الهويّة الشّهيدة

 

في كل صحوة تجدك دائرا داخل صراع بين أناك اللحظية وأناك المستمرة، حين تهرب منها باسم مستعار يحمل بعض هويتك التي لا تملك يدا فيها رغم أنها صارت رمزا لك؛ وتحمل أفقا من الحرية التي تود عيشها في سجن هويتك الحقيقية؛ هوية وحرية شيآن يدفع حاملهما ثمنا غاليا في بلادي إن فكر أن يكون حرا في هويته الحقيقية. تلك الهوية التي إن كشفت الستار عنها قد تُعتقل لأنك تنتمي إلى الجانب الخاطئ بمحض صدفة ولادتك البحتة وربما بمحض أعمالك في “حيواتك السابقة!”، وإن كانت هويتك منتمية للجحافل ستعيشها على العلن وتسحق بأقدامك كل من تخالف هويته هويتك فقط لأنه ينتمي لأقلية ما.

كل مرة ترفع رأسك عن هذه الحياة لتأخذ شهيقا قبل الغوص من جديد، تلتقط لمحة من سطح زمن تعيش فيه؛ وقد يخطر على بالك في جزء الثانية ذاك عبارة “أيها الإنسان اعرف نفسك!” أمرٌ أم نصيحة بحجم الكون لا أقل!؛ أنا/الهوية أفكاري بكل ثانية مذ كنت جنينا حتى ولادتي، عواطفي التي دفعتها لتكون ما عليه أو جاءتني غصبا من مشارب ثقافاتي التي أعلمتني متى أحزن ومتى أفرح ومتى لا أبكي ومتى لا أعبر عن مشاعر الرجال الطرية! وتاريخ زيجات ضمن بوتقة الطائفة التي ترفض اختلاط الأعراق وتفاخر بذلك، وانتماء لثقافة ما ورائية بالقوة وبالفعل، وبطهور علامات الفحولة على بشرة حنطية في أرض أقدم من الزمن صُهرَت في إنسان فكونتني، ولسخرية القدر حتى من فعلني بالصدفة أو بالدراية لم يعلم أي نتيجة سأكون.

في البدء كان الأمر نجاحا/خضوعا! أن تتناول الطعام الذي اختارته لك أمك، وأن تذهب لقضاء حاجتك وتحافظ على نظافة ثيابك وهدوئك وترتيب ألعابك والمكان، ثم أن تنفذ رغبة المعلمة؛ وأن تنجو من تنمر زملائك المردة حتى لا تغضب ذويك، وأن تحضر علامة جيدة لوالدك! وأن لا تكشف عورتك ولا أن يكشفها لك أحد، ثم صارت أن ترضخ لخصائص القطيع؛ وتمارس الرياضة وتكَون ثلة من الأصدقاء، وأن تنظر في عيون زميلاتك اللاتي يعجبنك، وإن كنت تملك الشجاعة تصارح احداهن بذلك أو تكتب رسالة وترسلها لهن، وتتفاخر أمام أقرانك بعدد اللاتي تكلمنهن، وبفحولتك عند البلوغ؛ وأن تميز دينك عن أديان الآخرين رغم أن أعز أصدقائك قد يكونوا من الأديان الأخرى؛ وقد تضرب صديقا تحبه باسم الطائفية رغم أن أبناء طائفتك أسوء لكنك تكتفي بكرههم ومسايرتهم. ثم تصبح الهوية ثورة على كل قانون وواجب وفرض ولازم وأبوية وقيم وانفجار وانفتاح لدرجة الانفلات والتبعثر.

وفي أوج تبعثرك ترتطم بأرض الواقع المتبعثر الأكبر؛ وبعد رعشة عقلية مراهقة تظنك ولجت الحياة اثرها، فتلبق لك الدنيا قناعا من شظايا المراية المجتمعة لتخلقك من جديد في لوحة فسيفسائية، تُظهر منها كل مرة الشظية التي يجب أن يراها من تصله؛ إنها حرية مقنعة دون وجود وسط طبيعي يتقبل شظاياك المجتمعة تلك ويصهرها في مرآة الحياة الواحدة القانعة الرؤوفة؛ فمحيطاتنا سامة، لا تسنح التعبير عنّا بحرية دون أن تلدغنا هويات الآخرين!

الهوية أنت الآن؛ الهوية أنت عبر الزمن؛ الهوية ما فعلت وما تفعل وما ستفعل! هي استمراريتك ونقطة انعطافك الشخصي؛ حين تتعرف على صديق محب وتكتشف أنه مغاير بالطائفة، فتُنزل كل مقدساتك وطواطمك عن الرف وتضعها على ميزان الواقع والحق والواجب والمهزلة أو موقدة النار؛ حين تلتقي نصف روحك الأندلسية وترفرفان معا كالحمامات فوق كل السماوات! وتناشد “ابن حزم” لو لم تخف من نار التكفيريين في الدنيا لكنت قلت أن الحب دين المتحابين؛ وفوق اعتبارات الجميع دون وجل!.

ثم تصبح الهوية صراع مع الشظايا التي تجرح وجهك؛ فتحاول التخلص من آلامك، فمنا من يرموا كل الشظايا ويعيشوا بوجه عار أمام الحر والبرد والصفعات و”المحبة”! ومنا من يكتفوا بشظية واحدة تجرحهم ويجرحوا بها؛ ومنا من يصهروا الشظايا في قالب مداهن محاكي ويرموا وجوههم الحقيقية؛ ومنا من يتركوا الشظايا تشوه وجوههم حتى لا يتعرفوا هم على أنفسهم في لحظات النظر إلى حقيقة ذواتهم.

“درست الأركيولوجيا دون أن أجد الهوية في الحجارة! هل أنا حقا أنا؟” في الساحة الخلفية يدور جدل واسع حولي! أنصت لتلك الوساوس تتحاور وتثرثر من أكون؟! في بلاد إسلامية اختلف أبنائها على هويتهم، أبناء الطوائف أم المذاهب أم أبناء الإسلام! وأي إسلام لم يحسمه فقهائنا بل كفروا وسحلوا كل من اجتهد به وكفروا حتى أنفسهم، ثم صاح أبناء العروبة والقومية الشاسعة بنا نحنا أبناء العلا نسل قحطان “الذي لم نعرفه يوما”.. وتآمر العرب على بعضهم؛ وعاد أبناء الحضارات ليقولوا لنا: “نحن سكان الأرض مذ مشى الإنسان الأول بعد أن نزل عن الشجر! وهذي رفاتنا وعظامنا ومكاحلنا وتيجاننا وأساورنا وحروفنا وبيوتنا وسفننا ونجومنا وسيوفنا وعرباتنا وأهراماتنا..” ثم قال أبناء الاقتصاد والسياسة والمجتمع والفلسفة: “نحنا حيوان منتصب وناطق وسياسي..” وعاد علينا أبناء غبار النجوم برواياتهم الفضائية وهبوط الحياة من السماء، وخطوة أول قرد منتصب!؛ وصرخ الجميع بهم: “اصمتوا وإلا!” وبين الساحة الخلفية وبين قناعي أقف متعرقا مرهقا متلظٍ بلهيب حقيقتي بين اللحظة الآنية وبين الزمن المجرد.

هي فلسفة الهوية “الرشدية”: “يغرق من على شاطئها ويعوم من في وسطها”، مخاض وولادة ونشوء وتكون ومخاض وارتقاء ثم ضياع أو هداية؛ أو ضياع فهداية؛ أو هداية فضياع.. وإما الاستمرارية وإما الغياب. وشهيد الهوية هو من نبش ذاته وصبر على ألم النبش واقتلع جذور العفن من روايا شرايينه، وتبنى النبالة في وجه الانحطاط، وشجع غيره على الارتقاء ودافع عن مقتنياته وكنوزه واستنتاجاته وقضى في سبيلها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This