رحيل محمد وقيدي.. السؤال نسغ الفلسفة / محمود عبد الغني

1
محمد وقيدي (1946-2020)، اسم مزدوج لعقل وقلب يلتمعان داخل جسد واحد. رحل عنا فجر يوم 7 آب/ أغسطس الجاري. أفاد الباحثين والطلبة المغاربة والعرب كنموذج، كحكيم. وأفاد فيلسوف فلسفة العلوم غاستان باشلار وفيلسوف التربية جان بياجي، حين ترجمهما وأنجز بحثًا عنهما، الأول عنوانه “فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار” المنشور لدى دار الطليعة ببيروت سنة 1980، والثاني “الإبستمولوجيا التكوينية عند جان بياجي” سنة 2010. ومنذ ذلك التاريخ ووقيدي يقدم سبيلًا لاستمرار البحث الفلسفي في الجامعات المغربية، والعربية. لذلك، ومنذ اليوم، على كل من يكتب عنه، أو يتذكره بشكل عابر، أن يقول في حقه أكثر مما يجب.
ذات يوم، في لقاء عابر لكنه صاخب بالنكت والنوادر، سألته عن كتابه “ما هي الإبستمولوجيا؟”، الصادر عن دار الحداثة ببيروت سنة 1983: هل هو امتداد وتوسيع لمحاضرة في الجامعة؟ لأن السؤال، الذي وضعه لكتاب أصبح مشهورًا ورائجًا جدًا، يكرس تقليدًا ساد عند الفلاسفة الأوروبيين، الفرنسيين والألمان على الخصوص، يضعون بموجبه سؤالًا عنوانًا لكتبهم: ما الميتافيزيقا؟ ما البنيوية؟ ما الأيديولوجيا؟ فأجابني الفيلسوف المتواضع: “الإبستمولوجيا مجالي المعرفي الذي خضت فيه منذ سنوات، فقررت أن يكون عنوان الكتاب في صيغة سؤال. فالسؤال هو نسغ الفلسفة. وأنا أنصح جميع الفلاسفة بوضع إشكالاتهم وقضاياهم في صيغة سؤال”.
كان محمد وقيدي، وسيبقى دومًا، كثير التداول رفقة فلاسفة وأساتذة من جيله، وجلهم درس بشعبة الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، منهم: محمد سبيلا، عبد السلام بنعبد العالي، سالم يفوت، كمال عبد اللطيف، سالم حميش، علي أومليل… وقد نالوا كلهم شهرة عربية منقطعة النظير، بعد معلمهم الأول محمد عابد الجابري، لأنهم يميلون إلى طريقة في التفكير، والتدريس، والتأليف، قريبة من زمن الفلاسفة الكبار، بفضل ما يمكن أن نسميه سلامة العقل، وسلامة الموهبة والمنهج. كانوا يشكلون حلقة، لكن يمكن تخيل أنهم لا يشكلون دائرة بل محورًا فقط لا محيط له، لذلك أمكن للمحور أن يتسع، ويتمدد، ويتخذ الشكل الذي يريد.
يظهر وقيدي يوما في صورة الفيلسوف الذي لا يستطيع أن يضبط نفسه، دومًا ينزلق انزلاقات لا يستطيع آخرون القيام بها، كأنه شخصية في رواية “الفيلسوف وقشرة الموز”. إنه جوهر له أبعاد كثيرة: اختفاء، تدريس، الكتابة للصحافة، الولوج إلى النوادي، كأس في يد الفيلسوف، ضحك صاخب… إنه “صوت عتيق” عجز الكثيرون عن سماعه.
2

تدريس الفلسفة عند محمد وقيدي هو الحديث عن الأفكار الجيدة. وعليك تحمل المسألة طيلة سنوات عديدة، حتى تصبح أيامك نوعًا خاصًا من الحياة العلمية التي لن تتوقف إلا بتوقف القلب. فأنا نفسي سمعته يصب نقمته على الأساتذة الذين لا يسيرون على درب “الحديث عن الأفكار الجيدة”. كنت أندم دومًا حين أحدثه في قضية ما. وكثيرًا ما تساءلت عما دفعني إلى التورط في الحديث معه حول القضايا الفلسفية، لكنه سرعان ما يفطن لورطتي ويبدأ في الحديث معي عن مجال تخصصي: الأدب. وله في ذلك مداخل كثيرة، فهو يرى أن الإبستمولوجيا والأدب شقيقان كبيران وخالدان. وأذكر مدخلًا آخر: نظرية الأدب. وما كان يهمه فيها هو مفهوم “النظرية”، الشقيقة الصغرى للفلسفة. فيبدأ الرجل في وضع شروطه كي تكون النظرية والفلسفة معًا مقبولتين (عند طلبتنا طبعًا): أول تلك الشروط: الوضوح، الذي يليه التعقيد الفكري بالضرورة. ونقلتنا هذه الفكرة، على قشرة موز رائعة، إلى الحديث عن الأدب، وخصوصًا القصيدة، الجنس الأدبي المسكين الذي ظل تاريخيًا يخوض معركة مزدوجة: الغموض/ الوضوح. كانت تلك تذكرتي المعتادة إلى آفاق وقيدي. وأذكر جيدًا ذات لقاء معه وصولنا إلى خلاصة فريدة: على أستاذ الفلسفة وأستاذ الأدب (الذي يراه وقيدي مدرسا لنظرية الأدب) أن يعملا على رفع حديثهما عن مجال تخصصهما (أمام الطلبة)، عن طريق بذل جهد مقصود، إلى مرتبة الفن الرفيع.
كان واعظًا استقرت كلماته في ذهني. وبمرور السنين واختفائه من الجامعة والفضاءات العامة، فهمت أهمية نصيحته. قد تأتي النصائح وتذهب، كما يرى الشعراء أن الأشياء تأتي وتذهب، لكن ريحها القوية تبقى: ليس الأمر في الأداء، وإنما في طريقة الأداء. بمعنى، كان وقيدي يترك لانسياب كلماته، وأفكاره، ومستملحاته الغزيرة والمدهشة، وما تنطوي عليه من معان خفية، تأخذ قوة الكلمات نفسها التي يتكلم بها. لذا وجدت أن كلماته، ومقالاته، وكتبه الفلسفية والسياسية، جديرة بالحفظ في الذاكرة، لا لمعناها فقط بل للطريقة التي قيلت/ كُتبت بها.
3

التقيت ببعض طلبة محمد وقيدي، كان أثره واضحًا عليهم. ومسألة التأثير الفلسفي، أو “التلمذة الفلسفية” حسب كتاب هانز جورج غادامير، يجب أن تكون جزءًا من تفكيرنا النقدي، على غرار مسألة “التأثير الأدبي”، التي أصبحت معالجة رائجة اليوم منذ أن أطلقها هارولد بلوم، ومحورها الفكري هو “القلق”، أي تأثير أديب على آخر “بحيث أن المؤثَر عليه يعاني من هذا التأثير وكأنه تعدٍ على استقلاله الذاتي”. إن طلبة وقيدي ما زالوا يتذكرون محاضراته حول الإبستمولوجيا والنقد الأدبي، وكأنه كان يدعوهم لأن يصبحوا مثله إبستمولوجيين، أو نقادًا للأدب وفاء لتخصصهم في هذا الحقل المتشعب. وقد بقي هذا الشعور مستمرًا في أنفس بعضهم، خصوصًا الذين أصبحوا نقادًا أو أساتذة للأدب. وقد انطلقت سلسلة “القلق” مع “التلمذة الفلسفية” على الجابري (1935-2010). فصاحب مشروع “نقد العقل العربي” كان مؤثرًا في جيل وقيدي: محمد سبيلا (1942)، عبد السلام بنعبد العالي (1946)، سالم يفوت (1947-2013)، كمال عبد اللطيف (1945). وهذا الأخير انخرط منذ عقود في دراسة وتأمل مشروع الجابري، وأيضًا العروي. إلا أن الجابري مارس تأثيرًا خاصًا على تلاميذه وزملائه، خصوصًا وأنهم كانوا يدرسون ضمن شعبة واحدة هي شعبة الفلسفة. ومباشرة بعد “مجلة أقلام” (التي أسسها الجابري رفقة أحمد السطاتي ومحمد إبراهيم بوعلو)، وبعد انفجار مشروع “نقد العقل العربي”، بدأوا يعتمدون عليه كمصدر لطاقة خلاقة، وكان محمد وقيدي في مقدمة المستلهمين. وحتى من درس مشروع الجابري في كتب خاصة كان في نفس الوقت لا يكف عن الاعتماد عليه وأيضًا يحاول إخفاء أثره عليه، في ما يمكن تسميته “تنافس أوديبي” محتدم. وبالعودة إلى العديد من الصور، سنرى محمد وقيدي إلى جانب صديقه وزميله ومعلمه الجابري. ولو طلب من وقيدي الكتابة عما يعتقد أن له أثرًا في أعماله، لما تردد في ذكر الجابري، وغاستون باشلار، وجان بياجي ومجموعة من البنيويين الفرنسيين، حين كانت الثقافة الفرنسية كلها بنيوية.

عن ضفة ثالثة

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This