170 عاما على ولادة غي دو موباسان

تصادفُ اليوم ذكرى مرور 170 عامًا على ميلاد الكاتب الفرنسي الشّهير غي دي موباسان. فقد رأى النور في مثل هذا اليوم، الخامس من آب/ أغسطس، عام 1850، بقصر ميرو ميسنيل بمنطقة النورماندي الفرنسية. وهذه مناسبة لاستحضار حياة ومسار وأعمال هذا القاصّ والروائي الاستثنائي، الّذي يعدُّ من آباء فنّ القصّة القصيرة الحديثة في العالم أجمع.
تلميذ العراب فلوبير
وُلد غي دي موباسان في حضن عائلة من منطقة لورين استقرّت للعيش في النورماندي. وبعد أن غادر والده بيت الزوجية، تكفّلت بتربيته والدته، وهي امرأة جميلة ومثقّفة، وصديقة لـلكاتب الكبير غوستاف فلوبير، الّذي سيصبح عرّاب موباسان الأدبي فيما بعد. بعد طفولة سعيدة في منطقة “السين- البحريّ”، سيلتحق بثانوية مدينة روان لمتابعة دراسته خلال فترة المراهقة. وقد زوّدته هذه السنوات العشرون الأولى من حياته بالمواد اللّازمة لـكتابة “حكاياته السوداء”، التي تدور أحداثها في عالم الفلاّحين. وبعد حصوله على البكالوريا في عام 1870، سيتمّ تجنيده للمشاركة في الحرب الفرنسية- البروسية، وهي الحرب الّتي تركت أثرًا بالغًا في الكاتب مدى الحياة، وظلّ يصفها بأنها وحشيّة بشرية غير مفهومة. وبعد أن تدبّر من ينوب عنه في مركزه، انتقل إلى باريس حيث عمل في وزارة البحرية لمدّة عشر سنوات، وكانت تلك فترة مضجرة بشكل لا يُصدّق، لأنّ حياته كانت تشبه حياة السيد لويزل، الّتي صوَّرها في قصته القصيرة الشهيرة “الحلية المفقودة”. وقد شغل وقت فراغه آنذاك بالتّجديف في نهر السين، وبدأ يتردّد من حين لآخر على الصّالونات الأدبية.

في هذه الفترة أيضًا، ستربطه صداقة كبيرة مع فلوبير، الّذي قاد أولى خطواته في دنيا الأدب، حتّى صار معلّمه الأوّل والوحيد، لدرجة أنّه منعه من نشر أيّ شيء باسمه الحقيقي قبل أن يصل إلى درجة من النّضج الصحافي والأدبي. وقد تعاون موباسان في بداياته مع العديد من الصحف منذ عام 1878، وبعد تعرُّفه على إميل زولا، سيشارك عام 1880 في الكتاب الجماعي لتيار الطّبيعيين “أُمسيّات ميدان” بقصّته القصيرة الأولى “كرة الشّحم”، والتي لقيت ناجحًا كبيرًا على الفور، حتّى وصفها فلوبير بأنّها “تحفةٌ ستبقى”. لكن، لسوء الحظ، لن تطول فرحة موباسان بهذا النجاح طويلًا، إذ سيتوفّى المعلّم فلوبير في العام نفسه، لكن رحيل هذا الأب الروحيّ والمرشد لن يمنع موباسان من أن يصبح كاتبًا ثريًّا ومشهورًا، إذ أنجز كلّ أعماله الأدبية المعروفة في فترة قصيرة لا تتجاوز العقد من الزمان، وتحديدًا من عام 1880 إلى عام 1890، وهي أكثر فترة غنيّة ومثمرة في حياته الخاطفة: فقد نشر فيها ستّ روايات، وأكثر من 300 قصة قصيرة (كان يفضّل وصفها بـ”حكايات”)، وبعض رحلات السفر، إلى جانب مئات المقالات. وفي هذه الفترة أيضًا، بدأ يتردّد على أوساط المجتمع الرّاقي، الّتي سوف يصوّرها بدون رضى عن النفس في رواية “بيل- أمي”، الّتي نُشرت عام 1885. ولمّا بلغ الأربعين، سيعاني بشدّة من آثار مرض الزهري، الذي كان قد أصابه في ريعان الشباب، فصار أكثر فأكثر عرضةً لنوبات القلق والهلوسة، الّتي ربّما كانت دافعًا وراء كتابة قصّته الشهيرة “الهورلا” (1887)، وكادت أن تُنهي حياته في محاولة انتحار فاشلة. ثمّ، بعد سنوات قليلة من المعاناة والتنقّل بين الأطباء والمشافي، سيلفظ أنفاسه الأخيرة في مستشفى الأمراض النفسية بباريس، يوم 6 تموز/ يوليو 1893، قبل عيد ميلاده الثالث والأربعين بقليل، وبعد عام ونصف تقريبًا من الجنون وفقدان الوعي الكلّي، وقد أوصى أن يُكتب على شاهد قبره العبارة التالية: “كنتُ متعطّشًا لكلّ شيء، ولكنّي لم أجد متعةً في أيّ شيء”.

نجاح أدبي في زمن قصير
نشر موباسان مجموعته القصصية الأولى بعنوان “منزل تيليي”، في 1881، والّتي وصلت إلى طبعتها الثّانية عشرة في غضون عامين. وفي 1883، أنهى موباسان كتابة روايته الأولى، “حياة”، الّتي أخذت منه ستّ سنوات من العمل (بدأها منذ 1877)، وتمّ بيع خمسة وعشرين ألف نسخة منها في أقلّ من عام. قال ليو تولستوي عن هذه الرواية: “إنّها من أعظم روائع الأدب الفرنسي بعد “البؤساء””. أمّا بالنسبة لروايته الثانية “بيل- أمي”، التي نُشرت عام 1885، فقد أُعيد طبعها 37 مرة خلال أربعة أشهر فقط. وفضلًا عن أنّ موباسان كان بارعًا في استلهام طبيعة الحياة في النورماندى، فقد كان أيضًا يملك حسًّا تجاريًا قويًّا، لهذا استطاع أن يراكم بسرعة النجاح تلو الآخر. فمثلًا، كان يقول ساخرًا: “بيل- أمي هو أنا!”، على غرار العبارة الشهيرة لفلوبير. وبعد ثلاث سنوات، أي في عام 1888، سيصدر ما يعتبرها البعض أنجح رواياته على الإطلاق، وهي رواية “بيير وجان”، ستليها رواية “مونت- أوريول” عام 1887، ورواية “قويٌّ كالموت” عام 1889، ثمّ أخيرًا رواية “قلبُنا” عام 1889.

لواقعية الموضوعية وفنّ التكثيف
من المعروف أنّ موباسان كان يكثّف في رواياته جميع ملاحظاته المتناثرة في قصصه القصيرة. وكان يرى أنّ على الروائي أن يفعل كلّ ما في إمكانه “لإنتاج التّأثير الّذي يسعى إليه، أي الإحساس بالواقع البسيط، من خلال الدّرس الفنّي الّذي يريد استخلاصه، أي الكشف عن حقيقة الإنسان المعاصر أمام عينيه”. ولهذا السبب، رفض موباسان الرّواية الرومانسية وانتقد “رؤيتها المشوَّهة، ما فوق الإنسانية، والشّاعرية”، مثلما رفض الرّواية الرمزية التي تمتح من مبالغات علم النفس والحذلقة الأسلوبية والفنّية. وفي المقابل، التزم موباسان بكتابة “الرواية الموضوعية” من أجل الوصول إلى الواقعية، رغم معرفته بالحدود المفروضة على هذه الأخيرة. فبالنسبة إليه، “الواقعية هي رؤيةٌ شخصيّة للعالم”، ولتحقيق ذلك، يقوم الروائي بخيارات في الواقع، بناءً على شخصيته. وفي هذا السياق، يؤكّد موباسان: “ما نُظهرُه دائمًا هو نحن”، كما رفض أيضًا المدرسة الطبيعية، بنزوعها للتوثيق المملّ وطموحها لإثبات واقعية شاملة على طريقة إميل زولا، وانحاز على العكس إلى واقعيةٍ تخلو من النظرة الأخلاقية الحصرية تجاه الواقع الدنيء.
سعى موباسان لأن يرسم باعتدال الوقائع والأفعال بدلاً من الغوص في التفسير النفسي العميق، لأنّ “ما يجري في النّفوس يجب أن يكون مخفيًّا في الكتاب كما هو مخفيٌّ في الواقع وراء الأفعال الحقيقية”، وهذا الاعتدال ينطبق أيضًا على الأوصاف المستعملة في كتاباته، وبالتّالي قطع موباسان نهائيًّا مع أسلوب الكتابة البلزاكية. وهذا الميل للتّكثيف سيقود موباسان أيضًا إلى تفضيل فنّ القصة القصيرة، وهو الفنّ الذي برع فيه أكثر من غيره وبوّأه مكانة رفيعة في تاريخ القصّة الفرنسية، وهو يقوم بالأساس على مبدأ التّوازن في سرد المغامرات، والاقتصار على الأوصاف المحدودة والوظيفيّة، واللّعب بين الكلام المباشر وغير المباشر والكلام الحرّ. كما تتميّز قصصه أيضًا باستخدام جُمل قصيرة إلى حدّ ما، مع علامات ترقيم دالّة، وأيضًا باللّجوء إلى فقرات قصيرة، بل قصيرة جدًّا في بعض الأحيان، ما يمنح توزيعًا مريحًا للكلمات على الصفحة. ومن جهة أخرى، تتميّز لغة موباسان في السّرد بالديناميكية في الخطاب المباشر، كما تستعين بالقاموس الشعبي الفظّ في كثير من الحوارات.

فنّان مستقل ضد الاستعمار
تصف الباحثة الأكاديمية الإنكليزية مارلو جونسون، في كتاب سيرة ضخم (1300 صفحة، 2012)، شخصيّة موباسان بأنّها حيويّة للغاية، طبيعيّة، ومشرقة، شخصيّة تعمل بلا هوادة ولا تملّ من سعيها نحو الآخر. كما تشير إلى أهميّة الرحلات التي كتبها موباسان في حياته، وهي “غير معروفة بما فيه الكفاية”، رغم أنّها ألهمته روايات غنيّة جدًّا، إذ يبتعد فيها كثيرًا عن الإكزوتيكية الرومانسية، كما يظهر ذلك بوضوح في كتاباته عن الجزائر الّتي صوّر فيها الواقع الاستعماري القاسي، وانتقد بشدّة سرقة الأرض واستغلالها وازدراء السكّان العرب، ومع ذلك فموباسان لم يتورط أبدًا في أحابيل السياسة وكرّس حياته للكتابة فقط. وبالنسبة لمن وصفوه بأنّه كان مفرطًا في العزلة، تثبت مارلو جونسون، على العكس، أنّه كان فنّانًا مستقلًّا بمعنى الكلمة، وشخصًا طيّبًا واجتماعيًّا إلى حدّ بعيد، كما أنّه كان صديقًا مخلصًا، إذ اعتزَّ دائمًا بصداقة معلّمه فلوبير، الذي عوّضه عن الأب الغائب، وجمعته أيضًا صداقة متينة مع الكاتب الرّوسي تورغينيف. أمّا بخصوص التّشاؤم والسوداوية التي تطبع الكثير من أعماله، فترجع إلى كونه كان معجبًا بالفيلسوف الألماني شوبنهاور، “القاصف الأكبر لأحلام البشر على الأرض” حسب قوله، ومصدر تشاؤمه كان هو غباءُ الناس ونفاقهم وخداعهم، ووضاعة رجال الدين، لا سيّما المتاجرين بالطوباويات لمآرب خسيسة في أغلب الأحيان. لهذا، أخذ على عاتقه السّخرية من الدين والأخلاق الزائفة الّتي تفصم بين الظاهر والباطن، وتخلق أفرادًا مقنَّعين ومصطَنعين.
يُعتبر موباسان اليومَ أحد الكتّاب المحبوبين في فرنسا، والفضل الكبير يعود بالأساس إلى الأفلام الكثيرة المستوحاة من قصصه ورواياته. إذ لا شكّ أنّه الكاتب الفرنسي الأكثر حضورًا في الشاشة الكبيرة والصغيرة على السواء، من خلال تحويل أعماله الأدبية المختلفة إلى أفلام لقيت استحسان جمهورٍ واسع في فرنسا وخارجها. فمنذ فيلم “عودة الابن”، الذي أُنتج عام 1909 من طرف دي غريفيت مع ماري بيكفورد، إلى سلسلة من ثمانية أفلام تلفزيونية بعنوان “في بيت موباسان”، بثّتها القناة الفرنسية الثانية عام 2007، تمّ إنتاج أكثر من 130 عملًا سينمائيًا وتلفزيونيًا مستلهمةً كلِّيا من روايات وقصص غي دي موباسان، هو الذي قال يومًا لصديقه ديماريا دي هيريدا، بنبرةٍ ساخرة: “لقد اقتحمتُ الأدب كالشّهاب، وسأغادره كالصّاعقة”.
“رفض موباسان الرّواية الرومانسية وانتقد “رؤيتها المشوَّهة، ما فوق الإنسانية، والشّاعرية”،
مثلما رفض الرّواية الرمزية التي تمتح من مبالغات علم النفس والحذلقة الأسلوبية والفنّية.
وفي المقابل، التزم موباسان بكتابة “الرواية الموضوعية” من أجل الوصول إلى الواقعية”

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This