دافنشي… بماذا غيَّر العالم؟ / رشا أحمد

هناك من يعدّه أعظم فنان في التاريخ، لكن المؤكد أنه وبعد مرور خمسة قرون على وفاته كان أكثر من مجرد رسام عبقري، فهو نحات ومخترع سابق لعصره وعالم فذ في الهندسة المعمارية والجيولوجيا والفلك والتشريح والرياضيات.
إنه ليوناردو دافينشي الذي يسعى كتاب «تراث دافينشي – كيف أعاد ليوناردو اكتشاف العالم من جديد» للباحث الألماني ستيفن كلاين، إلى إلقاء الضوء على جوانب جديدة من مسيرة مدهشة لرجل متعدد المواهب والاهتمامات.
استهل الكتاب الصادر في القاهرة حديثاً عن المركز القومي للترجمة ونقلته إلى العربية ناهد الديب، فصوله بالبحث عن سر ابتسامة «الموناليزا» التي أبدعها دافينشي في واحدة من أشهر اللوحات على مر العصور. ويشير المؤلف إلى أن ليوناردو تمكن من اللعب بمشاعرنا بمهارة بالغة لأنه كان يراقب الأشياء بطريقة شديدة الدقة، «كانت تلك موهبته الفريدة، فقد لفت نظره مثلاً أن قطعة الخشب المحترقة التي تتطاير في الهواء تترك ومضة ضوء في عين من يراقبها وتمكن من تحديد مدة تلك الومضة وعوامل بقائها في الذاكرة». كما وصف في مدوناته حركة اليعسوب قائلاً: «يطير بأربعة أجنحة، عندما يرتفع زوج الأجنحة الأمامي، فإن زوج الأجنحة الخلفي يتجه إلى أسفل»، وقد أثبتت الصور المأخوذة بالكاميرات الحديثة ذات السرعة العالية أن دافينشي كان يسير في الاتجاه الصحيح، فأجنحة اليعسوب تتحرك فعلاً على هذا النحو، وأن زوج الأجنحة الأمامي يسبق الخلفي بمدة تقدَّر بواحد على ثمانين من الثانية.
ويؤكد كلاين أن ليوناردو عدّ النظر هو أصل المعرفة، إلا أنه كان بعيداً كل البعد عن أن يثق بعينيه ثقة عمياء. ولما كان يراقب الأشياء بدقة فقد كان يعلم أيضاً كيف يمكن لحواس البشر أن تخدعه، لذلك سجل في مواقع كثيرة من مذكراته أن هناك أشياء لا يمكن أن تكون على نحو ما نراها، فقد لفت نظره مثلاً أننا نرى المباني من خلال الضباب أكثر حجماً أو أننا نرى من خلال منطقة صغيرة فقط من مجال رؤيتنا بشكل حاد وواضح، ولاحظ أيضاً أن الألوان على حافة أي مساحة تبدو أوضح وأكثر حيوية عنها في وسط المساحة.
ويوضح كلاين أنه من هنا عمل ليوناردو سنوات طويلة على إيجاد أساس أكثر صلابة لقواعد المنظور فقادته دراسته إلى البحث في قوانين الضوء، حيث استطاع أن يثبت أن الشيء يظهر بنصف حجمه فقط إذا ما وُضع على بُعد ضِعف المسافة من المشاهد.
ورغم عدم قبول كبار علماء العصور القديمة وحتى معاصريه لهذا الرأي فقد أطلق ليوناردو على هذه القاعدة التي تؤكد أن حجم الأشياء يكبر ويصغر تبعاً للمسافة «قانون الهرم»، أي إذا ما رسمنا حزمة ضوء تخرج من عين المشاهد حتى يصل إلى أركان الشيء الذي أمامه فإن الناتج يكون على شكل هرم.
على هذه الخلفية يفسر المؤلف لماذا تجذبنا لوحة الموناليزا، فمبدعها استخدم في رسم تلك المرأة القواعد الضوئية الكثيرة التي اكتشفها بنفسه بحيث تبدو لنا في بعض اللحظات كما لو كانت كائناً غير ذي جسد وإذا ما تأمل المشاهد في خلفية اللوحة فإنها تتحول إلى شبح يهيم في الأثير بين ذاته والطبيعة اللانهائية.
وهكذا تشترك الموناليزا مع الاتجاه الحديث لتخليق الصور صناعياً عبر الأفلام وتقنية «الفيديو أرت» أكثر مما تشترك مع الرسم التقليدي الذي ساد في زمن دافينشي. أما في حالة الضوء المسلط على اللوحة فإنه لا يبدو لنا من الوهلة الأولى حقيقياً لأنه مَن يدقق النظر يكتشف أن هناك شيئاً ما غير سليم، فالسيدة تجلس في شرفة ويتضح ذلك من قواعد الأعمدة التي تظهر بالكاد في أركان اللوحة، وبالتالي فالمنطقي أن يأتي معظم الضوء من الجانب المفتوح من الشرفة والمطل على المنظر الطبيعي في الخارج، أي إنه من المفترض أن تظهر لنا الموناليزا في مواجهة الضوء، ولكنّ هذا لا يحدث وإنما يحدث العكس. فالضوء لا يتدفق في هذا الجانب بل تحديداً من الجانب الذي كان يجب أن ينعكس فيه الظل من السقف.

– مواجهاً علماء عصره
من المعروف أن ليوناردو كان لا يجيد استخدام اللغة، حيث إنه لم يلتحق يوماً بمدرسة عليا وكان يتحدث بلهجة أهل وطنه في مقاطعة توسكانيا بإيطاليا، لكنه بدأ في توسيع حصيلته اللغوية بشكل منتظم، فعكف على حفظ كلمات اللغة الإيطالية رغم تخطيه عامه الخامس والثلاثين. ويذكر المؤلف أنه في مخطوطه «تريفوليسانوس» والتي تضم مجموعة مذكراته خلال سنوات إقامته بميلانو نعثر على قوائم لا حصر لها من كلمات اللغة الفصحى، ولما كان تحسين أسلوب التعبير اللغوي سيساعده في أعماله العلمية فقد قام ليوناردو بجمع ما يزيد على 67 مصطلحاً تختص بحركة الماء دون غيرها، فتحدث عن تقاطع الماء وعن فوران الماء وتمدده وكذلك عن قوة طرد الماء، وميّز بوضوح بين الدوران والإزاحة كما ميّز بين تلاقي تيارين وبين المزج.
كان ليوناردو يعلم أن علماء الجامعة لن يضعوه في مصافهم أبداً وبناءً على ذلك قرر أن يقوم بهجوم مضاد قائلاً: «أعلم تمام العلم أنه يمكن لأي شخص متعجرف تصور أنه يمكن أن يعيب عليَّ كوني رجلاً غير متعلم، يا لهم من أغبياء! إلا أن علمي لا ينبع من كلمات الغير وإنما من تجاربي التي تعد هي المعلمة لهؤلاء الذين أجادوا الكتابة»!
كان ليوناردو يرغب في كتابة أعمال لا تعتمد على المعلومات المتوارثة وإنما على إدراكه وملاحظته بنفسه وكان يعلم أن سنده في ذلك هو شخصية لها مكانتها، ألم يعد الفيلسوف أرسطو التجارب الحسية هي أساس كل معرفة حقيقية؟
– الهوس بالحرب
وينتقل بنا المؤلف إلى ملمح آخر من ملامح عبقرية دافينشي وتناقضاته، وهو هوسه بالحرب، فعلى مئات الصفحات قام ليوناردو برسم تصميمات لا تهدف إلا للقتل: أقواس عملاقة، أسلحة سريعة الإطلاق بتجهيزاتها، حتى إنه يمكن بها قصف الحصون وتدميرها تماماً، ولم يكتفِ بتسجيل تقنيات هذه الأسلحة بل عرض التأثير المدمر لاكتشافاته، وظهر في رسوماته رماة النبال وهم يهربون من قنبلة تنفجر، والتي وصفها بأنها أشد الأسلحة فتكاً. وفي رسم آخر ظهرت عربة حربية تدور فوقها مناجل في حجم الرجال فتحصد الجنود وتترك وراءها ساحة مليئة بسيقان المحاربين وأشلائهم.
ويظهر أسلوب ليوناردو مخيفا عندما يعرض خطط المعارك التي وضعها، ففي الصفحة 69 من المخطوطة B المحفوظة في باريس يرد الحديث عن الإعداد لحرب حامية الوطيس وفيها يتم من خلال مقاليع صغيرة قذف مسحوق مكون من الجير والزرنيخ والزنجار (النحاس) على السفن المعادية فيؤدي استنشاق هذا الغبار إلى الوفاة فوراً! وهنا نقرأ له: «ولكن كن حريصاً إلا أن تكون الريح في اتجاهك حتى لا يؤدي إلى عودة الغبار إليك أو يمكنك أن تغطي أنفك وفمك بقطعة مبللة من قماش رقيق لا ينفذ الغبار لداخلك».
لم يكتف ليوناردو بوضع الخطط فقط بل شارك بحماس في حروب عصره، حيث عمل في خدمة سيزار القائد المستبد الذي اشتهر بتعطشه للقتل! والسؤال: كيف يمكن لمثل هذه الأفكار الدموية والاختراعات المميتة أن تتناسب مع رجل كان يطلق الطيور لشدة عطفه؟ هنا يجيب دافينشي بنفسه مبرراً: «حفاظاً على أكبر هدية منحتها لنا الطبيعة ألا وهي الحرية فإنني أبتكر وسائل هجوم ودفاع لاستخدامها في حالة تعرضنا لهجوم من طغاة يطمعون في التفوق علينا!».
– الحلم بالطيران
لم يرَ دافينشي في حكايات «الرجل الطائر» مجرد أسطورة تقال على سبيل تزجية الوقت وإنما بوصفه شيئاً مشروعاً لدى البشر، فقط يتطلب آلة تمكن الإنسان من محاكاة رشاقة الطائر التي لا مثيل لها وهو يرتفع في السماء، فالطيران يمزج بين الجمال والعملية، بين الفن والتقنية، ويخلق اكتشافاً جديداً. ولهذا أخذ يُكثر من مراقبة الطيور الجارحة بدقة بحيث يمكن التعرف على أساس ميكانيكا حركتها كما كان عليه أن يقوم بحصر عدد ضربات جناح الصقر التي يحتاج إليها للانقضاض على فريسته، وكيفية إعداد جناحيه للطيران وحيداً في مواجهة الجاذبية الأرضية.

عن الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This