تعرّي

في بلادي كنت وحدي وغريبة

هنا الآن بتُّ وحدي وغريبة

بريئةٌ عيناي

حرّةٌ أنا في غياب العيون الغريبة

فأنا وحدي

أُقفل باب الدار مرتين ولا أوصد باباً إلاّه

 فيُوصد باب القلب معه

وتُفتَحُ البيبان داخله تعبرها أشواقٌ عتيقة

وذكرياتٌ كنت قد دفنتها بعيداً في الخزائن.. ذكرياتهم

تتناثر في كل مكان حتى السقف

وبعضُ الذكرى لعنة

فكيف لقلبي بِفوضاه أن يتسع في بيتي؟

وبيتي صغيرٌ في المنفى ما بيعرف طريقه حدا

وأنا وحدي قلبي أكبر من بيتي ومن منفاي

 

في بلاد العتم أَحيا

لكن وطني مُضيءٌ فيّ

ولو أَظلموه

غافلين أنّا في العتمة نرى ما نشاء 

حتى صرنا نبصر في العتم

وحدي أُقهقه جهراً إذ أتذكر

أن ها هو التطوير والتحديث الموعود

فالضوء خافتٌ عندي وقد لا أشعله

وأغلقه حيث لا أكون

فالضوء تعرٍّ والعتم عدم

وحيث لا أكون يكون العدم.. فأنا وحدي

لا أطيق الأضواء ولا العيون

متخمةً بذاكرتي لا أصبو إلاّ العدم

 

وأنا وحدي أتلفّت حولي

ثم بخفّة نشّالٍ، دون أن ينتبه أحد

أدير الكرة الأرضية

إلى الجهة التي يرى فيها الناظر ثلاث قاراتٍ

وأرى فيها أنا بلدي .. فأنا وحدي

أرمقها لأطمئن عليها

من دونها لا أصل لي..

في الغربة هي أمي وأبي

بها أنظر في عيون الغرباء إذا ما رأوني غريبةً وأقول

من هناك أنا أتيت وليس من الفراغ

هُنا الفراغُ.. أنا الفراغ.. أما بلادي ليست فراغ

ولو فرّغوها من التراب ومن الحجر

غريبةٌ بلدي مُغَرَّبةٌ

والصبّار على شبّاكي أيضاً غريب

هو ابن الصحراء مثلي

في بلاد البرد نحيا

لكن أنا ما جارت عليّ الغربة ولا البرد إنمّا

شبح حياةٍ مرّت ربيعاً سريعاً في بلادي الغريبة

رَحَلَتْ هي لمّا ارتحلتُ

وأنّى له هو أن يرحل

إلى أن صرت وحدي

أكلّم الصبّار، أعاتب الأشياء

وقد أشتم من في التلفاز

بلغتي.. بلهجتي..

لكني لا أحدّث نفسي أبداً

أَبتكر لها النكات فقط

 

أنا وحدي 

سيدة البيت وهو خادمي، وإن خدمته

حسبي أني لا أخدمه إلّا لأجلي

فأمي قد لا تكون هنا.. وأنا وحدي

لِي رفاهية رمي الصحون حتى الصباح 

فأنا وحدي في الثانوية العامّة

غسلتها باكراً قبل الفيزياء والرياضيات

الآن أخدمه لِيخدمني

فَيقيني صقيع غربتي ويردّ عني العيون

أُجمّله كما أهوى ولا أرتبّه

وإنما أرتب نفسي فيه لِأعثر عليّ

لكنّي غدوةً أنساني

وأعود للبحث عني.. عبثاً

لعبة اختباءٍ هي الحياة بذاكرةٍ محتلّة

لا ينتهي شقاء البحث فيها إلا بنهايتها.. نهايتي

اظهَروا لي إذن وارحلوا.. دعوا لي عزلتي

كم مرة طردتكم نهاراً لتعودوا ليلاً

في الكوابيس حتى صرت أخشى النوم

أنا لا أنام وإنما يُغمى عليّ

عصراً فجراً، على الكنبة أو على السرير، لا فرق عندي

أتأخر في النوم حتى الضحى كما أكره

صباحي متى أصحو ولو في جوف الليل

لكني لا أصحو حقاً وربما أنا لم أصحو قطّ

لا عبق القهوة يوقظني ولا النكهة

لأن الأغاني لا روح لها ولا رائحة

فأنا لا أستمع إلى أغنياتٍ قد تُحيي الذاكرة

لأني أخاف بعث الحنين

وأنا وحدي دون تحرّج

قد أنهارُ وأبكي أنهاراً

بكّاءٌ بذاكرةٍ مغتصَبَة

اعتقوا ذاكرتي .. اخرجوا منّي…

كفاني في عالمٍ موازٍ أحيا

لا أعرف التوقيت ولا التقويم

بل أُبحر بِعمىً في ضلاله 

لا أشاهد إلا الأخبار والكوميديا

فَهذي تثير الضحك وتلك تثير السّخرية

أحرّر الرئة من الحمّالة

فَأشهق الهواء وأَزفره كأول صرخة

ألفّ جسدي بما أشاء أو أُعَرّيه

فَأكون في أهون التعرّي..

لا أغتسل أسبوعاً، فأميّز رائحتي مُعَتَّقَةً كما قال

وأفهم فجأةً إصراره على عدم اغتسالي قبل وصوله

ويغريني بؤسي بأكل الشوكولا

لعلّي أنسى ملوحة أول قبلة

فَتعود بي سُمرتها إلى لمى شفتيه

وأُمسي كمن يتناول بؤسه

أحرق البخور كي أنسى..

فَيسرقني طوفان الذاكرة الفائض عبقاً

 

وأنا وحدي أًخفّ بلا حُمْق أحكامهم

أدخّن وأُدخن بشراهة

وأنجو من اعتبارهم لي مُعقّدة

أَفترش الأرض

بدون أن يعتبروني متخلّفة

وإذا ما طربت أغني وأرقص

ولا يقال عني ……

ومرّاتٍ يكون لِي.. يَاللفرح 

تَرف التّرح بدون الشفقة..

 

أحب رجلاً لا يحبني

أنا لا أحبه لكن وسادتي الحمراء تفعل

تحبه ولا يعرف

لكني وأنا وحدي أناجيه بلا خجلٍ

تعال خلّص سريري الأحمر من بياضه

فعندما أكون وحدي لا أكون امرأةً ولا أنوثة لدي

بل يبوح الإنسان فيّ

بأني أُحال رماداً

بعد كل احتراقٍ

إذا ما طُرق الباب، ولم يكن هو

وإن كان لا يعرف العنوان…

 

وأنا وحدي غيابك لا يغيب

جالسٌ أنت على الكنبة

تدخن ببرودٍ لا يلائم نارك المُضْرَمَةِ المُضْرِمَة

أمسك بقبة قميصك وأهتف

توقف عن تجاهل تجاهلي لك..

فلا تقول شيئاً .. والصمت قبول

فلا يَهدأ غضبي إلا في حضنك

ولا أعود امرأةً إن لم تلثم شفتي

تقص عليّ حينها كثيراً من الحكايات التي لا تحملها

دون أن تنبس ببنت شفه

 

وما إن يجنّ الليل حتى أشرع باستجداء النوم

أحضن الدمية لأغفو، فتسألني عنك

أجيب أنك هنا في الدفاتر تُحيلني أنثى

فتنساب اللوعة في قلبي وتصحو بيَ الذكرى

لِتولد الأفكار فيَّ وتندفع منّي

كَانقباض رحمٍ في المخاض

كأنّ الذاكرة المسبيَّة تنجب سِفاحها

ترمي بماء الروح.. لِأفيض عاريةً على الورق

مرتكبةً أعظم المعاصي

إذ عرّيت لك عقلي وروحي في قصيدةٍ لا تستحقها

إلا حين أكون وحدي

كُفّوا غيابكم فقد رميت كل أوراقي

بعثرتها ضيّّعتها وَضِعْت

في زحمة الذكرى..

في زحمة الوحدة

قد يفعل الكل ما أفعل

فالكل وحده..

لكنّي أنا وحدي لا أملك ذاكرتي

ولو أفلحتُ بُكْرَةً لتمرّدت أصيلا

وبلادي قد صدّعت لي جدرانها

حتى صارت تتسرّب من مساماتي

وأنا وحدي..

إلى أن أدركت في أوج وحدتي

أن بيني وبين الجنون شعرة..

فأدركت بغتةً حدّة إدراكي..

قد أكون بخير.. وأنا وحدي

قد تكون بخير وأنت وحدك

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

أضف تعليق

Share This