هل للدولة جسد؟ / عبدالله البياري

نبدأ مقاربتنا من مشهدين أساسيّين، وهما مفترقان في السياق السياسي، متفقان في الهدف، وهو الجسد:
إبّان فترة حكم محمد مرسي لمصر، القصيرة، أصدر وزيره للثقافة حينها قرارًا بإغلاق “مدرسة الرقص المعاصر” في دار الأوبرا المصرية، بذريعة أن الرقص هو “فن المرأة”، كما وصفه حينها أحد نواب مجلس الشعب المحسوبين على تيار الإخوان المسلمين، أو هو فن لكل “أنواع المرأة”، كما قال مرسي نفسه. كان ذلك من سبع سنوات تقريبًا.
منذ أيام، حكمت محكمة مصرية بحبس فتاتين لصناعتهما محتوى “راقصًا” على الإنترنت، وطالب الادعاء المصري بإيقاع كشوف عذرية عليهما، بذريعة حماية “قيم المجتمع المصري”. هي القيم نفسها التي لم يهددها الإخفاء القسري، وأرقام المعتقلين والإعدامات، وحوادث التحرش الجماعي، إلا أنها القيم نفسها التي هددها “فن أنواع المرأة”!
الجسد البشري ليس كيانًا ماديًا ذا بنية فيزيولوجية مادية فحسب، يقع على مسافة النظر والفرجة السالبة منّا، كلوحة فنيّة (حتى اللوحات الفنية نتناول الأجساد فيها بالتحليل والتفكيك!). فللجسد البشري مكونات خطابيّة وأدائيّة، تُشحن بدلالاتٍ وشحنات متغيرة وغير مستقرة، على موقعنا منها، وموقعها منّا. هو – الجسد- حامل القيمة الرمزية التي تتشكل من خلال الهوية الفردية من ناحية، وبالبنية المجتمعية الثقافية وعلاقات القوى فيها، من ناحية أخرى. وبالتالي، فالجسد – هو – المسافة البينيّة، أو الحدّية التداولية، و/أو التفاوضية للذات الفردية والذات المجتمعية معًا، وبالتالي يصبح الجسد جزءًا من خطاب الطرفين معًا وصراعهما.
بأبسط تعاريف “الخطاب”، على تعددها، هو يستلزم بالأساس درجة من التعددية، أو التداولية،
“قبل سبع سنوات، أصدر وزير الثقافة في عهد محمد مرسي قرارًا بإغلاق “مدرسة الرقص المعاصر” في دار الأوبرا المصرية، بذريعة أن الرقص هو “فن المرأة””كلما ازدادت كلما كان “الخطاب” ديمقراطيًا ومنفتحًا، ليصبح حينها “نص” هذا الخطاب هو المكون المراد التأثير به، وفيه، ومن خلاله، وفي حالتنا هنا: النص هو الجسد، الذي بات شكلًا من أشكال الخطاب المتداول بين الفرد والمجتمع، أو الثقافة، أو السلطة؛ مما يستدعي “ترويضاً (ما) للجسد”، وبلفظ أكثر واقعيةً “هندسته” بما يتفق مع قيم الدولة/ السلطة، ويعبر عنها (لنا أن نتذكر حفلات الرقص الجماعي أمام لجان انتخابات السيسي في مصر، واحتفاء أجهزة الدولة الخطابية به باعتباره تعبيرًا “عفويًا” عن الفرح!)، يذكرنا بذلك الفيلسوف الفرنسي، ميشيل فوكو، حين جادل بأن الجسد هو موضوع للسلطة ورهانها، من خلال آليات الضبط والرقابة!
الجسد هو الأساس في الحفاظ على تلك المواجهات الرمزية والمادية مع السلطة، وديناميكية الأدوار والعلاقات الاجتماعية، من حيث موضع السلطة فيها والفرد. ومن هنا، وجبت مراقبته.. وإلا ما معنى أن تعاقب الدولة أجسادًا بتهمة الحركة (الرقص)، وتحتفي بأجساد تمارس الحركة نفسها في سياق مختلف. تلك الحركة ضمن منظومة المعاني التي تحدث في فضائين يقدمهما السياق السياسي القاصر، وكأنهما متصارعان: فضاء الأيديولوجيا الدينية الإخوانية، وتلك العسكرية التي انقلبت عليها؟ ما هذا إلا دليل على موقفهما المتطابق من الجسد!
تأتي أزمة الدولة “الحديثة” التي تقدم نفسها باعتبارها الإجابة الوحيدة على سؤال الانتماء والوطن والقيمة الأخلاقية والدينية، من موقع ادعائها ذاك بأنها مصدر الشرعية على الإقليم المكاني/ الجغرافي والأجساد فيه مانحة إياها معنى قانونيًا وتشريعيًا. ومن هنا جاء مصطلح “حماية قيم المجتمع” بغرض السيطرة على الجسد، جسد المجتمع وجسد أفراده، وحركتهما. وباسم حماية تلك القيم، تسمح الدولة لنفسها باختراق مسام أجسادنا مرة بكشوف عذرية ومرة بإخفاء أجساد المعارضين، وإعدامهم، أو حتى قتلهم في أكبر مجزرة في تاريخ مصر المعاصر (مجزرة رابعة)، ووسمهم بالخيانة والكفر، ومنعهم من رمزية الدفن، وما بين هذين النموذجين كثير من السياسات الجسدية الرمزية.
وإن كان من السهل القول إن الدولة العربية الحديثة أتقنت فنون مراقبة أجسادنا، إلا أن هذا أيضًا قد يحمل مقولة إشكالية، وغير محقة في تعميمها؛ فمنذ أيام أُعلن في الضفة الغربية المحتلة في فلسطين عن اكتشاف جريمة قتل مر عليها 10 سنوات، بالصدفة، لأبٍ قتل ابنته ودفن جثتها في بئر تجميع الصرف الصحي في البيت. يأتي السؤال حينها مشروعًا بفداحة الغياب عن الرقابة الدولانية الحديثة (؟!) على جسد تلك الفتاة، باعتبار الدولة جهازًا رقابيًا أيضًا: أين كانت الدولة وقد غاب/ طمس جسد مواطنة قانونية مدنية لها؟ أين وسائط الرقابة المختلفة والمتنوعة؟ هل حلَّ جسد الأب ككافٍ أو معادلٍ جسدي لابنته على مستوى الترميز ليطغى على غياب جسد الفتاة؟ ينطبق السؤال أيضًا على الجرائم على خلفية ما يسمى “الشرف” في بعض البلدان العربية، كالأردن الذي تُعاقب فيه الفتاة التي تخاف تهديد ذويها لها بالقتل أو التعنيف بأن تُسجن (شكلٌ رقابي آخر)، دون صيغة قانونية لذلك.
هنا نقول إن للدولة جسدًا، وله تحيزاته الجندرية أيضًا، فهو ذكر فحل تهدده أجساد النساء وغير النساء، حينما تتحرك خارجة عن سيطرته ونطاقه الرمزي والمادي، بل وحتى التفاوضي، كالرقص بين اللجان الانتخابية، وفي دار الأوبرا.
حتى حينما تدَّعي الدولة العربية الحديثة مواجهة ظاهرة التحرش، مثلًا، بفرض عقوبات مغلظة، إنما تسعى إلى ذلك فقط من خلال مفهوم الرقابة والسلطة، متغاضية عن كونها سياسة جسدية
“قبل أيام، حكمت محكمة مصرية بحبس فتاتين لصناعتهما محتوى “راقصًا” على الإنترنت، وطالب الادعاء المصري بإيقاع كشوف عذرية عليهما، بذريعة حماية “قيم المجتمع المصري””بالأساس، تقع على محورٍ رأسي، هي ظاهرة مركبة اقتصاديًا وسياسيًا، واجتماعيًا، وتاريخيًا، وثقافيًا. وتلك عناصر أساسية خطابيًا انبثقت من جسد الدولة العربية الحديثة ما بعد الاستعمار، تلك الدولة التي قننت وأسست لما أسماه الراحل هشام شرابي: الأبوية المستحدثة؛ تلك الأبوية التي قننت وأصّلت للاستبداد العام والخاص وحمته بالقانون، واستحوذت فيه على مفهوم القيمة الأخلاقية، لتموضع ذكرًا ما في موقع الأصل والبدء، منه يبدأ المعنى والقيمة، وحده: (الذكر الألفا).
ما تدفع إليه الدولة العربية الحديثة هنا باسم مواجهة التحرش هو تكثيف دورها الأبوي السلطوي والرقابي المهيمن (الذكر الألفا)، من خلال ترسيخ الاعتقاد السائد بأن تلافي العنف ضدّ النساء، والقضاء عليه، يتطلب تشريعًا حازمًا يجرّم العنف كفعل. وبهذا تقفز الدولة الحديثة، الذكر الألفا، فوق تراكبية الفعل البشري وطبقاته، وتحوله إلى تصرف فردي يستحق العقوبة، أو الثواب. حينها يصنف البشر/ المواطنون بشكلٍ قطيعي في طاعتهم للذكر الألفا، أو عصيانهم له، إلى أفراد متفاوتين متذررين لا تجمعهم إلا العقوبة، أو الثواب: إمّا خيرين يستحقون الثواب، أو أفراد أشرار يستحقون العقاب، فحسب! وحينها لا يُنظر إلى فعل التحرش وانتهاك الجسد بالجسد هنا، أو القتل على خلفية ما يسمى “الشرف”، أمرًا مركبًا، إنما يمسي ممارسات فردية، يفسّرها الالتزام بالقانون، أو الخروج عنه. وتنقطع العلاقة بين قيمة العدالة وقيمة الحياة الشخصية، فتحيا النساء من دون قتلٍ، إنما أيضًا من دون عدالة، أو يحيين بلا تحرش، لكن بظلم اجتماعي واقتصادي ومهني وثقافي! وهو شكلٌ من أشكال التنافس الذكوري، فالدولة الأبوية تعاقب/ تقتل الذكر الذي يهدد نساءها، لكنها تسمح لنفسها بقمعهن وقمعهن جميعًا على المستوى الاقتصادي والسياسي والثقافي. وبالذات أن هنالك دائمًا في بلادنا من هم فوق القانون، ومن هم تحته، الأمر ليس الجسد مقابل الجسد، أو “العين بالعين”، وإلا بتنا جميعًا عميانًا بلا أجساد، يقودنا راعٍ (الذكر الألفا) إلى حيث يريد.

في بلادنا هنالك دائمًا من هم فوق القانون، ومن هم تحته (phoneky)
هل حركة أجسادنا تهدد مفهوم الدولة الحديثة؟
كان شعار حملة دونالد ترمب الانتخابية عام 2016: “لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى؛ فلنبن حولها سورًا”؛ والسور في أبسط معانيه هو فصل بين جسدين، أحدهما هو الذات، والآخر هو الآخر. ثم امتد سور ترمب هذا من منع الآخر المسلم من دخول الولايات المتحدة باعتباره

“ما تدفع إليه الدولة العربية الحديثة هنا باسم مواجهة التحرش هو تكثيف دورها الأبوي السلطوي والرقابي المهيمن (الذكر الألفا)، من خلال ترسيخ الاعتقاد السائد بأن تلافي العنف ضدّ النساء، والقضاء عليه، يتطلب تشريعًا حازمًا يجرّم العنف كفعل”
آخر، ليمتد السور إلى تعطيل قانون منح الجنسية الأميركية بالولادة، ومنع اللاجئين والهجرة. وعليه، هو رسم تصنيفات جديدة لـ”جسد” ذاتيته الأميركية، في مواجهة حركية جسد “آخرها”.
عربيًا، الأمر لا يختلف من حيث مبدأ الجسد، إنما في التطبيق؛ فما وقع للدولة العربية الراهنة هو زعزعة غير مسبوقة لحدودها الأخلاقية مع شعوبها، وأجسادهم/ ن. فأجسادنا لا تحكمها الدولة من حيث اشتراطات الحياة اليومية الأساسيّة، على المستوى المعيشي المادي، أو حتى التداولي الرمزي. فدولنا العربية التي فقدت سيادتها ترزح تحت الفساد والفقر والتبعية والمحاصصة والطائفية، غير مكتفيةٍ بتحويلنا إلى رموز لها ولـ”منظومتها القيميّة”، إنما استلبتنا لنفسها، وانتهكت رموزنا الشخصية الذاتية، حتى تلك المبنية على الدم، فنبشت قبور أجدادنا وأحبائنا، كما يحدث في القاهرة بهدم المقابر المملوكية، التي يقدر عمرها بالمئات من السنين، باسم إنشاء الطرق التي تخدم خطاب الدولة عن نفسها لنفسها، دون أي إثبات معياري معترف به عالميًا! (جدير بالذكر أن الحكومة المصرية في عهد مبارك قامت بنفس الفعل أيضًا، وهو ما أورده الروائي المصري الراحل خيري شلبي في روايته “نسف الأدمغة”، والتي منعها – أيضًا – وزير ثقافة مبارك حينها).
يشير تشارلز تريب في كتابه “السلطة والشعب؛ مسارات المقاومة في الشرق الأوسط”، إلى احتلال الجماهير الثورية للفضاءات العامة في المدن العربية بأنها حركة خرجت عن سيطرة كامل منظومة الرقابة والسيطرة للدولة الحديثة. بلفظ أدق، كانت حركة أجساد الشعوب العربية على مستوى الجسد المادي والجسد الرمزي، خروجًا عن سيطرة الدولة المادية والرمزية، ومن هنا كانت حرب النظام المصري على المؤسسات والممارسات الفنية والثقافية.
لنا في هذا الموضع أن نتذكّر ما مثله رقص الشعوب الأفريقية من أشكال للمقاومة ضد سلطة المستعمر وغيره، على المستوى المادي والرمزي، وهو ما ينسحب على كثير من أشكال

“كانت حركة أجساد الشعوب العربية على مستوى الجسد المادي والجسد الرمزي، خروجًا عن سيطرة الدولة المادية والرمزية”
التعبير الجسدي الراقص، حتى الرقص الشرقي، ولنا في الراحلة تحية كاريوكا – وما قاله عنها الراحل إدوارد سعيد- وتاريخها السياسي نموذجًا. فإذا ما استخدمنا المنطق نفسه على حركات الأجساد، كان لنا أن نفهم أن حركة الجسد من الدولة “أ” إلى الدولة “ب” هو امتحان لمقولتها الأخلاقية، التي تشرع نفسها من خلالها. كما هي الحال مع أزمة اللجوء في أوروبا، وما أحدثه من امتحان لمقولة الدولة الحديثة ومخيالها أمام شعوبها المتخيلة، وهو ما ساهم في تنامي تيارات اليمين المتطرفة، ذات الأيديولوجيا، أو النصوص الجسدية، هي أيضًا.
بالعودة لسؤال حركة أجسادنا، وما إذا كانت تشكل تهديدًا على دولنا العربية، يكفي أن نتأمل أعداد رجال الأمن بآلياتهم ومدرعاتهم وفوُّهات بنادقهم المصوبة إلينا على الدوام في فضاءات مدننا العربية، لنعرف حجم الخوف الذي تكابده تلك السلطات أمام أجسادنا، المادية والرمزية، وحركتها!

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This