إبستمولوجية باشلار

(نظر في التحقيب العلمي والعائق الإبستمولوجي)

المقدمة:

تعالجُ هذه المقالة التصورات الإبستمولوجية عند غاستون باشلار، الذي قدم تصوراً يخص تحقيب العلوم وكذا مفهوم العائق الإبستمولوجي. هذا وقد قدمنا جملة من التصورات مناقشين فيها أراء باشلار، وغرضنا من ذلك بيان حدود الإبستمولوجية الباشلارية ومدى نجاعتها في حال انفتاحها على الأبنية المعرفية الأخرى، وبناء على هذا فإنّ المقالة تأتي في ثلاث محاور رئيسة. الأول: نلخص فيه تصور باشلار لتاريخ العلوم، والمحور الثاني: نناقش فيه مسألة تطور العلوم، باعتبارها مسألة استمرارية وبنائية، أما المحور الأخير، فهو يناقش أراء باشلار في إطار مضاد لما قدمه باشلار، إذ أُعلن عن تصور استمراري للعلوم يناوئ مفهوم العائق والقطيعة، كما يقدمهما باشلار.

المحور الأول: تصور باشلار لتاريخ العلوم

كل تصور إبستمولوجي للعلم، إلا ويتبنى نظيمة schema معينة لتطور العلوم وتشكلها وإنجازاتها وعوائقها، ولا شك أن هذا التبني يتقصد تحديداً معينا لصيرورة العلوم، تبعاً للمنهج والموضوع واعتناق المذهب (مثالي/ مادي/واقعي) وبالتالي؛ يكون التصور قابلاً بصورة لاشعورية، للانزياح نحو تصورات غير مرنة للعلم مثل، (المدرسة الوضعانية/ والمادية الجدلية/ المثالية). تكونُ في بعضِ الأحيان مغالية في تصورها، لذا لا يسلم تصور معين من نقدٍ، باعتبار ميدان تاريخ العلوم مجال نقدي واسع، تتمثلُ فيه الموضوعية العلمية، بالمقارنة مع الأبنية والأنساق المعرفية الأخرى. ومن المعلوم أنّ غاستون باشلار Gaston Bachelard، يتبنى طرحاً معيناً لتطور العلوم. إذن ماهو تصور باشلار لتاريخ العلوم؟ وما طبيعة النظيمة التي يقترحها باشلار لتاريخ العلوم؟ وماهي الثغرات الإبستمولوجية في اقتراح باشلار؟

يعلنُ باشلار منذ الصفحات الأولى لكتابه، “تكون الفكر العلميla formation de l’esprit scientifique”، عن تقديم رؤيته لتحقيب العلوم بعد أن محص بين الرؤى والتصورات التي قدمت تصوراً لتطور العلوم، بحيث نجده يميز بينَ ثلاثِ حقبٍ أساسية:

الحقبة الأولى: وهي الحالة قبل – العلمية وهي الفترة الممتدة، من قبيل العصر اليوناني وبعيده، مروراً    بعصر النهضة إلى حدود القرن الثامن عشر[1]، وتتكون الرؤية العلمية للأفراد في هذه المرحلة، “بانشدادها لما هو ملموس وعياني، مشدودة فقط إلى الصور والظواهر، يَكون مصدرها الكتابات الفلسفية التي تحتفي بالطبيعة والعالم والتعدد[2]“.

الحقبة الثانية: وهي “التي تمثل الحالة العلمية، وهي تبتدئ من أواخر القرن الثامن عشر، مروراً بالقرن التاسع عشر إلى بديات القرن العشرين”[3]، ويتمتع المخيال العلمي للأفراد في هذه الحقبة، بكونهِ “يمزجُ بينَ ماهو محسوس ومجرّد، بين التجارب الفيزيائية والنظيمة الهندسية ويتعاطى فلسفة مبسطة، وتكون وضعية المخيال العلمي في هذه الحقبة، وضعية مفارقة بحيث يكون الفكر متأكداً من تجريده الواضح، الذي يتمثل الحدس الحسي[4]“.

الحقبة الثالثة: وهي الصيغة الأمثل والتي تعبر عن الحالة العلمية الجديدة، وهي على وجهٍ أدق تبتدئ من سنة 1905، وهي سنةُ تشكل النظرية النسبية مع اينشتاين، في الفيزياء[5]“، وما تلاها بعدَ ذلكَ من تطورات في ميدان ميكانيكا الكونتية/ quantique، وفتوحات هيزنبرغ الفيزيائية الخ، تتميز هذه المرحلة بكونها مُجردة، تعي أسس الفكر العلمي ومقوماتهِ، وهو وعي ذو طابّع رافضٌ لحدس المكان الواقعي ومتخلص من التجربة المباشرة[6]“.

هذه المراحل الثلاث بحالتها، التي يميزُ بينها باشلار، تؤكدُ على فرضية التطور العلمي وفقاً لهذه النظيمةِ التي قدمها، لكن باشلار وهو يطرحُ تحقيبهُ ينظرُ إلى تطور العلوم، باعتبارها وحدة داخلية منعزلة عن المثيرات الخارجة عنها وبالتالي؛ فهو يصدر احكاماً غير مرنة على الحالتينِ الأولى والثانية، بحيث اعتبر الحالة الأولى، حالة شعورية ساذجة يدفعها الشغف نحو البحث والاستكشاف، أما الحالةُ الثانية، هي حالة أستاذية تُعبرُ عن الوثوقية في النجاح والاستدلال، أم الحالةُ الثالثةُ عندَ باشلار، فهي الحالة الأقوى على التجريد، حيثُ يبرز انشدادٌ قوي نحو التدقيق والتجريد، يكون الشعور العلمي في هذه الحالة مؤلم ومنشغل بالاستقراءات الناقصة والغير التامة، التي تلجُ المغامرة بدونِ سندٍ تجريبي ثابت[7]. هذه الحالات الشعورية التي يطرحها باشلار، لاتشتركُ في شئٍ مع الأخرى، يل هي منفصلة عنها تماماً، أو بلغة باشلار هي في قطيعةٍ عنها وبالتالي.

فإنّ الفكر العلمي مغاير للفكر السابق عن العلم في طريقةِ نحتِ المفاهيم وبلورة الوقائع، فإنّ التجريب العلمي يناقض التجربة العادية؛ في حين أنّ الرابطة بينَ المعرفة السابقة عن العلم (أي المعرفة قبل- العلمية) والمعرفة العامة قوية وقريبة. فالمعرفة السابقة عن العلم مطبوعة بالأحكام الكيفية والتقريبية، بينما تستند الإقرارات العلمية إلى التجهيزات الدقيقة، حيث تبني موضوعاتها بناءً عقلياً مجرداً[8]“.

يرتبطُ هذا التصور لتحقيب العلوم، بمشروع باشلار الابستمولوجي الذي يدرس المفاهيم العلمية وفق نظامٍ داخلي متزامنtemporel  بتاريخيتهِ. لذا يأتي مفهوم القطيعةRupture  كصورة مكملة لهذا التصور الباشلاري، فمفهوم القطيعة الابستمولوجية يقومُ بدور الإلغاء والإنجاز، إلغاء التصورات الساذجة – المعرفة العامة- وإنجاز تصورات ابستمولوجية علمية – المعرفة العلمية- تضعُ المعرفة العلمية، كحقيقة موضوعية صارمة، يتطورُ على إثرها العلم وفقَ هذه القطائع. وبالتالي فإنّ العلاقة التي تجمعُ بينَ تصور باشلار ومفهوم القطيعة لسير العلوم، هو تصور غير بنائي (غير استمراري) لتاريخ الفكر العلمي، وكما يؤكد محمد وقيدي  أنّ باشلار أراد ان يَكونَ لمفهوم القطيعة صورة أخرى أيضاً وهي ” أنّ تاريخ العلوم يفهم انطلاقاً من حاضره لا من ماضيه. ذلك لأن الحاضر وإن كان ينفي الماضي من جهة فإنه يحتويه من جهة أخرى[9]“.

من خلال هذا كيف يمكن أن نتصور تاريخاً للعلوم يقطعُ مع ماضيه؟ ألا يقتربُ تصور باشلار من التصورات الوضعانية التي تدعي التجاوز ضد أنساق معرفية خصوصاً الأسطورة والميتافيزيقا؟ وماهو درس الابستمولوجية المتماسك؟

المحور الثاني: درس التاريخ الإبستمولوجي: البناء والسبك

لا يقف تاريخ الأفكار العلمية على أرضيةٍ صلبة، إلاّ إذا انفتح على المكونات المعرفية الأخرى (الأساطير\ الفلسفة\ الفن\ الدّين)، المتنوعة المصادر، والمختلفة الأبنية والأنساق. إذ لا يتطور العملُ العلمي والنشاط التجريبي للعالِم، إلا تحتَ وطأة الذاكرة وسلطة التاريخ، باعتبار الكائن الإنساني كائنٌ محدُودٌ في الزمانِ والمكانِ، فالتشكلات المعرفية للظاهرة العلمية، لا تخضعُ في صيرورتها، لمجرد قوانين استنباطية وأخرى استقرائية. بل إنّ النّشاط العلمي للعالِم يخضعُ لمؤثرات متعالية عن الظاهرة العلمية في حدّ ذاتها، باعتبار أنّ المفاهيم كائنات مشحونة بذاكرة ثقافية[10]. تفرضُ ذاتها على النشاط العلمي للعالم أو الفيلسوف في نشاطهما، ولا يتحدد الموضوعي والذاتي، إلا على مستوى النظر وفقَ خطوات افتراضية ومنهجية، تفصح عن تعقب أسباب ونتائج الظاهرة العلمية، فالحديث عن حيادية المنهج وموضوعيته أو صورنة العلوم له سياق ثقافي وتاريخي. نشأ عن تصور معادٍ للميتافيزيقا والدّين، مقرراً بوثوقية الفصل بينَ العقل والعاطفة، العلم واللّاعلم، عقلاني ولاعقلاني، متوهماً أطراً ابستمولوجية، يمكنهَا الحد من – على حد زَعمه- إزعاج العلم. وبالتالي إفراز علم خالص من شوائب الميتافيزيقا، واستعارات اللغة، التي لاتضيفُ إلى العلم شيئاً بل تشوشُ على مفاهيمه بسبب غموضها. صحيح أنّ اللغة الطبيعية غنية الدلالات مما يسبب غموضها، لكن هل يعني هذا إزاحتها من تشكل النشاط المفهومي للعلم؟ ألا يمكنُ أن تكون اللغة الطبيعية هي المختبر الأولي – على الأقل- لتكون البناء العلمي في نشاطه؟

ما تقترفه التصورات الوضعانية positivism، والشبيهة الوضعانية من خطأ؛ هو اعتبارها النموذج الرياضي هو النموذج الأمثل للعلم المعاصر، وفي الحقيقة هذا محض ادعاء وطموح، لم يتجاوز الادعاء فقط؛ اذ على سبيل المثال، كيف يمكن صورنة اللغة الطبيعة؟ أو كيفَ يمكنُ الحد من الميتافيزيقا والقطع معها؟ أوليس العلمُ في أحدِ صوره ميتافيزيقا أخرى؟ هل الاعتبار الصورني formalization للعلوم الإنسانية يضعُ حلا لمشكلتها؟

إنّ التطور التاريخي للعلوم، يحيلنا على درس آخر، وهو أنّ القضاء على الأنساق الكبرى ذات الجذور في التاريخ، هو تقويمٌ لها، ولا يمكنُ الحد منها، إلا على سبيل التشذيب والتهذيب. ولعل سبب ذلك أنها توجدُ في قلب المواضعات الإنسانية، لهذا فالادعاء بإزاحتها من دوائر العلم والمعرفة لم يتم أبداً، بل الملاحظ هو العكس.

لكل رؤية إبستمولوجية تصور معين عن صيرورة العلوم وتطورها، ومدى مساهمتها في تطور العلوم، وكل تبنٍ لنظيمة معينة، هو نزوع نحو اعتبار تشكل نظرية علمية ومدى تأثيرها، بداية العملية الأساس في تشكل العلوم، والقطع مع الفكر العلمي السابق، وبداية براديغم paradigm جديد، يعوض البناء السابق عليه، أو يبني تصوراته الجديدة بناءً على ما أنتجه التصور العلمي السائد. فتصورات غاليليو –مثلا- حول النظام الكوسمولوجي، لم تأتي منَ فراغ، بل من عملية بنائية للتصورات السابقة عليه[11]. ولذا يبدو هاهنا، أنّ العملية التراكمية في العلم، هي سليلة النظام العلمي ذاته، وأي ادعاء للقطائع التامة بينَ البريدغمات العلمية، هو تصور تعسفي للعلم ولكافة الأبنية والأنساق المعرفية الأخرى. صحيح أنّ هناكَ عوائق قد تؤخر لفترة ما، تقدم العلم، لكن لايعني هذا أبداً أنّ العلم ذاته لايتقدم بهذه العوائق، بل هذه العوائق هي من صميم البحث العلمي وصيرورته، فبقدر ما تكون هذه العوائق دوراً في تباطئ التقدم العلمي، بقدر ما تكونُ اختباراً له ولفرضياته. ولربما تلكَ الصرامة الأكسيومتية axiomatic التي تمتلكها الرياضيات، عبر تاريخها الطويل هي من صميم العوائق التي جعلتها النموذج العلمي الأكثر صرامة. لذا فالعوائق الابستمولوجية ليست هي المشكلة بحد ذاتها بل العكس، ربما يكمن المشكل في عقلانية التصور العلمي، الذي يجادل عن تصور وضعاني خالص للعلوم، وهذا هو ما أثر بشكلٍ كبير في مفاصل العلوم الاجتماعية والإنسانية، في فترة ما، حين اتخذت من المنهج العلمي الفيزيائي- الرياضي، المثالَ الأوحد للوصول إلى صرامة نظرية، تجعلها نظير العلوم الفيزيائية- الرياضية، فأدت في كثير من الأحيان الى سوء فهم عميق للأبنية المعرفية الأخرى ( الدين\ الفن\ الأسطورة\ العقل)، بداعي صدورها عن عقل خيالي.

المحور الثالث: الطرح الباشلاري لمفهوم العوائق الإبستمولوجية

في تاريخ البحث الابستمولوجي تقف عدة رؤى متعددة تجعل من تاريخ العلم مطية نحو تأويلات متضاربة حول كيفية التطور العلمي ذاته، ومنَ المعلوم عندَ الباحثين المتمرسين في أعمال باشلار نزوعه العقلاني الجدلي النقدي، في الابستمولوجيا وتاريخ العلوم. صحيح أنّ باشلار يقف عندَ التطورات المفهومية للعلم، في صيرورته، لكنه يغفل تفاصيل عديدة تؤثر في مفاصل العلم، وهو ما يؤكده البعزاتي حين اعتبر باشلار،  بأنه لايقف عندَ المفاهيم التفصيلية لتطور العلوم بما فيها الخلافات المذهبية والتأويلات المتعددة[12]. ومنه ما يجعل أراء باشلار مثار قلق وشك، ولاسيما مفاهيمه الابستمولوجية الرئيسة كالعائق والقطيعة.

إذن ماهو العائق الابستمولوجي عندَ باشلار؟ وكيف يقوم العائق الإبستمولوجي بالحد من تطور العلوم؟ ولماذا يدمج باشلار المعرفة العامية خارج ترسيمته الإبستمولوجية؟ هل المعرفة العامية تعتبر معيقا ابستمولوجيا في الصيرورة العلمية أم أنها اختبار لفرضياته؟

يبدأ باشلار كتابه الموسوم ب” تكون الفكر العلمي”، بتعريفه للعائق الإبستمولوجي، بعد أن تحدث عن الحقب التاريخية لتطور العلم، بقوله: العائق الإبستمولوجي، هو” حينما نبحث عن الشروط الجوانية للتقدم العلمي، نقف بداية عندَ قناعة مفادها، أنّ سبب العوائق العلمية، لا تأتي من عوائق خارجية ، بل هي في حقيقة الأمر جوانية مثل: التعقيد وبروز الظواهر واختفائها، أو حتى في إدانة الحواس أو –وهن- القدرات الانسانية، بل على الأصح في الفعل المعرفي لها، حينها تظهر العوائق والاضطرابات الوظيفية، وهنا بالضبط تبرز أسباب النكوص والتراجع، وهو ما يسبب جمودا علميا ويزيد من العوائق الإبستمولوجية، وهو ما سندعوها بالعوائق الابستمولوجية.[13]” من الملاحظ أن باشلار يصدر عن رؤية عقلانية للعلم، فهو يعتبر أن طبيعة العائق الإبستمولوجي، ذو طبيعة جوانية\ داخلية، وأن السبب الرئيس في نكوص السير العادي للعلوم، لا يأتي إلا من جهة كونهِ جزءً لا يتجزء من الطبيعة الإنسانية.

يعتبر باشلار أن العائق الأول أمام تقدم العلم، ما يسميه بالتجربة الأولى la première experience، فبالرغم من كونها تساهم في تشكل الروح العلمية، وهي جزء لا يتجزأ منه، إلا أنها معرفة غير موضوعية، بسبب التصاقها بالذات العارفة. وهي عبارة عن كتلة سيكولوجية، تؤثر بشكل كبير في الصيرورة العلمية، لذا فالعمل على تحليلها ومقاربة مكونتها، عبر أليات التحليل النفسي، يبقى طريقا أنجع نحو رؤية علمية وموضوعية للمفاهيم والتصورات العلمية[14]. وفي هذه الحالة يأخذ البحث الإبستمولوجي طريقا نحو التحليل النفسي للذات، التي تساهم – حسب باشلار- في نكوص التقدم العلمي، وعلى العلم أن يتسلح بالصرامة الرياضية والموضوعية. لأنّ عقلانية العلم تمتاز بالقطع مع التصورات العامية، مما يجعل نسيجها اللغوي رياضياً\ صورياً، بعيدا عن أشكال اللغة الطبيعية، المتدفقة والمشحونة بالاستعارات والتمثيلات المجازية، التي تعيق التقدم العلمي.

من هنا تأتي تصورات باشلار حول لغة العلم، فهو يعتبر أن من مهمة العلم، الكفاح من أجل إزاحة التمثيلات والاستعارات، التي غالبا ماتكون عبارة عن انطباعات وإسقطات ذاتية[15]. تتسبب في اضطراب نتائج العلم، فعلى العلم أن لا يترك مجالا لتسرب هذه الظواهر الخارجية عن العلم. ربما هذا التقابل الذي يقيمه باشلار بين المعرفة العامة la connaissance commune، التي تعتبر حاملة لتصوراتٍ ساذجة عن العلم ومعيقة له، وبين المعرفة العلمية التي تتسم بالوحدة والانسجام الداخليين، هو نزوع وضعاني للعلم فيه نوع منَ التسرع، والحكم القبلي القاطع، إذ كيف ينفصل ذهن العالم الذي يبحث في الظاهرة العلمية عن تصوراته الذاتية؟ وكيف لا تتسرب حسبما يسميها باشلار بالتعميمات الزائفة الى الظاهرة العلمية بحد ذاتها؟ إن باشلار لا يقول عن طريق الحد من هذا، سوى طريق التحليل النفسي الذي يكف عن الأخطاء الموروثة عن الماضي، لا تكون المعرفة العامة أو الرأي العام، إلاّ عنصراً من العناصر المعيقة للعلم، ولتصوراته البديهة، رغم التطور الذي أبداه العلمُ في كافة حقبه، وخصوصا المعاصرة، إلا أنها معقل الخطأ وأساس نكوص العلم.

يكمن التصور الابستمولوجي الباشلاري في اعتبار موضوعة العائق، متجددة باستمرار فهي في جدلية وديمومة duration، كلما خطى العلمُ نحو التقدم كلما أفرز عقبات وعوائق بصيغة أخرى، فجوهر التصور الباشلاري للعلم، لا يحيدُ عن كونهِ صيرورة من الأخطاء تُقومُ ذاتها!، لا يخلو هذا التصور من تعميم وتسرع أيضاً، إذ هناك خلل في ربط الصيرورة المفاهيمية للعلم، وللأبنية المعرفية الأخرى، لأن هناك تفاصيل مهمة في تاريخ العلم والابستمولوجيا، تكشف عن محدودية هذا التصور[16]، ولاسيما أنّ باشلار يطرح مجموعة من العوائق الأخرى كالعائق الجوهري،[17] التي تعتبر شكلا من أشكال النكوص المعرفي، نجده مثلا يطرح ما يسميه بالعائق الحيوي[18] وهي مجموع العقبات ( الظواهر)، الإحيائية التي تستفز الأذهان باعتبارها معيقا إحيائياً يساهم في نكوص الظواهر الفيزيائية، لأنّ هذي الظواهر الاحيائية تتسربُ إلى مجالٍ غير مجالها، لذا سينصب اهتمام البحث التحليلي النفسي الإبستمولوجي على رصد هذه الظواهر واستبعادها عن مجال المعرفة الموضوعية العلمية، وهي الفيزياء بحسب باشلار! من هنا نقف عندَ أهم ملامح مفهوم العائق كتصور مفهومي يكونُ حائلاً أمام تقدم العلوم وبالتالي؛ نجمل القول ونستخلص من هذا التصور ما يأتي:

  • أنّ العائق الإبستمولوجي هو مجموع المعيقات الجوانية التي تؤدي بالعلم إلى نكوصه.
  • تمثل التجربةُ الأولى عائقا أمام المعرفة الابستمولوجية، وذلك بسبب الذات.
  • يميز باشلار بين المعرفة العلمية والمعرفة الساذجة للعلم التي تتسم بالتعميم وهي شكل من أشكال العوائق الابستمولوجية، التي يجب الحد من تسربها.
  • يعتبر العائق الحيوي أحد العوائق التي تخرج عن ميدانها البيولوجي إلى ميادن أخرى كالفيزياء والكمياء.

خلاصة وتركيب:

إذن؛ يقدم باشلار تصورهُ الإبستمولوجي في إطارٍ نظري، يتفحص الأبنية والمفاهيم في سياق داخلي/جواني، متمحلاً من شروطه الخارجية الأخرى، التي تكون قياساً إلى الشروط الداخلية للعلم موضوعية، ولا يكشفُ عن هذا الطرح، سوى تصوره لصيرورة العلوم باعتبار تَطورها هو تَطورُ قطائع، والعوائق هي الترسبات الجوانية التي تحدُ العلم عن التطور، لذا يبقى المنهج الجدلي النقدي، وفق أليات التحليل النفسي، طريقاً موضوعياً للكشف عن هذه العوائق والحد منها. ومن خلال هذا يتبينُ لنا تصور باشلار الإبستمولوجي حول طبيعة المعرفة العلمية، ومن خلاله سننتقل إلى المحور الرابع، لنقف عند معالجتنا لمفاهيم باشلار وتقويمها.

المحور الرابع: رؤية تقويمية لتصورات باشلار الإبستمولوجية

تظلُّ الفلسفة أثناء اشتغالها وانشغالها، منفتحة على كافة الأنسجة والأبنية والأنساق المعرفية، من أسطورة وفن وعلم، فهي تُقَطّع وتَنْسجُ وتركِّبُ، وتَبني وتَهدم، وتربط وتحل، وتصيغُ وتكرر … في صيرورة وسيرورة. إذ ليسَ هناكَ بناءٌ فكري (لاهوتي/ ناسوتي) مكتمل، إنها (الفلسفة) سؤالٌ متجدد واسع الرؤية، يترابط والأبنية المعرفية كافة، فتاريخ العلوم والمعارف كلية، تتمفصل على الأقل حول الموضوع وإن اختلفت المناهج والنتائج. بحيث تتفاعل هذه الأبنية والأنساق (اللاهوت/ الأسطورة/ الفن/العلم)، فيما بينها عبر السيرورة العلمية – بدرجات مع الحفاظ على المسافة والخصوصية فيما بينها– وعبر المكونات الادراكية لذهن الانسان، والنشاط العادي في الحياة اليومية، متنقلة من معرفة تلقائية إلى معرفة علمية مضبوطة ومعقدة، على شكل توليفات وانتقاءات أنطولوجية لا واعية، وأحياناً متسربة عبر النشاط الإدراكي المختزل والمخترق، لصور يصعب حصرها أو ضبطها، لذا تبقى مسألة التفاعل بين المعارف في إطار السيرورة العلمية في جدل دائم وانفتاح مستمر. وهذا بالتأكيد يقودنا حصراً لمناقشة أراء باشلار حول ترسيمتهِ لتطور العلوم، وهو نقاش ينصب بالأساس حول ما إذا ما كان مفهوم العائق الإبستمولوجي يؤدي دوراً سلبياً في كافة العلوم على حد سواء، أم أنّ هناكَ حدودا لهذا التصور؟ وهل حقا يسير العلم بمعنى القطائع التاريخية والابستمولوجية؟

يشكل التاريخ سلطة، لأنه منطقة صراع ونزاع من أجل السيطرة على المعنى وفرض التصورات والتأويلات، ولا شك أن رؤية باشلار الإبستمولوجية تخضع لهذا النزاع. وإن اتجه التصور الإبستمولوجي الباشلاري نحو مجال مقيد (العلم)، بالمقارنة مع المعارف الأخرى. وبناء على هذا فإننا نناقش أراء باشلار العلمية، من خلال جملة من الحجاج وهي كالآتي:

  •   يتحدث باشلار عن تاريخ التفكير العلمي، وكأنّ العلم يتكونُ من فراغ أو هو في صيرورة مجردة، بينما ما يحدث هو العكس فالنشاط الخارجي عن الظاهرة العلمية، يكون له تأثير كبير في تبلور المعرفة العلمية، ليس أقلها الخيال، الذي يشحذ الذهن ويهيئ له فرضياتٍ غير متوقعة.
  • من المهم فعلا أن نعرف أن تسرب بعض المفاهيم إلى مجالات غير مجالها قد يعيق تطور العلوم، لكن على الأصح فإنّ بعض هذه العوائق هو تطوير لعلوم أخرى قد تكون داخل أو خارج النسق الذي تسربت منه، وهو ما أشرنا لهُ سابقاً باعتبار هذه العوائق ديمومة وهذا ما يمنحها الجدلية.
  • إنّ باشلار وهو يبحث عن العوائق الداخلية التي تمنعُ العلوم من التطور، لم يكن أمامهُ من نموذجٍ سوى العلوم الرياضية والفيزيائية والكيمائية، بيدَ أنّ المنطق الإبستمولوجي يستلزمُ قراءة المكونات الخارجية عن هذه العلوم، والانفتاح على ميادين أخرى من طبيعة ابستمولوجية مغايرة.
  • لم يكن تحليل باشلار للمفاهيم العلمية التي أنتجها، إبستمولوجيا- تاريخيا، بحيث لم يقف على التشكل الداخلي والخارجي للمعرفة العلمية، وهو ما أدى بهِ إلى إقصاء السياقات التاريخية والثقافية في تشكل العلم.
  • ينفي باشلار تكون المعرفة العلمية من الماضي، باعتبار أنّ الماضي يحتوي على معيقات ابستمولوجية، لذا يدعو إلى القطيعة معه، لكنه يغفل أنّ التطور العلمي حتى وإن شهدَ قطائع على مستوى المفاهيم فإنهُ يرتبط به منهجاً وموضوعاً. ذلك أن الفروض العلمية التي تنتجها معرفة علمية ما، قد نجد لها جذوراً في بناء معرفي أخر، وبالتالي؛ فإنّ سير العلوم كما تصورهُ باشلار، لايسيرُ دائما بنفس القيمة النظرية التي خلص إليها، بل هناك استمرارية وبنائية.

خلاصة:

بناءً على هذه المعطيات فإنّ طرح باشلار حول طبيعة المعرفة العلمية، ينبعُ من تصوره لسير العلوم، وهو ما دفعنا لمقاربتها منذ البداية حتى يتبدى لنا الطرح الإبستمولوجي لمفهوم العائق، الذي يشكل أحد المفاهيم الأساس في ابستمولوجيا باشلار، بيد أن الاستعمال الأبرز لهذا المفهوم وإمكانية استثماره، تجلى بوضوح في ميدان علوم التربية، عكس ميدان العلوم، كما أنّ لهذا المفهوم حدوداً يقف عندها، رغم فعاليته المعرفية، وهو ما حاولنا إثارته في ثنايا المقالة.

ربما أصدر في مناقشتي لأفكار باشلار في جدة التصورات الابستمولوجية المعاصرة، التي اقرت بالتداخل المعرفي بين المعارف، وهو ما يجعلنا نؤكد أن تاريخ العلم هو تاريخ اعادة بناء، فتاريخ العلم الذي يزيح الاعتبارات التداولية والمقامات السيكولوجية والسوسيولوجية في تكون المعرفة العلمية، هو فهم ينطوي على كثير من الاحكام المتسرعة.

خاتمة:

بعد أن اطلعنا على بعض من أراء باشلار الإبستمولوجية، وجملة الآراء التي اضطلعنا اذ أمكننا مناقشته، قدر الإمكان والملكات المعرفية اتي نحتازها بالقوة، فإنا نؤكد في الختام كما أعلنا عنه منذ البداية، أنّ تصورنا الإبستمولوجي هو تصور بنائي للمعرفة، يعطي الأولوية لمجموعةٍ منَ الاليات التي نعتبرها مثمرة في المعرفة العلمية أو العامة، بحيث نعتبر أن الثانية سليلة الأولى وهي النواة التي يمكن فيها اختبار فرضيات العلم.

******

[1] Bachelard, Gaston, la formation de l’esprit scientifique (paris. Librairie philosophique j. vrin 1947), p 8

[2], Ibid., p 8.

[3] Ibid., p 7.

[4] Ibid., 8.

[5] Ibid, p

[6] Ibid, p 8.

[7] Ibid, p 9.

[8] بناصر، البعزاتي، خصوبة المفاهيم في بناء المعرفة دراسات ابستمولجية (الدارالبيضاء-المغرب المركز الثقافي العربي، الطبعة الاولى1999)  92.

[9]  محمد، وقيدي، فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار: الابستمولوجية الباشلارية وفعاليتها الإجرائية وحدودها الفلسفية (بيروت-لبنان مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1984) ص 144.

[10] البعزاتي، بناصر، البناء والاستدلال، مرجع سابق، ص 91. ” كُل مفاهيم العلم تتمتع بذاكرة ثقافية مشحونة بالمعتقدات والمذاهب من كل صنف”.

[11] البعزاتي، بناصر، نفس المرجع، ص 119.”إن بناء كوبرنيك تأليف مفهومي فلسفي، كانت مكوناته متناثرة في بناءات مفهومية وتصورات فلسفية قديمة، جمع فيما بينها في علاقات جديدة. فهو إذن نسق جديد، لكن كل مكوناته قديمة، من حقب مختلفة.

[12]  البعزاتي بناصر، البناء والاستدلال، مرجع سابق، ص92،” إن باشلار ليس مؤرخا للعلم بالمعنى الذي تواطأ عليه المؤرخون؛ فهو لايقف عند تفاصيل المفاهيم التفصيلية وانتقالها من بناء فكري الى آخر في أزمنة وأمكنة محددة، بما يستلزم ذلك الانتقال من تفاعلات وتأويلات وخلافات مذهبية؛ بل يسوقُ مثالا من تطور العلوم، يربطه مباشرة بمسألة إبستمولوجية محددة، لكي يجعل سندا لنقد تصور ما، أو من أجل الكشف عن ضعف في نظر ما لدعم نظر آخر يعتبره أقوى.

[13] Bachelard, Gaston, la formation de l’esprit scientifique, “Quand on cherche les conditions psychologiques des progrès de la science, on arrive bientôt à cette conviction que c’est en termes d’obstacles qu’il faut poser le problème de la connaissance scientifique. Et il ne s’agit pas de considérer des obstacles externes, comme la complexité et la fugacité des phénomènes, ni d’incriminer la faiblesse des sens et de l’esprit humain : c’est dans Pacte même de connaître, intimement, qu’apparaissant, par une sorte de nécessité fonctionnelle, des lenteurs et des troubles. C’est à que nous montrerons des causes de stagnation et même de régression, c’est là que nous décèlerons des causes d’inertie que nous appellerons des obstacles épistémologiques”. P 13.

[14] Bachelard, Gaston, Dans la formation d’un esprit scientifique, le premier obstacle, c’est l’expérience première, c’est l’expérience placée ayant et au-dessus de la critique qui, elle, est nécessairement un élément intégrant de l’esprit scientifique. Puisque la critique n’a pas opéré explicitement, l’expérience première ne peut, en aucun cas, être un appui sûr. Nous donnerons de nombreuses preuves de la fragilité des connaissances premières, mais nous tenons tout de suite à nous opposer nettement à cette philosophie facile qui s’appuie sur un sensualisme plus ou moins franc, plus ou moins romancé, et qui prétend recevoir directement ses leçons d’un donné clair, net, sûr, constant, toujours offert à un esprit toujours ouvert.  P 23.

[15] B, Gaston, la formation de l’esprit scientifique, p 92.

[16] سنتعرض بالتفصيل لنقد هذا التصور في المحور المخصص لتقويم أراء باشلار.

[17] محمد، وقيدي، فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار، مرجع سابق، ص 119، ” العائق الجوهري كالعوائق الأخرى متعدد الأشكال. انه مكون من تجمع الحدوس المبددة، بل والمتعارضة. وبميل شبه طبيعي فإن الفكر ما قبل العلمي كان يركز حول موضوع معين كل المعارف التي يلعب فيها هذا الموضوع دوراً، دون الاهتمام بترتيب الأدوار التجريبية. انه يوحد مباشرة في الجوهر كل الخصائص المتنوعة، السطحية منها والعميقة، الظاهرة منها والخفية”.

[18] B, Gaston, p 149. (…)Pour que notre examen soit utile, il faut qu’il soit très restreint. Nous n’avons pas l’intention, en particulier, d’étudier la vie dans son véritable domaine ; nous nous tiendrons à l’écart de toute critique sur la légitimité d’une intuition proprement vitaliste quand cette intuition s’adresse aux phénomènes de la vie elle-même. C’est en tant qu’obstacles à l’objectivité de la phénoménologie physique que les connaissances biologiques doivent retenir notre attention. Les phénomènes biologiques ne nous intéresseront donc, que dans les domaines où, leur science porte à faux, où cette science* plus ou moins bien assurée, vient répondre à des questions qu’on, ne lui pose pas.

******

قائمة المصادر والمراجع:

  • العربية:
  • البعزاتي بناصر، البناء والاستدلال: بحث في الخصائص العقلية العلمية، الدارالبيضاء المغرب، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 1999.
  • وقيدي محمد، فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار: الإبستمولوجية الباشلارية وفعاليتها الإجرائية وحدودها الفلسفية بيروت-لبنان مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1984.
  • الأجنبية:
  • Bachelard Gaston, La formation de l’esprit scientifique, Librairie philosophique, j. vrin 1947.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This