واقع النّقد ورهانات الرواية العربيّة

لايكفي تزايد عدد الاصدارات الأدبية وتراكم العناوين والأعمال من شتى الأجناس لإحداث التحول في التعامل مع المعطيات الواقعية على المستوى الابداعي إنما يتطلبُ التطور النوعي إطلاق حلقات النقاش بشأن ما تشهدهُ الحقول الثقافية والأدبية من الظواهر. فمن المعلوم أنّ مواكبة الواقع على الصعيد المعرفي يستدعي إعادة ترتيب الأوراق، وتفحص منطلقات المنجز الأدبي وإثارة السؤال عن المحتوى ناهيك عن حتمية الإهتمام بالشكل والأسلوب، وما يمكنُ للنقدِ أن يقدمه في هذا السياق. حول هذه المواضيع أطلقنا حلقة نقاشية بمشاركة الدكتور حسن سرحان من العراق والدكتور لونيس بن علي من الجزائر حيثُ يكون لكل منهما رأي وتعقيب على إجابة الآخر.

***

*تناولت في مقالاتك ظاهرة تكرار الثيمات والمواضيع في الأعمال الروائية التي صدرت مؤخراً كيف تفسرُ هذا الأمر، هل تعتقدُ بأنَّ شحة الوعي بأساليب كتابة الرواية هو السبب، وهل يساهم تراكم الإصدارات الروائية في تكريس مفهوم صنعة الرواية؟

حسن سرحان/ تكرارُ الثيمات، بحد ذاته معزولاً عما يتصل به من مثالب متوَّقَعة، ظاهرةٌ طبيعية لا تقتصر على الرواية العربية دون غيرها فالرواية العالمية تشهد من فترة لأخرى عودةً قوية لباقةٍ من مواضيعها الأثيرة حتى أن بعضَ هذه المواضيع المستعادة تحولت، لكثرة ما تم تدويرها ولشدة ولع الكتّاب بها، إلى أساطير سردية تمتلك حضوراً احتفالياً يكاد أن يكون وجوبياً يفرض وجوبَه على الرواية الزمانُ والمكانُ وطبيعةُ التلقي في مرحلة ما من المراحل التاريخية. رغماً عن التكرار والإعادة، ما زال قسمٌ من هذه الثيمات محتفظاً بثرائه ولم يستنفد بعدُ كلَّ طاقاته التعبيرية سيما ذلك النوع من المواضيع الذي تحول، بفعل ديناميكيته واستراتيجيات توظيفه ومهارة التعامل معه والإفادة منه، من مجرد كونه ثيمة روائية الى معطى تاريخي تتكثف فيه وتتكشف عبره طبيعةُ تأريخ أمة بأكملها في لحظة فاصلة من لحظات وجودها. مثال ذلك موضوعةُ الحنين التي عرفتْ، منذ مطلع الألفية الثالثة وقبلها بقليل، حضوراً استرجاعياً كثيفاً جعلها المحورَ الأساس للكثير من روايات تلك الفترة ولعددٍ لا بأس به من روايات اليوم. أزعم أن ليس في تكرار الثيمات ما يثير الخوف لو أُحسن استثماره فبعض التكرار لا يُمل وروايات موديانو وبيريك وقبلهما روب-غرييه وبانجيه، من بين آخرين، تعدُّ من النماذج الفاخرة على روعة التكرار حيث المدار كيفية التوظيف ومبرَّرُه الفني وإمكانية المبدع الاستثنائية في قول الشئ نفسه بطريقة مختلفة في كل مرة يعاد فيها تناول الموضوع ذاته.

لا ينطبق، إذن، أمرُ تكرار الثيمات على الرواية العربية فقط لكنه ينطبق عليها بشكل خاص لأنها حبست نفسها داخل حيز “الثيمات الكبيرة” ذات الأبعاد الشمولية والامتدادات الفضفاضة المفتوحة التي تتجاوز طموحاتُها التعبيرية بكثير التجربةَ الفردية العادية إلى الرغبة في تغطية تجربةِ شعب كامل أو جماعات واسعة منه. روايتُنا لم تغادر بعدُ منطقة الأسطورة فهي تريد أن تسرد حكايةَ أمة لا حكاية فردٍ يتمركز اضطراراً في نقطة صغيرة في برهة زمنية ما داخل أو خارج هذه الأمة وقد لا تثير لحظةُ وجوده القلق اهتمامَ أحدٍ في هذا العالم. رأيُ بلزاك الذي بحسبه ينصِّبُ الروائيُ نفسَه أميناً عاماً للمجتمع ما عاد صالحاً ولا ذا مقبولية وبلا أية قيمة تذكر في عالم ما بعد الحداثة حيث تساقطت قيمٌ وثوابت اجتماعية، فنية وثيماتية ونشأت أخرى زعزعت اليقينيات وخلخلت السائد منها والأشد رسوخاً. إن لحظة الوعي بمجموع هذه التغيرات، تلك اللحظة التي جسدتْها بشكل مبكر روايةُ جويس وبروست بداية القرن المنصرم، هي من فتحت الطريق أمام الرواية الغربية للتحول من رواية المجموع الى رواية الفرد. إن التغير الهائل الذي طال حياة الفرد العربي على جميع المستويات منذ بداية العشرية الأولى من هذا القرن شكَّلَ مفترقَ طرقٍ لم تُحسن الروايةُ العربية التعاملَ معه واستثماره لتجديد ثيماتها وضخ مواضيع مختلفة بالدرجة التي استثمرت وتعاملت بها الرواية الغربية مع أحداث فاصلة كنهاية الحرب العالمية الثانية مثلا.

أؤمن بأن تطور الرواية يكمن بالنوع لا بالكم لذا فاني أشك كثيراً في أن يساهم تراكمُ الإصدارات الروائية في تكريس مفهوم صنعة الرواية سيما عندما تأبى الرواية وكتابُها منح النقد والناقد الفرصة المناسبة لتأمل واقعها ومراجعة مسيرتها وفحص حصيلة مشوارها. تتمتع روايتنا العربية بظاهرة تكاد أن تكون خاصة بها وذلك انها لا تصغي للنقد إذ ترى نفسها أعلى مقاماً منه ويجتهد كتابُها في التقليل من قيمته وينشغلون بالحط من شأن الناقد الذي يفرضونه مبدعاً فاشلاً تحول إلى النقد سداً لنقص فيه وملأً لفراغ عنده. لن تتطور الروايةُ عندنا على النحو المأمول إلاّ عندما تجيد الإنصاتَ لصوت النقد ويعي كتابُها أهميته في تحديد المسارات ورسم خارطة التحولات ولو أن دون ذلك خرطَ القتادِ.

لونيس/هناك سؤال لابد من طرحه: ما الذي لا يكون موضوعاً للرواية؟ إذا لم تجد الرواية موضوعا للكتابة عنه، كتبت عن نفسها، فظهرت الميتا رواية. لكن أريد هنا أن أشير إلى مسألة أساسية، في سياق الحديث عن التكرار، الموضوعات تتكرر، إما محاكاة أو سرقة أو صدفة، لكن ما لا يتكرر هي الأساليب. ما يهمني أنا في الرواية هو أسلوبها، وطريقة كتابتها، وكيفية اشتغالها على الأشكال، بل أعتبر أن الرواية هي مغامرة تجريبية تؤسس وجودها الفني والجمالي على بحث (ناتالي ساروت) مستمر عن الشكل الفني. فلعبة الشكل لا تعني الوقوع في محظ المقاربة الشكلانية لفن الرواية، بل تعني أنّ الموضوع يتخذ معنى ما بحسب علاقته بالشكل الفني للرواية؛ ففي رواية جيرمنال لإميل زولا، كان واضحا أن الروائي في توزيعه لعالمه الروائي بين عالم ما فوق الأرض وعالم ما تحت الأرض (المناجم) كان في واقع الأمر يكشف لنا عن الهندسة الاجتماعية في مجتمع طبقي.

*أين دور النقد في ظل ما يشهده الوسط الثقافي من مدٍ في الإصدارات الإبداعية ثمة من يعتقدُ بأنَّ الناقد لم يعد عنصراً أساسياً في حلقة العلاقة بين المبدع والمتلقي كيف ينعكسُ هذا الوضع على المستوى الإبداعي؟

حسن سرحان/لاستفسارك هذا علاقةٌ مباشرة بالفكرة التي أنهيت بها جوابي عن سؤالك الأول. كيف يُراد من النقد أن يكون ذا دور كبير في جو أقل ما يوصف به انه معادٍ، يكره الناقدَ غير المدّاح ويستصغر شأنه وينقم عليه وقد لا يفوِّتُ فرصةً سانحةً للانتقام منه ويستخف بما قدمه الدرسُ النقدي من انجازات معرفية مهمة واستثنائية منذ بداية القرن العشرين إلى اليوم؟

الوسط الأدبي العربي في عمومه لا يحب النقد إلاّ إذا كان مجاملاً أو ينتمي الى ذلك النوع من الكتابات المهادِنة التي يسطرها “نقادٌ ايجابيون”، مسالمون يكتفون خلالها بعرض النص ومناقشة أفكاره والتركيز على محاسنه ولا يجدون غضاضة في كيل المديح باستحقاق أو دونه إلى الكاتب متجنبين التورط في إثارة الأسئلة الحرجة، المشككة التي تستفز النقاش وتجلب النظر نحو جوانب القصور في النص وفق الطرق العلمية ذات المنهج التفكيري الواضح. الملاحظ أن من يثير الأسئلة غير المرغوب فيها يسمونه في أوساطهم مشككاً ومتآمراً ويطعنون به وبعلمه وقد لا يترددون عن سبه والنيل منه.

على أن سؤالك يؤشر حقيقةً عالمية تخص تراجع أثر النقد في تشكيل الذائقة الأدبية للمتابعين والخوف من نهاية دوره كحارس للأدب وموجِّه ذوقي مؤثر في تحديد خيارات القراءة وصياغة شكل المشهد القرائي الأدبي. لا مفر من الاعتراف بأن وضع النقد اليوم مقلق للغاية والخشية من احتمالية خفوته وتدني منسوب حضوره أصبحت جدية وتقترب من أن تكون واقعاً. لعل من أبرز مظاهر هذا التراجع قيامُ عديد الجرائد الكبيرة بإغلاق الصفحة الثقافية فيها والاستغناء عن خدمات محرريها، أما تلك التي ما زالت تناضل في سبيل الإبقاء على منشوراتها الأدبية فإنها تراهن على مزاج القلة القليلة من القراء ممن لم يفقدوا بعد الثقةَ بالنقد ويحسنون الظن بالناقد التقليدي وأعني هنا الناقد المواظب على نشر مقالاته في الصحف الورقية. ان التغير الذي طال مفهوم القراءة في عالم الويب والتكنولوجيا الفائقة الحداثة حوّلا الممارسةَ القرائية من فنٍ له قواعدُه القارة الى غرض استهلاكي ذي إيقاع سريع يناسب مزاجَه الريبورتاجُ الصحفي أكثر حتى من المقال النقدي الملتزم بالحد الأدنى من المعايير العلمية. قد يكون في هذا التراجع بعضُ الايجابية من حيث أن تضاؤل دور النقد قد يساهم في دمقرطة القراءة وذلك إثرَ غياب الوصاية النقدية وتراجع أثر ديكتاتورية الناقد/المرشد على أذواق القراء واختياراتهم.

في كل الأحوال، لا يمكن تجاوز دور النقد ولا تجاهل منزلة الناقد ولا يفعل ذلك إلاّ جاهلٌ أو مدعٍ ضال. لن تحلَّ الملخصات التي يقدمها صحفيون غير مختصين بالأدب وروائيون يتسلون بكتابة ما يظنونه نقداً محل هذا الأخير وإن كانت ملخصات الصحفيين وتسالي الروائيين تلاقي رواجاً في أيامنا الحاضرة فهذه النشاطات التي تشجع على الكسل الفكري لن تدوم الى الأبد.

يبقى السؤال عن مصير النقد بلا إجابة حاسمة فقد يضعف الجهد النقدي وينحسر دوره نوعاً ما وينكفئ عنه الناس لكنه لن يموت لأنه يستمد بقاءه من حاجة الأدب إليه كي يواكب مساره الحثيث ويواصل مغامرته الرائعة.

 لونيس/ألم يحن الوقت للبحث عن قارئ حقيقي للنقد؟ فقرّاء النّقد هم في الأغلب قرّاء الرواية، يتعاملون مع النقد كوسيط فقط يسعفهم في قراءة الرواية، أو يكتفون بآراء النقاد كما لو أنّهم يقرأون بالنيابة عنهم. لا نقرأ النقد كخطاب مستقل، ثم لا نقرأ النقد بمتعة مثلما نقرأ كتابا في الفكر أو في الفلسفة أو حتى رواية. إذ تبدو علاقتنا بالنقد علاقة وظائفية فقط، تنتهي بمجرد معرفة موقف الناقد من عمل ما. أليس النقد خطابا يمتلك هو الآخر استقلاليته من حيث الرؤية، الشكل، اللغة، المرجعيات؟ منذ مدة كنت أقرأ وأعود باستمرار إلى كتاب (كيف نقرأ ولماذا؟) لهارولد بلوم، كنتُ أعثر في مقالاته النقدية، على قِصرها، الكثير من الجمالية في مقاربة الأعمال الأدبية العظيمة. لا يهمني ما الذي قاله عن همنجواي أو عن شكسبير أو عن تشيخوف، لأني كنتُ أقرأ نصا فأستمتع به. قد يبدو هذا الموقف غريباً، لكن أنا متأكد أنّ النقد، خارج وظيفة الحكم والتقييم، هو كتابة على قدر كبير من الجمالية، لماّ يضطلع بها نقاد حقيقيون.

*تصاعد دور القاريء العادي وتمكن من تحويل وسائل التواصل الإجتماعي للتعبير عن آرائه ومشاركة أفكاره بشأن الأعمال الأدبية كما أنَّ تواصل المبدعين مع متابعيهم أصبح مباشراً من خلال المنصات الألكترونية هل تجد في ذلك مؤشراً لتراخي سلطة الناقد؟

لونيس /سأوضّح المسألة عبر سؤالك: أولا، يجب أن نعترف بأنّ وسائل التواصل الاجتماعي عجّلت في سقوط صورة الناقد بالمعنى التقليدي له، أي الموجّه الأساس للذوق العام. وفي المقابل أتاحت هذه المنصات الجديدة المجال لمن هبّ ودبّ ليخوض في الأدب وفي مسائله المعقدة والشائكة. ما عزز هذا الاجتياح للعوام على الفعل النقدي هو الوهم الذي زرعته هذه الوسائط، وهو وهم دمقرطة الخطاب؛ بحيث صار الجميع يشعر أنهم على قدم المساواة إذا تعلق الأمر بإبداء وجهة نظر حول الأدب. صحيح أنّ كلامي قد يُزعج البعض، لكن دعونا نتأمل المسألة من زاوية أنّ العملية النقدية هي عملية متخصصة، وأنها لا تتوقف عند عتبة إصدار الأحكام. لقد غادر النقاد خيام عكاظ، ولم يعد عملهم هو الحكم بين الأدباء من هم أكثر إبداعا من الآخر. ولو أنّ الحك التقييمي نفسه قد تم تسفيهه وتبسيطه، حتى أصبح مجرد تعبير عن كسل ذوقي، ومجرد تعبير عن أمزجة تفرضها العلاقات. القارئ اليوم يُمكن أن يحكم على رواية دون قراءتها!

هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فالمنصات الإفتراضية تحولت إلى بديل بالنسبة للأدباء للانفتاح على العالم، في ظل صعوبة النشر وغياب إعلام ثقافي وأدبي متخصص يعمل على التعريف بالتجارب الأدبية. وهذا لا يلغي المخاطر المحدقة بالعملية الإبداعية بسبب خاصية الإعجاب والتعليقات التي قذ تؤدي إلى خلق حالة تورم في ذات المبدع بالنظر إلى عدد اللايكات التي يحصدها. فهل ذلك كاف لتعزيز موقع المبدع في السلّم الإبداعي؟

حسن سرحان/أتفق مع مضمون هذا الرأي ولو جزئياً فالجرأة على النقد وعلى ممارسته وادعاء الانتساب اليه أصبح اليوم ظاهرة ينبغي التصدي لها على ما في هذا التصدي من محاذير ومخاوف حقيقية سيما انه من غير الأكيد أن يكون لهذا الفعل أثر حاسم في إعادة الهيبة الى النقد والحد من تطاول العامة عليه وإيقاف إساءاتهم له. مع ذلك، فإني أؤيد حق الجميع في إبداء الرأي بالعمل الإبداعي إذ لا خطورة في هذا الأمر بحد ذاته ما دام ضمن نطاق التعبير عن الإعجاب أو عدم الإعجاب. لكن الأمر يكون خطيراً ويتجاوز المسموح به عندما يحلو للمعبِّر عن رأيه لبسُ رداءِ الناقد فيحاول اسباغ الشرعية النقدية على رؤيته التي قد لا تتعدى الحكم الذوقي غير المستند الى آليات عمل يعلمها الناقد، تحكمها النظريات وتبرر اطلاقها المناهجُ العلمية المتعارف عليها في عالم النقد. الحقيقة التي يجب أن يعيها القراءُ غير المتخصصين أن المرء لا يحتاج الى ان يكون ناقداً بالضرورة كي يعطي رأياً بنص أدبي باعتبار ان إبداء الرأي حقٌ من حقوق القارئ التي لا يمكن سلبها منه. هنا تكمن فضيلة وسائل التواصل الاجتماعي وذلك في وضعها نهاية لديكتاتورية الناقد وانفراده بسلطة إصدار الحكم على الأعمال الإبداعية إذ انها أتاحت للجميع هذه الفرصة على ان هذه الاتاحة لا تعني، بأي ظرف من الظروف، تساوي القارئ العام والناقد فالأخير يمتاز عن الأول بوجوب احتكامه الى العلم عند ممارسته للعمل النقدي وهذا أمرٌ غير ملزِم للقارئ العادي. تبقى الفروق بين هذا الأخير والناقد بيِّنة ولا تحتاج الى تفصيل وليس معنى تطفله على النقد انه صار باستطاعته ان يحل محله ويلغي دوره.

بالنسبة لدور المنصات الافتراضية في نشر الإبداع غير الصادق وبث الدعاية للمبدع المزيف، فهذا أمر لا ينبغي التهويل من أثره فهو يبقى ذا فعالية محدودة القدر وقليلة التأثير وحتى وإن أثّرت فلن يعدو أن يكون هذا الأثر وقتياً وفي أوساط بلا سلطة ولا شرعية وسيكشف النقد الحقيقي والشجاع، إن عاجلاً وإن آجلاً، عن ضعف موهبة أصحابها وبطلان ادعاءاتهم.

*معظم الروايات العربية مستقاة موضوعاتها من التاريخ حتى أنَّ العناوين التي نافست على جائزة بوكر لهذه السنة تستعيدُ أحداثاً وشخصيات تاريخية برأيك هل تكفي المادة التاريخية أو التجارب الذاتية لتشكيل هوية روائية وبم تعلل غياب روايات ذات بنية ذهنية في السرد الروائي العربي؟

لونيس/يحضر التاريخ في الرواية بأشكال مُختلفة؛ قد يحضر كخلفية تؤثث للحدث الروائي، وقد يحضر كنظام من المعلومات التي ينثرها الروائي في ثنايا روايته. لكن يبقى التاريخ في الرواية جزء من العملية التخييلية، غير مفصول عنها، بل أن التخييل هو الذي يعزّز التاريخي وليس العكس. لنتحدث عن رواية (الديوان الاسبرطي) لعبد الوهاب عيساوي. هناك كم هائل من المعلومات التاريخية في الرواية استمدها الروائي من مراجع ووثائق تاريخية، إذ يُمكن للقارئ العودة إليها متى شاء. لكن ما يهم في الرواية كعمل تخييلي أنها حررت التاريخ من تقريريته، وأيضا من خطيته، والأهم من ذلك فجّرت التاريخ من الداخل من خلال تقديمه من زوايا نظر مختلفة؛ لقد اعتمدت الرواية على التبئير السردي وهي تقنية مهمة لأنها تعطي للحدث التاريخي أكثر من منظور: شخصيات استعمارية في مقابل شخصيات أصلانية. ومن جهة أخرى، اهتمت الرواية برؤية ذاتية للحدث من خلال التركيز على منظورات الشخصيات الروائية لحادثة احتلال الجزائر.

حسن سرحان

*للتاريخ أشكال كثيرة ومتنوعة يحضر بحسبها داخل العمل الروائي وفي كل مرة يُستدعى، يؤدي غرضاً مختلفاً من ناحية الدور الذي يلعبه والوظيفة التي يؤديها. عندما يكون التاريخ مجرد خلفية للحكاية فإن وجوده لا يماثل، من حيث القيمة والأثر، حضوره عند كونه مصدر الحبكة ومحددَ مساراتها والمتحكم بجوها العام وصاحب القول الفصل في طبيعة رسم شخصياتها ونوعية اللغة التي تُسرد بها الأحداث. من هنا فإن التاريخ، كموضوع ومرجع ومنبع للتخييل، مهيمن كبير عندما يحضر بقوة، كبير الى الحد الذي تخشى فيه الروايةُ منه ومن سطوته. تفشل الروايةُ التي تستحضر التاريخ عندما تخافه وتهاب الخوض في تفاصيله وعندما تجرب الوقوف على الحياد إزاء مجرياته المستعادة كما كانت تفعل الروايةُ التاريخية الكلاسيكية. إذا كانت رواية الديوان الاسبرطي قد نجحت في التعامل مع التاريخ فذلك لأنها سلكت مسرى الروايات الكبيرة عندما أظهرت، منذ البداية، إصرارها على مماحكة التاريخ وعدم تركه يحيا بسلام داخل منظومته المعرفية التي أحاط نفسه بها ونافستْه ببراعة وحيلة على قول الماضي وبيَّنت، عن طريق التقنيات السردية، نيَّتَها المبيّتة على كسر احتكاره للبحث في أسرار الأزمنة الغابرة. وفّرتْ هذه القرارات الذكية للكاتب المناسَبةَ الجيدة كي يمنح مخيلتَه الفرصة الكاملة لإعادة صنع كل شئ تقريباً. كما زوده هذا التحررُ من سلطة التاريخ وحاكمية نتائجه واستخلاصاته بالقدرة على جعل الحكايات المختلَقة تتداخل في رأس القارئ للرواية مع الأحداث التاريخية فلا يستطيع الفصل بينها مما حدا بالتعزيز لأن يسير بالاتجاهين لا باتجاه واحد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

أضف تعليق

Share This