أنا ديناميت، نيتشه كما لم نعرفه من قبل!

سو بريدو / "الغارديان"

تهتم هذه السيرة الذاتية النابضة بالحياة، التي كتبتها سو بريدو عن نيتشه، بالوقائع التي شكّلت فكر هذا الفيلسوف، بدءاً من علاقاته العاطفية وصولاً إلى حادثة بنطالة الضائع، وتفسّر لِمَ أُسيء فهمه.

ثمة قواعد غير تقليدية تخبرنا كيف ينبغي للسيرة الذاتية الحديثة أن تبدأ. فأن تبدأ السيرة، مثلاً، انطلاقاً من تاريخ الولادة، أو حتى الموت، فهذا يجعل الأمر أكثر عمومية وابتذالاً.

بدلاً من ذلك، يتوقع المرء حدوث طاري في منتصف العمر، أو وقوع حدث دراماتيكي مميز، مثلاً، مخطوطة قديمة، مبارزة، أو حادثة ما أعادت تكوين بطل السيرة جذريّاً. وعليها أن تكون حادثة مباغتة تثير التوتر، فتجعل القراء يشعرون كأنما ألقي بهم وسط أحداث سرقة مثيرة في فيلم مرعب، ولا ندري إن كان أحد من أبطاله سينجو.

لذلك حينما تقرّر سو بريدو أن تكشف ذلك الجانب من حياة نيتشه المختلف كليّاً، فعليك أن تدرك أنك بين يدي كاتبة سيرة ذاتية، إما أنها ليست كفوءة، وذلك امر مستبعد لأن كتبها السابقة عن سترندبرغ ومونك قد حصلت على جوائز، وإما أنها تثق بنفسها ثقة مفرطة. فبدلاً من أن ترينا نيتشه في منتصف العمر وهو يصدر أصوات حيوانات مريعة، بينما أمه المتزمتة تستقبل الزوّار في غرفة الجلوس أو ترينا نيتشه الهزيل وهو يتسلق جبال الألب، متخيّلاً نفسه الإنسان الأعلى (الذي يُتَرجَم عادة إلى سوبرمان، ولو أنها ترجمة خرقاء)، على العكس تماماً تقدم بريدو لنا نيتشه غير المتشكل بعد، نيتشه الذي لا يملك هو ذاته، ولا غيره، تصورا واضحاً عما يكونه هو ( نيتشه) في الواقع.

تبتدئ بريدو السرد مع اقتباس طويل من رسالة كتبها نيتشه الشاب بتاريخ 9 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1868، وهو مازال طالباً يدرس فقه اللغة في جامعة لايبزيغ؛ ذلك العلم الذي لم يكترث به كثيراً. صحيح أن نيتشه يصف ذلك اليوم  الذي  التقى به لأول مرة بريتشارد فاغنر؛ المؤلف الموسيقي الذي سيغدو لاحقاً راعيه وملهمه، يصفه باليوم المميز جداً. غير أن نيتشه البالغ من العمر أربعة وعشرين عاماً منغمس في كثير من التفاصيل الصغيرة، التي تصرّ بريدو على اقتباسها كاملة: مثلاً، فقدان بدلته الجديدة والأنيقة، برنامج تعليمي ارتجالي في المدرسة الإيلية (المدرسة الفلسفية اليونانية)، أغطية تقي من المطر الثلجي.

ذلك هو نيتشه الذي لم يلتق به أغلبنا من قبل: نيتشه غير المكترث بهيئته وهيبته (عندما يفقد بنطاله يجد الأمر مسلياً)، نيتشه الذي لا يمكن التنبؤ بسلوكه، وقبل كل شيء نيتشه الشخص الاجتماعي، يستقبل اصدقاء ويودع اصدقاء، بينما هو يبدّد الوقت في مطعم طلابي شعبي قبل أن يتهيأ أخيراً للقاء الرجل العظيم. ومن الملاحظ أيضاً أن بريدو تقاوم إغراء التعبير عن رأيها، تقاوم أن تشدّ بعصبية على أكمامنا، كي تثق بأننا التقطنا الفكرة: نيتشه هو أكثر بكثير من فاشيي منتصف القرن الماضي الأشرار والقتلة المتسلسلين (سفّاح المستنقعات إيان برادي كان معجباً به). لقد كان نيتشه فعلاً شخصاً ظريفاً، ويمكننا أن نتشجع ونقول: كان شخصياً سوياً.

غير أن كل هذا لن يشكل كشفاً بنظر الفلاسفة الأكاديميين، الذين رعوا إعادة تأهيل نيتشه طيلة ما يقرب ربع قرن.

وحتى سبعينيات القرن العشرين كان نيتشه، ابن القس البروسي، يوصَف غالباً، بلا احتراس، على أنه نصير النازية، بالرغم من وفاته عام 1900. إلا أنه من السهل اكتشاف سبب نشوء تلك الفكرة: يمكن بسهولة إعادة صياغة أفكار نيتشه عن «الإنسان الأعلى» كحجة على تفوق العرق الاري، بينما العمل الذي نشر بعد وفاته ويحمل عنوان «إرادة القوة» يبدو أنه يأمر بأن تصدح موسيقى المارش العسكري. مع ذلك، فإن القراءات التي عمدت الى اصلاح الخلل، سمحت لاحقاً، للمفكر الأصلي بالانبثاق مجدداً.

في هذه الأيام يُنظَر إلى نيتشه كصاحب رؤية ما بعد حداثة، «ليس ثمة حقائق، بل تأويلات»، فهذا أحد أقوال نيتشه الشهيرة بالإضافة إلى إعلانه الشهير «لقد مات الله». وفي كتابه الأخير الذي ألّفه قبل إصابته بمرض عقلي، طرَحَ نيتشه سلسلة من أقوال غير سويّة: مثلاً «لمَ أنا ذكيّ جداَ؟ ولماذا أؤلف أعمالاً عظيمة كهذه؟ وفي حال تساءل أحدهم، “أنا لست إنساناً، أنا ديناميت». إلى حدّ ما يمكن أن نطلق عليه تسمية شاعر الأداء.

على كل حال، تخبرنا بريدو مراراً وتكراراً، أن كبار النازيين لم ينظروا إلى نيتشه كواحد منهم. وكان إرنست كريك وهو أحد الأيديولوجيين البارزين للرايخ الثالث؛ قد أشار بسخرية ذات مرة، بأنه بالاضافة إلى أن نيتشه لم يكن اشتراكياً ولا قوميّاً، بل كان معارضاً للتفكير العنصري، فلربما كان مفكراً اشتراكياً قومياً رائداً. أما هتلر، الذي لم يكن ذكياً ومرحاً مثل كريك، فقد أخبر ذات مرة صديقته ليني ريفنستال: «لا يمكنني الاستفادة كثيراً من نيتشه.. هو ليس مرشدي». في الواقع لا يوجد دليل على أن الفوهر قد قرأ شيئاً لنيتشه. المتطرّف السياسي الوحيد الذي كان سعيداً ومقرّاً بتأثير نيتشه عليه هو ليون تروتسكي، الذي كان يرغب في أن يرى إنسان نيتشه الأعلى يشبه عاملاً سوفييتياً مجدا في عمله.

تشعر بريدو، في مجالات أخرى من مشروعها، بأنها أقل اضطراراً كي تقدم مراجعات مقنعة لعناصر قصتها. على سبيل المثال لا مجال للإنكار أن نيتشه بقي غريب الأطوار إزاء النساء. وتروي بريدو، وبشيء من السخرية اللاذعة، قصة افتتان نيتشه بكوزيما فاغنر، زوجة ريتشارد فاغنر الثانية، التي كان وجودها آسراً، ولا غرابة في ذلك، إلى أن ندرك أنه وبينما كان نيتشه يتحسر على سيدته، كان أيضاً يتجول في كلّ مكان بحثاً عن موقع الكلسون الحريري، الذي بدونه سيشعر المؤلف الموسيقي ريتشارد فاغنر بأنه ليس بإمكانه أن يكتب أي علامة موسيقية أخرى. ثم هناك المرأة الروسية الجامحة والفاتنة لو سالومي، التي ربما قد حشَت صدريتها وربما لا. إذ أن كثيراً من مفكري أوروبا تأملوا باستغراب تمثالها النصفي الكبير عن المألوف. وطيلة ثلاث سنين، عاش نيتشه وسالومي وصديق نيتشه الحميم، بول رييه، الجنسي المثلي، في مثلث عاصف فلسفي ايروتيكي خال من الجنس، ولكن مفعم بمناظر جبال الألب الجميلة.

أمّا شقيقة نيتشه الصغرى فقد كانت أكثر النساء من حوله تعقيداً وخبثاً. فبعد عودتها من ألمانيا، وبعد فشل المحاولة في إنشاء مستعمرة آريّة في باراغواي مع زوجها المعروف بمعاداته للسامية، اكتشفت إليزابيت فرصة جديدة لتجعل التاريخ يسير بالطريقة التي تريدها. ولأن نيتشه كان مريضاً في ذلك الوقت (لا تجزم بريدو إذا كان بسبب مرض السفلس) وضعت إليزابيت يدها على الملكية الأدبية لأعمال شقيقها، وستمضي السنوات الأربعين المقبلة في تحرير نصوصه الرئيسية ورسائله الخاصة حتى بات واضحاً أن نيتشه صار يشبه شقيقته، اي قومياً عنصرياً فظاً. وتحت سطوة توجهها المتسلّط والقادر والفاسد، أصبح أرشيف نيتشه ميداناً للمتطرفين اليمينيين، الذين رأوا أعمال نيتشه المنشورة أعمالاً تكاد تخلو من الأهمية، لأن المغزى الحقيقي من عمله كان موجوداً في مجموعة من مخطوطاته وملاحظاته ومراسلاته، في تلك الأعمال غير المنشورة، التي كانت شقيقته قد استولت عليها وصاغتها حسب أهدافها الخاصة. في الواقع إنها لصدمة أن تكتشف أن كتاب «إرادة القوة» ليس من تأليف نيتشه على الإطلاق، ولكنه مكون من أجزاء صهرها في وقت لاحق آخرون، اعتقدوا فعلاً أنهم يعرفون، وأكثر مما يعرفه هو شخصياً، ما الذي أراد قوله.

المتعة الكبيرة، التي أنجزتها بريدو، في هذه السيرة النابضة بالحياة على نحو رائع، هي مشاهدة الفلسفة وهي في طور التشكل. والقراءة عن حياة نيتشه ذات البدايات الزائفة، والتقلبات الخاطفة، كحياة غيره من البشر، هي للتذكير أن أنظمة الفكر لا تأتي من تلقاء ذاتها في المكاتب، أو قاعات المحاضرات، بل تتشكل وتنجز في خضم الحياة اليومية.

ومن أجل يقين مشبوب بالحماسة، طوّر نيتشه أفكاره وسط العلاقات العاطفية، والبنطال المفقود، وشقيقته الصغرى المتسلّطة، ربما يشعر الفلاسفة الأكاديميون أن لا شيء يسترعي انتباههم هنا. أما بالنسبة لنا فهذه السيرة الذاتية ليست أقل من كشف، وهي نوع من الكلمات التي اكتست لحماً.

******

https://www.theguardian.com/books/2018/nov/21/i-am-dynamite-by-sue-prideaux-review-nietzsche?fbclid=IwAR0Awp-oRf4m9xXlJP_O_AxLbqAy1ddeTFSzXFugsdN820rUH0VUI0lZpc8

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This