مرض الرّوح… خريطة أرشيفيّة لتاريخ الجنون

 

وضع المؤرخ الفرنسي كلود كيتيل (Claude Quétel) (1939) مجموعة من المؤلفات المتخصصة في تاريخ الطب النفسي. نشر مؤلفه الأول (Nouvelle Histoire de la Psychiatrie) “تاريخ جديد للطب النفسي” عام 1983 وتبعه بعد عامين (Les Médecines de la Folie) “طب الجنون” بالاشتراك مع بيار موريل (Pierre Morel).

يُعتبر “تاريخ الجنون من العصور القديمة وحتى يومنا هذا” (ترجمة: سارة رجائي يوسف، كريستينا سمير فكري؛ مراجعة: داليا الطوخي، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، مصر، الطبعة الأولى، 2015، 658 صفحة) الصادر بالفرنسية (Histoire de la Folie) عام 2009 من الأعمال الموسوعية التي تتميز بكثافة المعلومات والتحليل العلمي الرصين. اعتمد كيتيل على الأعمال الأرشيفية إلى جانب عدد لا يستهان به من المصادر والمراجع. وقد أرَّخ لتاريخ الجنون المرضي على مدار فترة زمنية طويلة منذ المصريين القدماء حتى “عصر الشك” وتجزؤ الطب النفسي.

يشير المؤلف إلى الالتباس الذي رافق تعريف كلمة “الجنون”. تشهد المعاجم الفلسفية الحديثة على غموضها، إذ تتأرجح ما بين اعتبارها مصطلحاً مبهماً وعاماً، يُقصد به فقدان العقل، والإشارة إليها كحالة متباينة الأبعاد من الاضطراب العقلي تندرج في مجال الأمراض النفسية. يُعد فيليب بينيل (Philippe Pinel) (1745_1826) وتلميذه جان – إتيان اسكيرول (Jean-Étienne Esquirol ) (1972_1840)، من أوائل المؤسسين للطب النفسي. كان للطبيب فرنسي بينيل “أبو علم النفس الحديث” دور أساسي في تطور نهج أكثر إنسانية نفسياً في علاج مرضى الجنون، فقدم إسهامات نوعية في مجال تصنيف الاضطرابات العقلية. ولكن بعد نشر ” الجنون والحماقة: تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي” (1961) للفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (Michel Foucault) (1926-1984) قلبت موازين هذا العلم وتمّ إرساء نوع جديد من الخطاب.

يكشف الكتاب عن حجم الاستجابات السلبية والإيجابية المرافقة لجنون في تاريخه العميق الذي عرفته البشرية على امتداد أزمنتها البعيدة، بدءاً من الحضارات القديمة التي استندت إلى السحر والدين ومزجت بين الجنون والقوى الخفية، مروراً بممارسات الجنون في العصور الوسطى، وصولاً إلى العصر الذهبي للطب العقلي وتأسيس المصحات العقلية والتفرع في الطب النفسي.

عزا الطب المصري القديم الذي تأثرث فيه الحضارة اليونانية القديمة؛ الاضطرابات النسائية، سواء أكانت جسدية أم نفسية، إلى هجرة الرحم إلى أعلى الجسم؛ مما ينتج عنه حدوث ضيق في التنفس و”اختناق رَحِميٍّ” (أي الاصابة بالهستيريا). ميَّز كلٌ من أفلاطون وإيمبيدوكليس (Empedocles) بين نوعين من الجنون: نوع سيء، وهو الهوس الذي يصاحبه ولع جسدي؛ ونوع جيد، ملهم وسماوي. شكل تراث أبقراط “أبو الطب” مرحلة جديدة في التعامل مع ما كان يسميه القدماء “مرض الروح” (أي الجنون)، فقد ذكر الاضطرابات العقلية ضمن أربعين مرضاً داخلياً: التهاب الدماغ (أو الاهتياج)، الصرع، الهوس، السوداوية، داء الكلب أو السعار، والاختناق الرَّحِمي.

يتناول كيتيل التطور الفكري النظري بشأن الجنون الذي عرف في العصور القديمة، ثراء فكرياً ولم يعرف تجديداً ملحوظاً في العصور الوسطى بسبب تأثير الفكر اليوناني واللاتيني. تطرق العديد من علماء اللاهوت في تأملاتهم حول الروح إلى مجال الجنون، وأثارت أعمال اللاهوتي الإيطالي توما الأكويني (1225-1274) –كما يلاحظ كيتيل- الاهتمام به مقارنة بمن سبقه. ارتبط تأسيس المشفى إبان العصور الوسطى بفضائل مسيحية مثل الإحسان والمساعدة، ما أدى إلى توفير المشافي التي تضم الضعفاء والمعوذين وكذلك المجانين الذين تمّ عزلهم عن بقية المرضى. وفي دراسة المؤلف للسجلات الطبية للمشافي المنتشرة في إنجلترا وفرنسا، بدأ الطابع التخصصي، ولكن بقي يشوبه الكثير من الخلل والخلط سواء على مستوى تصنيف الأمراض أو العلاج. عرفت مجتمعات القرون الوسطى صور مريبة في التعامل مع الجنون، إذ بينت مجموعة من الصور والرسوم إعطاء دور سياسي لـ “مجنون البلاط”، كما أقيمت احتفالات المجانين من خلال ممارسة بعض الطقوس الهستيرية المندرجة ضمن الطابع الاحتفالي.

اتسمت العلاقة بين الجنون والدين في القرون الوسطى بطابع عقابي، وبرزت العلاقة بين الجنون والخطيئة؛ فاتجهت التفسيرات الدينية للجنون اتجاهات تربط بين الشيطان والاختلال العقلي، وتجلى ذلك من خلال المحاكمات المتعلقة بالسحر والشعوذة. كان للنساء/ الساحرات النصيب الأكبر: “نجد مقابل كل أربع نساء رجلاً واحداً. إن وباء السحر ذاك، الذي سيدوم لمدة 150 عاماً، لم ينشأ عن ظاهرة فولكلورية، وإنما نشأ عن هرطقة مسيحية حقيقية انبثقت من جديد من الوثنية القديمة”.

يدرس كيتيل احتجاز المجانين في ظل النظام الفرنسي القديم، راصداً الحياة اليومية داخل دور الاحتجاز الجبري في باريس وغيرها من المدن الفرنسية، ساعياً إلى تصنيف حالات الجنون وأمراضها وكيفية تعاطي الطب الفرنسي القديم معها. ظهر في نهاية عهد لويس الخامس عشر بديل آخر للمشفى العام عُرف بــ “مستودعات التسول” واتبع أسلوباً عنيفاً وصارماً في تعاطيه مع المحتجزين من المختلين عقلياً والمتسولين والمتشردين الذين نُظر إليهم بوصفهم يشكلون تهديداً على المجتمع الفرنسي. لم يؤدِ احتجاز المجانين في عهد النظام القديم إلى توفير السبل العلاجية الوافية، واقتصرت على العقاقير والحمامات المعمول بها منذ العصور القديمة، إلى أن نُشرت أدبيات حاولت تشريح الجنون، من بينها أعمال روبرت بيرتون (Robert Burton) صاحب “تشريح السوداوية (1621)، وفرانسوا بواسييه دو سوفاج (François Boissier de Sauvages) صاحب  “صنوف جديدة من الأمراض” (1732) والإنجليزي ويليام باتي (William Battie) -أحد أوائل من شهدوا على الجمع بين النظرية والتطبيق- صاحب “أطروحة حول الجنون” (1758).

شكل اسم الطبيب الفرنسي فيليب بينيل علامة فارقة في تاريخ الطب النفسي. اهتم بدراسة الأمراض العقلية، وكان له الفضل في إلغاء طرق العلاج الوحشية التي كان يتم تطبيقها على المرضى عقلياً. وبعد التأسيس لمصحات الأمراض العقلية والاتجاه نحو التخصص بدأت ملامح الطب النفسي تتشكل واتجهت إلى التعاطي بـأساليب أكثر عقلانية وإنسانية مع “المجانين”، فألغيت القيود وسترات المجانين بداية في إنجلترا وانتقلت لاحقاً إلى فرنسا. هذا التطور التدريجي آل إلى تطوير الطرق العلاجية على الرغم من أنها احتفظت ببعض سماتها العنفية.

لم توفر المصحات العقلية في العصر الحديث الشفاء الكامل للمضطربين عقلياً. منذ عشرينيات القرن الماضي بدأ الطب النفسي بوصفه كمفهوم يفرض نفسه، بينما تلاشى الطب العقلي كمفهوم أو على الأقل كمصطلح. وظل استخدام لفظ “مجنون” – كما يشير كيتيل- مستخدماً حتى عام 1925، علماً أن البعض قبل ذلك التاريخ، فضل استخدام كلمة “مريض عقلي”. أما لفظ “مصحة المجانين” فتخلى بصعوبة عن مكانه لصالح “المشفى النفسي” رسمياً عام 1937، وإن ظل لفظ “مصحة الأمراض العقلية” مستخدماً.

يشبه الكتاب الخريطة الأرشيفية الطويلة والمرهقة لتاريخ الجنون وتجلياته الاجتماعية والدينية والمرضية. لعل الخلاصة الأولية التي يمكن الخروج بها، تكمن في القفزات الكبرى التي حققها علم النفس في التاريخ المعاصر، لفهم الاضطرابات النفسية والعقلية والسلوكية، التي ما زالت المفتوحة على مزيدٍ من الانجازات العلمية في المستقبل، طالما أن الجنون لن ينتهي إلاّ بانتهاء البشرية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This