كتاب العرب وجهة نظر يابانيّة

 

“العرب وجهة نظر يابانية” كتاب ألفه المستعرب الياباني نوبوأكي نوتوهارا نشر عام 2003، الصادر عن دار نشر ألمانية في 141 صفحة.

من هو نوبوأكي نوتوهارا: هو من أشهر وأهم المستعربين اليابانيين درس نوبوأكي اللغة العربية في الجامعات اليابانية والعربية، ترجم العديد من الروايات والقصص العربية الى اليابانية وكان أول ترجماته رواية “عائد الى حيفا” لغسان كنفاني، وبعدها “الأرض” لعبد الرحمان الشرقاوي سنة 1979، و”وأرخص ليالي عام 1993″، و”العسكري الأسود” ليوسف ادريس عام 1990، و”الخبز الحافي” لمحمد شكري وغيرها…

كرس الجزء الأكبر من حياته لمتابعة حياتنا الثقافية ورموزها وأقام لفترات طويلة في العديد من البلاد العربية. تعامل مع شعوبها عن قرب وبشكل مباشر، التي دفعته إلى كتابة بعض الأفكار والانطباعات عن الشخصية العربية. يقول المؤلف “أربعون عاما من عمري هي مدخلي الى هذا الكتاب…أربعون عاما وأنا أسافر الى العواصم العربية والأرياف والبوادي، أرى وأتأمل وأكتب انطباعاتي للقارئ الياباني، أربعون عاما وأنا اتابع الرواية العربية فأتعلم وأترجم وأتحدث للناس هنا في اليابان”[1].

في كتاب “نوبوأكي نوتوهارا” نحن لسنا أمام دوافع استعمارية دينية أو أهداف استعمارية جديدة، بل دوافع بحثية فكرية وعلمية ولا علاقة لها بمنطق الاستشراق المؤسسي. شهادة صادرة عن رجل كرّس عقوداً من حياته وهو يبحث في الثقافة العربية وأحوال العرب. قدم بعض الأفكار والانطباعات عن الشخصية العربية والبعض من سلبياتها حسب دراسته وتقييمه للمجتمع العربي، بعيدا عن الأفكار الجاهزة التي وضعها المستشرقون الغربيون،  وأكد أن ما توصل إليه من قناعات وآراء كانت وليدة تجربته الذاتية وليس تأثرا بأفكار سابقة.

في بداية الكتاب خصّص نوبوأكي نوتوهارا مقدمة لعرض بداياته مع اللغة والثقافة العربية، وكيف بدأت علاقته بها كطالب في قسم الدراسات العربية بجامعة طوكيو، ثم مدرساً للأدب العربي في الجامعة نفسها، ومترجماً للرواية العربية، ومعايشا للشخصية العربية عن كثب بعد ذلك، عاش معظمها في مصر وشيئا منها في البادية السورية.

تحدث عن التوتر الذي يرسمه القمع في الوجه العربي وبنوع من التحليل عن أسباب ذلك سلط الضوء على حقائق معروفة عن شخصية العربي، ومسؤولية المثقفين والكتاب العرب وعلاقتهم بالسلطة وكيف أن المعارضة بالدول العربية عبارة عن سلطة تحارب سلطة. وتساءل المؤلف “لماذا لا يستفيد العرب من أخطائهم لماذا يكرر العرب الاخطاء نفسها؟ نحن نعرف أن تصحيح الأخطاء يحتاج الى وقت قصير او طويل. فلكل شيء وقت ولكن السؤال كم يحتاج العرب من الوقت لكي يستفيدوا من تجاربهم ويصححوا اخطائهم ويضعوا أنفسهم على الطريف السليم”.

ويتكفل المؤلف بإجابة سؤاله قائلا: “لكي يفكر العرب في المستقبل فإنني أرى أن هناك مشكلة لابد أن تحل حتى يتمكنوا من العمل لمواجهة وحل مشاكل المستقبل وتتصل بالقمع المرض العضال في المجتمع العربي، وأتمنى أن أسير في الشوارع العربية فلا أرى التوتر الشديد”.

للمؤلف براعته الشديدة في عرض جوانب الشخصية العربية بكل ما تحمله من سلبيات بما ينم عن فهم عميق للمجتمع العربي ودراسة علمية واعية، محددا محنة العرب ومشكلتهم المركزية كاشفا الجوانب الأكثر قتامة ويعتقد نوتوهارا أن مشكلة العرب تكمن في المسافة الفاصلة بين السلطة والمؤسسة بما يؤدي إلى شكل من أشكال الاستبداد الذي أصبح ينظم حياة العرب اليومية وهو يرى في أن الاستبداد في العالم العربي هو السبب المباشر للتآكل الداخلي والضعف العملي.

ويضع نوتوهارا يده على أخطر علل المجتمعات العربية ممثلة في غياب العدالة الاجتماعية الركن الأساسي للمجتمع، وبسبب ذلك تتعرض حقوق الإنسان للخطر، ويستغرب المؤلف “باستمرار لماذا يستعملون كلمة الديمقراطية كثيرا في المجتمع العربي”؟

كما يرى المؤلف أن واقع المجتمع العربي لا يسمح باستعمالها، وينبه إلى أن غياب العدالة عن المجتمع يقود إلى انتشار القمع وذوبان استقلالية الفرد وقيمته كانسان، وكذلك غياب الوعي بالمسؤولية لدى المواطن، ويضرب المثال بتعامل بعض مواطني الدول العربية مع الممتلكات العامة ويرى أنها معاملة سيئة مع الاعتداء المستمر عليها وكأنها عدو مطلوب التخلص منه وتدميره.

كما خصص في آخر الكتاب قراءته للأدب وللأدباء العرب، ولم ينس التعرض لأعقد وأقدم القضايا العربية ونعني القضية الفلسطينية، فقد تحدث بوضوح عن تأثره بالقضية الفلسطينية من خلال أدب “غسان كنفاني” بالدرجة الاولى، ويقر المؤلف بأن اليابان “عرفت المأساة الفلسطينية عن طريق الغرب، بعدئذ فهمنا أن علينا أن نبحث عن الحقائق بأنفسنا وبالنسبة لي غسان كنفاني هو الصوت الأقوى والأصفى الذي صدقته وسط تلك الضوضاء”[2]. ويشير إلى أن قراءته لكتابات الروائي “غسان كنفاني” شكلت منعطفاً في حياته هو شخصياً، إذ وجدها تجسد مأساة شعب، “ويوميات صامدين عازمين على العودة إلى ديارهم”، فخصص لغسان كنفاني مساحة عريضة للحديث عن نشأته ومكانته الأدبية، ويرى أن إنتاجه الأدبي حدد ملامح القضية الفلسطينية منذ بدايتها ويذكر تحديدا القصص التالية:

“أرض البرتقال” حيث يصف كيف طرد الفلسطينيون وكيف أصبحوا لاجئين في وطنهم.

“كعك على الرصيف” ويصور فيه الأولاد الفلسطينيين الذين يشتغلون في شوارع دمشق بعد النكبة.

“قميص مسروق” التي تكشف عن حياة الخيام التي عاشها الفلسطينيون 25 عاما ومدى قسوتها وفقدان معنى الحياة الخاصة فيها”[3].

ثم عرض المؤلف لمحمود درويش شيئا من نثره.. ثم ألحق بكتابه شيئا من حوارات بعض الصحف عنه وعن قضية دراسته للغة العربية.

ومن وجهة نظره أن النخبة المثقفة في البلاد العربية تتحمل مسؤولية عظيمة عما لحق بمجتمعاتهم من ضرر. حالة الازدواجية في الشخصية العربية، “فالعربي مختلف في بيته عن عمله عن شخصيته في الشارع معظم الرجال العرب لهم قيمتان واحدة في البيت واخرى في الحياة العامة….وهذان الوجهان المتناقضان غالبا ينتج عنهما اشكال لا حصر لها من الرياء والخداع والقمع”[4]. يتصل بذلك غياب الثقة عن العلاقات الاجتماعية التي تستبدل بالمنفعة والاستغلال، ويضع علامات الاستفهام التالية:

– هل يثق الآباء بأبنائهم؟

– هل يثق المواطن العربي بأحزابه السياسية، ام بحكامه؟

– هل يثق المواطن العربي بالصحافة والقضاء والقوانين العامة؟

– هل يثق العاملون بأرباب أعمالهم؟

– هل يثق المشتري بالبائع؟

والجزء الأهم من رسالته مرتبط بتجربة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، فما أن انتهت الحرب أمعن الشعب الياباني في النظر فيما وقع فيه من خطأ، فقد دفعوا ثمنا فادحا لما ارتكبوه من أخطاء وسماحهم للمؤسسة العسكرية بالسيطرة على مقاليد السلطة. تم العمل على تصحيحه واحتاجت لسنوات طويلة وتضحيات جسام لإنجاز ذلك واستوعبت من خلاله قيمة النقد الذاتي كخطوة أولى للسير في الطريق الصحيح، بل ومعرفة مواضع الخطأ لتصحيحها والوقوف على أقدام ثابتة مرة أخرى

ويتساءل نوبوأكي نوتوهارا “كم يحتاج العرب من الوقت لكي يستفيدوا من تجاربهم ويصححوا أخطاءهم ويضعوا أنفسهم على الطريق السليم”[5]؟!

*****

  1.  –  نوتوهارا (نوبوأكي): العرب وجهة نظر يابانية، مشورات الجمل، ألمانيا 2003، ص 5.
  2. – نفسه، ص 68.
  3. – نفسه، ص 70.
  4. – نفسه، ص 56.
  5. – نفسه، ص 13.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This