الصحافة في حلب.. البدايات والنهايات / فيصل خرتش

اعتبر جرجي زيدان الحلبيين أسبق المشرقيين إلى إنشاء الصحف في المنطقة العربية، وأقدم صحيفة رسمية “الفرات” فقد أنشئت في عام (1284 هـ/ 1867 م)، ويعود الفضل في إنشائها إلى والي حلب المؤرخ جودت باشا (1866 – 1868 م)، وقد حرّرت باللغتين التركية والعربية، ثم أضيفت إليها اللغة الأرمنية في العام التالي، وقد حرّر فيها كثير من الصحافيين، وتشير عدة مصادر إلى أنها كانت لا تزال تصدر في 11/11/1918م عند توقيع الهدنة بين الدول المتحاربة في الحرب العالمية الأولى.
وأنشأ هاشم عطار أوّل جريدة عربية خالصة، أسبوعية، وهي “الشهباء” وانضم إليه عبد الرحمن الكواكبي وميخائيل أنطون صقال، وبإصدارها انتقلت الصحافة من إطارها الرسمي إلى إطارها الحرّ، وقد أغلقها الوالي “لأن البلاد كانت في حالة حرب”، ثم أصدر جريدة “الاعتدال” في 25/7/1879 م، وكان نصفها مطبوعًا باللسان العربي ونصفها الآخر باللغة التركية، تعميمًا لفوائدها بين سكان الولاية، وأغلقت الصحيفة بعد صدور ستة عشر عددًا.
وأصدر عبد المسيح الإنطاكي صحيفة “الشذور” وهي تمثل منحى جديدًا في التفكير، تجد فيها أبحاثًا في خدمة العائلة وفوائد صحية وصناعية وزراعية وطبية، ومقدمات الفلسفة اليونانية القديمة وأبياتًا للمتنبي، وقد دفعته محاربة الحكومة إلى ترك وطنه والهجرة إلى مصر فانقطعت بسفره الصحيفة عن الصدور.
ارتفع عدد الصحف التي صدرت بعد قيام الدستور وتنوعت موضوعاتها، وقد صدر منها: “التقدم” في 15/10/1908 م، وهي أهم صحيفة وطنية، أصدرها نجيب كنيدر، كانت تصدر ثلاث مرات في الأسبوع حتى احتجبت بعد بضعة أشهر عندما وقعت الحرب العالمية الأولى… ولما انتهت الحرب أعاد صدورها منذ 16/1/1919 م، يومية، سياسية، أدبية في أربع صفحات، وانضمت الجريدة إلى الصحف المعارضة في أعقاب معاهدة 1936 م، وهيجّت الناس بمقالاتها ضد سياسة الكتلة الوطنية تجاه المشكلة الفلسطينية، فصدرت عدة قرارات بتعطيلها لأنها انتقدت سياسة الكتلة في تفريطها بالمصالح الوطنية.
“صدى الشهباء” جريدة علمية أدبية سياسية إخبارية تجارية زراعية “يحترم صاحبها الصحافة لأنه يعتبرها معلمًا ومرشدًا ومربيًا للأمة”، أصدرها حكمت ناظم وكامل الغزي في 1/10/1908 م، وكانت تصدر باللغتين العربية والتركية.
“الورقاء” صدر العدد الأوّل منها في 1/1/1910 م، وكان الخورفسقفوس جرجس شلحت منشئها ومديرها، وهو عالم وشاعر ولغوي، انعكست شخصيته على مجلته شعارها: “عادت الحمامة وفي فيها ورقة زيتون خضراء”، كانت تصدر كلّ شهرين، والاشتراك فيها ريال مجيدي عن كلّ عام. وتعتبر “الورقاء” من المجلات المجدّدة في أسلوبها وموضوعاتها، فقد سلكت أسلوب البحث العلمي من حيث الإشارة إلى المصادر والحواشي، ونشرت أبحاثًا متسلسلة في أعدادها المتلاحقة، عن المجتمع وأصوله، وعن العلوم الفلسفية والإنسانية، بدءًا بعلم الفلسفة والمنطق وما وراء الطبيعية مرورًا بمباحث الصحة والأخلاق والاقتصاد، انتهاءً باللغة العربية وأسباب انحدارها وتلمس الأساليب للنهوض بها، كما انحازت المجلة إلى صف المرأة وخصصت فصولًا من أعدادها للحديث عنها.

أثر قانون المطبوعات الذي سنته الحكومة التركية على هذه الصحف، وقضى على قسم كبير منها، فأخذت تحتجب الواحدة تلو الأخرى حتى توارى أكثرها، من هذه الصحف: حلب الشهباء – فوائد – الخطيب – الشعب – مسخرة – الكشكول – الأهالي – لسان الأهالي – الإعلان – تنوير أفكار – مكتبلي – المرسح – النهار – الصدق – العفريت – هوبّالا – تشبّث.
وما إنّ دخل الجيش العربي الى سورية حتى أغلقت الصحف التي كانت تنطق بلسان الحكومة التركية “الرأي العام – الشرق – المشكاة – سورية”، وغيّرّت صحف أخرى لهجتها… وأبدت الحكومة العربية بها اهتمامًا متزايدًا، فتدفقت الصحف الوطنية السياسية والثقافية على سورية، وقد صدرت في حلب أربع عشرة جريدة ومجلتان، ولم تكن الصحافة قوية الإخراج والبناء بل على العكس كانت ضعيفة بوجه الإجمال من جميع النواحي، وسارت على خطى الصحف القديمة من حيث الأسلوب والمنهج والطابع رغم تبدل سياستها، وكان منها: العرب – الصاعقة – حقوق البشر – النهضة – الراية – المصباح – البريد السوري – الوطن – العدل– مجلة الشعلة.

في عهد الانتداب الفرنسي على سورية، استمرت “حلب” و”الرسمية” و”التقدم” و”النهضة” و”الصاعقة ” و”البريد السوري” و”الشعلة”.
دخلت الصحافة في عهد جديد من الاضطهاد والكبت وخنق الحريات، فتوقفت التي كانت تمثل العهد السابق، واستمرت أخرى معتدلة وظهرت صحف جديدة، وصارت سلطة الانتداب تعطل أية صحيفة تضرب على وتر الحرية، أو تحن إلى العهد الفيصلي، أو تناهض الانتداب، وقد عرفت حلب ألوانًا من الجرائد بلغات أربع: العربية والتركية والأرمنية والفرنسية، وظهرت فيها عدّة مجلات أدبية، وقامت هذه المجلات بإشاعة الثقافة ومجاراة التيارات الحديثة… ومنها مجلة “الحديث” (من أجل التجديد في الأدب والحوار العنيف من أجل حرية المرأة وحقوقها…)، وعرفت حلب أيضًا الصحافة المتخصصة التجارية والزراعية والعلمية والدينية والفكاهية، بالإضافة إلى الصحف السياسية والأدبية والنسائية، من ذلك : الأمة – شفق – الآمال – المرسح – الترقي السوري – الكلمة – الوقت – الثعبان – الاتحاد – الحديث – المكنسة – الجامعة الإسلامية – المرأة – الحوادث – الضاد – العاديات – برق الشمال – الدستور – الضياء – الفجر – على كيفك – التاج – السلام – الأهالي – الاعتصام – النذير – الشباب – الإخاء – الراوي – الإصلاح.

دخلت الصحافة في عهد الاستقلال معركة وجود، وانهمر سيل الصحف مستفيدًا من المناخ الديموقراطي الذي أسفر عنه التحرر السياسي، فقد أصدر شكري القوتلي قرارًا عام 1946 بإلغاء القرار رقم 111 الذي يحد من حجم الصحيفة ويخفض عدد صفحاتها، ثم أصدر مرسومًا اشتراعيًا بإلغاء باقي القوانين التي تحد من حرية الصحافة، وبذلك كتب للصحافة أن تنطلق من قيودها التي قيدت بها أثناء الاحتلال الفرنسي على سورية، ومن هذه الصحف: الجهاد العربي – المسرح والسينما – الجمهورية – صوت المرأة الحرّ – النجم الجديد – التربية – العالم العربي – الأنباء – بنت الشرق – الإحسان – الوطن – الميزان – السنابل – الجماهير – آخر دقيقة.
إنّ ما يميز الصحافة في فترة الاستقلال والوحدة، أنها صدرت بشكل هائل آنئذ وفي أوقات مختلفة (صباحًا وظهرًا ومساءً)، ويعود ذلك إلى مناخ الحرية الذي شاع في أعقاب الاستقلال، والسمة الثانية هي تحولها نحو الصحافة التجارية.
تمت الوحدة بين مصر وسورية في عام 1958، وبدأت مرحلة جديدة، فقد حلّت الأحزاب نفسها وقام مكانها تنظيم سياسي واحد هو “الاتحاد القومي”، وصدر عن رئيس الجمهورية العربية المتحدة القانون 195 عام 1958 الذي يتضمن بعض الأحكام الخاصة بتنظيم الصحافة في الإقليم الشمالي وبموجبه تنازل أصحاب بعض الصحف السورية عن امتيازات صحفهم، كان منهم في حلب أصحاب: نداء العروبة – الجمهور العربي – الأسبوع السياسي – رسالة العمال – الحديث – المجلة الحقوقية – مجلة كلية ضباط الاحتياط، وبعض النشرات المدرسية.
صدرت صحف جديدة موالية للانفصال، ونظمت الرقابة عليها، من ذلك جريدتان: العالم العربي – المرصاد، وخضعت معظم الصحف لسيطرة السلطة، ومنها: العروبة – كوكتيل الفنون – المرصاد.
وأدرك الحكم الجديد الذي قام في 8/3/1963، الخطر الذي تشكله الصحافة، وما يمكن أن تقوم به من تشويش للرأي العام، وتشويه لنظام الحكم الجديد، ولذلك أصدر المجلس الوطني لقيادة الثورة في صباح 8/3/1963، البلاغ رقم 4 القاضي بإيقاف الصحف والمطبوعات ومنع صدورها إلا بإذن مسبق، وهكذا بقيت حلب منذ 18/7/1963 دون صحافة باستثناء مجلتين تابعتين لجمعية خيرية دينية هما: الكلمة واليقظة، ومجلة أدبية خاصة هي: الضاد، وبعض النشرات الدينية والمدرسية، إلى أن أنشئت مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع، وعندئذ أصدرت المؤسسة أربع صحف هي: الثورة في دمشق والجماهير في حلب والعروبة في حمص والفداء في حماة، وجريدة رياضية هي الموقف الرياضي في دمشق.
ومنذ صدور جريدة الجماهير في 1/2/1965 وحتى الوقت الحاضر كانت هي الجريدة السياسية الوحيدة في حلب وترتبط بوزارة الإعلام ولا تتبع لأي فرد وأصبح العاملون فيها موظفين تابعين للقطاع العام في الدولة.

عن ضفة ثالثة

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This