لماذا نكتب؟ تساؤلات في معنى ودوافع الكتابة

 ملخص: نص يطرح بعض التساؤلات حول الكتابة ودوافعها، وحول جدوى هذا الفن لمن يمارسونه.

ليتكم تعلمون كم اشتقتُ القلم وكم اشتاقني منذ مرتي الأخيرة في الكتابة ..

أكتبُ ولستُ في مزاجيَ المعتاد، فلطالما اشترطتُ بيئةً ذهنيةً مهيَّأةً للفيض، من خلال القراءة وأمورٍ أخرى تحرّك النهر الراكد في روحي وعقلي وخيالي ..

أكتبُ ولست في البيئة المناسبة، لم أعُد أحتاجها شرطاً للكتابة ..

أكتبُ مُقاداً بحاجة الصراخ، حاجة الفيضِ بالمعنى، حاجة الإسهام في كرة الثلج العظيمة التي بدأها أول من اتّقدت بروحه وعقله شعلة الفضول، نار التساؤل، أول من أغمض عينيه ناعماً بماء المعنى المعين، خمره اللذيذ، أول من سكرِ بنشوة الشعور المتدفق باللانهاية، برؤية وميض المطلق، نفحاته وتجليّاته ..

أكتبُ مقاداً بحاجة الإسهام في كرة الثلج التي بدأها ذلك الشاعرُ الأول، وساهم بها كلّ من أتوا بعده ..

أقرأ الكثير من الأسماء، عن الكثير من الأسماء .

تتزاحمُ في رأسي تاركةً الكثير من الأسئلة والتأملات ..

طه حسين، ماريو يوسا، محمد حسن علوان، ميلان كونديرا، نجيب محفوظ ..

تولستوي .. كزنتزاكي .. فرانكل!

أحمد نسيم برقاوي .. إسلام سعد .. علي رضا ..

ومعلّمي القديم .. العمري ..

ماذا نريد من كلّ هذا؟

ماذا يفيدنا ذلك الإنشاء؟ لمَ يخنقنا ويقتلنا ويؤلمنا حدَّ الصراخ؟

ما الذي يودي بهذا الكائن الوحيد ويدفعهُ نحو الكتابة؟

لم أحبّ يوماً الكلام عن الكتابة أو القراءة بما يزيد عن بضع سطورٍ مكثفة؛ تصفهما كفعلٍ ذاتيٍّ، كممارسةٍ وجدانية. نفرتُ دوماً من الإسهاب في التساؤل عن كنههما رغم متعتي بالقراءة المختصرة عن ذلك الكنه..

أقرأ لأني أحتاج التفاعل مع الكون، أحتاج أعاصيرهُ ونسماتهِ في دمي .. أكتبُ لأني أحتاجُ لإخراج ما نتج من قلقٍ واهتياجٍ ومعنى بعد ذاك التفاعل ..

أقرأ الكون حولي لأني أحتاجُ الشهيق، أكتب لأنّ ما بداخلي يحتاجُ بعدها لزفير ..

تلك رؤيتي البسيطة عنهما دون الحاجة لأكثر ..

لكنّني ومن جديدٍ بتُّ أسأل: لمَ ترانا نقرأ ونكتب!

ما الذي يدفعُ الفنان للكتابة لمجرد الكتابة؟

ما الذي يدفعُنا لخلق الشخصياتٍ والغرق في الاستعارات والأخيلة؟ ما الذي يدفعُ الواحد منّا للغرق في تعريف الحياة وفهمها حتى ينسى أو يعجزَ عن عيشها؟

ماذا يفيدُ كلّ الكلامِ في النهاية؟

ما هو ذاك الشيء الذي يدفعنا للحديث رغم معرفتنا بلا جدواهُ، فعالمنا هذا لا يصغي للأبجدية والمعاني، عالمنا أعقدُ من أن نغيّره بكلماتنا، أعقدُ منّا، أعقدُ من أن نغيّره ..

ماهي تلكَ الحاجةُ الملحّة للفيض والإنشاء رغم يقين اللاجدوى العملية المادية؟

ما الذي يملكهُ المعنى لدرجة أن يصير عالماً بحد ذاته، يطغى على واقعنا المادي وحقيقته؟

لستُ أقدمّ أيّ جوابٍ هنا، أفيضُ بما ينهشني ويحرقني فحسب ..

في جملتي السابقة قد يكمنُ الجواب، وفي جمل أخرى قد تكمنُ أجوبةٌ أخرى كثيرة ..

لكنه يبقي هناك ينهشني: ما الغاية وراءَ كرة الثلج إن كان مستقرّها في الجحيم؟

ما الغاية من كلّ كلامك إن كان سيمحى مع الزمن؟

ستقول الكتابة خالدة؟ كم ستبقى؟ قرن؟ قرنين من الزمن؟ ألف سنة؟! وما المصير بعدها؟

إلى النسيان والعدم كما مصيرُ مبدعها الذي خنقتهُ وسمّمته.. وأنعمته ..

ما الغاية من أكوام الكتب المرتبة بين الرفوف وبين ثنايا الوعي والذاكرة إن لم تكن لتغيّر شيئاً من واقعنا ومصيرنا، ولن تكشف يوماً عن حقيقتنا أو تؤثر فيها؟ ما الغاية مما أقوم به الآن؟

قد تقولُ لي أنّها مشاركة المعنى مع الوحيدين مثلنا..

البوحُ لهم بمكنونات روحنا، وعرض لوحات ذواتنا على من يفهمها ويثمّنها..

لكن ما المعنى من كلّ ذلك إن كان مصيرهُ إلى الزوال؟ ما المعنى من أيّ شيءٍ إن كان ماضٍ نحو العدم بكلّ تأكيد؟

لا شيء سوى ذلك القلق، ذلك البركان الذي لا نكترثُ إن كان لثورانه غايةٌ أو فائدةٌ أو سبب.. ذلك البركان الذي لا نستطيع إسكاتَهُ إلا بمزيدٍ من الثورة والغضب..

لا جواب هناك ولا سبب ولا فائدة.. كلّهم لا يهمّون.. كلّهم لا يطفئون البركان داخلنا.. لا يسكتونه..

تنتابني أسئلة أخرى ترتبط بالسؤال السابق أو تتلاقى معه..

ما الدافعُ النفسيّ الحقيقي للبوح بذلك المعنى أو تحقيق أيّ معنىً آخر إن كان مجموع المادة النهائي هذا سيؤول إلى العدم؟

ما الدافعُ وراء إصراريَ الشخصيّ على التشكيلِ والبوح؟ أهي الأنا؟ أم أنّه التسامي حقاً لما هو وراء المادة ووراء الزوال وخلفَ العدم؟

أأكتبُ حقاً لمجرد البوح وتحقيق المعنى؟ أم أنّ الأنا اللاهثة للمجدِ هي كلُّ مافي الأمر؟

ما فائدة استشعاري هذا للجمال وصوت العصافير إن كان سيزول بعد ساعاتٍ وأعود للعاديّ واليوميّ؟ وما فائدة حياةٍ ملؤها الشعور باللانهاية و التلذذ بجحيمها إن كانت ستؤول لحتفها ونهايتها في النهاية؟

لا أعلمُ ولن أعلمَ ما وراء وجودنا وبوحنا وشعورنا.. كيف لي أن أعلم! كيف لي أن أفهم!

كلّ ما أعلمهُ أنّنا كائناتٌ تلهثُ وراء المستحيل دون جدوى منطقية..

كلّ ما أعلمهُ أنّنا إنسٌ نرى الأنسَ ونؤمن به رغم لامنطقيته.. نؤمن بمعنىً وراء اللامعنى والعدم..

كيف لي أن أفهم وجودنا وتصميمنا على بلوغ المستحيل والسعيِ خلفه..

لن أفهم ولن يفهم أحدٌ غيري.. فلسنا كائناتٍ خلقت لتعرف.. بل لتشعر وتؤمن..

لستُ أعلمُ إن كانت الأنا من تقودني أم أنّ معنىً تفيضُ به كينونتي هو القائد..

لا أعرفُ ولن أعرف..

كلُّ ماليَ أن أستشعرِ هذه اللحظات وأطفئ البركان بمزيدٍ من الثورة والتحول..

كلّ ما أملكهُ هو الفيض .. كلُّ ما أملكه هو الاستمرار في فعل التنفس ..

أكتب لا لمعنىً أحققهُ وأريدهُ بالضرورة..

أكتبُ لأن بركاناً بداخلي ينفجر ولا شيء سوى الكتابة يخمده..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This