عن الخلاص اليهودي.. المسيانية والإيمان بإله مخلّص وبدونه / حسام أبو حامد

نظر إسحاق كوك، مؤسس ما بات يعرف بالصهيونية الدينية (أو الدينية القومية)، إلى الصهيونية بوصفها مجموعة من الأفكار العلمانية اليهودية البعيدة كل البعد عن التراث اليهودي الديني، ولكنها تتضمن في ذات الوقت “إشارات إلهية” تستبطن الخلاص، وستؤدي إليه حتما إذا ما أعدنا لها “الروح” اليهودية الزكية المتمثلة في النشاط الصهيوني القائم على الأسس التوراتية والعقائد التي صاغتها “أدبيات الربانيين”. جاء كوك بتصور جديد يقوم على منهج جدلي يجمع بين الجسد (الصهيونية والمادية) والروح (اليهودية الدينية)، ويفضي بالتالي إلى خلاص بأياد بشرية، وبتأييد إلهي، وإنشاء مملكة الله على الأرض، كأرضية لاستجلاب المسيح المخلّص، فإسرائيل الدولة تشكّل بذاتها تحقيقًا لرؤى الربّ وإرادته. عمل الراب كوك على إضفاء صبغة دينية وروحية يهودية على الصهيونية، وتعزيز الشعور الديني في الحركة، وركز على أهميّة الاستيطان في فلسطين.
ولعل ما يميز الحقبة الحالية التي تمرّ بها الصهيونية أنها مخاض جدلي يسعى إلى تحقيق تصور كوك هذا، وذلك من ّ خلال الإبقاء على الجسد الصهيوني (المؤسسات والتصورات والنشاط) وشحنه بروح دينية يهودية. يتجلّى هذا المخاض الجدلي في ما بات يطلق عليه تعبير «الحردلية»، الساعية إلى إعادة شحن الصهيونية بالروح اليهودية الدينية من جديد ليتسنى استدعاء مجيء المسيح المخلص[1].
لقد سعت الصهيونية إلى تحويل اليهود من طائفة دينية إلى قومية، ومن جماعة مقدّسة إلى أمّة حديثة. وهي، كما يذهب عزمي بشارة، نفي للتدين وللعلمانية في آن معًا. ولأنها تنفي النقيضين فإن فكرتها المجردة تحمل في ذاتها تناقضًا: عندما تنفي العلمانية تكون دينًا أو طائفة، وعندما تنفي التديّن تكون علمانية. إنها دين علماني، أو علمانية دينية. هكذا تتم صهينة الدين وتديين الصهيونية، ويتحوّل الاستيطان بنظر بعض المنظّرين الصهاينة، إلى عملية خلاص أساسية في الطريق إلى تحقّق الخلاص الأعم للشعب اليهودي. ويصبح المسيح المنتظر خارج التاريخ البشري ونفيًا له، هو جدلية التاريخ نفسها، في عملية تتم دون علم منفّذيها. وفي الوقت الذي تمّت فيه صهينة الدين اليهودي، تمّ أيضًا تهويد لغة اليمين الإسرائيلي المتمسك بـ”سلامة” وعدم تجزئة “أرض إسرائيل”. اليمين الإسرائيلي العلماني يصرّ على حدود أرض إسرائيل الكاملة وأمّة إسرائيل الكاملة وكلاهما يهوديّان. ولغة الراب كوك تنتصر، ليس فقط عند أتباع الراب راينس (همزراحي) وإنما أيضًا عند أتباع جابوتنسكي. لقد أصبحت الصهيونية الاستيطانية “الحقيقية” أو “الأصلية”، إن صحّ التعبير، نشاط قطب واحد في الواقع الإسرائيلي[2].
ولكن حتى تستطيع الحركة الصهيونية إخراج اليهود من السلبية الشتاتية، كان عليها أن تحوّلهم إلى قوة فاعلة مؤثرة في التاريخ بتخليهم عن انتظار الخلاص الإلهي، وكان عليها أن تصبح مسيانية بلا إله مخلص تواجه اليهودية التقليدية الشتاتية، التي ترفض استعجال الخلاص وترى به نكثا للقسم العتيق، وأن تنبش في قلب التقاليد عبر الأجيال عن مقومات مسيانية فاعلة[3].
عهد الربّ والحاجة إلى الخلاص
شكل السبي البابلي، في القرن 6 ق. م، ودمار الهيكل المزعوم[4]، أزمة في مستوى الدين والاجتماع والتاريخ، لينعكس النفي، في الوعي اليهودي، إحساسا بالحرمان، ويسهم مباشرة في تشكيل العقلية الدينية اليهودية، مخيما بظلاله على كتابة التوراة. وكان من الطبيعي أن يعيد هؤلاء اليهود صياغة العلاقة بين الله والإنسان ضمن الظروف المستجدة، والتي تنطلق أساسا من تغيّر تصورات هؤلاء للإله نفسه، وبالتالي للعلاقة بينه وبين عباده، التي كان مفهوم “العهد” ناظما أساسيا لها.
والكلمة اليونانية testamentum لا تعني عهدا وحسب بل أيضا قد تعني “الوعد” أو “الاتفاقية”، إنها التزام مقدس. وتشير التسمية “العهد القديم” إلى مجموعة قصص حول العقود الأقدم بين الربّ، وبين الشعب الذي اختاره الربّ. أما “العهد الجديد”، فهو نصوص تبيّن كيف عقد الربّ عهدا جديدا مع البشر[5]، فتعهد الله لنوح بألا تباد البشرية إطلاقا بالطوفان، كما وعد أبرام أو إبراهيم بأرض كنعان لنسله من بعده، ووعد “شعبه المختار” بأرض اللبن والعسل، التي لم تكن لهم ولم يبن مدنها لا آباؤهم ولا أجدادهم، ولم يحفروا آبارها بسواعدهم، ولم يغرسوا بأيديهم زيتونها، ويصلون إليها بتأييد وخلاص إلهيين؛ بإبادة جميع شعوب الأرض وأسيادها، وأهالي تلك البيوت “لأنك شعب مقدس للربّ إلهك، إياك قد اختار الربّ إلهك لتكون له شعبا أخصّ من جميع الشعوب على وجه الأرض، ليس من كونكم أكثر من سائر الشعوب… بل من محبة الربّ لكم، وحفظه القسم الذي أقسم لآبائكم أخرجكم الربّ بيد شديدة وفداكم من بيت العبودية من يد فرعون ملك مصر” (التثنية،7:7-8)[6]. هذه العهود كانت بمثابة التزام من الربّ تجاه شعبه، لكنها لن تبقى كذلك، بل ستتحول إلى اتفاقية أو التزام متبادل من الطرفين؛ فمقابل أن يمنح الربّ شعب إسرائيل مكانة “الشعب المختار” كان ينبغي على هؤلاء أن يلبّوا وصاياه وإلا نالوا عقابه؛ ومقابل أن يملك نسل داود العالم من بعده كان على داود أن يبني بيتا للربّ. لم تبق العلاقة بين الطرفين علاقة روحانية خالصة، بل أصبحت مادية ومشروطة.
جميع ما حل ببني إسرائيل من محن كانت عقابا لهم على مخالفتهم البند الأول من العقد بين يهوه وموسى “لا يكون لك آلهة أخرى أمامي” (الخروج، 2:20). هذا العقد كان مشروطا جزائيا تحت طائلة العقاب، لكن لم يكن من طرف واحد فربما رأى بعض اليهود أن الربّ لم ينفّذ ما يفرضه عليه العقد من التزامات، مما دفعهم إلى التحول إلى عبادة آلهة الشعوب الأخرى التي احتكّوا بها أو أقاموا بين ظهرانيها، واعترف يهوه بوجودها وشعر بالغيرة تجاهها “لأني أنا الربّ إلهك إله غيور…” (الخروج، 5:20). الإخلال بالشروط كانت عواقبه وخيمة مسّت طرفي العلاقة؛ يتحول يهوه إلى إله متعال ويحافظ على مسافة شاسعة بينه وبين شعبه، ولا يعود ثمة مجال للتواصل معه، بل يصبح بالنسبة لهذا الشعب غير جدير بالطاعة. هنا يتم البحث عن خلاص يخلّص الإله من تعاليه والشعب من إثمه.

النزعات الخلاصية
تأصلّ خلاص شعب إسرائيل من عبودية مصر في الوعي الفردي والجمعي على طول التاريخ اليهودي، ولا يزال كذلك، فلم يكتسب أهمية عقائدية وحسب، بل كَرّس في الوعي اليهودي نظرة إلى الذات بوصفهم (اليهود) جماعة إثنية مميزة، تجلى لهم جماعة وفرادى: الرب وملائكته ومعجزاته وانتقامه من أعدائهم. ونزلت عليهم الوصايا العشر، وكلّم الربّ قائدهم موسى مشافهة عند الوقوف في سيناء، وفدى الربّ شعبه ووعدهم بالخلاص من كل ضائقة ومصيبة تحل بهم، كما تعهد لهم بمنحهم بلاد كنعان، وإعادة مجدهم التليد، وجمع شتاتهم وقيامتهم من القبور دون غيرهم من الشعوب، ليسكنهم جناته، مانحا إياهم قلوبا جديدة، غافرا آثامهم السابقة. ولكن هذا الخلاص هو خلاص حصري لليهود، إذ سيخلّص المسيح أو الربّ نفسه اليهود دون غيرهم من البشر[7] وهكذا غلب الطابع “القومي” الجماعي على مفهوم الخلاص اليهودي.
العديد من أسفار العهد القديم تؤكد على أن الخلاص الحقيقي لا يأتي إلا من عند الربّ وحده، وأنه لا يكون بالحرب وإراقة الدماء، وهذا الخلاص الرباني المستقبلي يفيد خلاص الشعب من جميع مصائبه لا سيما الشتات والمنفى، ولم يتحدث العهد القديم عن أي شخصية (ملك أو قائد، ولاعن المسيح المنتظر) يمكنها أن تتحول إلى مخلّص بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل بقي الربّ وحده صاحب هذه المكانة، بخلاف ما سيظهر لاحقا بعد فترة تدوين العهد القديم، حتى زماننا هذا[8]، وإذا سلمنا بتوثيق أسفار العهد القديم، فإن النزعات الخلاصية اليهودية ستظهر في أعقاب دمار الهيكل الأول عام 586 ق. م، نتيجة الاقتتال الداخلي في فترة الأنبياء، إذا برزت الدعوات إلى ظهور مخلّص على هيئة ملك قوي يوقف هذا الاقتتال، ونلاحظ في سفر المكابيين الثاني معاني تفيد الخلاص بصورة كبيرة حيث وصفت انتصارات الحشمونيين ضد السلوقيين على أنها خلاص من الربّ. وحتى عام 136 لبست شخصية المخلّص الطابع البشري، باستثناء بعض التيارات الدينية الهامشية التي سكنت في الصحاري والقفار مثل الأيسيين والبيتوسيين، وبعض الصدوقيين الذين طوّروا مفهوما مغايرا للخلاص جمع ما بين الطابع البشري والإلهي القريب من مفهوم الإمام عند الفرق الشيعية. كتب هؤلاء لم تدخل ضمن الكتب اليهودية القانونية المعتمدة [9].
ما بين 66 م و136م لحق دمار كبير بفلسطين في معرض تمرد اليهود على السلطات الرومانية، حيث تفرّق من بقي منهم في جميع أنحاء البلاد. وفّرت هذه الفترة المضطربة سياسيا واجتماعيا وثقافيا انتشارا سريعا للنزعات الخلاصية، والديانة المسيحية، إذ رجت الجموع الرب ليسرع في مجيء المخلص الإلهي، لأنه لم يكن بمقدور أي ملك أو قائد تخليصهم مما هم فيه. فشل التمرد اليهودي، والحاجة إلى تأمين الاستقرار، فرضا على القيادات الدينية- السياسية اليهودية أن تضع حدا للمغامرات الثورية، ولجمها بربط الخلاص بالمشيئة الإلهية الصرفة، وركزوا على مباحث الأحكام والشرائع والقضايا الفقهية تجسيدا لهذا التوجه. ولكن ذلك لم يمنعهم من البحث عن “إشارات الخلاص” ممثلة في المحن والأهوال التي تحل باليهود؛ واضطهادهم؛ ووهن سلطتهم السياسية.

القطيعة وجبر التاريخ
فتح هذا الواقع الأليم الباب أمام الشك المتبادل؛ تساءل الشعب هل يهوه قادر ومقتدر كما صوّر نفسه عبر أنبيائه الذين بدا لهم، بدورهم، أن ليس لديهم ما يؤكد أن الشعب يستحق اختيار يهوه له. في ظل اختلال موازين القوى لصالح بابل، وانعدام الحيلة، أتت رؤى الأنبياء ونبوءاتهم وسيلة لشحذ النفوس، والترهيب والحث على عمل أي شيء، وربما أيضا كوسيلة للهروب من الواقع، وتعبيرا عن رغبة جامحة في تدخل الربّ لصالح “قومه”، أو “شعبه الخاص”.
لم يكن يهوه قادرا على تخليص الأمور لوحده، مرة واحدة والى الأبد. فجاءت رؤية إشعياء لوضع الأمور في نصابها من جديد، وللمضي نحو مستقبل أفضل للشعب وربّه. رأى إشعياء أن أول خطوة تتمثل في قهر بابل بأداة في يد يهوه كي يعود الربّ وشعبه إلى الأرض الموعودة، تحقق ذلك بتحالف اليهود مع قورش، ملك الفرس، لكن هذا العصر الخلاصي لم يدم طويلا، لا سيما مع احتدام الصراع الداخلي على بناء الهيكل بين المؤمنين بـ”يهوه” وأولئك الذين عبدوا معه آلهة أخرى، بوصف الهيكل رمزا مشتركا لكليهما. وتطلّع اليهود إلى حدث طارئ، يستجلب النهاية والخلاص. اعتقدت الرؤى أنه سيكون زلزال عظيم بعد الانتهاء من بناء الهيكل، يؤذن ببدء زمن الخلاص الحقيقي. لكن، مجددا لم يحدث ذلك، وتزعزع الأمل واليقين بـ”يهوه” من جديد، لتتحول حياة شعبه إلى سلسلة من الإيمان بنبوءة ومن ثم تكذيبها. وفي كل مرةً كان ينتظر الشعب أملا بالخلاص أو بظهور المسيح الذي سينزله الربّ، ظهر ما يبدد ذلك.

السبي البابلي

بدت الشراكة القديمة بين يهوه وشعبه قد انتهت لتحل محلها الجبرية التاريخية، وتحدّث الأنبياء عن قطيعة تاريخية بين عالمين، ما قبل النفي وما بعده. وهكذا، قسّموا العالم إلى زمنين، يفصل بينهما يوم يهوه؛ يوم الدينونة، وهو ذلك اليوم الذي سيحاسب فيه يهوه الجميع على أعمالهم. لقد خسر بنو إسرائيل اصطفاءهم بسبب إثمهم الخاص، وأرسل يهوه البابليين لمعاقبتهم. لقد ساقهم أثمهم الخاص إلى الكارثة، فلا معنى لتاريخه كله: من موسى إلى داود إلى الآن. إنه تاريخ باطل، مفوّت، وغير قابل للاستعادة، ولا أمل إلا ببداية جديدة يقوم بها يهوه مع هذا الشعب، لذلك نفى الأنبياء نفيا قاطعا أي يقينية خلاصية، وأملوا في شريعة جديدة آتية تستبدل القديم، وتأتي بالخلاص، فكرّسوا قطيعة تاريخية بين ما قبل وما بعد ملكوت يهوه، الذي سيصفّي حسابه مع الشعب قبل إحلال زمنه الجديد الأفضل. عند تلك النقطة، نقطة الفصل، ينتهي القديم المشحون بالآثام، وتبدأ الحياة الجديدة القدسية، تحت سيطرة يهوه ذاته أو تحت سيطرة مسيحه. هذه الحياة الجديدة كانت متوطنة في العالم الأرضي، لذلك اعتبرت استمرارا بهيا للحياة السابقة، ولكن في ظل علامات جديدة[10].
بعد أن ولّى عصر الحوار مع الرب، انتقلت الأنظار من يهوه إلى شعبه، الذي كان بصدد مد يد العون إلى يهوه لتشييد ملكوته وتحقيق الخلاص. وضع يهوذا المكابي نصب عينيه احتلال القدس هدفا، ففعل، قالبا، ووالده مثيا، موازين القوى، محولا مجموعة من اليهود الخانعين المجبرين على تغيير إيمانهم بارتكابهم المعاصي إلى مجموعة متمردين أقوياء رافضين التخلي عن معتقداتهم. انتظار الخلاص الربّاني سيتحول هنا والآن إلى خلاص بالوكالة، إذ إن القيادة الدينية رأت بنفسها وكيلة للربّ، مطّلعة على خططه، يستخدمها أداة بيده لفرض هذا التحول (الخلاص بالوكالة هو ذات النمط الذي سنراه مع ظهور الحركة الصهيونية). أعجب يهوذا المكابي بسطوة روما فتحالف معها ضد بقية شعوب المنطقة، ولم يعلم أن هذه القوة هي نفسها التي ستقوم بتدمير الهيكل بعد أقل من قرنين.

بين مَسيحَين
استخدمت الفكرة المسيانية على مدى الأجيال عنوانا لعدد كبير ومتنوع من التيارات والطرائق التي تراوحت ما بين الكوني والقومي، بين الترويعي والمُسالم[11]، وتعني كلمة “مشياح” (مسيح) بالعبرية و”مشيا” بالآرامية الممسوح بالزيت، وهي عملية طقسية للسمو بمقام المرشحين لمنصب كهنوتي أو ملكي أو للنبوءة: “وأتى رجال يهوذا ومسحوا هناك داود ملكا على بيت يهوذا” (صموئيل الثاني، 4:2)، ودعي الكهنة والملوك والأنبياء بـ “مسحاء الربّ”. ويلعب المسيح في التوراة دور المخلص، وتحوز شخصيته مميزات الكائن والملك الذي سيغير نظام العالم مدعوما بإرادة الرب “فيسكن الذئب مع الحمل، ويربض النمر مع الجدي، ويعلف العجل والشبل معا (…) ويضع الفطيم يده في جحر الأرقم. لا يسوؤون ولا يفسدون، في كل جبل قدسي، لأن الأرض تمتلئ من معرفة الربّ، كما تغمر المياه البحر” (إشعياء، 7:11-9).
فكرة الخلاص في اليهودية موضع خلاف، وقد طرأت عليها تغييرات على طول السنين بموجب السياق التاريخي والاجتماعي خلال الفترات المختلفة. وبقي هذا المفهوم “غير متجانس ولا مستقر شأنه شأن الكثير من الأفكار الدينية الأخرى المتصلة بالآخرة. والخلاص في أسفار موسى الخمسة خلاص قومي جماعي للشعب لا للأفراد، ويتم داخل الزمان لا خارجه، وفي كتب الأنبياء أخذ المفهوم يكتسب أبعادا إنسانية وأخلاقية واضحة، ومع التهجير البابلي والإحباطات المتكررة أصبح الخلاص مسألة ستتم في العالم الآتي؛ أي: في آخر الأيام، ولكن داخل الزمان وبشكل فجائي، وفي القرنين الأخيرين قبل الميلاد ظهرت فكرة الخلاص بعد البعث، وعند موسى بن ميمون يمثل ذلك أحد الأصول الأساسية لليهودية، وفي القرن السابع عشر ظهرت في صفوف البروتستانت العقيدة الاسترجاعية التي جعلت اليهود مركز رؤية الخلاص، إذ لا يمكن أن يتم الخلاص إلا بعد عودة اليهود إلى (صهيون) وتنصيرهم” [12].
تحولت الآمال المسيانية باعثا أساسيا على الاضطراب والاقتتال، وكان يجب إخماد أي حركة مسيانية، فبعد أن نجح الحمس (السيكارية) في معرض صراعهم مع الحركات الأخرى (الصديقيون والفريسيون) في التجهيز لأول هبة شعبية كبيرة على أرضية مسيانية (70-66م)، وتحولت إلى حرب أهلية، تدخل الرومان، واحتلوا القدس، ودمّروا الهيكل. بدت القدس وقد تحولت من “مركز للإيمان” إلى “مكان للوثنية”. الحروب المسيانية استمرت لاحقا لكن لم يشارك فيها المسيحيون، الذين اعتنقوا الدين الجديد، حيث مثّلت لهم انتفاضات اليهود على روما أحداثا سياسية لم تخلق لديهم أي توقعات مسيانية، فهم قد رأوا المسيح المنتظر في يسوع قبل قرن من الزمن ووجدوا أن يسوع يبقى المخلص وإن مات[13].
مع ذلك ثمة فوارق أساسية بين المسيا (المسيح) لدى كل من اليهود والمسيحيين: فرغم أن الله في التوراة سيكون له أبا ويكون هو له ابنا (صموئيل الثاني، 14:7)، فإن اليهودية تؤكد أن المسيح بشر من لحم ودم، وتفسّر هذه العلاقة الأبوية مجازا دالا على أن المسيح سيتمتع من نعمة الرب كما يتمتع الابن من نعمة أبيه. أما في المسيحية الكاثوليكية فالمسيح هو ابن الرب (في نفس وقت كونه إنسانًا): “الذين هم إسرائيليون لهم التبني والمجد والعهود والتشريع والعبادة والمواعيد والآباء ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلها مباركا إلى الأبد. آمين” (رومية، 9: 4- 5). والمسيح في اليهودية مستقبلي، بينما هو في المسيحية سبق أن ظهر: “قالت له المرأة «إني أعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتي…». قال لها يسوع «أنا الذي أكلمك هو»” (يوحنا: 4/ 25-26). لقد حل الإلهي في شخص عيسى بن مريم وهو حلول غير قابل للتكرار، ولا يشترط ظهوره في آخر الأيام تغيير نظام العالم والنجاح الحتمي في مهمته، ويكفي اعتراف الانسان (أي إنسان على خلاف الطابع القومي للخلاص اليهودي) بمسيحية يسوع حتى ينال الخلاص: “لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت” (رومية، 9:10).

المسيانية الصهيونية
اعتبر اليهود خسارة إسبانيا أكبر كارثة تحل بهم، منذ تدمير الهيكل في فلسطين (70 م). في الشتات، وجدوا أنفسهم دائمًا في المكان الخاطئ، وبدا النفي شرطًا وجوديًا، وكان اقتلاعا روحيا بقدر ما هو اقتلاع جسدي، إنه عالم بلا معنى، والنفي المرتبط بقسوة بشرية أثار أسئلة ملحّة حول مسألة الشر في العالم الذي يفترض أن إلها رحيما قد خلقه. كان النفي ألما محايثا لحياة خيّم عليها الارتياب في عدالة إلهية تسمح باضطهاد “الشعب المختار”[14]. عملت اليهودية الحاخامية أو المعيارية، على غرار المؤسسة الدينية الكلاسيكية على طول التاريخ اليهودي، على تهدئة التطلعات المسيانية، فأكدت أن واجب اليهودي لا يتحدد في العودة إلى الأرض المقدسة وإنما العيش بحسب التوراة، وانتظار الخالق ليقرر العودة ويرسل مسيحه المنتظر، وأنه من الكفر استعجال النهاية أو محاولة التعجيل بها. طغى هذا النهج على الثقافة اليهودية حتى نشوء الحركة الصهيونية، ففي ظل الاقتلاع الروحي والجسدي ومشاعر الذنب، لم تقدم اليهودية التقليدية الشفاء، كان عليها تطوير أشكال جديدة للإيمان، تستجيب للتراجيديا المستجدة، وتعيد إلى اليهود ما فقدوه من معنى. بعض التراثات التوراتية تحدثت عن كارثة تحل باليهود قبل ظهور المسيح، فأنصت يهود المارانوس[15] المنفيون في البلقان لهذه التراثات من خلال ظروفهم المتغيرة جذريا، واعتقدوا أن معاناتهم وإخوانهم اليهود في باقي أوروبا ما هي إلا “آلام ولادة المسيح” والتي سيولد عنها الخلاص والحياة الجديدة. وهكذا طوروا آمالا ألفية على غرار ما فعل كثير من الشعوب والمجتمعات البشرية. وتمثلت محاولات اختراق التوجه العام المتأثر باليهودية الحاخامية والأخذ بالعقيدة المسيانية في التيارات المتأثرة بالتصوف اليهودي (الكابالا) والحسيدية[16].
تستبعد فكرة “العصر المسياني” أو “سبت التاريخ” أو “نهاية التاريخ” شخصية المسيا، وبذلك صار بالإمكان تخالف المؤمنين والملحدين وظهور مسيانية لا دينية تحاول استرجاع العصر المسياني الذهبي في فلسطين عن طريق التكنولوجيا والعنف والوسائل اللادينية كافة دون انتظار مبعوث الهي[17] والحركة الصهيونية هي مسيانية بلامسيا، وهي حركةً خلاصية بامتياز سوسيولوجيا جاءت تلبي حاجة التجمعات اليهودية الأوروبية بوضع حد ّ للمجازر المرتبكة بحقهم ومطاردتهم (والتي نظر إليها على أنها من إشارات الخلاص الجلية)، كما تضمنت الاعتراض على مثل الحداثة التي وعدتهم، كما وعدت المجتمعات الأخرى، بالعتق من أغلال الإرث القديم، وفتح أبواب الرخاء والتقدم المادي والروحي، والاندماج بالمجتمع على أسس المساواة الفردية، لكنها أثارت مخاوف اليهود عامة لأنها طالبتهم بالابتعاد عن أنماط حياتهم وبعض معتقداتهم.
العلاقة المركبة بين المسيانية والصهيونية ليست مسألة نظرية فحسب، كما يراها الثيولوجي هليل بن ساسون[18]، فعودة أجزاء من “الشعب اليهودي” إلى المكان الذي يعتبرونه أرضهم الموعودة التي وعدتهم بها كتبهم المقدسة، تنعكس بصورة يومية في النقاش السياسي الإسرائيلي. حتى أن مدى حضور المسيانية في إسرائيل في القرن الحالي، من شأنه أن يبلور ويحدد المصير السياسي لدولة إسرائيل. وفي الواقع الراهن في منطقة الشرق الأوسط، حيث الأفكار الاسترجاعية عن الخلافة الإسلامية تستجمع قوة، رمزية وحقيقية على السواء، وفي ظل الواقع الذي يتجه فيه انتباه تيارات تنبؤية ترويعية من بين الجماعات المسيحية إلى تعزيز ودفع النبوءة بشأن نهاية العالم، حيث يؤدي اليهود دورا مأساويا وحيويا، يصبح مدى مسيانية الصهيونية مسألة حيوية ذات دلالات استراتيجية بالنسبة لمستقبل المنطقة.
المراجع والحواشي:
[1] نبيه بشير، الخلاص اليهودي في التراث اليهودي المقدس، مجلة قضايا إسرائيلية، عدد 63، ص22-31

[2] راجع مقالة عزمي بشارة: “مائة عام على الصهيونية، من جدلية الوجود إلى جدلية الجوهر”، مجلة الكرمل، العدد 53، خريف1997، والتي أعاد نشرها على موقعه الرسمي: https://bit.ly/32wt3BB

[3] بدا إنشاء إسرائيل في حد ذاته حدثا مسيانيا، وأسهم بن غوريون في الترويج له حين قال “شاء القدر أن يكون الحدث المسياني ـ وأنا أسمح لنفسي باستخدام هذا الوصف المثير للاحترام والفخر ـ بتجديد عهد الدولة اليهودية»، كما أُطلق على عملية شراء الأراضي من أصحابها العرب لغرض إقامة بلدات يهودية مصطلح “تخليص الأرض”. راجع: هليل بن ساسون، الصهيونية، الدين والمسيانية التي بينهما. “جبل الهيكل” (الحرم القدسي) كحالة قصوى، مجلة قضايا إسرائيلية، العدد 63، ص 51-64

[4] أتبنى هنا وجهة النظر التي ترى في دمار الهيكل في أكثر من مرة تعبيرا عن اندثار السلطة السياسية اليهودية وليس بالضرورة دمار الهيكل ماديا.

[5] هانس فوروهاغن، “فلسطين والشرق الأوسط بين الكتاب المقدس وعلم الآثار”، ت. سمير طاهر (القاهرة: الكتب خان للنشر والتوزيع، 2017)، ص13.

[6] في سياق استحضار أحداث العهد القديم لتبرير إبادة الشعوب في عصرنا الحديث، لا نتفاجأ حين نكتشف أن العديد من حاخامات التيار الديني القومي اليهودي في عصرنا الحاضر يؤكدون على أن وظيفة سكان البلاد الفلسطينيين السابقة (قبل هجرة اليهود إليها) تلخصت في رعاية الأرض وتجهيزها وغرس الأشجار والحقول وبناء البيوت وحفر الآبار لاستيعاب أفواج اليهود، وبالتالي فإن دورهم هذا قد انتهى ويمكن حاليا، بعد وفود اليهود إليها، الاستغناء عنهم، إما عن طريق طردهم أو إبادتهم؛ وبعضهم الآخر يستكثر هذا الدور على سكان البلاد الفلسطينيين ويستدعي أحداثا وأسماء توراتية للمساواة بين مصير هؤلاء المؤيد إلهيا ومصير الفلسطينيين في عصرنا الحالي (مثل الفلشتيين والكنعانيين). انظر نبيه بشير، مرجع سبق ذكره.

[7] فقد ظهرت لاحقا عقيدة راسخة (خصوصا منذ القرن الأول للميلاد) مفادها أن اليهود وحدهم يبعثون يوم القيامة، بينما بقية الشعوب والملل مصيرهم العدم المحض مثلهم مثل جميع الخليقة الأخرى من حيوان ونبات وجماد، الموت يتربص بهم ولكن الحياة الأخرى لا تنتظرهم. نبيه بشير، مرجع سبق ذكره

[8] نفسه

[9] أضاف يهود الإسكندرية ما يعرف باسم الأسفار القانونية الثانية والتي قبلتها لاحقًا كنائس الكاثوليك والأرثوذكس في حين رفض يهود فلسطين والبروتستانت الاعتراف بأنها كتبت بوحي.

[10] ديتر تسمرلنغ، “النهايات: الهوس القيامي الألفي”، ت. ميشيل كيلو (دمشق: قدمس للنشر والتوزيع، 1999)، ص40.

[11] هليل بن ساسون، مرجع سبق ذكره.

[12] عبد الوهاب المسيري، “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية” (القاهرة: دار الشروق، 1999)، المجلد الخامس، ص 64

[13] ديتر تسمرلنغ، مرجع سبق ذكره، ص 72

[14] كارين أرمسترونغ، “النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام”، ت. محمد الجورا (دمشق: دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2005)، ص22-23

[15] يهود شبه جزيرة أيبيريا الذين تحولوا إلى المسيحية، وظلوا يمارسون دينهم اليهودي بشكل سري.

[16] كانت حركة مسيانية بدون مسيا أو مبعثرة حيث تشتت الحلول الإلهي في عدد كبير من الأولياء الذين يسمون “تساديك”، جسّد كل واحد منهم قدرا من الحلول الإلهي وحوله عدد من الأتباع.

[17] عبد الوهاب المسيري، مرجع سبق ذكره، ص 297

[18] هليل بن ساسون، مرجع سبق ذكره.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This