دافيد لوبروطون: أنثربولوجيا الحواس (ج2)

5 – لمسة الآخر

إذا كانت البشرة مسيّجة بالدّلالات فإنّ معجم اللّمس يتميّز بالثّراء الدّلاليّ والمجازات المتعلّقة بكلّ أشكال التّواصل والتّفاعل مع الغير من خلال التّلامس، وهذا ما يجعل اللّغة في عباراتها تقوم على اللّمس في العلاقات الاجتماعيّة للدّلالة على القوّة والقهر والاسترقاق، أو على الحبّ والعاطفة والحنان، كما تجسّد ذلك تجربة العشّاق في العناق والقبل الحارّة في تعبيراتها الجنسيّة المفعمة بالمتعة واللّذة، ممّا يفتح الأجساد على بعضها في توحّد نادر في العناق والمداعبة والقبلة، وتزداد حرارة هذا التّفاعل في العلاقة العشقيّة الجنسيّة الّتي قد تتميّز بالإحباط بتجاهل بعد اللّمس في المداعبة، أو تتميّز بالتّفاعل الخلّاق لتبادل المتعة المتجاوزة للانفصال. “المداعبة ليست إمساكا بالآخر، وإنّما ملامسته الّتي تبدو مقاربة لا نهاية لها. اللّمس هو الحاسّة الأولى للقاء والشّبقيّة، فهو محاولة لتحطيم المسافة بالتّقرب من الآخر، في تبادل يتمّ الشّروع فيه للتّو. ليس ثمّة لامس من غير ملموس. ففي العلاقة الجنسيّة الشّبقيّة تكون المداعبة تجسيدا متبادلا للعاشقين.”238

واللّمس الّذي يحدث خلال التماس الجسدي يمكن أن يكون مصدرا للمتعة. فلمس الأنامل الّذي كان يحدث أثناء تمرين البحث عن القمل في العصور الماضية حيث كان طقسا عاديا تمارس الكثير من المجتمعات خاصّة في وسط النّساء، فقد كان يشبه في عمقه اللّمسي شكلا من أشكال الشّبقيّة الممهّد للجماع. وهو طقس كان بمثابة لحظة استراحة لتصريف المتعة المكبوتة، ومتنفّسا للنّساء الشّبقات. ” فالحرمان والإحباط يؤدّي إلى شبقيّة التماس البدني الّذي يولّده البحث عن القمل، بل إنّ باستيد يتحدّث هنا عن حبّ مثلي الجنس بين الإناث.”244 وتتّجه المجتمعات الحديثة نحو التّقليل من التّلامس بحكم التّنشئة الاجتماعيّة الثّقافيّة الّتي تجعل الجسد محدّدا لتخوم الأنا كفرد. هكذا يغيب التّماس الجسدي مع الغرباء، ويتشكّل محرم اللّمس بين الذّات والآخر في إطار قواعد ممنوعات التّماس الّذي لا يحدث إلّا في الوسط العائلي، أو في العلاقات الجنسيّة. والمسألة في جوهرها ثقافيّة في بناء الرّؤى والأفكار والممارسات، وتحديد المواضعات الاجتماعيّة الّتي تتفاوت في اللّمسيّة الممكنة لأيّ تفاعل. لكنّ الكثير من المجتمعات لها نظرة ثقافيّة سلبيّة تجاه اللّمسيّة الّتي تعتبرها سلوكا مبتذلا كالمجتمعات الأنجلو سكسونيّة عكس المجتمعات العربيّة والإسلاميّة. ” فالوقاية من التّماس أو السّخط عليه شأن ثقافي.”247 وهذا ما يجعل تماسا جسديا له نتائج عاطفيّة أو تسبّب الانزعاج غير المرغوب فيه. لذلك قد تستعمل اللّمسيّة للغواية أو تقليص المسافة لخلق التّقرب لجسّ نبض الآخر في مدى القبول أو الرّفض، أو يكون ذلك تعبيرا عن الحبّ. ورغم ما تتميّز به المجتمعات الغربيّة من تباعد يطبع العلاقات الاجتماعيّة حيث ضرورة الحفاظ على المسافات الشّخصيّة، فإنّها تجد نفسها في تقارب جسدي في الملاعب الرّياضيّة، وفي الاحتجاجات، والكرنفالات…، حيث تسقط حدود الأجساد كهويّات فرديّة معزولة ومستقلّة.

والتّماس الجسدي، في مجتمعات العصر الرّاهن خاصّة الغربيّة، صار محدودا ومضبوطا بمسافات خاصّة، إلّا في العلاقات الجنسيّة، أو في إطار الأجواء العائليّة.” وأقلّ تقارب يكون ذا إيحاء عاطفي قويّ لأّنه يقطع المواضعات المعتادة المتعلّقة بالقرب. فالمرء لا يلمس بالشّكل نفسه الّذي يسمع به أو يرى.”249 والملامسة تعمل على هدم الحدود وربط الجسور بين الذّات وبشرة الآخر الّتي تعتبر مسكن طويّة الفرد، حيث تكمن قوّة اللّمس في تجذير الإنسان في العالم. كما تتجلّى في اللّمسيّة قوّة اليد الهائلة في تخفيف العذاب، أو في تأجيج العاطفة. “يد المسيح تبرئ المرضى” . هكذا نشأت العلاجات الشّعبيّة من خلال اللّمس، فظهر الشّخص اللّمّاس الّذي له درّة سحريّة أو اعتقاديّة دينيّة في منح اللّمس من خلال اليد المباركة القادرة على جلب الشّفاء ودفع المرض والسّوء والشّر. كما أنّ للمس وظائف كثيرة كقوّة احتواء أنثربولوجيّة، وفي الاقتراب من التّاريخ الشّخصيّ للفرد، وأيضا في المساندة وترميم جراح الألم النّقص في الوجود. “يكون التماس بكافّة معانيه، في حالة العذاب والمعاناة، وسيلة جبّارة لترميم الذّات. الإنسان يوجد في العالم بجسده الشّخصي. وفقدان لمس الآخر يعني أحيانا فقدان العالم، وأن يكون المرء من جديد الموضوع، أو بالأحرى الذّات، لتماس مّا يعني استعادة ذلك العالم.”252

واللّمس الدّخيل الّذي لم تتّضح نوايا صاحبّه غالبا ما ترفضه الذّات، حتّى وهي في حالة عذاب ومعاناة، خوفا من التّحكم والتّملّك. يحدث هذا حسب نوعيّة العلاقات الموجودة بين الرّجل والمرأة، تبعا لمعايير محدّدة. فالمرأة في المجتمع الأمريكيّ أكثر قبولا بالتّماس الجسديّ باعتباره مودّة وصداقة، من الرّجل في مواقف علاجيّة، لأنّه يفهم كلّ لمسة دعوة جنسيّة أو رغبة في السّيطرة. وكلّ تماس كيف ما كانت فيه اللّمسة فهو عبارة عن تواصل يسكنه الالتباس حسب تأويل الذّات وفهمها لمقصد حركة اللّمس بين الطّمأنينة والقرف والانزعاج، وهذا ما يحدث في المستشفى أثناء العلاج، حيث المريض يتعرّض لأنواع متعدّدة من اللّمس، تتفاوت بين الطّفل والمراهق والمسنّ، تفاديا لأيّ التباس، خاصّة مع المراهق. فلمس المريض في وضعيّة صعبة يساعد على تشكيل الرّابطة الاجتماعيّة، لأنّ ذلك له دلالة عاطفيّة إنسانيّة هو في أمسّ الحاجة إليها. فالبشرة منبع المعنى الّذي يشدّنا الى العالم، خاصّة عندما يفشل الكلام. هذا ما يدركه المرضى، أو الشّخص المهزوم في علاقتهم بالتّماس الجسديّ الّذي يحول دون تفكّك الأنا، كما يمكن ” للكلمة المنفتحة وإصاخة السّمع والاعتراف بالنّفس في غياب أيّ حكم، يستعيد لدى هذا “المريض” بشرة حاوية تردع العذاب.”257 وهذا ما ينجزه أيضا اللّمس العلاجي أو التّدليك دفعا لرعب الانفصال النّفسيّ وما يسبّبه من قلق الهجر، والعودة إلى رحاب العالم، حيث لا يشعر المرء أنّه وحده معزولا وأعزلا. ” اليد الّتي تخفّف الألم تقوم بحقن الوجود. إنّها تذكّر الإنسان المعذّب بأنّه ليس وحيدا أمام المحنة. إنّه أمام شخص آخر يسانده. فمداعبة اليد أو احتضانها تجهد لانتزاع المريض من الألم ورده للعالم أو منحه نفسا ثانيا.”258

فقد أثبت اللّمس العلاجي فعاليّة كبيرة بالنّسبة للمرأة الحامل في علاقتها بنفسها وجنينها في بناء علاقة عاطفيّة ملؤها الطّمأنينة والمحبّة. هكذا يمكن للتّماس أو لتقارب الأجساد أن يلعب دورا في تحسّن المريض بالتّخفيف أوّلا من القلق والتّوتر، ويمنح ثانيا قوّة له في استثمار موارده الشّخصيّة للتّغلب على القلق والألم. ” يلاحظ ف. بوروF.Bourreau أنّ كلّ ألم سواء كان عميقا أو سطحيا، يمكن أن يخفّ بالإحساس الجلدي الّذي ينتج عن تقنيّة التّحفيز… والعديد من الأشخاص يستعملون من تلقاء أنفسهم هذه الوسائل البسيطة.”261

نعرف بأنّ اللّمسة تواصل إنساني رائع في الكثير من المواقف المؤلمة للتّعاطف والتّضامن والمصاحبة في مواجهة الألم والفاجعة والسّقوط، بفضل حضور جسد الغير لمنح الثّقة للذّات في العودة إلى العالم عبر البشرة، من خلال اللّمسة أو التّماس الجسديّ.

 6 – الإحساس، والإحساس بالنّفس

حاسّة الشّم في المجتمعات الغربيّة لم تنل أي تقدير، ولا تعتبر إعاقة بالنّسبة للشّخص الّذي فقد حاسّة الشّم. ولعلّ في القوانين البريطانيّة والأمريكيّة الّتي صدرت عام 1770، بشأن تجريم استعمال المرأة للعطر أو أيّ مادة تجميليّة مّا، يبيّن مدى الاحتقار الّذي قوبل به الشّم. والفلاسفة أيضا لهم الرّأي نفسه كأرسطو، كوندياك وكانط بالإضافة إلى فرويد الّذي ربط بين التّراجع الثّقافي للشّم وتطوّر الحضارة. على العموم كان هناك موقف سلبي من العطور، خاصّة في صفوف الرّجال. واليوم  تجارة العطور مثل تجارة الموضة، لكنّها محصورة في الاهتمام الشّخصيّ، لأنّ الشّم اجتماعيا يقابل بنوع من الاحتقار والرّفض لكلّ أنواع الرّوائح، كما هو حاصل في الثّقافة الأمريكيّة. ” في السّبعينيات من القرن الماضي، سنّت جامعة أمريكيّة إنشاء منطقة محظورة من أيّ عطر من أي نوع في حرمها. وهكذا فإنّ مصادر الشّبقيّة يتمّ تأطيرها ومراقبتها بعناية. فما يصدر عن الجسد يكون مشبوها وغامضا.”268

أمّا في المجتمعات الغربيّة فإنّ الفرد مهووس بجعل نفسه مقبولا وسط الآخرين بالتّخلص من الرّوائح الكريهة من خلال استعماله للعطور، خاصّة المرأة كجسد مسكون بالرّوائح الكريهة. فهناك ما يشبه الحرب ضدّ الرّوائح الطّبيعيّة، ممّا يمنح شرعيّة لنجاح تجارة العطور وأدوات التّجميل ومنتجات النّظافة، حيث تمّ تعطير كلّ شيء من الورق الصّحي والصّابون، وكلّ منتجات الأثاث والملابس…، وصولا إلى السّيارات الفاخرة. كلّ السّلع والأمكنة تمّ تعطيرها بما في ذلك العاملين أثناء سيرورة الإنتاج. ” محاولات تسعى إلى اقتياد العاملين أو المستهلكين من أطراف أنفوهم من خلال استعمال مصلحي للعلاج بالعطور… أحد المبادئ الأنثربولوجيّة للرّائحة هي أن تمنح نفسها ككاشف لطويّة مّا، وهي حقيقة جوهريّة لا يخفيها شيء. فهي إذا كانت لا تحظى إلاّ بوضعيّة ثقافيّة بسيطة في مجتمعاتنا الغربيّة، فهي تحظى بالمقابل باهتمام مسرف في مجال الماركتينغ باعتبارها إرادة في توجيه السّلوك.”271و272

والرّائحة تنتشر كما تشاء وتعمّ الفضاء، وهي تفرض نفسها على الجميع سواء كانت زكيّة أم كريهة. كما أنّها تخلق حالات نفسيّة وعاطفيّة، وتعكس متخيّلا ثقافيا واجتماعيا، يحدّد دلالات الشّم المغلّفة للرّائحة، حسب المواقف ونوع العلاقات والدّلالات المتداولة بين النّاس. لذلك كانت للأشياء دلالات مختلفة في تمييز رائحتها، كالفرق بين دلالات الزّعرور أو الرّيحان والسّرو والزّعتر ندى الجبل…، لهذا كان للمعطّرات حضور قويّ في حياة النّاس تبعا للظّروف والأحوال ووضعيات الحياة المعاشة، حسب السّياقات والأنظمة الثّقافيّة للمجتمع الّتي تمنح قيمة ومعنى للرّوائح، بالإضافة إلى التّصورات والمعتقدات السّائدة. ” إنّ تخلّل الرّوائح للحظات رمزيّة من الوجود الفرديّ أو الجماعيّ، هو معطى متداول في الثّقافات. فأطفال قبائل الوانزي في جنوب شرق الغابون يخضعون لطقوس تطهير وتشكيل للنّفس بالرّوائح. هكذا، يتمّ وضع نباتات أو آنية تختمر فيها أوراق ممزوجة بقشور الشّجر تحت الأسرة وفي زوايا المسكن. فالمنتجات العطرة تغلف الطّفل وتحميه.”274 والكثير من المجتمعات تعطي أهميّة للرّوائح في تصوّراتها ومعتقداتها سواء لحماية الطّفل أو للمرأة النّفساء، حيث تنتشر رائحة البخور لطرد الأرواح الشّريرة والوقاية من العين. وللبخور وظائف كثيرة وقائيّة وصحيّة في حياة هذه المجتمعات، حيث تستعمل بعض الرّوائح للعلاج كالحدّ من القلق والخوف والمساعدة على الاسترخاء. وهذا ما يجعل الشّم يعيش تحت تأثيرات ما يسود الجوّ الماديّ والمعنويّ من روائح بين الرّغبة والانجذاب، والابتعاد والنّفور حسب الدّلالات الّتي تسقط عليها. فرائحة طبخ غزال في قبيلة الوانزي كريهة عند النّساء لأنّه حرمت عليهم تلك اللّحوم، بينما رائحته شهيّة عند الرّجال. ” تبيّن التّجربة أيضا أن ّالطّبيب أو الممرضة يفقدان جزئيا التّقزّز من الرّوائح الجسديّة للإفرازات، أو من غياب النّظافة أو من أنفاس كريهة لمريض مّا. فممارسة المهنة درع حام، غير أنّ الحجاب يرفع حين يترك المهني عمله.”276 وحتّى أنواع التّقبيل تفهم وفق هذا السّياق لتناول الرّائحة، ” يعتبر التّقبيل هو التّماس القصير بين شفة وخد أو شفة، وإنّما هو تماس شمّي وطريقة للتّشرب بحميمة الآخر، وتوقيع نقط اللّقاء بين مناطق انبعاث الرّوائح الّتي لا تنتمي إلاّ للذّات.”277

وتحديد الرّائحة في نهاية المطاف هي مسألة رأي شخصي، أي مرتبطة بما هو حميم، ومؤطّر بالسّجل الأخلاقي والثّقافي، ومدى تفاوت المعجم الشّمي في الدّقة والفقر والغنى. كما تتباين الرّوائح حسب الأمكنة والبيئات الطّبيعيّة وفصول السّنة، والتّصوّرات والمعتقدات، والشّروط الاجتماعيّة التّاريخيّة، والرّؤى والأفكار السّائدة الّتي تشكّل رؤية للعالم والكينونة. فالرّوائح يستبطنها الإنسان من خلال تنشئته بنوع من التّربية الشّميّة الّتي لا تخلو من العنف والقسوة في خلق موقف سلبي منفّر لديه تجاه برازه وبوله، وكلّ ما يصدر من جسده. هكذا يخضع لتربية شميّة تمنح الدّلالات وتحدّد السّلوكات إزاء الرّوائح وفقا لقيم قبيلته أو مجتمعه. الحساسيّة الشّميّة مكتسبة يتعلّمها الفرد تبعا للأدوار والمهام الّتي عليه إنجازها. ” يفرض تمييز الرّوائح نفسه أحيانا في بيئة معيّنة أو بتمرين معيّن. وهكذا فإنّ مهارة صناع العطر أو حكماء الخمور هي نتاج رجال ونساء تعلّموا كيف يستخدمون حاسّة شمّهم وحواسهم الآخر بعد تكوين مهني وشخصي طويل. تعود الاختلافات في مجال الشّم إلى التّكوين أكثر منها إلى الحساسيّة.”282

وانطلاقا من القرن19 صار تكوين العطر فنّا لا يقلّ عن التّأليف الموسيقيّ وفنّ الطّبخ…، في الاعتماد على التّجربة والذّاكرة والخيال، وعلى التّكوين الويل النّفس في المزج والتّركيب بين عناصر ومكوّنات كثيرة تجعل صانع العطور وراء صناعة فنّ الشّم. الّذي نستطيع من خلاله- الشّم- تحديد الكثير من الأشياء في حياتنا اليوميّة في جودتها وأصالتها وبيئتها وهذا ما يفعله الإنسان العادي والفلاّح والطّباخ الماهر والطّبيب  …، وبناء على هذا يسقط الرّأي الشّائع حول احتقار حاسّة الشّم الّتي تستوطن أعماق الذّاكرة، وهي تحفّر ذكريات شمّيّة لها علاقة وثيقة بسيرة الفرد، كما أنّها جزء من  الموارد الشّخصيّة الّتي يواجه بها الإنسان العالم سواء كان سليما أم مريضا، وكيف ما كانت حالته النّفسيّة.

الكثير من الشّعوب تفكّر حياتها انطلاقا من الرّائحة، حيث يجعلون من الرّائحة مبدأ فاعلا في العالم في جلب الحظّ وحسن الطّالع، ودفع الشّر، وتنظيم الحياة الاجتماعيّة إلى درجة أنّ سيرورة النّضج تتعلّق بنموّ الشّم. والمرء كلّما نقصت رائحته فهو في صحّة عليلة، أو أنّه يتقدّم في العمر. وتتعامل مع الرّائحة انطلاقا من تصوّرات ومعتقدات حيث يصعب فصل الرّوائح عن الرّوح، إذ يظلّ الهاجس هو ربط حركة الرّائحة بالإنسان والعالم. كما أنّ التّقدير الثّقافي للرّائحة الّذي تفرزه علاقات الإنتاج لحياة الرّعي الّتي تعتبر نفسها زكيّة حيويّة وخصبة، عكس حياة الصّيد الّتي تظلّ في نظرهم كريهة عطنة.

فالرّائحة على العموم لها قدرة خارقة لدى الكثير من المجتمعات عبر العالم في تنظيم الحياة الاجتماعيّة، وتأسيس رؤى ثقافيّة للتّعامل مع الظّواهر الطّبيعيّة والاجتماعيّة، وكلّ ما يمسّ الحياة والموت، والمكانة والاعتبار الاجتماعي بين الفئات العمريّة والمهنيّة، وبين الذّكور والنّساء، وبين كلّ فئة على حدة.

يتميّز كلّ إنسان برائحة خاصّة، وإن كان يجهل ذلك وهو يدرك فقط رائحة الآخرين. وللعميان قدرة شميّة على تعرّف مخاطبيهم من خلال روائحهم. وهذه القدرة يتمّ اكتسابها بالتّهذيب والخبرة والتّجربة. لكن ثبت أنّ هناك أشخاصا لهم قدرة إستثنائيّة في التّعرف على الآخرين انطلاقا من روائحهم الخاصّة الّتي تميّزهم عن الآخرين، وهي تدلّ على حضورهم اللّامرئي  في لحظة غيابهم بعد أن يغادروا المكان. كما أنّ الأطفال الرّضع يتعرّفون بواسطة الشّم على رائحة أمّهاتهم، وبل وعلى ملابسهنّ الّتي تظلّ حاملة لرائحة الأمّ ومدى انعكاس ذلك على نفسيّة الطّفل في زوال توتّره وقلقه. وهذا يتوقّف على نوع علاقة الأمّ بطفلها الّتي تتفاوت بين القبول برائحته، أو لفظه جرّاء ما ينبعث منه من رائحة كريهة.

كما يمكن أن تكون لهذيان الرّائحة الكريهة خطورة كبيرة على بعض المرضى الّذين يشعرون بنوع من النّبذ الاجتماعيّ من طرف محيطهم، ممّا يؤدّي إلى خلخلة علاقتهم بالعالم. في الوقت الّذي نجد العلاقات العاطفيّة والجنسيّة تسهّل تبادل الرّوائح، حيث هي تعبير عن الشّخصيّة وعن الرّغبة في الجذب أو التّنفير.” الحبّ أو الشّبق يتغذيان من الرّائحة المحبّوبة للآخر، كما أنّ الكراهيّة تتغذّى من رائحتها الكريهة الواقعيّة أو الاستيهاميّة. تنفر الأمّ من وليدها الّذي لا تتعرّف على رائحته، والعاشقان اللّذان لا يتوافقان شمّيا مهدّدان بالفراق، والرّائحة الكريهة هي تذكير دائم بتنافر أساسي. التّآلفات الاختياريّة هي أوّلا تآلفات شميّة.”301 وقد اعتمدت الكثير من الرّوائح والعطور في العلاقات العاطفيّة لجذب النّساء، أو لتقوية القدرة الشّبقيّة،. كما أنّ بعض القبائل تعتمد على تبادل الرّوائح أكثر من اعتمادها على اللّمس، هكذا يكون الشّم مصدرا للشّهوة الجنسيّة. ومن جهة أخرى فإنّ مختلف أشكال النّفور يعود لسجلّ شمّي.  وتختلف دلالات الرّائحة حسب السّياقات الثّقافيّة والظّروف الاجتماعيّة، فإذا كانت العفونة في معانيها المباشرة تدلّ على كلّ ما هو منفّر وغير مرغوب فيه، فإنّ دلالاتها الإيحائيّة تشير صراحة إلى خبث أخلاقي واجتماعي وضغينة نفسيّة، وفي مواقف اجتماعيّة تكون للرّائحة العفنة دلالات الاحتجاج من قبل الجماعة على خرق الرّد للمعاير والقواعد المجتمعيّة، وهذا ما تمارسه بعض المناطق في جنوب فرنسا أو في شمال إسبانيا، حيث يتعمّد النّاس الرّوائح الكريهة ضدّ كلّ من انتهك المعايير والقوانين غير المكتوبة للجماعة أو العشيرة.

وإذا كانت الرّائحة شخصيّة ولها علاقة بالنّفس، فهي تدلّ على صاحبها، وهي تنفلت من إرادته، ممّا يجعلها في متناول الشّمامين في المراقبة والكشف عن المستور. ” أن يكون للمرء أنف يعني إبراز حدس يجاوز المظاهر البصريّة للإمساك بمؤشّرات غير محسوسة، تفصح عن بعد مخفي غير مرئي للآخرين.”305

ولم تكن الدّيانات بمعزل عن العطور والبهارات والمعطّرات والمراهم، فقد استعملتها ومنحتها مكانة هامّة، وهذا ما قامت به أيضا آلهة الإغريق. مع تجاوز لسقف دلالاتها الماديّة للتّعبير عن سموّ النّفس وارتقائها محبّة للرّب. هكذا تلبّست الرّائحة بالقداسة وامتلك القديس قرّة شميّة للتمييز بين الرّائحة العطنة بالخطيئة، أو الزّكيّة بالعفة. لذلك كان يتمّ تحنيط أجساد الشّهداء، فانتشرت ظاهرة القبور والأضرحة المفعمة  بروائح زكيّة. وكانت التّصورات والمعتقدات تعمل على أسطرة كلّ ما يرتبط بالكنيسة بما في ذلك القدّيسين الّذين تفاوتت رائحتهم بين الزّكيّة والكريهة. ومسألة الرّائحة عرفها التّصوف الإسلامي من خلال الرّوائح الّتي تميّز بها بعض الأولياء والصّالحين أسوة بالنّبي. وفي جميع هذه الثّقافات كان من الصّعب تكذيب النّاس حول ما يعتقدونه من قداسة سماويّة للرّوائح المنبعثة من قبور القدّيسين والأضرحة والأولياء، وجميع الأشياء الّتي تنسب إليهم…، وإلّا تعرّض كلّ شكّاك لنوع من العقاب الرّمزيّ أو الماديّ. لذلك نسجت الكثير من الحكايات تدعم هذه المعتقدات. ولعلّ في جنّة الأديان التّوحيديّة ما يسعد الحواس كلّها، وفي جهنّم ما يؤلم هذه الحواس.

والتّراث الإسلاميّ زاخر بالأحاديث النّبويّة والكتابات الّتي تعطي قيمة ساميّة للرّائحة الزّكيّة، وهي ثقافة شميّة غنيّة في معجمها بالكثير من المفردات والعبارات الّتي تعلي من قيمة البهارات والعطور والبخور الزّكيّة، وبالمعاني الّتي تمتح من المعجم الشّمي.

يعتبر الشّم حالة تأويليّة خطيرة فهي لا تتأثّر بما تشم، بل بما تفهمه من ذلك. الشّم يحدّد الدّلالات والسّلوكيات والتّوجهات والاختيارات بين الودّ والبغض، وبين الأنا والغير، إلى درجة وصم الآخر بالسّوء والاحتقار. “الرّائحة من النّاحيّة الأنثربولوجيّة سمة أخلاقيّة. ولا يجدر بنا هنا أن نتحدّث عن الرّؤية للعالم، أي عن الأسمولوجيّة، باعتبار أنّ الرّائحة تفيئ العالم في بعده الخاصّ لأجل المتخيّلات الجماعيّة. فما له رائحة طيّبة يمنح الثّقة، وما له رائحة كريهة ماكر وخطير.”314

هكذا يتّضح لنا مدى ارتباط الرّائحة بطريقة الحياة والبناء الثّقافيّ الاجتماعيّ للنّاس، وكيفيّة تعاملهم مع التّغذيّة والزّيوت والعطور، وعلى مستوى الملبس والسّكن…، وكلّ مجموعة بشريّة تنتصر لرائحتها  كتمركز عرقي. وهذا ما يجعل الرّائحة الكريهة هي دوما رائحة الآخر، حيث يصعب علينا تقبّل رائحة الآخر المقزّزة الّتي تبعث على الغثيان، أو الإزعاج. ” عاش د. يينيس، وهو مستكشف كندي، مدّة مع الإسكيمو خلال رحلة استكشافيّة في القطب الشّماليّ في بداية القرن الماضي: بدا لي أنّ لهم رائحة جسديّة مخالفة لرائحتنا. سألتني عجوز يوما ماّ إذا كنت قد لاحظت رائحة خاصّة لديهم حين حللت في بطائحهم. أخبرتها بملاحظتي فردّت عليّ: غريب، لقد لاحظنا الأمر نفسه لديك.”315 لذلك فإنّ الرّائحة ليست بالأمر الهيّن فهي جزء حميمي وشخصي ومرتبط بالذّات، حيث لا يقبل الفرد الاعتداء على ذاته ومجاله الخاصّ، خاصّة إذا كانت رائحة كريهة يصعب تحمّلها لدى بعض المجتمعات الّتي ترفض رائحة الآخر، أو أن تجد نفسها في مجاله الشّمّي، بينما مجتمعات أخرى لا تر نفسها إلّا من خلال الارتماء في الرّائحة الطّيّبة للصّديق. يمكن القول بأنّ الرّائحة عتبة لكشف الآخر، إنّه اختزال له في صيغة شميّة لا تخلو من تحديدات عنصريّة وقدحيّة وطبقيّة، ومعياريّة اعتباريّة أخلاقيّة تحومها أحكام القيمة، والنّظرة الذّاتيّة للمنفعة والمصلحة. ” الآخر يكون ذا طبيعة جسمانيّة على هامش البشريّة وما ينبعث منه من روائح تتّبعه كما تتبع الرّائحة الحيوان.318  ووفق هذا التّفكير والسّياقات الثّقافيّة والاجتماعيّة عانت المرأة من التّبخيس والعزل والنّبذ كما لو كانت حيوانا بسبب دم الحيض.

وقد تعرّض اليهود والسّود للكثير من الحقد والعنصريّة الظّالمة بتبريرات واهية على أنّ بشرة اليهوديّ أو الزّنجيّ تفرز رائحة كريهة تجعله أقرب إلى رائحة الحيوان، هكذا بوقاحة عنصريّة سلخ اليهود والسّود من إنسانيتهم. وتبادل أيضا الفرنسيون والألمان الكراهية نفسها، حيث كان كلّ طرف يشمئز مما يسميه الرّائحة الكريهة للآخر خلال حقبة الحرب العالميّة الأولى. والغريب في الآمر أنّ بعض الأطباء كـ” بيريون” والكاتب الفرنسي موريس جونوفْوا،  أنتجا كتابات عنصريّة فيها الكثير من الحقد والضّغينة بتبريرات علميّة واهية. وقد أدان ماكس فيبر مثل هذه التّمثّلات الخياليّة المؤسّسة على معجم شمّي عنصري بامتياز كبير لا علاقة له بالتّحليل النّقديّ والمعطيات العلميّة الموضوعيّة. ” رائحة الزّنجي بدعة حديثة الغرض منها الإبعاد الرّاهن للزّنوج.”322 هكذا كانت درجة البغضاء والحقد والكراهيّة وراء مثل هذا المتخيّل الشّعبيّ للمعجم الشّميّ العنصريّ.

صحيح أنّه يمكن الحديث عن رائحة البشرة الإنسانيّة لكن ليس انطلاقا من ذلك المتخيّل القائم على الكراهيّة والعنصريّة، بل يمكن الحديث في هذا السّياق عن رائحة المريض مثلا جسديا أو نفسيا، الشّيء الّذي يتطلّب قدرة شميّة عند المعالج سواء كان طبيبا أو ممرضة. فالأنا البشرة تفرز انبعاثا حسّيا يسمح بمقاربة قلق أو تحسّن المريض، أو تغيّر رائحته الّتي صارت كريهة بسبب تعفّن الجسد نتيجة مرض عضال. وارتباطا مع حالة المرض أو أثناء المخاض كانت تستعمل النّباتات والأعشاب لتيسير عمليّة الولادة، وهذه أمور استعملت في الثّقافة الشّعبيّة كما مارسها بعض الأطباء اعتقادا منهم بنجاعتها بناء على السّجل الثّقافيّ للمتخيّلات الاجتماعيّة الّتي ترى قدرة الرّائحة على الفعل وجعل الجسد يستعيد عافيته، مثلما أنّ لمرض يتفشّى بالرّوائح. وقد مورست صرامة شديدة تجاه مصادر الرّوائح الكريهة، فانتشرت ظاهرة العطور والبخور ورشّ المدن بروائح مضادّة تدفع التّعفن والمرض والوباء على اختلافه. بالإضافة إلى تجنّب النّاس للأمكنة المغلقة والأزبال والمياه الآسنة لما تخلّف من كوارث وأمراض وأوبئة.” تقوم الرّوائح الطّيبة بتطهير الجوّ بفعل الرّش والتّبخير، وتقوي مناعة الجسم وتحمي الأطباء من العدوى. فلكي يحمي الأطباء أو كلّ من يرغب في السّلامة أنفسهم من الأجواء الحاملة للعدوى فإنّهم يستنشقون قطعة إسفنج مضخمة بالخلّ وبمزيج من ماء الورد والخلّ المورد، والنّبيذ وقشور الحامض… وفي زمن الأوبئة لا يتوانى النّاس عن تطهير بيوتهم. ويتلافون الخروج منها حتّى لا يصادفوا استنشاق الرّوائح القاتلة.”334 لكنّ الرّوائح الزّكيّة لم تعد لها أهميّة في العلاج الطّبيّ، لأنّها لم تكن قادرة على مواجهة روائح الأوبئة، خاصّة بعد اكتشافات باستور، ومع ذلك استمرّت في الطّبّ الشّعبيّ.

تغيّرت الحساسيّة الشّميّة مع التّحولات التّاريخيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة الّتي مسّت المجتمعات ابتداء من القرن18 وهكذا لم تعد الرّوائح الّتي تعايش معها الإنسان خاصّة في المدينة تقبل بأيّة روائح كريهة مهما ضعفت حدّتها وشدّتها العطنة، حيث عمل علماء الصّحة على التّخلص منها، فصار للشّم دور كبير في تحديد الطّاهر من الخبيث. هكذا تمّ فرض النّظافة والقضاء على الأوساخ بالموازاة مع إنجاز بنيات تحتيّة مشتركة بين كلّ الطّبقات الاجتماعيّة. ” في بداية القرن20، سوف يترك رهاب البراز، الّذي سكن الأذهان طويلا من بين الرّوائح الكريهة، المكان للتّلوث. فقد طردت الصّناعة البراز والفضلات وصارت تغذّي من ذلك الوقت حساسيّة بيولوجيّة جديدة.”341

7 – الطّعام شيء حسّي كلّي

تشترك جميع الحواس عند تناول الطّعام، فالفم يتذوّق والأنف يشمّ. وأي خلل في حاسة الشّم يفسد تذوّق الأكل، حيث لا مذاق له. واللّمس الفميّ له دور أيضا في تقدير المذاق، كما أنّ العين تحدّد مدى شهيّته. كما تلعب الأطباق ومظاهر تقديم الطّعام دورا في تغذية العيون، لذلك ساد مبدأ الجماليّة، وصار الطّبخ فنّا في مزج بين المعمار والطّبخ إرضاء للّثة، أو إشباعا للحواس. دون أن نغفل الإشارة إلى الألوان الّتي تميّز الأطعمة، كما أنّ استعمال البهارات والتّوابل والزّعفران في المطبخ المغاربي تبيّن مدى ضرورة استحضار المتعة البصريّة للأطباق. ” إنّ مذاق الأغذية وإدراك الأطعمة في الفم تواصل حسّي يمزج بين نكهات الأطعمة بملموسيتها وحرارتها وتماسكها ومظهرها ورائحتها، إلخ. فالأكل فعل حسّي شامل. والفم موضع في الحدّ بين الدّاخل والخارج. فهو مصدر الكلام والتّنفس وأيضا نكهة الأشياء. والذّوق يرتبط ارتباطا وثيقا بهذا العماد الفميّ الّذي يمزج بين الحساسيات.”350 وهذا ما يعرفه أيضا تذوّق الشّاي حيث تأتلف حواس التّفحّص البصريّ والشّميّ والذّوقيّ. وتعتبر حفلة الشّاي فنّا جماليا وأخلاقيا تعكس رؤية للعالم، خاصّة في المجتمع اليابانيّ، الّذي يعيش حياته انطلاقا من تصوّر ومعتقد إيماني ينظمّ حياته الدّاخليّة والخارجيّة، وتبعا لهذا يفهم تذوّق الشّاي مع ما يرافقه من طقوس وممارسات اعتقاديّة يغلّفها الهدوء والصّمت، والنّشوة العارمة، حيث كمال الفناجين “يهذّب فوضى العالم، فهو يشبع المرء بإحساس جمالي وأخلاقي أيضا. إنّه يهدّئ من الرّوعة ويطهّر الضّمائر.”353

8 – من المذاق في الفمّ إلى مذاق العيش: تذوّق العالم

تتضافر كلّ الحواس في الذّوق وترفع من قيمته، سواء على مستوى البصر أو الشّم واللّمس. فالذّوق في غياب الشّم يصبح الطّعام بلا لذّة ولا طعم. وهذا ما يجعل كمياء الذّوق الّذي تبلوره المعطّرات غائبا. الطّبخ فنّ عظيم في تقديم النّكهات وإعدادها، وهو وراء متعة ولذّة الطّعام، إنّه موسيقى الذّوق. لذلك يمكن القول بأنّ الذّوق معرفة لها خلفيات ثقافيّة اجتماعيّة، ويتميّز عن الحواس الأخرى بتورّطه فيما يدركه. ” إذا كان البصر واللّمس والسّمع حواسا تظلّ غالبا غير عابئة بما تدرك، فالأمر ليس كذلك في الذّوق الّذي يندمج دوما في ما يحسّ به. الذّوق تملك إيجابي أو شقيّ للعالم بالفم، إنّه العالم حين يبتكره الفم.”355 والحساسيّة الذّوقيّة بنكهاتها المختلفة هي مرتبطة بالسّياقات الثّقافيّة والاجتماعيّة، وبالرّؤية للعالم، وهذا ما يجعلها مختلفة المذاق من مجتمع لآخر، ومن فرد لآخر حسب تاريخه الشّخصيّ. هكذا خضع الذّوق منذ الطّفولة لتكوين وتربية اجتماعيّة ثقافيّة غذائيّة، تصوّغ حساسيّة الفرد الذّوقيّة. كما أنّ المجتمعات لم تغيّر زمانها ومكانها فقط، بل غيّرت أيضا مذاقها، فشتّان ما بين التّقاليد المطبخيّة للعصور الوسطى والعصر الرّاهن.

والمطبخ يشكّل الشّعور والعاطفة، كما يحدّد الهويّة، حيث نجد الأفراد يحمل يبحثون عن الطّعام والنّكهات الّتي تربّوا عليها وفق سياقات اجتماعيّة وثقافيّة، خلال تاريخهم الشّخصي ونوع التّفاعلات الّتي عاشوها، أو التّأثيرات الّتي تعرّضوا لها، وهي تصوّغ حساسيهم الذّوقيّة الّتي تظلّ قابلة للتّغيير والتّبلور. فمن خلال الطّعام نتعرّف على الانتماءات الجغرافيّة للأفراد الّتي تدلّ على أصولهم الجهويّة والمناطقيّة والوطنيّة، وأينما توجّهوا عبر العالم سيجدون مطاعمهم في مجتمعات الاستقبال. ففي هذه الظّروف في المهجر، الإنسان لا يتغذّى فقط، بل بوجه خاصّ يتذكّر.

لقد تميّز بعض الافراد برفعة الذّوق، فهم يتعرّفون على نوع الطّعام ومن أيّة منطقة جلبت عناصره. ويكتشفون أي تحريف يطال الطّعام، أي عدم دقّة فنيّة الطّباخ، أو رداءة المواد الّتي اعتمد عليها. وتختلف المذاقات بين التّفضيل والاشمئزاز، حتّى حين يتعلّق الأمر بالماء الّذي يبدو لا طعم له. فالكثير من الشّعوب يمدحون ماء بلادهم أو قريتهم ويرون أنّه الأفضل في العالم. ” المذاق الأفضل هو منظور ثقافي يتمّ إسقاطه على الطّعام، وارتباط بالطّفولة أو بلحظات مفضّلة.”372 هكذا يعبّر الإنسان عن مركزيته العرقيّة أو قناعاته الإيمانيّة والأيديولوجيّة دون أن يكون على وعي بخطورة هذا التّفكير بشكل مطلق. وقليل من النّاس من يحقّق مسافة جماليّة تجاه الطّعام الشّهيّ، وهم يتذوّقونه بمتعة متزايدة مفعمة بالفرح والذّكريات الذّوقيّة الّتي تعبر عن اختلاف ثقافي في تذوّق العالم انطلاقا من كيفيّة استعمال الحواس، لذلك لا أحد معه الحقّ أو هو مخطئ.

لقد ساهمت التّحولات التّاريخيّة الاجتماعيّة في بروز فئة الطّباخين والذّواقيين، خاصّة بعد الثّورة الفرنسيّة، حيث انتشرت مطاعم مميزة جعلت من الطّبخ فنّا، حيث يقبل عليها النّاس بحثا عن اللّذة الّتي يوفّرها الطّبخ الاحترافي. كما برزت لجنة تحكيم للذوّاقة إلى جانب هيئة النّقاد. وهذا ما يجعل الغذاء منظورا ثقافيا، يتغذّى فيه النّاس بالحواس والمعنى والقيمة، وهم يبلورون تذوّقا للعالم خاصّا بهم، تبعا لرؤيتهم الثّقافيّة الاجتماعيّة في تحديد الأذواق والنّكهات الأساسيّة. وفي هذا السّياق يسلّط دافيد لوبروطون الضّوء على كيفيّة تذوّق شعوب مختلفة للعالم، كقبائل الهوسا الافريقيّة، أو حسب التّصور الأيورفيدي الهندي، أو عندما تتذوّق الهندوسيّة العالم، أو في الطّبخ الصّينيّ الّذي يجمع بين الطّعام والعلاج حفاظا على تناغم الجسم في العالم. وهذا لا يتحقّق بالإفراط، بل من خلال ما يسمّيه الفكر الصّيني قيمة المحايد، أي في انعدام الطّعم. ” انعدام المذاق هو مديح البطء وللولوج الصّبور للعالم في الذّات، وهو يرفض الحماس المباشر الّذي يترك المرء في نهاية المطاف غير مشبع. إنهّ يفتح نحو ما وراء الذّوق. وهكذا تلاك قصيدة، ويتمّ تأمّل المنظر الطّبيعي من غير ملل، ويتمّ تذوّق موسيقى أو خطوط أو طبق بعيدا عن كلّ تعبير، بحيث تمنح رسالتها من البداية من غير أن تترك شيئا آخر. تتمثّل قوّة الحياد في استعداده للمعنى، فهو يتعمّق من غير أن يتمّ استهلاكه، وخفاؤه هو ما يصنع فاعليته.”386

وقد تبادلت المجتمعات الكراهية والاحتقار انطلاقا من الرّبط بين الأكل والمأكول، حيث تمّ النّظر إلى طبيعة وهويّة الفرد ممّا يتغذّى عليه من طعام، فسادت الألقاب والنّعوت القدحيّة إلى درجة النّبذ والتّبخيس والدّونيّة المشحونة بالإقصاء والعنصريّة. فقد صارت للغذاء قيمة متّصلة بالهويّة.

كما أنّ الذّوق كمفهوم لم يبق حبيس بعده الغذائي، بل انفتح على معان ودلالات مجازيّة تمسّ الحياة المجتمعيّة من الأدب إلى الفنّ التّشكيليّ، وتقدير بتبصّر وتمييز كلّ المزايا الجماليّة والعيوب في كلّ الفنون. أي أنّ الفرد يتذوّق الحياة وبمتعة ولذّة فيما يعيشه جسديا ومعنويا، أو يجد الحياة مملّة بلا طعم. هكذا تأخذ كلّ تفاعلات الإنسان بالطّبيعة والآخرين والعالم أبعادا ذوقيّة بين الحلو والمرّ، المالح والحامض…

وفي هذا السّياق يمكن فهم مذاق العلاقات الاجتماعيّة انطلاقا ممّا يقدّم من طعام. كما يتحكّم مذاق الحياة بأفراحها وأحزانها، بطفولتها المشبعة أو المحرومة من الحنان العاطفيّ، في مذاق الطّعام والإقبال بشهيّة، أو النّفور بلا طعم. كما أنّ المذاق يتحكّم فيه الواقع الماديّ، أي شروط وظروف عيش الإنسان، حيث جدليّة الجوع والشّبع تقف وراء تذوّق وتلذّذ الجائع كلّ ما يأكله، فلا مذاق وتذوّق واختيار النّكهات إلاّ مع القدرة على الاختيار والرّخاء في مستوى العيش. لكن مع الحداثة والعولمة تغيّرت عناصر الطّعام وفقدت الأطعمة الحساسيّة الذّوقيّة الطّبيعيّة. صحيح أنّ كلّ شيء متوفّر إلاّ أنّ قافة الفاست فود قضت على التّنويعات المذاقيّة وصار كلّ شيء مصنع وجاهز، ويؤكل وكأنّ الإنسان في حالة طوارئ في جري لاهث، مخدوعا بسطوة الصّلصات ومشروبات الكوكا وما شابهها. ” لقد صار المذاق اليوم أكثر فأكثر عرضة للاصطناع، مثلا بالمذاقات التّركيبيّة وبالمنتجات المجمّدة أو المجفّفة بالتّجميد.”407 هكذا ولّت إلى غير رجعة قيم الطّعام كاحتفاء اجتماعي يعيشه الفرد مع الآخرين كرفقة وصحبة حيث الطّعام يعضد العروة الوثقى بين النّاس. ومن جهة أخرى ارتبطت مجازات الأطعمة والطّبخ بالعلاقات العشقيّة والجنسيّة في مفرداتها وعباراتها المتطابقة. وهذه الظّاهرة تعيشها كلّ المجتمعات في تفاعلاتها العاطفيّة والجنسيّة

9 – مطبخ الاشمئزاز

ساد في الماضي القرف والاشمئزاز تجاه بعض الأطعمة كالجبن مثلا الّذي اعتبر نوعا غذائيا خاصّا بالطّبقات الشّعبيّة المسحوقة. كانت الطّبقات الميسورة تنظر إلى الجبن بنوع من القرف نظرا لما يسبّبه من التّقزز إلى حدّ أنّه يبعث على الغثيان.

كما انتشرت ظاهرة التّداوي بفضلات جميع الحيوانات، إلى جانب براز الإنسان، فقد تمّ استعمال هذه الفضلات ضدّ مختلف الأمراض الجسديّة والعصبيّة كنوبات الصّرع، كما استعملت للتّجميل، خاصّة زيت البراز البشريّ الّذي ظل مستعملا حتّى القرن18.

وفي هذا السّياق من المعتقدات والتّصورات تبعا للإطار المعرفيّ السّائد استعمل اللّحم الآدمي لعلاج مختلف الأمراض.” الجسم البشري موضوع لاستهلاك تمنح له العديد من المزايا العلاجيّة.”427 ورغم رفض البعض التّداوي بالأدويّة المستخلصة من الجثث البشريّة، فالعادات المجتمعيّة كانت متجذّرة في تصوّراتها إلى حدود القرن18. كما أنّ الأوضاع الصّعبة كالمجاعات والحروب دفعت بالإنسان مكرها إلى تناول اللّحم الآدميّ رغم ما يكتنف ذلك من قرف وخرق للمحرم. وتبعا للاشمئزاز والقرف نجد بعض الشّعوب تتغذّى على الحيوانات الأليفة كالكلب والقطّ.

“إنّ تحديد الأذواق المشروعة والمذاقات الرّائقة لدى جماعة بشريّة تتعلّق في الوقت ذاته بإرساء معايير معيّنة. فما يكون طعاما طيبّا أو مقززا لا يحيل على طبيعة معيّنة، وإنّما إلى بناء اجتماعي وثقافي وإلى الطّريقة الّتي يتلاءم بها الفرد.”450

******

دافيد لوبروطون: أنثربولوجيا الحواس، ترجمة: فريد الزّاهي، المركز الثّقافي للكتاب، ط1، س2020.

الهوامش من الكتاب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This