معضلة “قلب الظّلام” هل رواية كونراد نقد للكولونياليّة أم مثال عنها؟ (ج2)

ديفيد دينبي

هل “قلب الظّلام” كتاب لا أخلاقي؟ في ما يلي أحد المقاطع الّتي يشجبها شينوا أشيبي  بوصفها عنصريّة:

“كنا رحالة على أرض ما قبل التّاريخ، على أرض أخذت هيئة كوكب مجهول. تخيلنا أننا أول رجال يستحوذون على إرث بغيض عليهم ترويضه مقابل ألم عظيم وجهد خارق. ولكن فجأة، وبينما كنا نناور حول أحد المنعطفات، تلامحت أمامنا جدران الأسل، وسقوف عشبيّة، ودفق من الصراخ، ودوران الأطراف السّوداء، كتلة من الأيادي المصفقة، وأقدام تضرب الأرض بقوة، وأجساد تتمايل، وعيون تنقلب، تحت الأغصان المتدليّة بثقل وسكون. كان القارب البخاري يصارع ببطء على حافة سعار غامض أسود. وكان رجل ما قبل التّاريخ يلعننا، يصلي لنا، يرحب بنا –من يعرف؟ لم نعد نستوعب ما حولنا، انسبنا عابرين كالأشباح، متسائلين وخائفين في سرنا، كما يشعر النّاس العاقلون أمام أتون فورة محمومة في مشفى للمجانين. لم يكن في مقدورنا أن نفهم لأننا كنا بعيدين جداً، كما لم نستطع أن نتذكر، حيث كنا نسافر في غياهب العصور الأولى، العصور الّتي بادت دون أن تخلف أي أثر أو ذكريات.

بدت الأرض غير أرضيّة. اعتدنا أن ننظر إلى الوحوش المقيدة المحتجزة ولكن هناك –هناك يمكنك أن تنظر إلى الأشياء الوحشيّة وهي طليقة. كان المشهد غير أرضي وكان الرّجال –لا لم يكونوا وحوشاً. وهذا أسوأ ما في الأمر –هذا الشّك في أنهم ليسوا وحوشاً. يتسلل إليك هذا الإدراك ببطء. كانوا يعوون ويقفزون ويدورون ويقومون بحركات مريعة، لكن ما يثيرك هو فكرة إنسانيتهم –أنهم بشر مثلك تماماً –فكرة القرابة البعيدة الّتي تربطك بهذا الزئير البري الحار. فقد كان بشعاً، نعم، بشعاً بما يكفي، ولو كنت رجلاً حقاً فسوف تعترف في قرارة نفسك أن الصراحة الفظيعة لذلك الضّجيج المحموم تلامس شيئاً خفياً في أعماق أعماقك، شيئاً مظلماً يشي بمعنى كامن فيها يمكنك أنت –أنت البعيد عن ظلمة العصور الأولى- أن تفهمه، ولم لا؟

يعتقد أشيبي أن “قلب الظّلام” هي نموذج للعادة الغربيّة في تركيب أفريقيا “بوصفها إحباطاً بالنّسبة لأوروبا، مكان للنفي… بالمقارنة مع خصوصيّة النّعمة الرّوحيّة الّتي كانت جليّة في أوروبا”. كان لدى كونراد المهووس بالجلد الأسود للأفارقة الرّغبة الحقيقيّة بتضميد الإحساس الأوروبي بالغطرسة: “قلب الظّلام تبني صورة لإفريقيا بوصفها “العالم الآخر” النّقيض لأوروبا ومن ثم للحضارة، مكان تهزأ فيه البهيميّة السّكرى بالنّصر في النّهاية من ذكاء الإنسان ودماثته”. يتجاهل أشيبي مقطع غابة الموت ومقاطع أخرى مشابهة “بعاطفتها الّتي تدمي القلب” بوصفها مجرد إكسسوار في كتاب حافل بالتّحامل والإهانة المُصاغين بأكثر الأساليب سوقيّة واللّذين عانى منهما جزء من النّوع البشري عذابات وويلات لا توصف في الماضي ولا يزال هذا ممتداً في الحاضر بطرق مختلفة وأماكن مختلفة”. ويضيف “أتحدث هنا عن قصة كانت فيها إنسانيّة السّود بالذات موضع تساؤل”.

أشيبي كتب على الأقل رواية عظيمة واحدة “أشياء تتداعى” (1958) وهو كتاب أحبه وتعلمتُ منه الكثير. حتى مقالته عن كونراد هي فعل عنف بلاغي وأنا أجفل منها. لم ينظر أشيبي إلى الكتاب بوصفه تعبيراً عن زمنه أو إسهاباً في الوظيفة الخياليّة تمثلت فيه مخاوف الرّجل الأبيض من المجهول على أدق وجه وإنما بوصفه افتراءاً عاماً على الأفارقة, اعتداء  عنصري مجرد. بقدر ما يتعلق الأمر بقلق أشيبي, فقد ناضل الأفارقة لتحرير أنفسهم من سجن الخطاب الكولونيالي, وقراءة كونراد كانت تعني بالنّسبة له العودة إلى السّجن :”قلب الظّلام” كتاب يملك فيه الأوروبيين اليد الطولى باستمرار.

بقراءة أشيبي أردتُ أن أجادل أن أغلب تلامذة صف الآداب الإنسانيّة –ليس الأوروبيين بل النّخبة الأمريكيّة- رأوا “قلب الظّلام” كتمثيل للخزي الغربي, وبصعوبة رأوها بوصفها إثباتاً ل”نعمته الرّوحيّة”. أردتُ أن أجادل على أفضل وجه أن  كل شيء في قلب الظّلام –ليس فقط الخوف الدّراماتيكي من الأدغال الأفريقيّة ولكن كل شيء بما في ذلك مدينة بروكسل ووعي مارلو لكل شخصيّة بيضاء – قد صُور على هذا النّحو السّاخر والكابوسي  كتجربة من النّفي والإستبدال. يصف كونراد بالتّأكيد الأفارقة الذين يومون بأيديهم على ضفة النّهر  كـ”آخر” عنيف لا يمكن فهمه. لكن فلنتدبر الوضعيّة الخياليّة (أو القصّصيّة) . بوصوله حديثاً من أوروبا, يقود مارلو, المحاط بالأدغال مركباً بخارياً صغيراً صعوداً إلى أعلى النّهر الكبير في اتجاه ربما يكون نهايته الموت. هو شخصيّة في قصة مغامرات تقف ذاهلة بين الغرباء. ربما يفضل أشيبي أن ينهمك مارلو في حديث مع الأفارقة أو على ألأقل أن يراقبهم عن كثب ويدرك أنهم بشر أيضاً, أنهم أيضاً أرواح  لها مصائرها وصراعاتها الرّوحيّة، أمجادها ونكباتها الذاتيّة. لكن هل يمكن وصف ذاتيّة الأفريقي من دون هذا السّرد المقتضب, بكل حيويته الماديّة والفلسفيّة الاستثنائيّة, ودون هدف كونراد المتمثل في فضح “الحماقة عديمة الرّحمة” للأوروبيين؟ يريد أشيبي قصة أخرى, بطلاً آخر, وعياً آخر. كما يحدث، يعتبر مارلو رجال القبائل الأفارقة همجاً غير مفهومين إلا أنه يشعر بالصلة معهم. يدرك أنه ما من فرق أخلاقي بينه وبينهم. وأن الأوروبيين هم اللّا أخلاقيون.

ولكن ما الفائدة؟ أشيبي روائي وليس خبيراً، وتباينات نقده ظهرت في العديد من الأعمال الأكاديميّة ورداً على العديد من الكلاسيكيات الأدبيّة. منشورات مثل “اللّغة المشتركة” *تمتلئ غالباً بإعلانات من صحافة الجامعة لكتب عن الأدب والعرق، الأدب والجندر، الأدب والامبراطوريّة. أياً كان ما يفعله هؤلاء الخبراء في غرف الصف، فإنهم يسعون إلى بناء صيتهم خارج الصف الدّراسي معززين برؤى مسيسة للأدب. إن معيار فرانك ريموند ليفيز لعظمة الأدب –الالتزام الأخلاقي-  قد تم استبداله بالعدوانيّة الأخلاقيّة للناقد الأكاديمي الذي يسّمرالكاتب إلى أي تشكيل للقوة في متناوله “أي النّاقد”. ربما جرت قراءة “قلب الظّلام” فعلياً بوصفها عملاً عنصرياً من قبل شخص غاضب ما تجاهل تقنياتها السّرديّة، معاناتها المحسوسة والفروق العديدة بين وعي القرنين الثّامن والتّاسع عشر للعنصريّة  ووعينا لها. في الوقت ذاته، إن بعض الأكاديميين المتبقين يعدّون الآن أن الطريقة القديمة في قراءة الأدب من أجل المتعة و من أجل السّحر-وقوعي على نحو ميؤوس منه تحت سحر كونراد- طريقة ساذجة وإذعاناً غير واع لقيم سياسيّة متماهيّة تماماً مع متعة السّرد. متعة القراءة بحد ذاتها تصبح ، في بعض الأماكن، خطأً سياسياً نوعاً ما مثل الجنس في رواية 1984 لأورويل.

إدوارد سعيد، تماماً مثل كونراد ذاته، شخصيّة مستقلة و طموحة. مسيحي فلسطيني (من عائلة بروتستانتيّة) شب في القدس والقاهرة، لكنه بنى سيرة عظيمة في أمريكا حيث تولى كرسي الأدب في المنفى، ناقد عربي للغرب يعيش ويعمل في الغرب، قارئ على معرفة وثيقة بالأدب الغربي لكنه ناشط جداً في حقل الأدب غير الغربي. لطالما نفر سعيد من ضيق الأفق والمحدوديّة، وازدرى المقاربات السّطحيّة للقراءة. كسب خلال السّنين العديد من التّلاميذ والمريدين وبخ بعضهم مؤخراً لسخريتهم من نقده الأخلاقي والسّياسي للأدب الغربي . لطالما ثبّط سعيد أي محاولة “لتحجيم”  الأدب الغربي.

عمله الأكثر شهرة هو “الاستشراق” العمل البارز لعام 1978، تحليل حاد النّبرة للدأب الغربي في تشييد صورة إيكزوتيكيّة “عجائبيّة” للشرق الإسلامي تساعد في السّيطرة عليه. في 1993 نشر سعيد كتابه “الثّقافة والامبرياليّة” كأثر لذاك الكتاب وكان ينوي  أن يأخذ بالحسبان كتّاب القرنين التّاسع عشر والعشرون الأوروبيين العظماء ممتحناً ومسائلاً نصوصهم كطريقة لمواجهة مفهوم – ما يزال حياً وفقاً لسعيد-  أن الأوروبيين والأمريكيين يتمتعون بالحق في حكم مواطني العالم الثّالث.

معظم الكتاب المبدعين للقرن التّاسع عشر، يواصل سعيد، فشلوا في ربط عملهم و ممارستهم الرّوحيّة الخاصة بالعمليات القذرة للكولونياليّة. كتّاب مثل أوستن، كارليل، ثاكري،ديكنز، تينسون، وفلوبير كانوا أبطال ثقافة سواء اضمروا رؤى عنصريّة للناس “موضوع العمل” ثم حققوا الانتشار بالإنكليزيّة والفرنسيّة أو لمجرّد قبولهم بالأفضليّة الماديّة للإمبراطوريّة. كانت الامبراطوريّة بالنّسبة إليهم أمراً مسلماً به كفضاء  تتجول فيه شخصياتهم الأدبيّة وتزدهر، لقد تواطئوا مع الشّر. يمكن لنا أن نرى في عملهم، هنا وهناك، آثاراً مخزية للعالم الذي جرى إخضاعه : مزرعة قصب سكر في أنتيغوا تساهم أرباحها في الحفاظ على رفاهيّة عائلة ملاكين إنكليزيّة (the Bertrams) في روايّة جين أوستين “مانسفيلد بارك”، شخصيّة مركزيّة في عمل ديكنز “توقعات عظيمة” (المُدان  Mangwitch) تثري من خلال المستعمرة البيضاء في أستراليا و تحول وصيته السّريّة بطل الرّواية الشّاب، بيب، إلى جنتلمان لندني. هذه الرّوايات، كما يقول سعيد، لا يمكن فهمها تماماً إلى أن تُحلل صلتها بالمسلمات والممارسات الكولونياليّة في الثّقافة بصورة عامة. لكني أتساءل، كم هو مهم مصدر المال لأي من هذه الرّوايات؟ ذكرت أوستن مزرعة قصب السّكر في أنتيغوا بضع مرات فقط، تماماً حين لم يعد المصدر الواضح  لثروة آل “Bertrams” ذا فائدة بالنّسبة لها. وإن كان Magwitch قد صنع ثروته  ليس في أستراليا ولكن في اسكوتلندا من خلال الاستحواذ غير الشّرعي على سوق الشّعير أو القمح، فهل سيشكل ذلك فرقاً عظيماً بالنّسبة لجوهر “توقعات عظيمة” لبنيتها، محتواها و مجازها الرّوائي؟ سيبقى Magwitch مُداناً سيء السّمعة ينبذه بيب كوغد أو يقبله بوصفه أباه الرّوحي الحقيقي. هل تأثرت هذه الرّوايات حقاً، كأعمال أدبيّة، بالصلة المزعومة بالامبرياليّة؟ أم أن سعيد يلعب دور المحام الذي يثير المواضيع، ليس لضرورتها ولكن فقط لأنه يمكن إثارتها؟ في الحقيقة يمكن للمرء أن يفترض أن عملاً مثل “مانسفيلد بارك” مفيد لسعيد تماماً بسبب كونه مثالاً غريباً. ذلك أنه إن كانت جين أوستن ضالعة إلى هذا الحد في خلق الامبرياليّة فإن كل عرض موسيقي، وكل قائمة مشاريب حجرة الشّاي، وكل التّدابير المتعلقة بالزهور ضالعة أيضاً. براءة الثّقافة الغربيّة يجب أن تُثبت في قاعة العدالة.

أليست أطروحة سعيد في النّهاية حشواً بلا طائل، افتراض أن الامبرياليّة قد تلقت، فعلاً، دعم البنيّة الّتي أنتجتها بنفسها؟ بمعيار سعيد قلة من الكتّاب سوف تنجو من النّقد. بروست؟ حيادّي تجاه الاستغلال الفرنسي لعمال شمال أفريقيا من المواطنين الأصليين. (ومن أين جاء الفلين الذي يبطن جدران غرفة نومه؟ من المغرب؟ كدرع يحجب تأمل بروست الجمالي الذي يساهم في الهيمنة الامبرياليّة). هنري جيمس؟ الذي فشل في استقصاء الصناعة الرّأسماليّة أواخر القرن التّاسع عشر وتمددها إلى ما وراء البحار الأمر الذي أتاح لبعض شخصياته أن تتمتع بالرّفاهيّة، بالحوارات الحضاريّة والقلق الرّوحي. جيمس المعروف بتهذيبه كان نتاجاً وتعبيراً عن الامبرياليّة الأمريكيّة معادلاً للغلو العدواني لتيودور روزفلت. وهكذا دواليك.

عندما يتناول سعيد “قلب الظّلام” (وهو كتاب يحبه سعيد) يصر أن كونراد، مثله مثل مارلو وكورتز، كان مسلوباً تجاه موقف الهيمنة الامبرياليّة ولذلك لم يكن باستطاعته أن يتخيل إمكانيات أخرى خارج ذاك النّطاق، وأن كونراد، يمكنه تخيل الأفارقة فقط كمحكومين من قبل الأوروبيين. من الصحيح تماماً أن “قلب الظّلام” تحتوي قليلاً من الإشارات المتباعدة والغامضة الّتي تشيد بالتّنويعات المختلفة للهيمنة الإنكليزيّة لما وراء البحار. لكن إلى أي حد تفيد مثل هذه الإشارات مقابل الحضور الطاغي لكل ما تبقى –الإحساس المريع بالخراب النّاجم عن الفوضى الطبيعيّة، الموت والأهوال الموحشة في كل مكان؟ ما يتذكره القارئ هو انحطاط الإمبرياليّة وتضليلها المؤكد لسعيد ليتحدث عن “قلب الظّلام” كعمل لم يكف مذاك عن إعادة التّأكيد للغربيين أن لهم الحق في حكم العالم الثّالث. إن كان علينا أن نناقش سؤال الأثر التّاريخي للكتاب، ألا يتوجب أن نسأل، على النّقيض من ذلك، إن كان آلاف القراء الأوروبيين والأمريكيين شعروا بالغثيان من الكولونياليّة بعد قراءة “قلب الظّلام”؟ الحماس الشّديد لسعيد لإيجاد القوة الكامنة في “قلب الظّلام” جعلته يبخس قوة ما هو مرئي على السّطح. ها هنا خلاصته:

كورتز ومارلو يعترفان بالظّلام، الأول بينما يموت والثّاني بينما يتأمل بأثر رجعي معنى كلمات كورتز الأخيرة. هم (بالإضافة لكونراد طبعاً) سابقو زمنهم في فهم أن ما يدعونه “الظّلام” يتمتع بكيانه الخاص ويمكنه أن يعيد انتهاك واسترداد ما أخذته الامبرياليّة لها. لكن مارلو وكورتز  أبناء زمنهم أيضاً ولا يمكنهما أن يخطوا الخطوة التّاليّة والّتي قد تكون أن يدركا أن ما شاهداه، مُحبطاً ومُشيناً، بوصفه “ظلاماً” غير أوروبي كان في الواقع عالماً غير أوروبي يقاوم الامبرياليّة ليتسنى له يوماً ما أن يستعيد السّيادة والاستقلال وألا يعيد، كما يختزل كونراد الأمر، تأسيس الظّلام. محدوديّة كونراد المأساويّة تتمثل في أنه لم يتمكن من استنتاج انتهاء الامبرياليّة وأن السّكان الأصليين يمكنهم أن يتمتعوا بحياة حرة بعيداً عن الهيمنة الأوروبيّة رغم قدرته الواضحة على رؤية أن الهيمنة المجردة والاستيلاء على الأراضي كانا جوهر الامبرياليّة عند بعض مستوياتها. كإبن لزمنه لم يتمكن كونراد من أن يهب السّكان الأصليين حريتهم، على الرّغم من نقده القاسي  للإمبرياليّة الّتي استعبدتهم.

قرأتُ هذا المقطع مراراً وتكراراً وكنت أزداد ريبة في كل مرة. لم يكن كافياً أن يلتقط كونراد روح الامبرياليّة و التّصفية الجماعيّة لبشر أُجبروا على العمل الشّاق: لقد تمثلت محدوديته المأساويّة في فشله “أن يهب السّكان الأصليين حريتهم”. ربما كان سعيد يعني بعض الأشياء المتناثرة –إيماءة صغيرة ، تداع ما، بعض كلمات تلمح إلى المستقبل الحر. لكني لا أزال أرى الفكرة غريبة كتحسين مقترح لـ”قلب الظّلام”، ورأسي يضج برؤى من أفلام هوليود المروعة. ضباب يتسلل من الأدغال الكثيفة المظلمة كاشفاً عن قوس قزح في البعيد، كورتز مرتدياً قلادة من العاج يشير للأدغال بينما يتحدث إلى زعيم أفريقي مهم كما يبدو. “يوماً ما سيتخلص شعبك من الظّلم الكولونيالي. يوما ً ما سيكون قومك أحراراً”.

يا إلهي، رؤيا للحريّة؟ بعد أدغال الموت؟ ألا تعادل رؤيّة كهذه أفدح أنواع العاطفيّة؟ بدلاً من أن يفعل ما يريده سعيد، يقول كونراد أن بريطانيا أيضاً، كانت أحد الأمكنة المظلمة على الأرض. يؤكد طوال الكتاب أن الظّلام موجود في كل البشر. حدة كونراد، تصلبه وتشاؤمه تعادل صواب سعيد، إيجابيته وابتذاله.

ينغمس أشيبي في عاطفيّة مماثلة. كان كونراد، كما يقول، مهجوساً للغايّة بوحشيّة الأفارقة إلى حد أنه فشل نوعاً ما في ملاحظة أن الأفارقة في شمال الكونغو كانوا يخلقون أعمالاً فنيّة عظيمة –يصنعون الأقنعة وأعمالاً فنيّة أخرى ستبهر بعد سنوات قليلة فقط فنانين مثل فلامنك ،ديرين، بيكاسو وماتيس، مثيرين اتجاهاً جديداً في الفن الأوروبي. “الغاية من كل هذا” يكتب أشيبي ” الإشارة إلى أن الصورة التّي رسمها كونراد لسكان الكونغو تبدو غير وافية أبداً”.

لكن كونراد بالتّأكيد لم يقدم “قلب الظّلام” كصورة لسكان الكونغو أكثر مما فعل أشيبي في “الأشياء تتداعى” الّتي تدور أحداثها في قرية نيجيريّة والّتي تدعي أنها صورة متوازنة للسادة الإنكليز. كونراد، تماماً مثل معلمه هنري جيمس، كان أميناً لفكرة قاسية عن الشّكل الفني. رغم قصرها -35 ألف كلمة فقط- فإن “قلب الظّلام” حكايّة تهكميّة لاذعة لعمليّة إنقاذ مغلفة بتأمل فلسفي عن التّواطؤ بين “الحضارة” والوحشيّة. يقتصد كونراد في سرده ويُسقط الكثير. الاقتصاد هو أيضاً ميزة استثنائيّة لفن أشيبي ولا أحد سواه “أكثر من كونراد” ينبغي أن يُطالب بتقديم تقدير مديد لكل جانب من الحضارة الأفريقيّة.

يريد أشيبي إخراج “قلب الظّلام” من المقرر الدّراسي. “السّؤال الواجب طرحه هو إن كان يمكننا أن ندعو رواية تحتفي بهذا التّجريد من الإنسانيّة، بتجريد قطاع من الجنس البشري من شخصياتهم، عملاً فنياً عظيماً”؟ يكتب أشيبي. “جوابي هو لا، لا يمكن اعتبارها كذلك”. سعيد وبكل تأكيد لن يقترح إسقاط كونراد من لوائح القراءة. بقي إذاً أن يتساءل المرء إن كان لوم الكتّاب لما فشلوا في كتابته طريقة خاطئة حقاً في قراءتهم. الأدب يلهم القلق الأن بين أكاديميي اليسار. الأدب يستبعد: يتناول شيئاً دون شيء آخر، يمثل وجهة نظر واحدة دون وجهات النّظر الأخرى، يمكن طبقةً أو عرقاً وليس طبقةً أو عرقاً آخرين. يفتقر الأدب لكمال العدالة، الّتي يجب أن تكون جميع الأصوات فيها مسموعة، متوازنة، متعادلة. الأدب الأوروبي على وجه التّحديد مذنب بسبب صلته بـ”رابحي” التّاريخ. جين أوستن ملومة لأنها فشلت في مسرحة الطبيعة الحقيقيّة للكولونياليّة، جوزيف كونراد مذنب لأنه قام بمسرحتها. جميعهم مذنبون بالمفهوم والنّوع.

في النّهاية، شكاوى أشيبي وسعيد تنتهي إلى ما يلي: كونراد افتقر إلى الوعي بقوة  الطبقة و الامبرياليّة الذي نتمتع به اليوم. كونراد المسكين الغبي! حبيس زمنه. لا يمكنه أن يفعل شيئاً أكثر من كتابة كتبه. منطق أخلاقي مكتف ذاتياً أصبح مألوفاً في اليسار الأكاديمي: وجهة نظر كذا وكذا تتعلق بالنّساء، والملونين، والوهن الذي يصيب حيويتنا، بشريتنا، وإصرارنا على المشاركة في حوار يتعلق بالنّاس جميعاً. قد نظن أن الصراحة المباشرة تتطلب من الأكاديمي أن يقدم الامتنان للكتّاب الأقدم لإذعانهم لحماقات سهلة ومكشوفة كهذه.

لماذا أنا غاضب جداً؟ إن بحثاً أو كتاباً منفراً لا يتناول نهايّة الحضارة الغربيّة والحريات الدّنيويّة لكل النّاس، يجب أن يكون قادراً، وحتى مطلوب منه، أن يصغي إلى وجهات نظر تعارض وجهة نظره الخاصة. لكن ما يقدمه سعيد وأشيبي (وعدد معقول آخر من النّقاد المسيسين) ليس ببساطة تأويلاً مختلفاً لهذا العمل أو ذاك وإنما شيء يمكن وصفه بأنه هجوم على المصداقيّة الشّرعيّة للأدب.

“أنا غير قادر على فهم ألمك” قال هنري في الحصة التّالية. متحدثاً إلى الجميع عموماً وربما إلى ألكس على وجه التّحديد. “ولا أنت قادر على فهم ألمي. الأرضيّة المشتركة الوحيدة التّي نملكها هي أن نفهم الرّعب”.

كان تلك إشارة مشؤومة بالنّسبة لشاب يافع جداً لكنه تركها وراءه، منطلقاً نحو عرض شكلي لأفكاره حول “قلب الظّلام” حيث نهض عن كرسيه وراء أليكس ليتحدث. في لحظة ما، صاح بحماس ،ناظراً حوله –”انتبه أليكس”-  ورمى بعض القطع النّقديّة في الهواء، أمسكها في البدايّة ثم تركها لتسقط فوق الطاولة حيث هبطت محدثة رنيناً وتدحرجت هنا وهناك. قفز الجميع. “هذا ما تفعله البريّة” قال. “إنها تبعثر ما نحاول أن نسيطر عليه. كورتز مضى إلى داخله ورأى تلك الفوضى”.

كان لدى هنري موهبة في الميلودراما. كانت “الفوضى” فكرة كونراديّة أخرى، وأنا كنت أرتجف ، صفنا الأول حول كونراد كان قريباً من التّصدع. اليوم، أعاد شابيرو الدّماثة مبتدئاً الصف بحديث حزين. قال بصوت خفيض بينما ينحني فوق الطاولة الطويلة “يجب أن أشعر بقليل من اليأس من أجل ذاك اليوم”، محذراً الطلبة من الصياح أحدهم على الأخر. تكلم ببطء شديد عن تردده الشّخصي في تدريس كتاب يتحدى طبيعة المجتمع الغربي بالذات. “أمر صعب جداً عندما تعلم مادة دراسيّة مثل الآداب الإنسانيّة يتمثل فيها العالم الخارجي كقيم اجتماعيّة معياريّة أو حتى محافظة- من الصعب جداً أن تجد نفسك. هل تقول، بينما تقرأ كونراد “هل أنا ماضٍ بعيداً عن هذه الثّقافة”؟ أو هل تقول “أنا ماضٍ للتفاعل معها بطريقة تتيح الاعتراف بالتّناقضات والأكاذيب التّي ترددها هذه الثّقافة لنفسها؟”.

شابيرو مضى بالأمر، معيداً تأسيس بنيّة صفه، واضعاً الكتاب ضمن جدول السّنة الدّراسيّة وجدول النّخبة الجامعيّة التّي تجلس على تلة فوق هارلم.

بالنّظر خلفاً إلى صراعنا الثّقافي البسيط أدرك الأن أنني مهما كرهت مقاربة أشيبي وسعيد، فإنها ساعدتني في فهم ما حدث في الصف. تماماً مثلما قاتل أليكس بغضب للحفاظ على الثّقافة الغربيّة نقيّة من لطخة جرائم كورتز، أردتُ أن تبقى “قلب الظّلام” منذ البدايّة عصيّة على النّقد السّياسي. في الحقيقة، لا أظن أن أي نقد سياسي يمكن أن يصيب روايّة كونراد. لكن ضمان أن هذا الكتاب غير متجلٍ في العالم – معاملته ببراءة، مثلما فعل النّقاد الأقدم، كحديقة من الرّموز، أو مثل رحلة بحث عن الكأس المقدسة أو الأب وما إلى ذلك- هو بحد ذاته استخفاف بإنجاز كونراد. وأن نتظاهر أن ليس للأدب محتوى سياسي أياً يكن هو حماقة مماثلة.

مها كان خاطئاً أو متطرفاً في حالات الأفراد، فإن اليسار الأكاديمي قد نبه القرّاء إلى الافتراضات الممكنة غير المرئيّة في اللّغة ووجهة النّظر. أشيبي وسعيد أجبراني على رؤيّة ،مثلاً، أن قراءة شابيرو ل “قلب الظّلام” كانت أيضاً قراءة سياسيّة إلى حد بعيد. سأضيف بسرعة أن القيمة العظيمة لقراءة شابيرو “اللّيبراليّة” تتمثل في عدم اعتمادها على الاختزال المبسط لمعنى الكتاب: عندما انقسم الصف المُستفز بأسئلة شابيرو فإنه لم يفعل ذلك من خلال السّطور التّي تنمط  كونراد كعنصري أو إمبريالي. على العكس من ذلك، لم يقرأ طالب أمريكي – أفريقي الكتاب بحثاً عن استهدافٍ ما من خلال الأدب لكن بحثاً عن إدراك الذات من خلاله، والطلاب البيض والأسيويين ما عدا واحد فقط حاولوا بطرقهم المختلفة أن لا يلوموا النّص ولكن أن يستجوبوا أنفسهم. اشتركت إستجاباتهم في الإجماع اللّيبرالي لجامعة عظيمة تعتبر فعل النّقد الذاتي أحد أعظم أهدافها وإنجازاً للتعليم الغربي ذاته. سياسات لطيفة، لكنها سياسات رغم ذلك.

بقراءة كونراد مرة أخرى يُصدم المرء بقلقه الاستثنائي وبتصريفه لهذا القلق. في النّهاية، لا يجب أن يُرى وضعه المزدوج غير المستقر داخل الامبرياليّة وخارجها كنقطة ضعف بل كامتياز. نعم كونراد الملّاح المتمرس أمضى وقته بوصفه موظفاً كولونيالياً يعمل لدى الشّركة البلجيكيّة في 1890 مُنجزاً رحلته الخاصة في الكونغو. لقد عاش فترة الوعي بالتّوسع الكولونيالي. لكن لو أنه لم يفعل، هل كان بمقدوره أن يكتب كتاباً مثل “قلب الظّلام”؟ هل كان بمقدوره أن يقبض بمثل هذه القوة الضّاريّة على التّفاهة الشّاذة عديمة المعنى للطموح الكولونيالي، على الجشع، النّذالة، الأكاذيب والمراوغة؟ كان الفيكتوري العظيم الأخير الذي يؤكد على المسؤوليّة والنّظام، ويخوض في الوقت ذاته صراعاً منهكاً ومبرحاً ضد اللّايقين والشّك من كل نوع، بحيث أنه يطرح كل حقيقة في رواياته كوهم ساخر ويحول حكايته التّعليميّة الأخلاقيّة إلى معركة لا نهائيّة مستفزة ومربكة بين الافتراضات الرّواقيّة للواجب والتّواطؤ الفاسد للشر. الكابتن مارلو بطل كونراد يمقت كورتز الرّهيب، ومع ذلك يشعر بعد موت كورتز بولاء لا يُقاوم لنزاهة ما اكتشفه كورتز في إنحداره العنيف نحو الجريمة.

مثّل “الرّعب” عبء كونراد كإنسان وفنان –وكان بمثابة عنف مضاد  استحوذ عليه. لكن يا له من عائد في الفن! لا شك أن ت.س.اليوت وآخرين فهموا أن “قلب الظّلام” تمثل أحد الأعمال الأساسيّة للحداثة، ضرب جديد من الفن قد تجد فيه تجارب العصر الجذريّة الفاصلة تعبيرها في أشكال وجماليات  أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. بتسليط الضّوء عليه، يبدو عمل كونراد بتعقيده الرّائع غير قابل للتصور من دون إسهامه بالقوى الهدامة للإمبرياليّة. ربما فهم أشيبي وسعيد هذا الأمر أكثر مما يمكن لأي قارئ غربي أن يفهمه. لكن العمل العظيم يغيظنا، يسوقنا لفهم الحماقة وحماسنا في الاستجابة له هو نوع من الإشادة. على الرّغم من “أخطائه” فإن كونراد لن يُسقط أبداً من لوائح القراءة. إن حسرة سعيد وأشيبي تؤكد فقط مركزيته وأهميته للعصر الحديث.

في نهاية الفصل الدّراسي الثّاني، تحدث هنري مطولاً عن تقدم كورتز نحو الموت وعن “الامتياز الذي حظي به مارلو في مراقبة هذه الذات تقابل ذاتها”، كان أليكس صامتاً وعدائي تجاهه قد انحسر. تذكرتُ أنني لم أكن أحب نفسي كشاب. كان أليكس قد قاوم إجماع الصف، الأمر الذي تطلب بعض الشّجاعة أو التّعنت، ولو أنه رأى أنه كان بريئاً من “الظّلام” لكان لديه الوقت الكافي ليكتشف خلاف ذلك. قاومت اللّيبراليّة الإنسانيّة في صف شابيرو وتمكنت من النّجاة مع أن التّجربة كانت قد تركتنا جميعاً مصدومين قليلاً. كان من الصعب في تلك الأيام، كما لاحظ شابيرو، أن تجد نفسك.

لا أريد أن أقول إن هذا عمل يعلم اليأس، أو إن الشّر هو شيء لا يمكننا أن نعالجه  “قال شابيرو”. بمعنى ما، العالم الذي نعيش فيه ليس مظلماً كعالم كونراد، وبمعنى ما هو عالم أكثر ظلمة. ما نراه ليس انزلاقاً ذا اتجاه واحد نحو القيامة. نحن أنفسنا لدينا القدرة الآن أن ندرك وحتى أن نصحح ونغير مجتمعنا، تماماً مثلما يتأمل الأدب، ويجسد ويخدم بوصفه عاملاً للتغيير”.

عاش الطلاب ما حدث من جديد. أرادوا المصالحة والسّلام. بدا أن واحداً منهم اكتشف، مثل مارلو، ما كان يبحث عنه. لقد “وجد” نفسه. “صرخنا في البريّة ورددت البريّة صراخنا”، قال هنري مختتماً عرضه بحركة مسرحيّة. “هناك توتر، وعند نقطة التّوتر ندرك طبيعتنا”.

******

جيمس شابيرو: أستاذ جامعي أمريكي ومؤرخ أدبي يعمل في جامعة كولومبيا.

-الاقتباسات بين قوسين من ترجمة “قلب الظّلام” للدكتور مالك سلمان.

*مجموعة من سبعة عشر محاكاة ساخرة كتبها رسام الكاريكاتير الإنجليزي وكاتب المقالات السّاخر ماكس بيربوم.

*اللّغة المشتركة: مجلة أمريكيّة تدور حول الحياة الفكريّة والأدبيّة في الأوساط الأكاديميّة.

https://www.newyorker.com/magazine/1995/11/06/the-trouble-with-heart-of-darkness

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This