“ما وراء الغضب”.. رحلة جديدة في رأس إميل زولا / أحمد محسن

الإجابة على سؤال يقول “ما الذي كان يدور في رأس إميل زولا في آخر أعوامه” ما زالت معقدة. بعد كثير من الدراسات، ما زالت الإجابة صعبة. في أواخر القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، كان العالم لاهبًا، كما لو أنه بأسره يقف على كتلة الجمر التي انفجرت لاحقًا حربًا عالمية في نسختين. مثل الجميع كان إميل زولا غاضبًا. لكنه عبّر عن غضبه بطريقة خاصة، ولأسباب اختارها بنفسه. قبل تحليل الأسباب، وصوابية الشعور، قبل البحث في احتمالات للإجابة، ربما يجب تعريف حالة الكاتب: كان زولا غاضبًا.
بمعنى من المعاني، كانت مقالاته الدفاعية عن داريفوس إعلانًا صريحًا أن القضية نفسها بمثابة حلقة وصل، بالكاد تُرى، بين زمنين. الزمن الأول: زمن الكومونة، والزمن اللاحق هو زمن الحربين العظيمتين. وما بينهما، إميل زولا، كجزء صغير في حلقة تجمع الساخطين، والعاجزين عن الاصطفاف في الأماكن التي كانت مطروحة. لكي تفهم المجتمع الفرنسي منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين، في أقل تقدير، يجب أن تقرأ بلزاك وفلوبير وإميل زولا. ليس وحدهم بالطبع، لكنك ستحتاج إلى جميع هؤلاء الروائيين لتكوين صورة أقرب إلى فرنسا في ذلك الوقت. رغم كل هذا الوقت، ما زال زولا يثير اهتمام الفرنسيين ويظهر مرجعًا لكي يعيدوا إنتاج أنفسهم، ضمن مجموعة متخيّلات وحقائق عن التاريخ وعن الحقيقة. في هذا السياق، وقبل أسابيع قليلة، نشرت «لوموند» مراجعات جديدة لأعمال زولا، اتكأت فيها على اثنين من أبرز دارسيه: آلان باجيه وايليونور روفورزي. «ما بعد الغضب»، لا يبدو عنوانًا غريبًا لعارف زولا، بل يبدو كصدى لصرخته الشهيرة، التي تشبه صرخات المثقفين التي تكتفي بذاتها كصرخة أحيانًا، ولا تتجاوز وظيفتها اللفظية، أي أن تكون صوتًا مجردًا في كهف عملاق هو التاريخ.
كانت حقبة مواقف متأرجحة، أكثر من كون زولا نفسه رجل مواقف متأرجحة. انطلاقًا من هنا، تدعونا الصحيفة لقراءة زولا مجددًا، ولكن من المنتصف هذه المرة. من دون اختزالات زائدة للوعي، وبتخلٍ تام عن المطالعة التي تتحكم بها المراهقة المحفزة كأيديولوجيا ثورية. ببساطة، تدعونا لقراءة كاتب في ذلك الزمن، وبشروط ذلك الزمن، لتقفي أثر صعود البورجوازية على طريقة زولا. هذه الدعوة، للمفارقة، قد لا تتلاقى مع أي شرح أفضل من ذلك الذي قدمه المفكر الماركسي جورج لوكاش للرواية، بوصفها أفضل إنتاج أدبي قادر على تفسير المجتمع البورجوازي. لكن ليست تلك مهمة نهائية لرواية زولا، بل إن إعادة القراءة وفقًا لمنهج أكثر احترامًا للتاريخ اليوم تبدو مسألة ضرورية، لفهم العلاقة بين مجموعات أحداث عاطفية وسياسية في ذلك الزمن.
هذا “المنهج” ليس حاجة فرنسية، بل هو حاجة إنسانية، وبالتالي عربية أيضًا. هناك الكثير ليقال دائمًا عن زولا، وعن حقبته. الكومونة. داريفوس والهوية. الحرب وما قبلها. جذوره الإيطالية. وأخيرًا: الغضب الذي يجمع كل شيء: تلك القدرة الأدبية التي امتلكها الكاتب ككاتب، بالمزج بين الغناء والعمارة، وفي رسم صورة حيّة لـ Parc Monceau، يمكنها العيش في الزمن. ليس خافيًا على أحد أن هناك أعداء للانطباعية، وأنها ليست تاريخية دائمًا. لكن الحضور الكثيف للقسوة في نصوص زولا ما زال صالحًا للتأمل في شكل ذلك الزمن، عبر سرداب تحدث عنه زولا نفسه: “ستجد في نصوصي متاهات، وبعد التفتيش هناك بدقة، ستجد القاعات والأضرحة ونوعين من الأماكن، معلنة وسرّية، ستجد الممرات المظلمة، والغرف المضيئة”.

قبل الغضب، وبعده أيضًا، يمكن اتخاذ موقف سلبي من “حياد” زولا أيام الكومونة، بوقوفه حسب كثير من الدارسين مع فرساي ضدّها. بعد انتشار الرسائل، صار الأمر معروفًا. لقد كانت تبريرات زولا أقل من حدة غضبه، وكانت تشبه الذرائع البورجوازية، التي تتلطى بالعقلانية لإنقاذ شرعية الحكم، وبالتعقل كحجة لكبت الثورة. كان زولا يعتقد أنه يجب أن تنتهي الثورة بنتائج واضحة، وألا تكون ضجيجًا. لكن هذه لازمة تُردد دائمًا من أصحاب المصالح القائمة. في Les Rougon-Macquart، لم يكن زولا غاضبًا، بل كان يقدّم نفسه كأحد الجمهوريين، وبلغة اليوم، ربما يمكننا تسميته بأحد المنتمين إلى يمين الوسط. وإذا التزمنا بدعوة “لوموند” للقراءة بمعايير ذلك الزمن، ففي “الهزيمة”، آخر فصول روايته، سنكتشف بورجوازية زولا المتأخرة، والغريبة في آن، فهو إذ يرفض مصالح الطبقة المهيمنة، لا يستطيع تبني مواقف الطبقة العاملة، التي كانت تملك محددًا تاريخيًا واضحًا وملموسًا في ذلك الوقت. لقد فضّل زولا المزارعين، وليس ذلك ما يجعله رجعيًا، بل ما يجعله كذلك هو رفضه المرهف للكومونة. ما بعد الغضب، يمكن القول إن زولا اعتبر رفضه للحالة الثورية، موقفًا ثوريًا. لقد كانت الكتابة بالنسبة له تعبيرًا دائمًا عن الغضب، لا عن الثورة. وبمعنى من المعاني، بعد كل شيء، قد يكون ذلك مفهومًا، إذا أخذنا بملاحظات المتخصصين بدراسته، كأحد أبرز القائلين بوجود علاقة متكافئة بين وظيفتي الأدب الرئيسيتين: المعرفة والأخلاق.
الزمن الذي نقرأ فيه إميل زولا، أو أي كاتب آخر، ليس تفصيلًا. علاقتنا مع تلك النصوص، تمرّ على نحو ما، في مرحلة ربما ندركها من الوعي، وربما لا ندركها. وبعد كل شيء، تصبح الدعوة للقراءة على هذا المنهج أكثر إلحاحًا، ليس للموافقة على مواقفه، ولا على اقترابه من الطبقة المعدمة من دون تبنى مصلحتها، إنما للتعرف على تلك المرحلة من جديد، من دون سخط. أما القبول بآراء زولا، خاصةً بالنسبة للقارئ العربي الذي يحتاج لاستكمال ثوراته، فليس أمرًا واردًا بالضرورة. لطالما حذّر صاحب الأصول الإيطالية البورجوازية من إهمال الفقراء والإمعان في استغلالهم. بداية القراءة السياسية الهادئة لزولا يمكن أن تكون من هنا بالتحديد: دعوة البورجوازية الصاعدة إلى “ترشيد” الاستغلال، لكي لا ينفجر في وجهها. البقية ستأتي. سيجد محبو الانطباعية ما يشاؤون في رواياته. الغضب محشور في نصوص، مع سلسلة طويلة من أزمات نهاية القرن التاسع عشر.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This