بعد أكثر من ستّين عامًا على استقلال المغرب، هل آن الأوان للخروج بحصيلة للوضعية الثقافية للبلاد؟ وما هي الطريقة التي نظَّمت وتنظّم بها الدولة عملها في مجال الثقافة؟ وهل هذا العمل يلائم ما يسمّى “السياسة الثقافية”، بفلسفتها وأهدافها، مع الحاجات الحالية والمستقبلية لمغرب القرن الواحد والعشرين؟ هذه الأسئلة تحاول الإجابة عنها الأستاذة أمينة التوزاني في دراسةٍ جديدة بعنوان “السياسة الثقافية في المغرب” (منشورات ملتقى الطرق، 2020)، التي ترجمها من الفرنسية عبد الهادي الإدريسي.

تطور مفهوم “الثقافة” بالمغرب
لم تدخل كلمة “ثقافة” إلى قاموس العمل الحكومي المغربي، وتظهر على لائحة الوزارات الجديدة، إلّا في تموز/ يوليو 1968، مع إحداث أوّل وزارة مكلّفة بـ”الشؤون الثقافية”، بعد ثلاث عشرة سنة من الاستقلال، وبعد الشدّ والجذب والتردّد بشأن إدارة الفنون الجميلة (الهيئة الموروثة من عهد الحماية). وبذلك لم يعد العمل الحكومي محصورًا في مجال الفنون الجميلة، بل تعدّاها ليشمل المجال الثقافي كلّه. وأُسندت هذه الوزارة الجديدة آنذاك إلى محمد الفاسي، أحد قادة حزب الاستقلال وأحد الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 كانون الثاني/ يناير 1944، وقد خبر السجون والاحتلال طويلًا بسبب نضاله الوطني. وتعكس سيرة هذا الرجل صورة مثالية عن تطلُّعات الثقافة المغربية في ذلك الزمن، فقد درس في القرويين وجامعة السوربون في باريس، وحصل على شهادات من كلٍّ منهما، فكان بذلك مزدوج الثقافة حقًّا ومتشبّثًا بثقافتي الشرق والغرب معًا. لكن الملاحظ أنّه رغم التفاؤل والشعارات المعلن عنها والثقة التي تكاد تكون مطلقة في المستقبل، إلّا أنّ إنجازات “وزارة الشؤون الثقافية والتعليم الأصيل” ظلَّت هزيلة، لأنّ الثقافة بدت وكأنّها محكوم عليها أن تبقى على الدوام في هامش القطاعات الأخرى.
بعد انقلاب الصخيرات الفاشل، وعند تعيين الحكومة الحادية عشرة في 11 آب/ أغسطس 1970، ظهرت تسمية جديدة لهذا القطاع، حيث حلَّت “الثقافة” محلّ “الشؤون الثقافية”. لكن للأسف هذا الوضع لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما أُدمجت الثقافة مع قطاع الأوقاف والشؤون الإسلامية برئاسة محمد المكي الناصري سنة 1972، ثمّ استقلَّت باسمها القديم “وزارة الشؤون الثقافية” (وهي تسمية أكثر تواضعًا) مع تعيين الوزير محمد باحنيني سنة 1974. وهذا يوضّح جيّدًا أن الدولة لم يكن لديها تصور واضح لما تعتبره “ثقافة”، حيث ظلَّ هذا المفهوم مُبهمًا وانحصر في بعض “شؤون” الثقافة ومنتوجاتها، مثل الإبداع الأدبي والفنّي والتراث المعماري والمفروشات والأثاث. ومن جهة أخرى، لا نجد ذكرًا للثقافة في المخطَّطين التنمويين الأوّلين للمغرب، إذ لم تُدرج بطريقة مستقلَّة في مسلسل التخطيط إلّا انطلاقًا من المخطَّط الرابع (1973-1977)، وقد مثَّل هذا المخطَّط منعطفًا جديدًا، إذ دخلت الثقافة لأوّل مرّة مجال التفكير في المستقبل الوطني، ولا يمكن للمرء إلّا أن يلاحظ بعض أوجه الشَّبه في هذا المجال بين المخطّط المذكور والمخطَّط الرابع الفرنسي. غير أنّ المخطَّطات، أيا كانت درجة طموحها وصرامتها، لم تكن يومًا حلَّا للمشاكل. ففعالية السياسة رهينة أيضًا بنوعية الأشخاص الذين يطبّقونها، وبتوفير وتفعيل البنيات الملائمة لها.
وزارة “الثقافة” منذ الاستقلال: حصيلة متواضعة
بعد أزيد من ستيّن عامًا من الإدارة الثقافية، وتعاقُب عدد كبير من وزراء الثقافة، بين سياسيين وتكنوقراطيين ومثقّفين وفنانين، على رأس تلك الإدارة، يمكن أن نتساءل صراحة إلى أيّ مدى كان الجهاز المتمثّل في وزارة الثقافة في مستوى الطُّموح المعلَن والرّامي إلى خلق الانسجام بين مكوّنات الثقافة الوطنية المختلفة. إنّ ما أبانت عنه التجربة خلال هذه السنين يبعث الرّيبة، إذ لم يفلح أيّ من الوزراء المتعاقبين على المنصب حتّى في صوغ هوّية خاصّة بهذه الوزارة. بل يمكن القول إنّ رهان تحديث البلد- بما أنّ الحداثة ظاهرة ثقافية أوّلًا- فشل فشلًا ذريعًا، لأنّ هذا الهدف لم يكن قطّ مرسومًا منذ البداية. وعوضًا عن ذلك، تحوَّلت الوزارة إلى آلة بيروقراطية تشتغل لذاتها وحول نفسها، تبتلع نفقاتها الثابتة 80% من الموارد العمومية للميزانية المخصَّصة للثقافة. ومن ثمَّ، فإنّها إدارة تتجاوز تكلُفتها حجمَ ما تُسديه من خدمات للمجتمع. ولا يملك المرء إلّا أن يقرّ بأنّ حصيلة “السياسة الثقافية” في المغرب، منذ ظهور أوّل وزارة تهتمّ بالثقافة إلى اليوم، تُدين القائمين عليها شديد الإدانة، والأمثلة لا تعدّ ولا تحصى: غيابُ الهويّة، انعدام التلاؤم، وسيادة الارتجال والترقيع. والنتيجة تراثٌ يذهب أدراج الرياح، وتعثُّر إصلاح التربية حتّى الآن، وعجز عن الإحاطة بالرهان الثقافي وفهمه، فلا تنظيم الوزارة الداخلي مناسبٌ، ولا طريقة اشتغالها وممارستها لمسؤولياتها مناسبة، ولا حتّى الفكر الذي تصدر عنه في التّخطيط والعمل مناسب لمتطلبات بلدٍ يعيش مرحلة انتقالية، حيث من المفروض أن تُمثّل السياسة الثقافية محرّكًا رئيسًا للتغيير الاجتماعي.
لقد آن الأوان لإعادة النّظر في السياسة الثقافية بالبلاد، وتغيير النّماذج كما الممارسات من أجل إبراز مكانة الثقافة في قلب الحياة والهوّية المغربية، وتقتضي هذه التغييرات تفكيك وزارة الثقافة وإعادة تركيبها، وهو ما يستدعي “مقاربة جديدة”، ومنهاج عمل مندمج، يقوم على المشاركة والتخطيط لبلورة سياسة ثقافية جديدة. وأوّل ما يجب القيام به هو إطلاق مسلسل واسع من التشاور الوطني، مهيكلٍ زمنيًّا – يشمل كلّ القطاعات ذات بالصلة بالثقافة، انتاجًا وتوزيعًا وعرضًا واستقبالًا- يدور مداره حول الأسئلة الواقعية الأساسية للثقافة، وأهدافها الاستراتيجية على المدى البعيد: ما التعريفُ الذي نريده للثقافة وما الذي يجب أن تشمله؟ وما طبيعة العلاقة التي يجب أن تسود بين وزارة الثقافة والوسط الثقافي؟ وما هي السياسة الوطنية المطلوبة في مجال الصناعات الثقافية؟ إنّ من شأن مناقشة التّعريف الرسمي للثقافة (باعتباره جوهر السؤال، حسب الباحثة) أن يدفع الوزارة المعنية إلى إعادة النظر في مهامها: هل ينبغي أن تكتفي بالتدبير المباشر للأنشطة الثقافية، أم يتعيَّن عليها الذهاب إلى أبعد من ذلك، كي تصير وزارة للثقافة من أجل الثقافة؟

“المهمة الأولى للسياسات الثقافية في البلاد الديمقراطية تتمثَّل في أن يكتسب المواطن
حدًّا أدنى من المعارف الضرورية لممارسة حقوقه والمشاركة في الخيارات
الرئيسة، على المستوى الفردي والأسري والجماعي والمحلي والوطني”
الثقافة والديمقراطية وعمل الدولة
حين نتحدَّث عن علاقة الثقافة بالديمقراطية، يجب التمييز بين نوعين من الحقوق: الحقوق الثقافية والحقّ في الثقافة. بالنسبة للحق الأوّل، فهو يعني حقّ المواطن في هويته الثقافية، أي الحقّ في اختيار ثقافة معينة والانتساب إليها. وهذا الحقّ هو أساس اللَّامركزية الثقافية، في إطار أيّ تصوُّر فعَّال لتطبيق الجهوية على أحسن وجه. ولهذا نجد أنّ المهمة الأولى للسياسات الثقافية في البلاد الديمقراطية تتمثَّل في أن يكتسب المواطن حدًّا أدنى من المعارف الضرورية لممارسة حقوقه والمشاركة في الخيارات الرئيسة، على المستوى الفردي والأسري والجماعي والمحلي والوطني. بينما الحقّ الثاني يتعلَّق بتمكين المواطن من الولوج إلى الثقافة، أي المعرفة بوصفها “إغناء للعقل عبر تمارين فكرية”، وهو يشمل الحقّ في التربية، والحقّ في المشاركة الثقافية، والحقّ في استعمال وسائل التواصل والتعبير، وإمكان الفرد في إنشاء ثقافته الخاصَّة به. ومن هذا المنظور، لا تبقى الثقافة ترفًا وحكرًا على النخبة فقط. إذ يجب الإقرار بأنّ الثقافة في الديمقراطيات الحقيقية ينبغي اقتراحها على الجميع وعلى كلّ فرد، باعتبارها بُعدًا من أبعاد الحياة. وبهذا يكون دور الدولة متمثِّلًا في إزالة الحواجز المادّية والرمزية التي تحول دون ولوج الجمهور الواسع إلى الآداب والموسيقى والمسرح والمتاحف وغيرها. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يجب أوّلًا نهج سياسة تشجع التكون والتربية الفنية والثقافية، وثانيًا توفير البنيات التحتية الثقافية المناسبة.
في هذا السياق، يمكن بسهولة معاينة ضعف البنيات التحتية الثقافية في المغرب، وما يزيد الطّين بلّة توزيعُها غير المتوازن ما بين أربع أو خمس مدن من جهة، وبين باقي مناطق البلاد من جهة أخرى، وكذا المركزية والتحكُّم اللّذان يصدر عنهما كلُّ عمل إداري. حتّى حين تكون هناك مندوبيات، فإنّها لا تعدو كونها مجرّد محطَّات خارجية تنفّذ القرارات المتَّخذة في المقرّ المركزي بالعاصمة. أمّا على المستوى النوعي، فإنّ الغالبية العظمى من هذه التّجهيزات لا تستجيب للمعايير المادّية والبشرية المفروض أن تحظى بها المؤسسات الثقافية. ونتيجة لهذه الوضعية، يعاني الجهاز الثقافي المغربي من أوجه قصور عديدة، منها: محدودية وعدم تكافؤ الولوج إلى الثقافة، صعوبةُ التعرُّف على المسؤولين الحقيقيين عن السياسة الثقافية، هيمنةُ المقاربة الممركزة واستفراد الدولة بالقرار على كلّ المستويات، وغياب تفعيل النصوص التشريعية والاتفاقيات وضمان تطبيقها بشكلٍ أنجع.

عنوان الكتاب: السياسة الثقافية في المغرب المؤلف: أمينة التوزاني المترجم: عبد الهادي الإدريسي

 

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This