الترجمة من الروسيّة إلى العربيّة بين الأمس واليوم / أوس يعقوب

الحديث عن الترجمة من اللغة الروسيّة إلى اللغة العربية بين الأمس واليوم يعني الحديث عن الترجمات الأولى والتي يبدو أنها حدثت في نهاية القرن التاسع عشر في فلسطين، عندما أسّس الروس في العصر القيصريّ إرساليّة لهم هناك، قامت بتدريس اللغة الروسيّة، ما يعني أنّ علاقة الأدب العربيّ بنظيره الروسيّ قديمة، من خلال حجاج الأراضي المقدّسة من الروس المسيحيّين، كما تشير المصادر التاريخيّة، ثمّ تطوّر هذا الاهتمام واستمرّت الترجمة حتّى قيام الحرب العالميّة في مطلع القرن العشرين، وانتهت بذلك المرحلة الأولى من الترجمة عن الروسيّة، لتبدأ بعدها مرحلة نقل روائع الأدب الكلاسيكيّ الروسيّ عن اللغتين الإنكليزيّة والفرنسيّة، ثمّ اشتدّت حركة الترجمة إلى العربيّة، وتدفّقت ترجمات عمالقة السرد الروس من أمثال تولستوي، ودوستويفسكي، وغوغول، وبوشكِين، وغوركي، وتشيخوف وغيرهم.

ولكن ماذا عن راهن الترجمة عن الروسيّة إلى العربيّة اليوم مقارنة بما كانت عليه بالأمس؟
نسعى في هذا التحقيق لمعرفة الجواب، والبحث في الوقت ذاته عما إذا كانت هناك فعلًا أزمة ترجمة من الروسيّة إلى العربيّة؟ وما هو السبيل إلى تذليل الصعوبات من أجل آفاق أرحب؟ ومن ثمّ هل من مشاكل محدّدة اعترضت عمل من حاورناهم، وهم من أبرز المترجمين العرب للأدب الروسيّ في السنوات العشر الأخيرة؟ وأخيرًا، ما هي الحلول التي يقترحونها لإيجاد مستقبل أفضل يمكننا من الاطّلاع أكثر على روائع الأدب الروسيّ المعاصر؟
(أوس يعقوب)
نوفل نيوف: انقطاع كلّي عن حركة الفكر والتنظير والنقد
الشاعر والروائيّ والمترجم السوريّ الدكتور نوفل نيوف، المقيم في مدينة مونتريال بكندا، أكّد أنّ للترجمة عن الروسيّة إلى لغة الضاد أمْسين: أمس سامي الدروبي وترجمته الأدبَ الروسيّ (بوشكين، ليرمنتوف، كورولينكو، وروايات دوستويفسكي) عن اللغة الفرنسيّة (ستينيات القرن الماضي)، والأمس السوفييتيّ: “دار التقدّم” و”رادوغا”، بعجَرِهما وبَجَرِهما (وبروز ترجمات أبو بكر يوسف وخيري الضامن.. وعرب آخرين)، ثمّ غفوة الترجمة ما بعد البيريسترويكا (العشريّة الأخيرة من القرن العشرين)، مبيّنًا أنّ انتعاش الترجمة خلال العقدين الأخيرين، وظهور أسماء عديدة، جديدة وناشطة، تشتغل على نصوص كلاسيكيّة وحديثة، ظاهرة لافتة ومبشّرة، أيًّا كانت المآخذ التي يجب الالتفات إليها منذ الآن.
وعمّا إذا كانت هناك فعلًا أزمة ترجمة من الروسيّة إلى العربيّة؟ أجاب مترجم رواية «أين الله؟» لمكسيم غوركي: بالمعنى الجدّيّ، الترجمة في أزمة، إذ تتحكّم بالترجمة والمترجمين شروط قاسية: غياب التقييم والنقد، اعتباطيّة النشر، ضعف الأجور، هيمنة روح التاجر/ الصيّاد / الشاطر على معظم الناشرين… وانهيار القدرة الشرائيّة عند أكثريّة القرّاء العرب.

ولفت مترجم كتاب «الوعي والفن» لغيورغي غاتشيف، إلى أنّ المشتغلين في الترجمة عمومًا، ومن الروسيّة إلى العربيّة أيضًا، أصناف: بينهم المستسهِل، والباحث عن مصدر دخل، والمتنطّح، و”الساعي إلى الهيجا بدونِ سلاحِ”.. وبينهم من اختار الترجمة هدفًا ورسالة وحياة، يبذل قصارى الجهد لتقديم أعمال يتفانى في سبيل اختيارها وفهمها، وصوغ أسلوبها ولغتها بمعرفة ومسؤوليّة وضمير.
وشدّد مترجم رواية «قلب كلب» لميخائيل بولغاكوف على أنّ الترجمة عن الروسيّة تعاني من (انحصار) خانق في نقل الرواية والقصّة، يقابله انقطاع كلّيّ تقريبًا عن حركة الفكر والتنظير والنقد في الثقافة الروسيّة أمس واليوم.
وفي نهاية حديثه يرى د. نيوف، الفائز بجائزة “الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدوليّ” فئة الترجمة من اللغة الروسيّة إلى اللغة العربيّة عن ترجمة المجموعة القصصيّة «كل شيء عن الحب» لنديجدا طيفّي، أنّ الترجمة عمل إبداعيّ، اختياري، خارج البرامج والمؤسّسات. وهذا جانب طبيعيّ ومفهوم. لكن لا بدّ من برامج، ومؤسّسات غير ربحيّة، أو ليس الربح هدفها الأساس (ولدينا الآن منها نماذج قليلة)، تحتضن حركة الترجمة وجهود المترجمين، تقدِر الثمين، وتشجع الموهبة، وتوجِّه إلى ما تحتاج الثقافة العربيّة إلى ترجمته من كلاسيكيّات، وتيّارات، وأفكار متنوّعة.

نوفل نيوف: الترجمة في أزمة

إبراهيم إستنبولي: غياب العمل المؤسّساتي ومرجعيّة مختصّة
المترجم المصريّ الدكتور إبراهيم إستنبولي رأى بدوره أنّ ثمّة انتعاشًا كبيرًا في حركة الترجمة من لغة بوشكين إلى لغتنا العربيّة، وخصوصًا في السنوات العشر الأخيرة على وجه التحديد، بحيث أنّ حجم الترجمة من الروسيّة إلى العربيّة يفوق بأضعاف كثيرة ما كان عليه في الماضي، لأنّ ثمّة جيشًا كاملًا يزداد باستمرار من المنخرطين في الترجمة من الروسيّة إلى العربيّة، يضمّ كلّ مَن سبق أن درَس في الاتّحاد السوفييتيّ السابق أو في جمهوريّاته وفي روسيا الاتّحاديّة في وقت لاحق. هذا إذا ما استثنينا مرحلة معيّنة كانت تقوم بالترجمة دور نشر سوفييتية مثل “مير”، و”دار التقدّم”، ومع الأخذ بعين الاعتبار أنّهما كانتا تقدّمان إلى القارئ العربيّ ترجمات لأدب بعينه مرضي عنه من الجهات الحزبيّة والرسميّة. في حين أنّ الترجمة اليوم تطال عناوين وأعمالًا أدبيّة كانت ممنوعة أو غير مرضي عنها، ولم يُكتَب لها أن ترى النور في السابق.
مترجم كتاب «من القلب.. وإلى القلب» لمنتيمير شايمييف، يؤكّد أنّه في حال كانت هناك أزمة في الترجمة من الروسيّة إلى العربيّة، فهي تتعلق بالعشوائيّة التي تحكم مثل هذا النشاط وغياب العمل المؤسّساتيّ، عمومًا، وعدم وجود مرجعيّة مختصّة وعلى تماس مستمرّ ومباشر مع الحركة الأدبيّة والثقافيّة في روسيا من أجل اختيار العناوين بصورة عامّة، خصوصًا من التيّارات الحديثة في الأدب الروسيّ الذي يكاد القارئ العربيّ لا يعرف عنه شيئًا سواء في الرواية أو في الشعر. ثمَّ في تقرير جودة الترجمة، ذلك أنَّ كل مترجم يعتبر نفسه الأكفأ – وهذا حقّه في ظلّ الفوضى القائمة. إذ إنّ الأزمة الوطنيّة وما رافقها من صعوبات عميقة في الحياة المعيشيّة هي التي دفعت بأعداد الطلاب والخرّيجين للعمل في مجال الترجمة.
المشكلة الأكبر – من وجهة نظر مترجم رواية «عزازل» لبوريس أكونين- هي مع أصحاب دور النشر الخاصّة أوّلًا، ثمّ مع الجهات الثقافيّة والأدبيّة، مثل اتّحادات الكُتّاب مثلًا، التي تكاد أن تكون غائبة تمامًا عن حركة الترجمة. أمّا أصحاب دور النشر الخاصّة فما زالوا ينظرون إلى الترجمة على أنّها عمليّة بيع ونشاط تجاريّ، وهذا ينعكس على العناوين التي يختارها الناشر للترجمة، ومنهم مَن يرفض نهائيًّا فكرة العقود بين الناشر والمترجم، فضلًا عن مشكلة الغبن الذي يطال المترجم.
إبراهيم إستنبولي: التيّارات الحديثة في الأدب الروسيّ غير معروفة

تحسين عزيز: حقوق الترجمة لا تسدُّ الرّمق
المترجم الدكتور تحسين رزاق عزيز من العراق قال: بدأت حركة الترجمة من اللغة الروسيّة إلى اللغة العربيّة متأخرة في عالمنا العربيّ مقارنة بالترجمة من اللغتين الفرنسيّة والإنكليزيّة.
أضاف صاحب كتاب «اللغة والترجمة.. مسائل نظرية الترجمة العامّة والخاصّة»: ظهرت بدايات ترجمات الأدب الروسيّ إلى اللغة العربيّة في بداية القرن العشرين ولكن الترجمات الجدّيّة بدأت في النصف الثاني من ذلك القرن. وكانت في معظمها عن طريق لغة وسيطة، خاصّة ترجمات سامي الدروبي لأعمال (دوستويفسكي، وتولستوي، وتورغينيف)، ثم نشطت في الستينيات الترجمة من اللغة الروسيّة مباشرة، مثل ترجمات غائب طعمة فرمان، وخيري الضامن، وحياة شرارة، وأبو بكر يوسف. أمّا اليوم فهناك مترجمون رائعون يعملون على ترجمة الأدب الروسيّ من أمثال نوفل نيوف، وإبراهيم إستنبولي، وعبد الله حبه، وأنور إبراهيم، ومحمد نصر الجبالي، ونزار عيون السود، ويوسف نبيل، وأحمد صلاح الدين، وغيرهم.
يتابع مترجم رواية «الطيار» ليفغيني فودولاذركين حديثه قائلًا: أرى اليوم واقع الترجمة أفضل مما كان عليه في السابق ولكن لا يزال عدد مترجمي اللغة الروسيّة قليلًا. وأرى أنّه لا توجد اليوم أزمة بالمعنى الحقيقي في حقل الترجمة من الروسيّة إلى العربيّة، وهناك أعمال كثيرة تستحقّ الترجمة لم تُتَرجَم لحدّ الآن سواء من الأعمال الكلاسيكيّة أو من أدب القرن العشرين، لأنّ ثمّة الكثير من الكُتّاب يستحقّون الترجمة لكن أسماء مثل (دوستويفسكي، وتولستوي) غطت عليهم.
مترجم رواية «صبية من متربول» لليودميلا بيتروشيفسكايا يلاحظ أنّه بخصوص الأدب الروسيّ الحديث اليوم، فبرغم كلّ ما يُقال عنه، فإنّه يضمّ أعمالًا رصينة تستحقّ الترجمة، والمترجمون الذين يعملون على ترجمة الأدب الحديث قليلون، لافتًا إلى أنّنا في العالم العربيّ لم نترجم حتّى 10% من الأدب الروسيّ الذي يستحقّ الترجمة. ولكي نتجاوز هذه المعضلة يجب على وزارات الثقافة في الوطن العربيّ أن تؤسّس دواوين للترجمة تتولى ترجمة الجيد والمفيد. كما يجب دعم دور النشر الأهليّة وتقديم مكافآت مجزيّة للمترجمين، مبيّنًا أنّ أكثر المترجمين اليوم هم هواة وليسوا محترفين لأنّ أجور الترجمة غير مجزية ولا تسدُّ الرّمق.
ويختم د. عزيز حديثه معنا بالإشارة إلى ما يعترضه من مشاكل في عمله أثناء الترجمة، فيقول: أنا الآن متفرغ تمامًا للترجمة، ووقتي كلّه أكرسه لهذا العمل. والمشاكل التي تعترض عملي أوّلها: حقوق الترجمة، أحيانًا ثمّة أعمال جيدة تريد أن تترجمها لكن الحقوق تقف حائلًا أمامك، والمشكلة الثانية تدني أجور الترجمة، بالإضافة إلى نقص القواميس الروسيّة العربيّة التخصّصية. وهذه المشاكل يمكن تجاوزها إذا أخذت المؤسّسات الحكوميّة على عاتقها مسؤوليّة الترجمة.
تحسين عزيز: يجب تأسس دواوين للترجمة
عبد الله عيسى: الإخلاص لفعل الترجمة على أساس إبداعيّ
يعترف الشاعر والمترجم الفلسطينيّ الدكتور عبد الله عيسى أنّه لا يمتهن الترجمة، وإنّما يقوم بترجمة ما يرى فيه إضافة نوعية لحركة الفنّ الإبداعيّ، خاصّة الشعريّ العربيّ والروسيّ. ويعلمنا أنّ آخر هذه الترجمات كانت مسرحيّة نيقولاي غوميليوف «أبناء الله» التي يُعدُّها للطباعة، مشيرًا إلى أنّه لم يجد عثرة قطّ في نشر هذه الترجمات في منابر مهمّة.
مترجم كتاب «مختارات من الشعر الروسيّ»، أضاف: لعل أكثر ما يواجه المترجم العربيّ هو وجود دار نشر تقدّر هذا الجهد معنويًّا وماديًّا، وتقدّمه على نطاق أوسع ليصل إلى القارئ العربيّ. وعليّ هنا أن أشير بكل تقدير إلى الجهود الكبيرة التي يبذلها المستشرقون الروس في ترجمة الأدب العربيّ إلى اللغة الروسيّة، وإلى إخلاص بعض المترجمين العرب لفعل الترجمة، على الرغم من ظروف استثنائيّة يعيشونها.
وبسؤاله هل هناك فعلًا أزمة ترجمة من الروسيّة إلى العربيّة؟ يجيب محدّثنا: نعم، أعتقد أنّ هناك أزمة جدّيّة تتعلق بترجمة الإبداع من الروسيّة إلى العربيّة، بفعل وجود غياب حقيقيّ للمؤسّسات التي كانت تشتغل على حقول الترجمة من الروسيّة إلى العربيّة وبالعكس. فمع انهيار الاتّحاد السوفييتيّ، تلاشت مؤسّسات عظمى كانت تُعنى بهذا الحقل، مثل “دار التقدّم” و”رادوغا” اللتين قدّمتا للقارئ العربيّ عيون الأدب الروسيّ والسوفييتيّ، على الرغم من انحيازهما لترجمة الإبداعات التي تنسجم مع الأيديولوجيا السوفييتيّة، ولم يكن المعيار الحقيقيّ للاختيار مؤصّلًا على أساس فنّيّ إبداعيّ، ولهذا غُيبت نتاجات رموز إبداعيّة كبيرة مثل (نيقولاي غوميليوف، وميخائيل بولغاكوف، وفلاديميرنا بوكوف) وسواهم، لكن مترجمين عربًا التفتوا إلى هذه الإبداعات، وقاموا بترجمتها ونشرها انطلاقًا من أهميتها الفنّيّة والجماليّة في الآونة الأخيرة. وعلى الرغم من وجود هذه الأزمة التي نجمت، واتّخذت شكلين: أوّلهما:

انهيار دور النشر السوفييتيّة التي كانت تقوم بفعل الترجمة، وثانيهما: انكفاء مترجمين متخصّصين كانوا يعملون في هذه المؤسّسات عن فعل الترجمة، ما ترك فراغًا ملموسًا برغم وجود مترجمين ظلّوا مخلّصين لفعل الترجمة على أساس إبداعيّ، فإن فعل الترجمة هذا ظلّ إلى حدّ كبير يتلقف نتاجاتٍ محدّدة لكُتّاب معروفين، سواء في روسيا أو حصدوا شهرة خارجها في المهاجر والمنافي. ولم يكن المترجمون يولون محض انتباه يُذكر للتحوّلات الإبداعيّة التي تشهدها الإبداعات الشابّة والجديدة، ناهيك عن انحسار إبداعات كُتّاب الدول السوفييتيّة السابقة دائمًا من دائرة اهتماماتهم.
ويضيف عيسى: منذ تسعينيات القرن الماضي هناك نداءات ومحاولات لسد الفراغ الذي نجم بعد انهيار مؤسّسات الترجمة السوفييتيّة، لكنّها باءت بالفشل، ويبدو مستحيلًا إعادة إحياء تلك الظاهرة، فحركة السوق تتحكّم أيضًا بفعل الترجمة نفسه. من هنا يبدو الاهتمام بالأسماء الكبيرة المعروفة من قبل دور النشر الخاصّة. وأعتقد أنّه من الضروري في هذا الاتّجاه أن يُعنى القائمون على المؤسّسات أو المجلات المتخصّصة بالترجمة بالعناية أكثر بالإبداعات الجديدة التي يواصل القارئ العربيّ السؤال عنها.
ويحذر الدكتور عيسى من أنّه طالما هناك ظن لدى القائمين على فعل الترجمة بأنّ الرواية هي الأكثر قراءة، وبالتالي الأكثر مبيعًا، هناك انشغال أكبر على ترجمة الرواية عن غيرها من الفنون الإبداعيّة الأخرى. وربّما يكون اكتفاء علاقات التعاون بين اتّحادات كُتّاب روسيا واتّحادات الكُتّاب العربيّة بما لا يبتعد كثيرًا عن العلاقات التقليديّة الرسميّة عاملًا جدّيًّا لعدم إطلاق فعل الترجمة هذا إلى مناخات إبداعيّة جديدة.
عبد الله عيسى: هناك أزمة جدّيّة

أحمد صلاح الدين: جسر لعبور الأيديولوجيا
يحظى الأدب والثقافة الروسيّة – بحسب الباحث والمترجم المصريّ أحمد صلاح الدين- بأهمّيّة خاصّة وتقدير لدى القارئ العربيّ، ويعود الفضل في هذا إلى جهود الترجمة خلال النصف الأوّل من القرن العشرين، بفضل دعم الدولة السوفييتيّة غير المحدود، وهذا يرجع إلى رغبة الدولة في نشر ثقافتها في العالم العربيّ كجسر لعبور الأيديولوجيا.
يضيف صاحب كتاب «ورثة تالستوي.. على جسر كوزنتتسكي» (يورد الكاتب اسم تولستوي كما ينطق بالروسيّة): كان من السهل على القارئ والمهتمّ أن يعثر على ترجمات لأعمال أساطين الأدب الروسيّ بأسعار زهيدة في طبعات كبيرة وصلت إلى مئة وخمسين ألف نسخة في الطبعة الواحدة. بالطبع كانت هناك جهود للترجمة من قبل بعض الدول العربيّة، من خلال دور نشر حكوميّة وخاصّة، لكنّها ظلّت محدودة ولا تضاهي إسهام الدولة السوفييتيّة. وبعد انهيار الاتّحاد السوفييتيّ، تراجعت الترجمة والطباعة بشكل كبير، لكنّ الاهتمام من قبل دور النشر العربيّة شهد نموًا محدودًا اقتصر على إعادة طباعة ما نفد من الأعمال التي قدّمتها دور النشر الروسيّة الأشهر “رادوغا” و”بروغريس”، إضافة لبعض الأعمال الجديدة.
مترجم رواية «الأب سيرجي» لتولستوي يتابع حديثه: شهدت الترجمة تغيرًا ملحوظًا في الألفيّة الجديدة، حيث عادت الدولة الروسيّة للاهتمام بها ممّا أثمر عن العديد من الأعمال المترجمة، إضافة إلى استمرار نمو الاهتمام من جانب الناشرين العرب، نظرًا لوجود دوائر جديدة من القرّاء من الأجيال الجديدة ممن انتقل إليهم شغف الاطّلاع على الأدب والثقافة الروسيّة. وكان فوز البيلاروسيّة سفيتلانا أليكسيفيتش بجائزة نوبل (2015) وترجمة أعمالها للعربيّة ورواج اسمها بين القرّاء العرب في شتّى أنحاء الوطن العربيّ بمثابة دفعة قويّة ساهمت في اهتمام متزايد بالأدب والثقافة الروسيّة سواء بترجمة الأعمال الكلاسيكيّة أو المعاصرة. وإنّ متابعة بسيطة لرفوف المكتبات كفيلة بإدراك هذه الحقيقة.
وجوابًا على سؤال: هل هناك فعلًا أزمة ترجمة من الروسيّة إلى العربيّة؟ أجاب مترجم كتاب «صلاة تشرنوبل» لأليكسيفيتش: لا أتصوّر أنّ هناك أزمة في الترجمة عن الروسيّة، فهناك رغبة كبيرة لدى كافّة الأطراف المعنيّة، على المستوى الرسميّ وغير الرسميّ، بدفع عجلة الترجمة للأمام، لكن ربّما نكون في حاجة إلى بعض الضوابط التي تضمن الحصول على ترجمات متميّزة، فضلًا عن الحاجة لزيادة الأموال المخصّصة للترجمة سواء للأعمال الأدبيّة أو غير الأدبيّة. وأتصوّر أيضًا أنّ الساحة الآن تضمّ عددًا لا بأس به من المترجمين الأكفاء أكثر من فترات سابقة، لكنّ هذا لا ينفي الحاجة لبرامج تدريب حقيقيّة تؤهل المترجمين على النحو المطلوب للقيام بالمهمّة الصعبة.
أحمد صلاح الدين: دفع عجلة الترجمة للأمام

جودت هوشيار: حركة الترجمة ليست في أزمة ولا هي مزدهرة
يؤكد الكاتب والمترجم الدكتور جودت هوشيار من العراق أنّ ترجمة الكلاسيكيّات الروسيّة إلى العربيّة بدأت منذ عشرينيات القرن الماضي نقلًا عن لغة وسيطة هي الإنكليزيّة غالبًا، وعن الفرنسيّة أحيانًا، وهي برأيه ترجمات تشوبها عيوب كثيرة أهمّها التلخيص والاهتمام بجزالة اللغة، وليس بروح النصّ، ودقّة الترجمة. ومع نشوء التحالف الغربيّ- الروسيّ خلال الحرب العالميّة الثانية، اتّجهت دور النشر العربيّة اليساريّة إلى ترجمة أعمال كبار الكُتّاب السوفيّيت عن الإنكليزيّة والفرنسيّة، لندرة المترجمين من الروسيّة، لتنتعش حركة الترجمة من الروسيّة بعض الشيء في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم مع تخرّج آلاف الطلبة العرب في الجامعات السوفييتيّة، وتأسيس دور نشر سوفييتيّة متخصّصة في ترجمة الأدب الروسيّ مثل دور “رادوغا” و”بروغريس” و”مير”، التي كانت تركّز أساسًا على الكلاسيكيّات الروسيّة وأعمال الأدباء الملتزمين بمذهب الواقعيّة الاشتراكيّة.
صاحب كتاب «مأساة الكُتّاب الروس»، يتابع تأريخه لحركة الترجمة من لغة دوستويفسكي إلى لغة الضاد، قائلًا: بعد تفكك الاتّحاد السوفييتيّ مرّت روسيا بفترة انتقاليّة عصيبة، أُلغيت خلالها كافّة دور النشر الحكوميّة وبضمنها تلك المتخصّصة في الترجمة، وتراجعت حركة الترجمة المباشرة من الأدب الروسيّ حتّى تأسّس “معهد الترجمة” في موسكو عام 2011، والذي يقدّم دعمًا ماليًّا محدودًا لدور النشر وللمترجمين من الروسيّة إلى لغات العالم ومنها العربيّة.
صفوة القول – وفقًا لمترجم ومقدّم كتاب «جى دي موباسان» لتولستوي- فإنّ حركة الترجمة من الأدب الروسيّ إلى العربيّة لم تكن في يوم ما مزدهرة قطّ. ولا يمكن أن نقول إنّها في أزمة، لأنّ الأزمة تعني تغييرًا حادًّا ومفاجئًا في شيء ما. وهذا لم يحدث مع حركة الترجمة من الروسيّة إلى العربيّة، التي كانت وما زالت ضعيفة قياسًا إلى الأدب الروسيّ الباذخ الثراء.
ويلفت هوشيار إلى أنّ دور النشر العربيّة لا تنشر اليوم عملاّ أدبيًّا روسيًّا معاصرًا، إلّا في حالتين: أوّلاهما: الاتّفاق مع “معهد الترجمة” الروسيّ، وثانيهما: حدوث ضجّة أدبيّة كبيرة في الغرب حول ذلك العمل، مشدّدًا على أنّه لا يمكن ترك عمليّة الترجمة للأفراد واختياراتهم، كما لا يمكن إنجازها كنشاط تكميليّ لنشاط أصليّ، وإنّما ينبغي أن يُعهد بها إلى مؤسّسات ومعاهد ومراكز متخصّصة متفرغة كلّيّة لهذا النشاط.
وفيما يتعلق بنشاطه في هذا الحقل المعرفيّ ذكر المترجم العراقيّ أنّه في العادة لا يترجم إلّا للكُتّاب الذين يستمتع بقراءة نتاجاتهم، والذين تدفعه رغبة عارمة لإشراك الآخرين في هذه المتعة الفكريّة والجماليّة، دون أن يخفي علينا أنّه قد تعترضه أحيانًا مشكلة كيفيّة الحفاظ على روح النصّ الأصليّ وإيقاعه، وكيفيّة إبراز أسلوب المؤلف، بحيث يبدو ما يترجمه نصًّا غير مترجم.

‘ن ضفة ثالثة

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. أوس يعقوب

    السادة الأفاضل في إدارة الموقع
    تحياتي
    أعزائي أسألكم لماذا تم وضع اسم الدكتور جودت هوشيار إلى جانب العنوان الرئيسي للتحقيق الذي أعددته لموقع “ضفة ثالثة”؟!
    الدكتور جودت هوشيار الموقر أحد المشاركين بالتحقيق لذا أرجو حذف الاسم الموضوع لسبب لا أعلمه أمام العنوان وشكرا لأنكم ذكرتم المصدر لكن من الضروري احترام أساسيات العمل الصحفي مع كل الشكر لكم في إدارة هذا المنبر المتميز.
    مودتي وتقديري
    أوس يعقوب محرر التحقيق

أضف تعليق

Share This