حول التّفكير الديني  الجهادي– الطّائفي القاتل في مجتمعاتنا أسبابه ومآلاته

 توضيح لا بد منه -:

بداية لا بد من التمييز هنا بين الفكر الديني اللاهوتي بعمومه الذي ظهر في سياق تكونه عقول عظيمة أغنت مسيرة الفكر الإنساني عبر التاريخ البشري في الفكر والفلسفة والتصوف كالقديس “أوغسطين” و “توما الأكويني”  والإمام “الغزالي” و “محي الدين ابن عربي” و”موسى بن ميمون” .. على سبيل الأمثلة لا الحصر.

وبين التفكير الديني المغلق والمتزمت الذي هو أحد التفرعات الظلامية المتشددة والخطيرة التي نشأت، أو تنشأ عن اللاهوت الديني باستمرار، خصوصا في أوقات الأزمات أو الانفجارات المجتمعية الكبيرة التي تظهر فيها أيضا حروب دينية طائفية عديدة قبل أن تستقر الأمور لصالح التغيير المجتمعي المستقبلي المنشود.

ربما لأن المرتكز العقيدي للفكر اللاهوتي الديني عموما هو في النهاية  يقوم على تسليم إيماني مطلق غيبي ما ورائي يدعي احتكار معرفة الحقيقة الالهية ويبني فهمه للعالم والكون وأمور الحياة على أساس هذه الحقيقة، وقليلا ما يقبل الاجتهاد الحر ونقد المقدس داخله من خلال منابر حرة يؤطرها، خارج مذاهب واتجاهات تلك العقول النخبوية الكبيرة التي أشرت إليها. لذلك فالتفرع الظلامي المتشدد والمتطرف منه، عندما يظهر، يكون دائما في ميوله ومواقفه وشعاراته وأعماله إقصائي لا يعترف بالأخر. ولا يمكنه التعامل مع وقائع الحياة اليومية المستجدة إلا على هذا الأساس.. بمعنى يتحول الإيمان الديني من طقس عبادة روحية خالصة وتأمل خلاصي في فضاء ما ورائي، إلى حالة غريزية عمياء تلغي العقل والنظر العقلي نهائيا وهي تتعامل مع الواقع اليومي المعيش بحيث لا تقبل التعامل مع المؤمنين بدين أخر أو اجتهاد جديد مختلف عن السائد إلا عبر الاقصاء والتكفير والقتل أو الخضوع التام لشروط التعامل معها كما تراها في البيئة التي تظهر فيها.

مصائر الأديان التوحيدية  الثلاث في عالم اليوم -:

لذلك كانت الانقسامات المذهبية والطائفية داخل الدين الواحد، سواء في اليهودية والمسيحية والاسلام، وتناحرها حتى الاقتتال الدامي المستمر، وإن في فترات زمنية متباعدة نسبيا في التاريخ، تعبيرات عن الضيق المطلق الذي يحكمه ويحاصر حق الاجتهاد والمختلف ضمنه.

فقط في لحظة إنكساره التاريخي ينزوي في غيتواته الخاصة، كما حدث لليهودية، في تاريخ الشتات الطويل لليهود منذ القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، بحيث تحولت الديانة اليهودية مع مرور الزمن إلى أشبه بمستحاثه دينية قديمة محاصرة، موزعة في غيتوات شديدة الضيق والانغلاق على أماكن جغرافية ومجتمعية متعددة من العالم، مما استدعى القطع الراديكالي معها فالخروج النهائي من دوائرها المغلقة منذ بداية العصور الحديثة من قبل بعض أبناءها المستنيرين الذين شكلوا كوكبة كبيرة من أهم العقول البشرية في التاريخ الحديث في كافة مجالات العلم والمعرفة والآداب والفنون.

أو يندمج ويتصالح مع عصره مكرها كما حدث للمسيحية في أوروبا منذ انتصار عصور الحداثة الاوروبية على عصور الظلام القروسطية المديدة في أوروبا تحت سيطرة الكنيسة المطلقة عليها.

واليوم .. حيث يعيش الإسلام لحظة “الوعي الشقي” في تعامله مع الزمن الحديث والمعاصر، عندما يرفض فهم العالم المعاصر والدخول فيه  إلا من خلال نصوصه المقدسة، فينشأ التطرف الإسلامي الجهادي العنيف في بيئاته المجتمعية المتخلفة والفقيرة والتي تعاني استبدادا مزدوجا، سياسي – ديني، كتعبير عن الضيق الشديد، وعن أزمة هذا الوعي الشقي.

لذا يمكن القول أن  كل متدين أو مؤمن عادي في أي دين، هو في لحظة ما، مجتمعية – سياسية خانقة، قد يتحول إلى مشروع قاتل إذا لم يقم بمراجعة نقدية جذرية لنصوصه المقدسة على أساس ثورات المعرفة والعلوم الحديثة.

أما بعض أفكار الإصلاح والاعتدال والسماحة لدى البعض في الفكر الديني وخصوصا الاسلامي اليوم، فهي عدا عن كونها جزرا معزولة ولا تسلم من تهم التكفير والالحاد. ليست إلا أفكارا حرة لمثقفين أحرار لهم اجتهاداتهم الخاصة التي لم تقطع بعد مع موروثها الديني الثقيل.

محنة مجتمعاتنا العربية مع التفكير الديني الطائفي اليوم -:

ففي مجتمعاتنا العربية اليوم، وبالأخص منها التي تشهد منذ عشرة أعوام انفجارات مجتمعية كبيرة غاضبة وعنيفة لشعوبها، ضد أنظمتها السلطوية الاستبدادية والبطريركية، ومجمل تقاليدها القديمة والمتخلفة. لكن بحكم الاستعصاءات العديدة الكبيرة التي تظهر وتقف سدا كبيرا في وجه تحقيق أهداف هذا الغضب الشعبي في العديد من البلدان  تطفو على السطح بشكل كبير كل مكبوتات العفن الطائفي المسكوت عنه في ظل الاستبداد لتعبر عن نفسها بثقافة الكراهية والتكفير والحقد الاعمى ضد الأخر في الدين أو الطائفة أو العرق رغم الاشتراك في أساس الانتماء للوطن الواحد، نتيجة غياب أو ضعف ثقافة المواطنة المدنية الحديثة والصحيحة في ظل الاستبداد الطويل، لصالح ثقافة الانتماءات الأقلوية الضيقة، دينية طائفية كانت أم إثنية عرقية قديمة ما قبل مدنية.  فنشهد نتيجة لذلك احتقانات طائفية متعددة بشعة وخطيرة تكفر الأخر وتدعو لإقصائه أو قتله أو للابتعاد عنه، مما ينتج عنه خطرين كبيرن يتمثلان في -:

-: المزيد من التشرذم وتقسيم الأوطان الحديثة التي ما زالت قيد التكوّن والنشؤ وتحويلها إلى ساحات للاقتتال الطائفي الكريه لصالح أجندات خارجية لقوى ودول إقليمية كبيرة يهمها ذلك، كما يحدث اليوم في اليمن وسوريا ولبنان والعراق وليبيا، وقد تكون دول عربية أخرى مرشحة لذلك يوما ما في حال انفجار الغضب الشعبي العارم فيها.

-:استهداف التاريخ العربي الإسلامي ككل، من خلال إسقاط تعسفي خاطئ للحظتنا الكارثية المعاصرة، من قبل بعض النخب وأوساط واسعة من الرأي العام الناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة، في تفسير ما يحدث بتحميل المسؤولية في جانب كبير منها على مجمل هذا التاريخ أو قسم كبير وهام من نصوصه المقدسة والفقهية

فاجتزاء التراث الاسلامي كله، أو أجزاء منه، من سياقه التاريخي، وإطلاق أحكام ظالمة بحقه مستمدة من احباطات وانقسامات وحروب لحظتنا المعاصرة يعني فيما يعنيه استهداف قوام  شخصيتنا التاريخية  وجوهر هويتنا كمجموعة بشرية تحاول الوقوف على أعتاب مرحلة مستقبلية جديدة، كما تعني الانطلاق من فراغ أسود رغم أن جلّ المؤرخين والباحثين يقولون ويعترفون أن مسير الحضارات البشرية نحو التطور والحداثة إنما يكون من خلال معرفة وهضم ما قبلها أولا في سبيل تجاوزه ثانيا، وليس بالقطع النهائي معه أو تجاهله ونسيانه،  ولذلك فهم يعترفون بأسبقية بل ودور الحضارة العربية الاسلامية في لحظة مفصلية من التاريخ البشري في إرساء مقدمات هامة لمجمل تطورات عصور النهضة اللاحقة في أوروبا حتى يومنا هذا.

في الموقف من الاسلام بين الماضي والحاضر-:

كثيرا ما يتم اليوم، الخلط العشوائي لدى أوساط ومنابر عديدة على مواقع التواصل الاجتماعي، بين الاسلام كتجربة تاريخية غنية ومديدة لها ما لها وعليها ما عليها، وبين كل التطرف الجهادي التكفيري والاقتتال الطائفي الحاصل اليوم في مجتمعاتنا. ويتجاهلون بقصد أو عن جهل أن أي دين تاريخي قديم عظيم وكبير يبقى باب الاجتهاد فيه مفتوحا إيجابا أم سلبا، حسب تحديات وظروف المجتمع والزمن  الذي يكون فيهما، بل وحسب الظروف الدولية والإقليمية المرافقة.

ففكرة الجهاد في الإسلام، كانت في البداية فريضة أملتها ظروف وضرورات تثبيت الدعوة الجديدة في الجزيرة العربية بمواجهة الخصوم والمرتدين، ومن ثم نشرها خارج الجزيرة بمواجهة أعظم إمبراطوريتين آنذاك ” البيزنطية والفارسية”  كانتا تتنازعان السيطرة على المنطقة. ثم تراجعت أهمية هذه الفريضة ودورها  نسبيا لصالح فرائض عبادية أخرى، في ظل سيطرة الخلافة العباسية وما تلاها حتى مجيئ الإفرنج، مع بداية دور الضعف والتفكك السياسي للخلافة العباسية، على مراحل تاريخية متعددة  لغزو المنطقة العربية الاسلامية تحت راية “الصليب” رافعين شعار تحرير بيت المقدس من ايدي الكفار، وهو ما اتفق على تسميته بالحملات الصليبية 1096م – 1291م ، فبرزت من جديد إلى المقدمة فريضة الجهاد عند المسلمين.

ولعل الاقتباس التالي من كتاب (أمين معلوف) “الحروب الصليبية كما رآها العرب” ([1]) يوضح فكرتي بشكل أفضل حيث يقول في مختتم الفصل الرابع الذي يستعرض فيه وقائع وفصول سيطرة جيوش الإفرنج “الصليبيين” على مدن الشريط الساحلي بالكامل، طبعا بالاستناد إلى مصادر تاريخية قديمة متعددة:

” وعلى مدى سبعة عشر شهرا ملكت وخربت ثلاث من أشهر مدن العالم العربي هي طرابلس وبيروت وصيدا، وذبح أهلها أو أجلوا عنها، وقتل قضاتها وفقاؤها أو أجبروا على المنفى، ودنست مساجدها. فأية قوة بعد تمنع الفرنج من أن يكونوا قريبا في صور أو حلب أو دمشق أو القاهرة أو الموصل – ولم لا – في بغداد؟ وهل هناك بعد رغبة في المقاومة؟ فأما لدى المسؤولين المسلمين فلا، من غير شك. وأما لدى سكان المدن التي يحيق بها أشد التهديد والخطر فقد بدأت الحرب المقدسة التي قادها بلا هوادة الحجاج – المقاتلون الوافدون من الغرب خلال ثلاث عشر سنة تفعل فعلها: وعاد إلى الظهور “الجهاد” الذي لم يكن منذ أمد طويل إلا شعارا لتنميق الخطب الرسمية. وها هو ذا يدعى إليه من جديد على ألسنة بعض زمر اللاجئين، وبعض الشعراء، وبعض رجال الدين” ([2]). انتهى الاقتباس.
أما في تاريخنا الحديث والمعاصر فإن فريضة الجهاد عادت للظهور الناشط من جديد في العالم الاسلامي عموما والعربي منه بشكل خاص  بعد سبات دام عدة قرون، بتأثير ظروف وعوامل جديدة مختلفة تماما، وبتحريض خارجي لم تتدخل فيه عوامل أو ضرورات داخلية، حيث أن القضية الأهم كانت بالنسبة للنخب المسلمة في الداخل منذ بداية تفكك وانهيار الخلافة العثمانية هي قضية “الإصلاح والتجديد الإسلامي” التي أخفقت لاحقا، طبعا، لأسباب تحتاج إلى عنوان مستقل.

لذلك فإن  فريضة الجهاد تم إحياؤها مجددا بعد سبات طويل في سياق الحرب العربية الاسرائيلية الأولى التي أعقبت إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 ثم خبت نسبيا بعد هزيمة الجيوش العربية.  أما الظهور الأبرز والأخطر لأغلب تيارات وحركات الاسلام الجهادية المتطرفة والتكفيرية المعاصرة  فقد بدأ منذ أواخر سبعينات القرن العشرين ” القاعدة وطالبان” بداية، بدعم ورعاية أمريكية غربية في ظروف الحرب الباردة سابقا لوظيفة سياسية محددة في محاولة أعاقة تقدم  المد الشيوعي  الآتي من الشرق آنذاك، وبتمويل خليجي عربي، في بلدان مسلمة كأفغانستان والباكستان اللتين شهد نشؤ دولتيهما الحديث العديد من الحروب والصراعات والتدخلات الخارجية التي ما تزال مستمرة حتى اليوم، وهذا الأمر له دلالة كبيرة. لكن مع مرور الوقت وانتهاء الظروف التي استدعت ذلك فلم يعد بالإمكان كبح جماح هذه التنظيمات لأسباب وعوامل مستجدة باستمرار، لعل من أهمها انتصار الثورة المضادة في إيران بثوبها “الإسلامي الخميني” ولونها الطائفي الفاقع “الشيعي” عام 1979 ومن ثم الحرب العراقية الايرانية 1980 – 1988 حيث غذى هذان الحدثان فريضة الجهاد في الإسلام على خلفية طائفية واضحة سواء عند السنة أم عند الشيعة. فبدأت هذه التنظيمات جميعا تفرخ العديد من التنظيمات المشابهة لها والتي تقتدي بها في كافة أرجاء العالم العربي حتى اليوم.

لذلك أزعم أنه يجب أن نميز في الإسلام، كدين، بين ثلاثة مستويات:

المستوى الأول-: وأعني به التجربة التاريخية المفتوحة بكل ما لها وعليها والتي أعطت لكل شعوب هذه المنطقة مسلمين وغير مسلمين هوية تاريخية خاصة لأنها تجربة كسرت كل المسلمات السابقة في زمانها عندما قامت بجهودهم المشتركة جميعا وأنتجت أسس حضارة كبيرة استمرت طويلا وما تزال اُثارها شاهدة عليها حتى اليوم في العلم والفكر والفلسفة والفقه الديني، وبالتالي فإن كل مذاهب الفقه التي ظهرت فيه، المتشددة منها والمعتدلة كان لها سياقها التاريخي الخاص الذي شكل ضرورة موضوعية لإنتاجها آنذاك، وبالتالي لا يجوز علميا ومعرفيا فهمها خارج إطار ظرفها التاريخي ذلك، كما لا يجوز الأخذ فيها حرفيا كنص مغلق في سياق لحظتنا العالمية الحالية لأنه في ذك إساءة كبيرة للنص الديني ولعقول المسلمين عموما.

المستوى الثاني: وأقصد به إسلام مجمل أحزاب الإسلام السياسي بداية ومن ثم الجهادي المتطرف لاحقا، التي تتقاطع جميعها حول فكرة العودة إلى الأصول الأولى والسلف الصالح، مع الدعوة إلى فكرة إحياء الخلافة الإسلامية عند السنة، أو مرجعية الإمامة أو ولاية الفقيه المقدسة عند الشيعة، لأننا عدنا في زمننا الحالي، زمن الحضارة الغربية، إلى زمن الجاهلية قبل الإسلام كما يدعي أتباع هذه الحركات، ولذلك وجبت الدعوة إلى الجهاد من جديد حسب منطوق الدعوة الأول. وهؤلاء جميعا انغلقوا على فهم وتفسير حرفي قديم للنص القرآني والحديث والفتاوي الفقهية المذهبية القديمة والعديدة بعيدا عن مستجدات العصر الحالي. فالإسلام في النهاية هو الحل كما تقول خطابات كل حركات الإسلام السياسي سواء عند السنة أم عند الشيعة، ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن أول من ترجم كتب المنظر الأخواني المصري (سيد قطب) إلى اللغة الفارسية هو المرشد الأعلى الحالي لولاية الفقيه في إيران (علي خامنئي) منذ عام 1966 عندما ترجم له كتابا  بعنوان ” المستقبل لهذا الدين” تحت عنوان جديد وهو “بيان ضد الحضارة الغربية”. ثم أتبعه عام 1969 بترجمة أجزاء من كتاب “في ظلال القرأن” لسيد قطب أيضا.

المستوى الثالث: وأعني به الإسلام الشعبي في مجتمعات إسلامية واسعة الامتداد الجغرافي والسكاني متدينة عموما ولكل بيئة أسلوبها وطريقتها الخاصة في التدين والإيمان، لذلك تكون احتمالات هذا المستوى مفتوحة دائما للتعامل بتصالح مع مستجدات العصر والزمن الحديث، وليست منغلقة ولا ترمي أبعد من ممارسة الشعائر والطقوس الدينية.

لذلك يكون الشارع الإسلامي في هذه الحالة هو المجال الحيوي الذي تتسابق للنشاط فيه جماعات وحركات الإسلام السياسي والجهادي المتطرف لتعبئته من جديد حسب خطابها الديني – الفقهي المتطرف الخاص، وتنظيم كوادرها التنظيمية الجهادية المقاتلة، فتكون الاستجابة لها من داخل القاع الشعبي المسلم حسب الوضع السياسي والاقتصادي الذي يعيشه هذا القاع. حيث يكون المزيد من البؤس والفقر والحرمان المترافق مع الاستبداد السياسي الكبير يعني المزيد من الاستجابة لدعوات هذه الحركات المتطرفة. والعكس هو الصحيح.

لأن الأنظمة المستبدة سياسيا، وهذا هو حال أغلب أنظمة البلدان العربية والإسلامية في العالم، هي التي تدفع شعوبها، بقصد أو بغير قصد، للانخراط في صفوف هذه الحركات الطائفية الجهادية المتطرفة ثم يأتي دور التدخل الخارجي الإقليمي والدولي ليعزز كل ذلك ويعمقه وفقا لأجنداته الخاصة، كما أشرت سابقا.

فيتولد باستمرار، نتيجة لكل ما ذكرت، الفهم المشوش والخاطئ عن الإسلام في بلداننا وفي العالم ككل.

فالإسلام كتجربة تاريخية كبيرة وعظيمة خلال الفترة بين القرنين السابع الميلادي و الثالث عشر الميلادي، تبقى مجالا مفتوحا باستمرار للنظر والدراسة.

أما الإسلام الحديث المعبر عنه راهنا في أوساط إسلامية واسعة كنموذج للوعي الشقي كما أشرت إليه سابقا، الذي نشأ بداية مع انهيار لاحم الخلافة العثمانية للشعوب الاسلامية وبالقلب منها المجتمعات العربية، وبتأثير ارتكاسات وخيبات عديدة  أعقبت ذلك لعل من أهمها فشل حركة الإصلاح الديني الحديثة  في الإسلام أوائل القرن العشرين، ومن ثم فشل مشروع عصر النهضة العربي، ومجيئ المستعمر الغربي وانشاء دولة “إسرائيل” وظهور الأنظمة العسكرية المستبدة بمظلة أحزاب أيديولوجية وقومية قضت على أية إمكانية، أو بقية آمال مشروعة، للنهضة والتقدم والاصلاح والتنمية في مجتمعاتها. فهو إسلام لا يجمعه بالإسلام التاريخي إلا بضعة نصوص دينية مقدسة أو فقهية  مع مجموعة فتاوى ومرويات قديمة اجتزئت كلها من سياقها التاريخي القديم، بعد سبات تاريخي مديد أصاب العالم  الاسلامي في الفكر والعلم  والاجتهاد لأكثر من خمسة قرون، ليتم التعامل خلالها مع العالم الحديث.

مآلات التفكير الديني الطائفي في مجتمعاتنا -:

يبدو أن مآلات هذا التفكير في مجتمعاتنا مفتوحة على احتمالات عديدة لعل أخطرها، الاستمرار في حروب الاقتتال الطائفي والقبلي لفترة زمنية طويلة  بفعل فساد واستبداد الانظمة الحاكمة، أولا. وبحكم التحريض الخارجي، ثانيا. وضعف مستوى الوعي الحداثي المدني لفكرة المواطنة كما أشرت سابقا، ثالثا.

أيضا فإنها بعكس حرب الثلاثين عاما في أوروبا 1618 – 1648م التي كانت بالأساس حروبا طائفية بين الكاثوليك  والبروتستانت وكانت حوادثها كارثية جدا إلا أنها ولّدّت أزمة ضمير مسيحي تحولت فيما بعد إلى أزمة ضمير أوروبي، بمعنى أنها ارتقت بمستوى الوعي العام من مستوى التفكير الديني القاتل في المسيحية  إلى مستوى الوعي العام الجمعي في أوروبا الحديثة الجامعة للكل، ولعل الفضل في ذلك  يعود لكونها نشبت في سياق تاريخي عظيم وكبير في أوروبا هو سياق الاصلاح الديني فالنهضة المجتمعية وتشكل الأوطان الحديثة والعقل والتنوير والحداثة.
أما حروبنا الطائفية الحالية فتنشأ في سياق تاريخي مختلف،  هو سياق التخلف والاستبداد وتفكك المجتمعات والدول مع تدخلات خارجية قوية وفاعلة تستثمر كل ذلك لصالحها وتعمقه وفقا لمصالحها وأجنداتها الخاصة فقط.

وعلى ضوء هذه المقارنة يمكن استنتاج أو توقع أية مآلات تسير إليها مجتمعاتنا العربية اليوم مع التفكير الديني التكفيري الجهادي وعصبياته الطائفية القاتلة.

. نعم صرت أخشى الحوار مع المتدين – الطائفي في مجتمعاتنا حتى لو كان أقرب الناس إليّ.

******

[1] -: “الحروب الصليبية كما رآها العرب” أمين معلوف .. ترجمة: عفيف دمشقية إصدار دار الفارابي .. بيروت  لبنان 1989م.

[2] -: المرجع السابق ص 113 – 114.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This