نيكولاي ستافروجين: أعظم إبداعات دوستويفسكي

  يقتبس دوستويفسكي فكرة رواية الشياطين من حادثة نيتشاييف الواقعة علم 1869، ويجمع بين هذه الحادثة وبين أفكاره الأخلاقية فيكوّن الأساس الذي تقوم عليه الرواية. يصف دوستويفسكي جماعة ثوروية تهدف للإطاحة بنظام الحكم وتقويض الكنيسة الأرثوذوكسية. تطمح هذه الجماعة للوصول للحكم، ولتحقيق هذا الهدف يلجأ أفرادها للاجتماعات السرية ويعتمدون على المكر وعلى قدرتهم على ارتكاب أفظع الجرائم لنيل مبتغاهم. تتسلسل أحداث الرواية وتصل إلى ذروتها عندما تنهار هذه الجماعة وتتفتت من الداخل نتيجة لأفعالها.

تتوزع الأدوار في الرواية على مجموعة من الشخصيات المحورية، ويمثل نيكولاي ستافروجين أهم شخصيات هذه الرواية. إن ستافروجين شخصية ملغزة بحق، تحيّر القارئ وتؤرّقه لشدة ما تمتلكه من أسرار. ستافروجين رجل غامض ومعقد، وينطوي على مزيج من الجنون والشر والرعب، لكنه في الوقت ذاته أعمق من ذلك بكثير. إنه وسيم، قوي، شجاع، عبقري، يحترمه الرجال وتعجب به النساء، إنه حالة فريدة من حالات الوجود الإنساني، لكنه يمثل بؤس الفشل وتعاسة الخواء. وكما يصفه الراهب تيخون، إحدى شخصيات الرواية: “كنت أخشى أن أرى قواك العظيمة غير المستغلة تتحول بإرادتك نحو الفحش”. كيف لشخص بكل هذه الموهبة والعبقرية أن يفشل فشلاً ذريعاً في الحياة ويفعل القليل من الخير مقابل الكثير من الشرور؟ لقد أرّق هذا السؤال دوستويفسكي، فسبر أغوار ستافروجين بحثاً عن الإجابة فأبدع لنا شخصية لا نظير لها في العمق والتعقيد.

ربما يكون أكثر الأشياء إثارة حول ستافروجين هو قدرته على التحرك بين الخير والشر والتنقل بينهما دون أن يدرك الهدف من ذلك. وتقع هذه المفارقة في عمق الشخصية حتى لكأننا أمام شخصيتين متمايزتين. يقول ستافروجين في رسالة بعثها لداشا، إحدى النساء التي كان على علاقة بهن: “أنا الآن كما كنت دائماً، أستطيع أن أرغب في القيام بعمل حسن، وأجد في ذلك لذة. وإلى جانب هذا أشتهي أن أرتكب عملاً سيئاً وأذوق من ذلك اللذة نفسها” (1). حتى إن اسم ستافروجين يدل على هذه المفارقة بالذات؛ ستافروس باللاتينية تعني الصليب، وروج تعني القرن الذي يرمز بالطبع للشيطان.

إن جانب الهشاشة الإنسانية في شخصية ستافروجين لا يمكن إنكاره. يظهر ستافروجين اهتماماً بزوجته العرجاء ماريا ويعطف عليها، ويحاول منع جريمة قتل شاتوف (أحد الأحداث المحورية في الرواية)، ويحاول تحذير الكابتن لبيادكين أن حياته في خطر، ويشعر بألم بالغ عندما تقرر ليزا أن تتركه. يظهر ستافروجين مدى واسعاً من المشاعر الإنسانية على مر الرواية؛ من الفضول للخوف للكآبة. كما يظهر تناقضاً في المشاعر؛ فعلى الرغم من الشجاعة الهائلة التي يبديها في مبارزته مع جاجانوف، فإنه يعود لبيته بعدها حزيناً شاعراً بالحسرة والضياع.

وهناك بالتأكيد ستافروجين الهمجي، المتنمر، القاسي، الذي يستمتع بحياته برفقة حثالة المجتمع، ويستطيع القتل بدم بارد، ولا يفوقه أحد بالخبث والشر. يهبط ستافروجين للعالم الأسفل طائعاً مختاراً (2)، ولا يرى الفرق بين أقذر الأفعال البهيمية وبين الأعمال البطولية. إن قصته تكشف عن سلسلة من الأضداد؛ فهو يقبّل زوجة أحدهم وسط جمع من الناس، ويجرّ جنرالاً متقاعداً من أنفه، ويعض أذن حاكم المدينة. وتستمر سلسلة تصرفاته شديدة الغرابة، فيتقبل صفعة على وجهه من شاتوف دون أن يرد عليه، ويشترك في مبارزة يسمح فيها لخصمه برميه أولاً، ثم يطلق نار مسدسه في الهواء (يصف المشهد إحدى طلقات الخصم حين تصيب قبعة ستافروجين، فيخلع ستافروجين قبعته ويتأملها وينسى كل ما حوله وينسى أنه في مبارزة أصلاً!). يتزوج ستافروجين ماريا العرجاء بسبب رهان، ولا يحاول منع جريمة قتلها لاحقاً. وأخيراً فإنه يدلي باعتراف رهيب كابوسي؛ حيث يقص حادثة إغوائه لماتريوشا وهي فتاة في الحادية عشرة من عمرها ودفعها للانتحار.

لماذا يتصرف ستافروجين بهذه الطريقة؟ يمكن رؤية تصرفات ستافروجين على أنها بجزء كبير منها تنبع من لا وعيه بدلاً من عقله الواعي. عندما سئل الكابتن لبيادكين إن كان يظن أن ستافروجين مجنون أجاب أنه بالتأكيد مجنون. كما أن الراهب تيخون يخبر ستافروجين أن هلوساته على الأغلب مرضية. إلا أن الأطباء يقررون بعد أن شنق ستافروجين نفسه أن حالته لم تكن جنوناً. لقد كانت تصيب ستافروجين حالات أشبه بالهذيان، وعند تصرفاته اللاعقلانية كان الناس يصفونه كأنه بحلم، كأنه بلا عقل، كأن حمى ألمّت بدماغه. وكثيراً ما يتشتت ستافروجين وينفصل عن الواقع وينسى ما يجري حوله. يصعب تقديم جواب سهل على سؤال جنون ستافروجين. ومن ناحية أخرى، فقد كان غير قادر على اختبار مشاعر الاتصال العاطفي الحقيقي، فلا يبدو أنه أحب بحق أياً من النساء اللاتي تعرف عليهن، حتى أمه لا يبدو أنه يستطيع إظهار مشاعر الحب والحنان تجاهها. إنه سائم من الحياة، غير مكترث بما حوله، يعيش متأرجحاً بين الخير والشر، لا يفهم نفسه ولا يتقبلها ولا يتمكن من العيش معها.

وإذا أردنا أن نفهم أصل هذه الشخصية وكيفية تكونها تدريجياً إلى أن وصلت إلى ما آلت إليه، فلا بد أن نلقي الضوء على ما أورده دوستويفسكي عن طفولة ستافروجين. كانت علاقة ستافروجين الطفل بأمه فرفارا بتروفنا مضطربة. كان يعلم أن أمه تحبه لكنه لم يشعر بكثير من العاطفة تجاهها. لم تتحدث أمه معه كثيراً ومنعته من القيام بالكثير من الأشياء التي كان يحبها، وكانت تراقبه بصرامة. لقد كانت تعامله كأنه شيء من ممتلكاتها. إن الأب بحياة ستافروجين غائب غياباً شبه تام. ما نعلمه عنه أنه كان جنرالاً طائشاً وغير مسؤول، وترك أسرته وذهب ليعيش في مكان آخر قبل أن يبلغ ستافروجين الثامنة من عمره. كان بديل الأب لستافروجين هو معلمه ستيفان تروفيموفتش الذي كان بدوره شخصية مضطربة طفولية. يمكن وصف حب فرفارا بتروفنا لابنها بأنه حب نرجسي، حيث كانت تحب أن تزهو وتفخر بنجاح ابنها في مجتمع بطرسبرغ في بداية شبابه، ولم يكن يمثل لها شخصاً مستقلاً بل جزءاً منها، تسقط عليه رغباتها وأهواءها في الشهرة بين أبناء المجتمع الأرستقراطي. وكما تسقط عليه رغباتها فإنها أيضاً تسقط عليه مشاعرها السلبية، فتذكر أنها ترتعد من الخوف أمامه وتخشى فيه جانباً لا تستطيع تمييزه بالتحديد، ربما يكون هو نفسه الجانب المظلم في شخصيتها.

إن فرفارا بتروفنا تشكل تمثيلاً جيداً لفكرة الأم الخيرة والأم الشريرة عند المحللة النفسية ميلاني كلاين (3). يرى الطفل في طفولته المبكرة الأم بصورتين متناقضتين: من جهة الأم الخيرة التي تهتم به وتطعمه وتلاطفه وتقبّله، ومن جهة أخرى الأم الشريرة التي لا تسمعه حين يبكي وتهمله حين يجوع. يكتشف الطفل تدريجياً أن الأم الخيرة والأم الشريرة هما في الحقيقة شخص واحد، ويحتاج الطفل أماً “جيدة بما فيه الكفاية” بتعبير المحلل النفسي دونالد وينيكوت (4) ليتمكن من التطور والنمو بشكل طبيعي وليتكيف مع بيئته. إن الأم الجيدة بما فيه الكفاية ليست الأم المثالية، إنما هي أم تحب طفلها وتقدم له ما تستطيع لكنها ليست معطاءة بلا نهاية، بل لديها نواقصها وتناقضاتها كأي إنسان. يمكن القول إن فرفارا بتروفنا لم تكن أماً جيدة بما فيه الكفاية، ولم يستطع ستافروجين أن يدمج صورتي الأم الخيرة والأم الشريرة بطريقة طبيعية وبالتالي انعكس ذلك على تكوين شخصيته. نجد أن ستافروجين يتقهقر خلف قناع زائف في بعض الأحيان لحماية “نفسه الحقيقية” ويقدم نفسه بهذا القناع للناس على أنه شخصيته. وفي أحيان أخرى يقوم بأفعاله الاستفزازية المؤذية التي تعكس الغضب اللا واعي الكامن فيه منذ الطفولة تجاه أمه. إن كثيراً من الأفعال التي يقوم بها ستافروجين في الرواية هي انتقام منه تجاه أمه، وتصل ذروة هذه الأفعال بانتحاره في منزلها لتجده ميتاً هي بنفسها.

لقد ورث ستافروجين النرجسية عن أمه، حيث عزل نفسه عن التواصل الحقيقي مع الناس وكان يرى الحياة من منظوره ويعجز عن التعاطف الحقيقي مع الآخرين، وخسر القدرة على الوعي بشّر أفعاله. إن اعترافه بخصوص ماتريوشكا يمثل الذروة في عدم قدرته على التواصل الطبيعي مع الآخرين والشعور بالذنب والمسؤولية عن أفعاله. لقد عامل ستافروجين الطفلة ماتريوشكا بخسة ونذالة وعنف بأقسى صوره، وكان في ذلك يوجه أفعاله لا واعياً تجاه الأم التي لم توفر له الحنان الذي احتاجه. إن اسم ماتريوشكا هو تصغير لماتريونا الذي يعني ياللاتينية الأم. إن الفعل الذي ارتكبه هو انتقام، وهو بنفس الوقت تماهٍ مع الفتاة الصغيرة التي بحثت عن الحب ولم تجده عند أمها التي عاملتها بقسوة، وبالتالي فإن جريمته بحق هذه الفتاة لا تمثل فقط إطلاق العنان لكراهيته بل وأيضاً محاولة يائسة لإيجاد نفسه الضائعة.

ربما يكون زواج ستافروجين من ماريا العرجاء بطريقة أو بأخرى تكفيراً للذنب الذي ارتكبه ستافروجين بحق الطفلة ماتريوشا. وربما يكون سماحه لخصمه أن يطلق عليه النار أولاً في المبارزة وسيلة رجا من خلالها أن يتخلص من حياته بما فيها من شرور. وربما يكون اعتراف ستافروجين أمام الراهب تيخون محاولة لإصلاح كل المساوئ التي قام بها. إن رغبات مضطربة تعتمل في نفس ستافروجين للتغطية على ما قام به. نتجه للنهاية المأساوية عندما يسعى ستافروجين أن يغفر له الراهب تيخون لكنه لا يفعل، حيث يدرك تيخون أن اعتراف ستافروجين ما هو إلا صورة أخرى من صور غروره وفساده؛ حتى بالمعاناة يظن ستافروجين نفسه أعظم من غيره. يضطرب ستافروجين ويقبض على صليب تيخون فيكسره في مشهد عالي الرمزية. ينتحر ستافروجين بالرغم من أن الانتحار لا يهبه أملاً ما، بل هو ضلال آخر في سلسلة لا نهائية من الضلالات. لا شيء حقيقي، ولهذا فإنه لا يملك شيئاً يعيش لأجله ولا يملك سبباً يدفعه للموت.

قبل إرساء قواعد التحليل النفسي من قبل سيغموند فرويد، كان دوستويفسكي قادراً بطريقة مبهرة على إبصار دواخل شخصية لا منتمية وخارجة على المجتمع، واستطاع أن يرسم لنا لوحة ستافروجين الأخّاذة بعمقها الإنساني وتعقيدها السيكولوجي، متجاوزاً كل الحدود في الغموض والخطر والعظمة. لقد أرّقتني شخصية ستافروجين في الليالي الطوال، ولم تبرح تلاحقني حتى في أحلامي، ولذلك كان لا بد لي أن أكتب عنها.

******

المراجع:

  1. دوستويفسكي،ف. (2014). الشياطين(د. سامي الدروبي، مترجم). بيروت: التنوير للطباعة والنشر والتوزيع.
  2. ولسون، ك. (1985). اللامنتمي (أنيس زكي منصور، مترجم). بيروت: دار العلم للملايين.
  3. Klein, M. (1975). Love, Guilt and Reparation and other works 1921-1954. London: Hogarth Press and the Institute of Psycho-Analysis.
  4. Winnicott, D.W. (1958). Through Paediatrics to Psycho-Analysis. London: Hogarth press and the Institute of Psycho-Analysis.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This