مقدّمة عامّة في القلق والرّهاب (ج2)

أنماط وتصنيفات السّلوك الرّهابي

وهي عبارة عن مناورات تستخدم لتجاوز القلق الرّهابي، إذ يمكن التّحدث عن النّمط التّجنبي، والنّمط التّطميني.

  1. النّمط التّجنبي: هو سلوك يكمن بالهرب، فالشّخص من هذا القبيل يبقى في بيته مترهباً لتجنب الشّارع، وفي حالات أخرى يكمن التّجنب في (هرب مسبق) إذ يبدي الشّخص نشاطاً مفرطاً، أو انشغالاً متزايداً بشكل دائم، لتجنب الموضوع المرهوب.
  2. النّمط التّطميني: يكون السّلوك في مواجهة الموقف المرهوب، ولكن برفقة شخص، أو حيوان، أو أي شيء آخر يعتبره الرّهابي مطمئناً، ففي رهاب الأماكن المكشوفة، قد يلعب شخص ما، أو حيوان أليف، أو مظلّة، أو تعويذة، دور العامل المطمئن.

وفي المرحلة التّالية من القلق تأتي موجة الهلع، على شكل نوبات عنيفة تفاجئ المريض بغتة ودون إنذار مسبق، فهي نوبات تلقائيّة متعددة في أعراض مختلفة تأتي بشكل قاسي وموحد، فضلاً عن فزع عقلي شديد يصاحبه إحساس بدني بإفلات زمام الجسم، والإحساس بالانهيار العصبي التّام، فقد كانت شابة تتأذى كثيراً من ضيق ثيابها أثناء نوبة هلعها، فكان ارتدائها مشداً ضيقاً يضخم إحساسها بالاختباس، وبأن الحياة تعتصر منها خلال النّوبة، كأن تحس بدافع هائل لتمزيق ثيابها، وكان ذلك يقودها إلى الحد من أنشطتها، كما تزداد في تلك الحالة القابليّة للإيحاء والتّأثر بالمؤثرات الخارجيّة، وسرعة التّصديق.

ويمكن تصنيف الرّهابات الأساسيّة إلى ما يلي:

  1. رهاب الوضع: كرهاب السّاحات العامة والجادات لاسيّما الخالية: وهي عبارة عن خوف التّكيف غير السّوي، والرّغبة في تجنب المواقف، الّتي يعتقد الفرد أن نوبة عرض قد تحدث له، وتؤدي إلى إصابته بالعجز عن الحركة، الخزي، أو بعض الكوارث الأخرى، كذلك رهاب الأمكنة المنغلقة، ورهاب وسائل النّقل كالسّيارات والقطارات والميترو، رهاب المناطق المرتفعة، رهاب الظلام، رهاب الأدوات كالسّكاكين والمقصات والدّم، رهاب الحيوانات كالعنكبوت أو الفأر أو الحصان، رهاب الجنس، رهاب الشّيخوخة ، رهاب التّقييد ، رهاب المطر ….
  2. الرّهاب الاندفاعي: وهي رهابات تتعلق بهواجس وسواسيّة كالرّهابات الانتحاريّة، والرّهابات الإجراميّة التّي تدفع لقتل إنسان.
  3. الرّهابات الحديّة: كرهاب الاحمرار علانيّة أما النّاس، رهاب التّشوه الّذي ينصب على الجسم كالوجه أو الأنف أو الثدي، رهاب القذارة والجراثيم.
  4. الرّهابات الاجتماعيّة: كالخوف من التّعريف بالنّفس علانيّة، الخوف من التّحدث علانيّة، الخوف من الأكل علانيّة، رهاب استخدام حجرات الاستراحة العامة ومقابلة أفراد جدد في الحفلات أو المناسبات الاجتماعيّة، والمواجهة أو التّفاعل مع ذوي السّلطة. وغالباً ما يكون لدى هؤلاء الأفراد حساسيّة مفرطة للرفض بعد سلسلة من التّجارب السّلبيّة والمحبطة، ما يؤدي إلى الخوف من الوقوع محل ملاحظة من الآخرين، ممّا يؤدي إلى تجنب المواقف الاجتماعيّة، بالإضافة إلى التّقييم الذّاتي المنخفض والخوف من النّقد، مع خوف من احتقان الوجه (الاحمرار)، أو رعشة في اليد، أو غثيان أو رغبة شديدة بالتّبول.
  5. ومن المظاهر العامة للقلق الرّهابي الاجتماعي (الخجل):

1- مظاهر فيزيولوجيّة: منها اضطراب في الإفرازات: كالتّعرق وخاصة في الأطراف، وجفاف الرّيق، توسع الأوردة السّطحيّة الّتي تسبب احمرارا في الوجه الأمر الّذي يعانيه الخجول، انقباض الأوردة السّطحيّة الّتي تسبب اصفرار الوجه، اضطراب في الكلام والتّنفس أو تشنج في الصدر ولجلجة وتغير في الصوت، تصلب العضلات ورعونة كبيرة في الحركات الإراديّة، تعثر، فقدان التّوازن، كسر الأشياء، ارتعاش الأصابع.

2- مظاهر سيكولوجيّة: كوضوح الملاحظة وضيق ساحة الشّعور إلى درجة كبيرة، حيث ثمة شيء واحد يؤثر على الخجول، هو الظرف الذّي يثير الخجل، فلا يرى غيره، فيشعر أنه مشلول ويستجيب استجابات حمقاء على الرّغم من ذكائه، ينظر الخجول إلى الطرف الّذي يثير الخجل بحدة لا حدود لها، فكل شيء يستقر في أفكاره، أدق التّفاصيل والألفاظ، ويلي ذلك الاجترار النّفسي الّذي يدور كالطاحونة، الرّعب المصحوب بالضيق الدّاخلي الشّديد، والإحساس بالاختناق، يعقب ذلك الهرب، أو الخدار والعطالة في حال استحالة الهرب من الموقف، أو رفض مواجهة أي وضع يعرف الخجول مسبقاً أنه يثير الخجل، كرفض حضور اجتماع أو المشاركة في مأدبة، أو اللقاء في مقهى.

ويكمن أساس الخجل في الشّعور بالدّونيّة، فهو ضرب من ضروب الكف، أي تجميد الطاقة الضروريّة لإنجاز الفعل، كالوجل الّذي يدمر الذّاكرة ويسبب اللجلجة، أو الخرس التّام. إن الخجول عاجز عن أن يرد مباشرة على رأي الآخرين، وأن يعطي بصورة خاصة الجواب الوحيد الممكن، أي عاجز عن أن يبرهن عن قوته ونباهته، ففي هذه اللحظة، تتجمد الطاقة الضروريّة، ويظهر القلق والاندفاع، ثمة كف وتوقف في الطاقة الضروريّة للتعبير. وقد أظهرت الدّراسات أن آباء الأطفال الذّين تم تحديدهم على أنهم خاضعون للكبح الاجتماعي، هم الآباء الّذين لديهم معدل فوبيا اجتماعيّة مرتفع، أو لديهم أمهات ذات فوبيا اجتماعيّة تزيد تقريباً بثمانية أضعاف أمّهات الأطفال الّذين لا يعانون من هذه الرّهابات.

أعراض القلق والرّهاب وأسبابه:

إن نسبة الإناث إلى الذّكور في الفوبيا المحددة هي 2مقابل 1، ويعتمد متوسط عمر بداية بعض أشكال الفوبيا بناء على الخبرات الشّخصيّة: فمثلاً تظهر رهابات الحيوان في متوسط عمر 7 سنوات، ورهابات الحقن والدّم في 9 سنوات، بينما رهابات الأسنان في متوسط عمر 10 سنوات، ورهابات الأماكن المغلقة أو المفتوحة بعمر 20 سنة، وقد يرتبط ذلك بإعادة خبرات نكوصيّة. كما يمكن اكتساب الرّهابات عن طريق التّشريط (استجابة – مثير)، أو تجربة صدمة، أو خلال المكون الجيني.

تسبب كل حالات الرّهاب أعراضاً بدنيّة متماثلة، لأنها جميعاً تؤدي إلى تنشيط الجهاز العصبي السّمباتي، بصرف النّظر عن موضوع الخوف، ينتج التّنشيط السّمباتي معدلات ضربات قلب أسرع، وضغط دم مرتفع، وأعراض الارتعاش، التّعرق، خفقان القلب، الدّوخة، قصر التّنفس، التّنميل والوخز في الأذرع والأرجل، التّشويش المعرفي مثل الخوف من تدقيق النّظر من الآخرين، أو الخوف من الوقوع في مصيدة دون إمكانيّة الهروب هي أيضاً شائعة.

تنشأ أعراض القلق النّفسي في زيادة في نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي في جانبيه الودي ونظير الودي (السّيمبثاوي – الباراسمبثاوي) ومن ثم تزيد نسبة الأدرينالين، والنّور أدرينالين في الدّم، ومن علامات تنبه الجهاز السّيمبثاوي، زيادة ضغط الدّم و زيادة ضربات القلق، وجحوظ العينين، زيادة نسبة السّكر في الدّم، شحوب الجلد، زيادة التّعرق، جفاف الحلق، رعشة في الأطراف، عمق في التّنفس مع صعوبة تدفع المرضى إلى التّنفس بصورة أعمق و أسرع ، فهم يبالغون في التّنفس فيأخذون قسطاً زائداً من الأوكسجين، ويطرحون قسطاً زائداً من ثاني أكسيد الكربون، وقد يؤدي ذلك إلى خلل في التّوازن الحامضي ومستوى الكالسّيوم في الدّم، مما يؤدي إلى أعراض كالتّنميل، والخدر، والدّوخة الّتي قد تصل للإغماء.

أما ظواهر نشاط الجهاز الباراسمبثاوي: كثرة التّبول، الإسهال، وقوف الشّعر، اضطرابات معويّة في الهضم و الشّهيّة.

كما يمكن التّحدث عن نوبات الحصر الحاد، الّتي تدعى أيضاً هجمات هلعيه، وتحدث فجأة في حضور أو غياب العوامل الخارجيّة، ويمكن حتى أن توقظ المريض، إذ تبدو عليه علامات جسديّة (قلبيّة كخفقان القلق وآلام قلبيّة تنفسيّة كضيق في التّنفس واختناق، وعصبيّة كارتعاشات ودوار، وظواهر سمعيّة كسماع صوت ذباب طائر أو رؤيّة مرتجة، وعلامات نفسيّة (تحقير للوجود – توقع خطر تخيلي  – الخوف من الموت أو الجنون – شعور بالضّعف والخوف). مع خفة الدّماغ والدّوخة، الإغماء أو نوبات الدّوار.

ومن الشّكاوي الشّائعة في المراحل الأولى من القلق، أن يقول المريض: “إنّي على وشك الإغماء” هذا الشّعور أشبه بشعور الخواء، وقد يصاحبه أحياناً شعور خفيف بالغثيان وإحساس بالتّباعد عن العالم مع إحساس بالضعف في الذّراعين والقدمين، وشعور بفقدان السّيطرة العضليّة، وغالباً ما يسبب هذا الشّعور حرجاً، إذ يتصور المرء أنه يصبح مركز الانتباه إذا أغنمي عليه أمام الآخرين لا سيما في الأماكن المزدحمة. لذلك نجد من الأحاسيس المرتبطة بالقلق الشّعور بالأرجل الرّخوة أو اللينيّة، إذ يحس المرضى كأن أرجلهم تنوء بهم في فترات طويلة، وهم بالعادة يحتاجون إلى أحد يستندون إليه عند المشي، فقد أنفقت إحدى المريضات ثلث راتبها في دفع تكاليف سيارات الأجرة للذهاب إلى العمل والعودة منه، إذ أن رجليها لم تكن تسعفها للوصول إلى مكان عملها، كما أنها مرنت مثانتها جيداً على التّحمل أثناء النّهار في العمل، كي تتفادى الذّهاب للحمام حتى تعود إلى البيت، وكانت عاجزة عن شراء الملابس في السّوق إذ أنها ارتدت ثلاثة فساتين فقط، خلال تسع سنين.

ومن أشد أعراض القلق خفقان القلب، الّذي يصيب الغالبيّة العظمى من مرضى القلق، حيث إحساس الإنسان بضربات قلبه، وهو عرض مخيف يبدو في صورة ضربة زائدة، أو سرعة في ضربات القلب، إن مثل هذه الضربات شائعة ولا تعتبر خطيرة من النّاحية العضويّة عند الإنسان القلق، ويذكر أن مريضة استأجرت منزلها بجوار مشفى القلب خوفاً على نفسها من حصول أزمة قلبيّة تعلم تماماً أنها غير واقعيّة، لكنها في نوبات قلقها لا تستطيع أن تسيطر على أفكارها المخيفة.

من أعراض القلق الشّعور بغصة الحلق لدرجة الصعوبة في تناول الطعام، ونجد ذلك عن 72% من الحالات، ومن سوء الحظ أن بعض النّاس الذّين يشتد إحساسهم بذلك يخافون خوفاً بالغاً من تناول الطعام، وقد تحدث لهم نوبات حقيقيّة من الغصة، ومن الواضح أن خوفهم من وقوع ما يخشونه هو الّذي يزيد المشكلة سوءً. لذلك يترافق مع الغثيان مع القلق في بعض الأحيان، ويصفه أحد المرضى بما يشبه دوار البحر، وقد يؤدي إلى التّقيؤ، وقد يتعرض بعض المرضى لفترات من القيء المستمر، وغالباً ما يحتاجون إلى الدّخول إلى المستشفى لاستعادة السّوائل، كما قد يحدث إسهال شديد.

ويوجد عند أغلب مصابين القلق حالة من توهم المرض، حيث نلاحظ عشرات من الأعراض المختلفة الّتي تؤثر على أعضاء عديدة ومختلفة من الجسم، وهذا يواجه الطبيب بمشكلة عسيرة في الوصول إلى التّشخيص، فالتّنوع الشّديد في الأعراض الّتي يواجهها مريض القلق، تجعل من مرضه شبيهاً إلى حد كبير بأمراض عضويّة مشابهة تماماً للأعراض الطبيّة، الأمر الّذي يدعو الأطباء إلى إجراء فحوصات غالية الثمن، الأمر الّذي يدفع المريض إلى الكثير من الاستشارات الطبيّة عند مختلف المختصين. وهذا العرض يرتبط بدوره بقلق الموت الّذي يعرف أنه استجابة انفعاليّة تتضمن مشاعر ذاتيّة من عدم السّرور وانشغال البال المعتمد على توقع أي مظهر من المظاهر العديدة المرتبطة بالموت، أو حالة انفعاليّة غير سارة يعجل بها تأمل الفرد في وفاته هو. ولقلق الموت أهميّة فائقة لدى العديد من المحللين النّفسيين، كميلاني كلاين الّتي ترى فيه أساس لكل قلق، على اعتبار أن الخوف من الموت كامن وراء كل المخاوف، وأن معظم أشكال القلق الأخرى، ما هي إلا مظهر خادع من مظاهر قلق الموت، كما يرى كارل يونغ أن قلق الموت مصدر أساسي للبؤس العصابي، لا سيما في النّصف الثاني من عمر الإنسان، ويرى يرى أدلر أن المرض العقلي يتكون نتيجة الفشل في تجاوز الخوف من الموت. إن استمرار نوبات الهلع في القلق، يؤدي عند معظم المرضى، إلى نشوء نوع أو أكثر من الفوبيا المرضيّة، وبصفة عامة كلما ازدادت نوبات الهلع غير المتوقعة شدة وتقارباً، كلما ازداد ظهور المخاوف المرضيّة التي تتنوع يتنوع المكان الذي بدأت فيه نوبة الهلع الأولى، كمكان حار أو رطب، أو مكان عالي، أو مغلق، أو في الزحام، أو مكان خال … وهكذا .  حيث يكون التّقدم نحو ما يثير المخاوف المرضيّة مدعاة للقلق، كما يرتبط الهرب من تلك المواقف بالارتياح، ويؤدي هذا إلى التّجنب أو التّحاشي الذي يزداد مع الزمن، إذ سرعان ما ينسحب المريض إلى مناطق آمنة، ويزيد من تجنب المناسبات الاجتماعيّة، وكل ما من شأنه أن يجعله عرضة للملاحظة أو مركزاً للاهتمام، فيفضل الوحدة ثم العزلة التّامة.

ومن أعراض القلق توهج الحرارة، أو الهبوب السّاخن، وقد وصفت إحدى المريضات حالتها قائلة: “يبدأ إحساس بالحرارة من الأسفل، ويسري إلى بطني وصدري ورقبتي ووجهي، وأحس كأني أتحول إلى اللون الأحمر، ويسخن وجهي ويحتقن” ويلاحظ بعض المرضى بقعاً حمراء على جلودهم، وخصوصاً على أعلى صدورهم بعد هذه النّوبات، إذ يكون للقلق النّفسي عاملاً أساسياً في نشأة الكثير من الأمراض الجلديّة كحب الشّباب، والأكزيما، والبُهاق، وسقوط الشّعر. وفي أحيان أخرى يشعرون برعشات باردة تسري في أوصالهم، وأسفل ظهورهم.

ويصيب الصداع الذّي يصاحب 48% من الحالات، إذ من المألوف أن نجدهم يتناولون قدراً كبيراً من مسكنات الألم، ويكون صداعهم أعنف وأثبت من الصداع العادي، الذي قد يطرأ عند التّوتر، كما قد يمتد الألم إلى سائر أنحاء الجسم.

كما يلاحظ وجود الأفكار التّسلطيّة والأفعال القهريّة الوسواسيّة عند مرضى القلق، وإن لم تكن بسب شديدة الخطورة كما هي الحال في العصاب الوسواسي. إن الفكر القلق يبحث بصورة قلقة عن محاور يحاوره، إنه مستعد لأن يعبر عن نفسه أملاً بأن الآخر سيدحضه، ويقدم الحجة والبرهان على ذلك، فالأم القلقة تبالغ أيضاً بقلقها أمام الطبيب، إذ تنتظر ضرباً من التّعزية، ويضاعف الفكر القلق قلقه حين يلاحظ أنه سجين خيارين ممكنين، هل يشفى المريض؟ هل ينجح الطالب؟ نعم أم لا، دون أن يكون ثمة مخرج، إذ يعيش المرء بالتّناوب منظورين متقابلين، والمنظور السّلبي يتصدر دائماً المنظور الملائم الذّي سيسعى مع ذلك أيضاً إلى أن يدلي مجدداً بحججه، إنه التّباس القلق.

لذلك نجد الكثير من ضحايا القلق قد يصلون إلى مرحلة الاكتئاب، مع زيادة العجز، وعدم القدرة على تحمل الحياة والعمل، فيمرون بإحساس انقباض وأسى، ومع ذلك فإن أغلب تلك الحالات لا تصل لدرجة الانتحار كما يحدث عادة في مرضى الاكتئاب، إذ تمر نوبات من الشّعور بالذّنب والضياع وانعدام الجدارة والاتجاه السّلبي المتشائم حتى نحو الأشياء التي كان المريض ينظر إليها نظرة إيجابيّة. كما تجد بعض أشكال الفوبيا جذورها في الاكتئاب، اضطراب إجهاد ما بعد الصدمة، اضطراب الإجبار المفرط، وموضوعات النظرة المعقدة المتدنيّة عن الذّات. وعلى الرّغم من أنه يمكن التّحرر من أعراض حالات الفوبيا المقترنة، عن طريق العلاج الذّي يخفض التّوتر، أو يتخلص من الحساسيّة المفرطة، فقد وجد الكثير من الممارسين الطبيين أن المشكلات والضغوط النّفسيّة التي لم تحل، تعود بأصحاب المعاناة الرّهابيّة إلى نفس الأعراض مرة أخرى بعد فترة زمنيّة، في صورة مخاوف جديدة، وإفراط توترات. حيث يتميز الأشخاص ذو الدّرجة العاليّة من سمة القلق، بميلهم لإدراك العالم بأنه خطر يهدد حياتهم، وذلك على عكس الأفراد ذوي الميول المنخفضة في هذه السّمة. ينتقل المرء من انشغال البال إلى القلق، بمجرد ازدياد الآلام السّيكولوجيّة والاضطرابات الفيزيولوجيّة، هذه الاضطرابات التي تقوم مقام المعيار، فغيابها أضعفها يحددان انشغال البال، وحضورها وقوتها يشيران إلى القلق، وإذا تطور الأمر إلى الانقباض الصدري المؤلم فإننا نتحدث عن الحصر. وتدوم نوبة اشتداد الحصر من عدة دقائق إلى عدة ساعات، كما تميل النّوبات إلى أن تتكرر، ومع ذلك يمكن أن نلاحظ تحسن أو التئام بتأثير المعالجة وقدرة المحيطين الفاعلة على الفهم.

القلق والحصر في التّحليل النّفسي

لقد أرجع فرويد أساس الحصر إلى عقدة الخصاء، لا سيما ما يسمى برهاب الحيوانات، إذ يرى هذا النّوع من الرّهاب هو حصر خصاء إزاء خطر فعلي أو تخميني، ناجم عن عقدة أوديب تجاه الأب، وبالتّالي يغدو الحصر هو الّذي يُنتج الكبت، وليس الكبت هو الذي يُنتج الحصر، فالكبت هو رد فعل على قلق عصابي متوقع أو متخيل، وهذا ينطبق على أغلب الرّهابات النّاتجة عن حصر. حيث ينظر إلى الحصر وفق تطوريّة عمريّة ترافق كل مراحل الأنا، وتبدأ من حصر الولادة، ثم حصر فقدان الموضوع المحبوب (الابتعاد عن الأم)، يليه حصر الخصاء، وهو ذا طبيعة غريزيّة. أمّا الخطوة التّالية فتحفزها قوة الأنا الأعلى، فحينما تغدو الهيئة الوالدّيّة، التي كان يُخشى من تنفيذها التّهديد بالخصاء، لا شخصيّة، يصبح الخطر نفسه لا متعيناً، ويتحول حصر الخصاء إلى حصر أخلاقي، وإلى حصر اجتماعي.

إن الحصر العصابي اللاشعوري يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتصور مكبوت صادف عقدة نفسيّة قويّة، وفي حين كان التّصور غير موجود في الرّهاب العصابي، أو كان غير مقروء في حال وجوده، فإن قوة الحصر هنا ترتبط بموضوع ظاهر (كالأحصنة في حالة فرويد الشّهيرة، هانز الصغير)، ففي حين أن الحصر الشّعوري (الرّاهن) ناجم عن أوضاع موجودة أو مقبلة، وينمو في الأنا الشّعوريّة، أو في جوارها المباشر (تحت الشّعور)، فإن الحصر اللاشعوري، ناجم عن لاشعور مكبوت، وعن أعبائه المخيفة.

وقد أكدت المحللة النّفسيّة ميلاني كلاين على أن القلق يشكل جانباً من التّطور النّفسي الطبيعي، وأن ظهوره المتأخر في سن البلوغ، يجب أن يفسر على أنه تكرار لقلق الطفولة الأولى المرتبط بالإحباطات المبكرة الشّديدة، أو المديدة بصورة خاصة.

أما في الرّهابات، فإن ما يحدث بالفعل هو عين ما يحدث في الحصر الطفلي، طاقة غير مستثمرة من الليبيدو، تتحول بلا انقطاع إلى حصر واقعي ظاهر، ومن ثم يصبح أدنى خطر خارجي، بديلاً عن متطلبات الرّغبات المكبوتة بشدة.

يعتبر الإسقاط من الآليات الأكثر وضوحاً في الحالات التي يكون فيها القلق بإزاء موضوع خارجي، يحل محل شعور غريزي بالإغواء والإثم، فبعدما كان الشّخص يخاف ضميره ممثلاً بالأنا الأعلى، أصبح يخاف موضوعاً في العالم الخارجي، فمثلاً قد نجد شاب لديه ميول سلبيّة أنثويّة لاشعوريّة، كان يخاف من الدّجاجات لأنها تذكره برغباته الليبيديّة، وخطر خصائه المرتبط بتلك الدّجاجات، لقد أسقط ببساطة صراعه الغريزي الدّاخلي على موضوع خارجي يسهل تجنبه. وكثيراً ما يكون الخوف من الطرقات المفتوحة دفاعاً ضد الاستعراضيّة والنّظاريّة، ودور هاتين الغريزتين الجزئيتين هو أكثر بروزاً في المخاوف المتصلة بالظهور بين النّاس سواء انطوى الظهور على ظروف معينة، من قبيل التّعرض للنظارة (رهبة المسرح) أو مجرد خوف من الوجود في حشد. وبالتّالي يستبدل الفرد خطراً داخلياً غريزياً بخطر إدراكي خارجي، وفائدة هذا الاستبدال، هي أنه في المستطاع حمايّة الذّات ضد هذا الخطر الخارجي عن طريق الهرب منه، وتحاشي إدراكه، على حين أن الهرب لا ينفع أمام ما ينبع من الدّاخل. ويضيف فرويد أن المطلب الغريزي ليس بحد ذاته خطيراً إلا لأنه يستتبع خطراً خارجياً حقيقياً، هو خطر الخصاء، وعلى ذلك تغدو المسألة في الرّهاب هي استبدال تصور خطر خارجي مكبوت، بخطر خارجي آخر مرمّز. كحالة شاب أصيب برهاب الأماكن المكشوفة (رهاب خارجي مرمز عن خوف حقيقي ناتج عن رغبة مكبوتة) خوفاً من استسلامه لإغواء المومسات (رغبة غريزيّة مكبوتة)، ومن إصابته بالتّالي بمرض الزهري عقاباً له (خطر حقيقي أو متخيل ناتج عن رغبة مكبوتة).

وهذا ما يقود إلى الرّبط المباشر بين الكبت والحصر، فالكثير من الكفوف هي عند فرويد عزوفات عن وظيفة من الوظائف، والحافز إلى هذه العزوفات، أن أداء هذه الوظيفة يمكن أن يتمخض عن حصر، ولدى المرأة غالباً ما يرتبط الحصر ارتباطاً مباشراً بالوظيفة الجنسيّة، وهذا الحصر قد يندرج في عداد الهستيريا، مثله مثل العرض الدّفاعي الذّي يتمثل بالاشمئزاز الذي يكون أول ظهوره كاستجابة آجلة للعمليّة الجنسيّة التّي تعيشها المرأة سلبياً، ثم يتكرر ظهوره عند التّمثل الذّهني لهذه العمليّة، وإن جملة من الأفعال القهريّة أيضاً تتكشف على أنها احتياطات وضمانات متخذة ضد خبرة جنسيّة من طبيعة رهابيّة. حيث يبتلع الحصر جميع الأشياء الأخرى، ومع تقدم الكبت، وطرداً مع هبوط التّمثلات المشحونة وجدانياً إلى اللاشعور بعد أن كانت شعوريّة، تغدو جميع الوجدانات قابلة للتحول إلى حصر.

وثمة عامل مشترك بين جميع أشكال الفوبيات أو الرّهابات، هو النّكوص إلى مرحلة الطفولة، ففي الطفولة يمكن التّغلب على الأخطار بالحصول على الحمايّة من أشخاص في العالم الخارجي يتسمون بالقدرة المطلقة بدرجة أو بأخرى، والمريض بالفوبيا إذ يخشى حفزاته، والعقوبة المترتبة عليها، فإنه يحاول استعادة موقف الطفولة المواتي، حيث كانت الحماية الخارجيّة متاحة، بهذا المعنى فإن جميع مرضى الفوبيا يتصرفون كالأطفال. إذ من الممكن في الواقع تجنب القلق باستخدام الفوبيا الملائمة، تدفع الأنا ثمناً بالحد من حريتها، عندئذ يمكن أن يبلغ المرض إلى نقطة ميتة، حيث يكون الخطر الغريزي قد تحول كلياً وبنجاح إلى خطر خارجي.

وبفعل الكبت، كثيراً ما تكون الفوبيات ذات مضمون عائم وغير محدد، يشبه من حيث مضمونه المحتوى الظاهر للحلم، وغالباً ما يتطلب الأمر جهداً تحليلياً كبيراً لنتبين على وجه الدّقة هذا الذي يخافه المريض. ففي بعض الحالات كان مضمون الخوف في وقت ما واضحاً ومحدداً، ولكنه أصبح فيما بعد، بتطور العصاب، غائماً وغير محدد، فقوى الكبت تواصل شن هجماتها على الأعراض، من حيث هي فرع من المكبوت، ومن هنا، فإن فهم عرض معقد طال عمره، كثيراً ما يتحقق عند تحديد الظروف التّي نشأ فيها لأول مرة، فعندما يصبح الشّخص خائفاً من الخروج إلى الطريق، فبوسعه أن يتجنب هذا الموقف المرهوب، ولكن يستحيل عليه أن يتجنب بدنه وأحاسيسه البدنيّة، لذلك يمثل الرّهاب توافق مفيد بين الرّغبة، والعقوبة، فإسقاط مفيد قد تم هنا، من خطر غريزي داخلي، إلى خطر خارجي مُتاح للإدراك. حيث يمثل القلق الرّهابي هنا أبسط صور المصالحة بين الحفزة والدّفاع، فهو الباعث على تكشّف الدّفاع بينما سبب القلق مكبوت، ففي عصاب القلق ثمة توتر داخلي عام، يترجم عن نفسه في قلق دائم يطفو طليقا، أو في استعداد للقلق. أما في هيستيريا القلق، فيرتبط القلق نوعياً بموقف خاص يمثل الصراع العصابي، فالشّخص المتوتر يستجيب لموقف خطر بطريقة تختلف عن الشّخص العادي، الشّخص العادي يستحدث نوعاً من الخوف يمكن أن تفيد منه الأنا، بينما الشّخص المتوتر، نجد لديه استعداد كامن للانفجار، وهو تحت تأثير سيل مُنضاف من الخوف ولّده إدراك الخطر، يعتريه الشّلل، وكما أن الشّخص العصابي يستجيب لخطر واقعي بالذّعر، بدلاً من أن يشعر بالخوف فيستجيب بحسبه، فإنه و بالطريقة ذاتها يستجيب لخطر وهمي بالذّعر.

خاتمة

هكذا نجد كيف يختلف سير مرض القلق النّفسي تبعاً للفرد، فمن نوبة واحدة لفترة قصيرة تختفي دون عودة، إلى مرض مزمن لا يستجيب لكل أنواع العلاج، وبين هذين النّوعين يوجد الكثير من المرضى الذين يتعرضون لنوبات من القلق النّفسي بين آونة وأخرى، يتخللها فترة من العيش السّوي.

******

المراجع:

  1. مطيع رئيف سليمان: الأمراض النّفسيّة المعاصرة، دار النّفائس، بيروت ، ط1 2001.
  2. سيجموند فرويد: النّظريّة العامة للأمراض العصابيّة، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط2 1986.
  3. سيجموند فرويد: الكف – العرض – الحصر: ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة ، بيروت، بلا تاريخ.
  4. سيجموند فرويد: التّحليل النّفسي لرهاب الأطفال، هانز الصغير – ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط1.
  5. اندره لوغال: القلق والحصر – ترجمة: وجيه أسعد، وزارة الثقافة، دمشق، 1988.
  6. أحمد محمد عبد الخالق: قلق الموت – عالم المعرفة، الكويت، عدد 111، 1987.
  7. دافيد–ف.شيهان: مرض القلق – ترجمة: د عزت شعلان، عالم المعرفة، الكويت، عدد 124.
  8. أرثر بيل: الفوبيا، ترجمة: عبد الحكم الخزامى، الدّار الأكاديميّة للعلوم، القاهرة، ط1 2011.
  9. مجموعة من الباحثين: المرشد في الطب النّفسي، منشورات منظمة الصحة العالميّة.
  10. ميشيل غودفريد: الأمراض الذّهنيّة عند الرّاشد، ترجمة: محمد حسن ابراهيم، وزارة الثقافة، دمشق 2000.
  11. أوتوفينيخل: نظريّة التّحليل النّفسي في العصاب ج2، ترجمة: صلاح مخيمر – عبده ميخائيل رزق، مكتبة الأنجلو مصريّة، القاهرة، 2006.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This