّ أنشئ من أجل القارئ والنّص أثر مفتوح يحيا من خلال تعدّد أوجه قراءته فالقارئ هو جماع أعين ثلاث، عين المؤلّف وعين النّص وعين القارئ.

موت النّقد:

يرى النّاقد السّعودي عبدالله الغذامي أنّ النّقد الأدبي فيما يتعلّق بالأدب العربيّ استنفذ كلّ جهوده في تتبّع أثر الجماليّ في النّصوص وتبريره وتسويقه، فقد تلبّست المدوّنة النّقديّة العربيّة وخاصّة في ما يخصّ الشّعر بلبوس “الجماليّ وتسرّبت عبره وبواسطته مع شفاعة الدّرس البلاغيّ والنّقدي لها بالاستمرار والتّرسخ” (4)، إذ يرى الغذامي أنّ أدبيّة الأدب شغلت حيّزا عريضا من الدّرس النّقديّ العربيّ وقد آن لها أن تترك المجال إلى ما يسمّيه هو بالـ”مابعد الأدبيّة” وهو هنا لا يخفي تأثّره في اعتقادنا بما تبنّاه ياوس في اقتباسه لمفهوم “البراديغم” وإخراجه من بحر العلوم إلى حاضنة النّقد الأدبيّ إذ يقول مستدلّا على وجاهة سعيه إلى المابعد الأدبيّة و”لقد تدرجت النّقلات النّوعيّة في مجال النّظر النّقدي من أطروحة ريتشاردز في التّعامل مع القول الأدبي بوصفه عملا إلى رولان بارت الّذي حوّل التّصور من العمل إلى النّص ووقوفه على الشّفرات الثّقافيّة كما فعل في قراءته لبالزاك وفي أعماله الأخرى الّتي فتح فيها مجال النّظر النّقدي إلى آفاق أوسع وأعمق من مجرّد النّظر الجماليّ للنّصوص”(5).

يتقفّى الغذامي تاريخ النّقد الأدبيّ ويعتبره تاريخ نقلات نوعيّة تشبّ عن سلك المتواضع عليه وتحطّ الرّحال في رحاب جديدة لم يعهدها النّقد الأدبي، لذا سعى هو بدوره إلى إحداث نقلة نوعيّة متأثّرا بـ”البراديغم الياوسي” في حقل النّقد الأدبي ليعلن موت النّقد الأدبيّ وإحلال النّقد الثّقافيّ محلّه.

تماشيا مع هذا المطمح ولمدّ سعيه هذا بوجاهة علميّة رصينة يعمد الغذامي إلى تحوير اصطلاحي لا مفرّ منه وفق تصوّره حيث يضيف عنصرا سابعا للعناصر السّت المتعارف عليها في التّخطيط الجاكوبسني لينهض هذا العنصر المضاف بوظيفة جديدة يسمّها الغذامي بالوظيفة النّسقيّة كي تصبح أساسا منهجيا ينصب حوله مشروعه النّقدي الجديد.

الشّفرة

السّياق

الرّسالة

المرسل                              المرسل إليه

أداة الاتّصال

العنصر النّسقي

من خلال تقفي أثر ياوس من ناحية وعبد الله الغذامي من ناحية أخرى وإن حفّ المفارقة الزّمنيّة والمكانيّة كليهما فلن يغيب عن أذهاننا سعيهما الحثيث إلى تثوير النّمط النّقدي السّائد وذلك بحطّ الرّحال في مرافئ جديدة لم تعهدها سفن النّقد وقد توسّلا في ذلك مفهوم “البراديغم” لتوماس كون، لكن يبقى السّؤال قائما هل فعلا مات المؤلّف وشيع جثمان النّقد الأدبيّ؟

ألسنا بحاجة إلى إعادة الاعتبار للنّقد الأدبيّ كي يطرح عن كاهله عباءة “الجمالي” الّتي وسم بها وذلك بتحديث مناهجه وأدواته؟

******

الهوامش :

  1. كلمة pradigme : يرجع أصلها إلى الإغريقيّة إذ كانت تحمل معنى تصميم هندسي وقد دخلت إلى الثّقافة الانجليزيّة في القرن XV بينما كان ولوجها إلى الثّقافة الفرنسيّة إبّان القرن XVI.
  2. توماس كون: “بنيّة الثّورات العلميّة” ترجمة: علي نعمان، لبنان، دار الحداثة، الطّبعة الأولى، 1986، ص 149.
  3. عبد النّاصر حسن محمد: “نظريّة التّوصيل وقراءة النّص” د ط، المكتبة المصريّة لتوزيع المطبوعات، القاهرة، 1999 ص 54.
  4. عبد الله الغذامي: “النّقد الثّقافي قراءة في الأنساق الثّقافيّة العربيّة”، الطّبعة الثّالثة، المركز الثّقافي العربي، 2005، ص 9.
  5. المرجع نفسه، ص 13.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This