الرّاقصات لا يدخلن الجنّة: متعة القراءة في ستريبتيز الكتابة (1)

ليس سهلا أن تعيش ليس فقط الصدمة في حياتك، بل الرضة التي تزلزل كيانك النفسي ولا شعورك الثقافي الاجتماعي الجمعي، وكل المعايير الأخلاقية الاجتماعية، والقيم الثقافية الاجتماعية التي تشربتها مع فقر الدم النفسي العاطفي، الثقافي الاجتماعي لحليب الطفولة، ومن خلال سيرورة تنشئتك الاجتماعية، من البيت والمدرسة، ومرورا بالكثير من الدوائر العائلية والرفقة والشارع…، وصولا إلى مرحلة ما تعتقده مرحلة ” النضج والرشد”، التي هي بتعبير أدق ليست أكثر من مرحلة الكبر كأي حيوان آدمي يعرف صيرورته البهيمية لا أقل و لا أكثر. ليس سهلا أن تكتشف عريك الفاضح و الصارخ الأقرب إلى الفضيحة، ولا شيء لديك لستر عريك المهدد من صفحة لأخرى، وأنت على باب الله، فقيرا معدما، عاريا، لا تستطيع أسمالك الدينية والأخلاقية، والثقافية الاجتماعية، المورثة والموروثة أبا عن جد أن تغطيك وتحصنك في وجه عاصفة ستريبتيز الكتابة، وهي تضعك بسخرية قاسية على خشبة الرقص أمام بؤسك المحموم اللاهث ببلاهة وراء لحظة فرح وحب هاربة كما لو أنها في حالة طوارئ قصوى، إلى أن ينهكك عذاب الجري والمطاردة لسراب الحب، لأنك أتيت من صحراء اجتماعية، ثقافية، أخلاقية، قاحلة عارية من كل ما يمكن أن يجعلك إنسانا، وبالتالي جديرا لإكتساب قيمة الحب بالمعنى الإنساني العميق والمنفتح. عاريا أمام ذاتك، وأمام كل ما يشكل كيانك الوجودي. مرعب أن ترى عريك وتكتشف ذاتك الضحلة إنسانيا، على أنك مجرد مسخ، مسخته هوامات الطهارة والأخلاق والستر، والشرف القابع بين فخدي امرأة، يحرسه التبخيس والاحتقار والقهر الجهنمي الذي يضاهي عنفا وترويعا متخيل سكرات الموت وعذاب القبر ونار السماء في الدار الآخرة، يتم هذا باسم العفة الملائكية التي تستثني الراقصات من دخول الجنة الموعودة للرجال بالحور العين. بالإضافة إلى وأد الحجاب والنقاب لكيان وكينونة النساء. كل هذا محصن بالنصوص البشرية المسيجة إلهيا، والمحمية بالمسكوكات الثقافية كالجنة تحت أقدام الأمهات، والقدوة الحسنة للتسلط والقهر الأبوي، النموذج المثالي للجبار القهار، وكل مواعظ الوسواس القهري، في الخنوع والخضوع والطاعة العمياء التي تحرسها ثنائية الرضا والسخط التي لا ترحم كل حر متمرد عنيد ضد سلطة وهيمنة، عمودية الوصاية البطريركية، من الاب إلى الأستاذ والمسؤول مرورا بخفاش الظلام المندس في حياة ولغة تدبيرك لليومي، وهو يرهبك بعذاب القبر ورعب الموت، وجهنم التي تقول هل من مزيد، جاعلا من نفسه زطاط الجنة يدخل من يشاء، ويُكفّر من يحب الحياة الدنيا، أي الانسان الحر المستقل الذي لا يقبل الاسترقاق.” لا أحد يمكن أن يدعي في بلد عربي أنه نشأ نشأة سوية، عالم تكبر فيه وأنت تحس أن الجميع يراقبك: الأم، الأب، والجيران، والشرطة، والإمام وحتى الله يراقب أعمالك ويحاسبك حتى على نيتك المضمرة… حياتها في المغرب كانت تدبيرا يوميا ومستمرا للصراع النفسي وللاضطراب وعذاب الضمير. حين تحب تحس بعذاب الضمير، وحين تقطع الصلاة تحس به، وحين كانت تقرأ الانجيل والتوراة أحست بذنب فظيع. وحين فقدت بكارتها كانت تعتقد أن السماء ستطبق عليها، وحين أفطرت رمضان أول مرة خافت أن ينزل رب السماء ويقبض روحها في الحين.”251

مع كل صفحة وفصل في سيرورة القراءة يتشكل السؤال المؤلم : هل حقا إرثك الديني والثقافي الاجتماعي المقدس يستطيع أن يستر عري ما يتجاوز سوأتك، حيث ثلاث بنات آسية وفاديا وسارة، تعريك الواحدة بعد الأخرى، لترى حقيقة وجودك فأنت مجرد شُرْغُوف نزوة جنسية لا علاقة لك بشيء اسمه الطفل ككائن انساني مستقل يستحق الاعتراف والتقدير غير المشروط، إنك مجرد حصيلة دافع جنسي خال من العاطفة والحب وكل المشاعر والاحاسيس الإنسانية، والتفاعل والتواصل الخلاق المُنمّي للذات والعلاقة مع الأم والأب والأخر والعالم. من أين لك هذا وأنت خاضع للعنف البطريركي الذي يمكن أن يتجاوز القهر والنبذ و العبودية والاستغلال كما عاشته آسية،” إتعبي  يا آسية وإتعبي أكثر واشتغلي بالمركز وبالبيت، اعتني بكل شيء من غسل وطبيخ وتسوق علها ترضى وتنظر إلى وجهك وتمنحك إشارة الدخول إلى الجنة. هاته هي الأم التي يتبجحون ويعتبرون رضاها أسمى الأهداف إنها شخص أناني كاسر للأحلام والطموحات، مصاصة دم ابنتها ومدمرة وجدانها”232 وقد يصل العنف الأبوي إلى التحرش والاغتصاب الجسدي والنفسي والوجداني الذي حملت جراحاته النازفة المؤلمة والعارية الطفلة فاديا، من طرف الأب الذي كان من المفترض أن يحمي طفلته من وحوش الدافع الجنسي أولا، ثم من ابن البلد المكرس لتعاليم الأب الكبير في احتقار الذات والأخر والعالم  والنيل بشكل خاص من كرامة المرأة، ثانيا. ويا لخزي المفارقة، حيث يتم ذلك، من خلال سطوة  تسلط مكارم الاخلاق، والوعد بالجنة، والشرف الرفيع لخير أمة أخرجت للناس، تقهر النساء باسم السماء، ولا تقيم وزنا واعتبارا لإنسانية الطفل في الكينونة والوجود المستقل. والمرعب أيضا أن تكتشف قساوة عريك الديني والثقافي الاجتماعي في مواجهة ما تسميه خلفيتك الدينية الثقافية والمجتمعية الطفل الحرام أو طفل الفاحشة والفضيحة والعار الذي يتحمل الطفل وأمه عذاباته الرهيبة، المشحونة بالحقد والنبذ والكراهية إلى درجة سلخ من الطفل وأمه انسانيتهما، دون أن ينال الرجل أدنى عقاب من الرقابة المجتمعية والثقافية  والأخلاقية، متحررا من عقدة الذنب والتأثيم . دون أن تنسى محيطك الأسري والعائلي المشبع بوهم حصانة الشرف في الوصم السيء البشع للمرأة المقهورة بشكل مزدوج من قبل الاسرة والمجتمع والأب الهارب من مسؤولية ولادة طفل الحب الزائف الذي أتقن فيه الرجل/ الحيوان الآدمي دور حرباء الاعجاب والود وخدعة الحب تحت وطأة جنون وحش دافعه الجنسي لا أقل ولا أكثر. أو في الوصم الحقير المفعم بالحقد والكراهية للطفل البريء في اعتباره طفل الحرام والفاحشة، كما عاشت ذلك برعب وحرقة وعذاب رهيب سارة في علاقتها بنفسها وأمها والأخرين والعالم.

ها أنت ترى بعد قراءتك للرواية، كم هو مرعب عريك، ورقصك الذاعر على إيقاع دف الحلال والحرام في الحط من كرامة المرأة، وتبخيس ونبذ الوجود الحق لطفل الحب. إنك لا تملك شيئا إنسانيا إزاء ما عاشته البنات الثلاث، إنها تجربة مؤلمة ومشحونة بالكثير من القسوة والعذاب والهجر النفسي والاجتماعي، والاغتراب، والاستلاب والتدمير المجتمعي والذاتي للنفس، والجسد، والعلاقات، والمعنى…

يا للمفارقة تلبست وتقنعت بالكثير المتنوع من أشكال اللباس الأخلاقي الطهراني والسمو والعلو في الفضل والخير، وقداسة الحق مترفعا عن سائر الأمم، متحصنا وراء وهم مكارم الاخلاق وخير أمة، لكن للأسف في كل فصل وبعد كل وصلة رقص في محراب أو صالة جدلية الكتابة و القراءة، تنفرد بنفسك في الصالون الخاص وأنت تتجرع مرارة المسخ  والتشوه الذي طال كل ما يشكلك، في قيمك وثقافتك، ومعارفك وعلاقاتك، في كينونتك ووجودك، إلى درجة يستحيل فيها الحديث عن مفهوم الانسان في كل هذا الإرث الثقيل الذي صاغ ومهر كينونة وجودك…، لتشهد على نفسك أنك عار لا تملك شيئا تقوله جهرا عن الحرية والكرامة والعدالة، وعن المحبة و الحب كقيم إنسانية، عن الحب بين رجل وامرأة وفق علاقة أساسها القرار الشخصي المستقل، و الاختيار الحر بعيدا عن دونية المرأة وقهرها دينيا و أخلاقيا، وثقافيا واجتماعيا…، وعن إنسانية الطفل القابع في أعماقك، دون أن يقوى على حق الوجود والكلام.

تكتشف مأساة الحاضنة الدينية والثقافية والاجتماعية التي تؤسس لوجود المرأة، والطفل سواء كان ذكرا أو أنثى، فهو مغيب في حق وجوده الحر المستقل، إنه شخص غير مفكر فيه إلا وفق حسابات خاصة يؤطرها منطق السخط والرضا، ودلالات تخدم أجندة الأم والأب في تناقضها الصارخ بين ماتريده الأم وما يهدف إليه الأب. إننا إزاء الكائن الشبه، أي صورة طبق الأصل للأم أو الأب، الخال أو العم أو الجد…،  إنه هو وليس أنا ذاتا حرة مستقلة. وهو غير مرغوب فيه أحيانا، كما عاشت ذلك آسية بحرقة قاتلة في عذاباتها المسكونة بحقد شر الأم التي تسعى نحو تدمير طفلتها، وهدم كيانها الشخصي، بمعول جنون التسلط المتجاوز لجدل العلاقة بين السيد والعبد. حيث لا تكتفي بعبودية طفلتها، بل تريد مسحها، سحقها، التنكيل بجثتها، بعد وسمها ألوان العذاب النفسي والجسدي، من خلال لغة بذيئة، ساخرة، حاقدة، ترمي بشرر الكراهية.” انتظرت لعمر كامل لكي تنظر إليها أمها، أن ترى جمالها وذكاءها وطيبة قلبها لكن أمها لم تر غير نفسها وجنون عظمتها الذي مارسته على أبنائها. دمرت وجدان آسية وجعلت منها شخصية ضعيفة خانعة تخاف من كل شيء.”233 إنها التجربة نفسها التي عانت من ويلاتها سارة باعتبارها طفلة الفاحشة والحرام، التي عليها وحدها أن تحمل وزر وعبء عري المجتمع في ثقافته وأخلاقه ومعاييره، وقيمه وتصوراته ومعتقداته، وعري إطاره المعرفي والإنساني في علاقاته الاجتماعية، وانتظامه المجتمعي. ومن رحم هذا الصراط الجهنمي الموشوم بالقهر والتسلط والعنف والكراهية ولدت، ونشأت وتربت كذلك فاديا، لكن في هامش أرض الحرية والأنوار بجنسية فرنسية، حيث شمس الثورة الفرنسية، والمساواة والعدالة والأخوة، لا تشرق على الجميع، بل تعزز وتدعم أرض الأنوار أقبية القهر والظلام. وهنا رعب المفارقة المولدة للغربة والانفصام والميول التدميرية، بحثا عن سحر الموت، والمتعة واللذة، ووهم الحلم بعيش سعادة الحب.

إزاء هذا العري الرهيب الذي تمارسه الكتابة في حقنا، وهي تسقط استيهامات ورقة التوت الأخلاقي والروحي التي نتبجح بامتلاكها ضد الحياة المادية للكفار، نتعرف الحجم الهائل للكارثة التي نعيشها في الاضطرابات والاختلالات النفسية والتمزقات الاجتماعية الأسرية والمجتمعية، والتفكك الشخصي لتاريخ الذات وهي تعاين بالألم والعذاب المعنوي تشظي وتفتت بعدها الذاتي النرجسي إلى درجة الشعور بالانسحاق والالغاء انتصارا للميول التدميرية، أي لنزوة الموت ضد رغبة عشق وحب الحياة، إما من خلال أقبية الظلام الإرهابي التي ساهم واقع التهميش الاجتماعي والفقر الثقافي والقيمي في انتشارها، أو في حضن المخدرات، أو في المزاد السري والعلني لجسد وقيمة الانسان، كسلعة تباع وتشترى وفق منطق السوق بالمعنى الرأسمالي المتوحش للنيوليبرالية. ونجد أنفسنا أيضا أمام قدر مرعب من هشاشة الصحة النفسية الفردية والجماعية والمجتمعية، كما نتعرف التمايزات الدقيقة في الدلالات والعلاقات الاجتماعية بين مثلث: توحش الجنس، والتسلط في القهر والهيمنة، والحب. حيث غالبا ما تجهل مجتمعاتنا في شفرتها الوراثية للاشعور الثقافي الاجتماعي الجمعي، وفي قيمنا ومعتقداتنا، وفي مكارم أخلاقنا، وشرفنا الرفيع، وفي علاقاتنا الاجتماعية، قيمة الحب وما يمكن أن تفعله في عملية بناء شخصية الانسان على كل المستويات، في صحته النفسية والذهنية والعاطفية، والإنسانية، في الانفتاح على الحياة في تنوعها واختلافها وتعددها، في تقوية قدرتنا على الشعور والاحساس بحق الذات والجسد والنفس في العناية والاهتمام بهما وأخذ نصيبنا من الحياة في المتعة واللذة، والاحساس والتعاطف مع الاخر، في الانتصار للإنسان والحياة ، في القدرة على احتضان الاخر كأنا نفسي، كغنى وثراء انساني منمي للذات والأخر.

أوّلا / آسية من الرّضوخ إلى التّمرد والثّورة

  • عذابات النّبذ والحرمان

منطق الكتابة وآليات اشتغالها تؤسس لفرضيات تأويلية رائعة في قراءة الرواية، حيث المبنى يستثمر المتن في سجلاته الثقافية والفكرية، في تصوراته ومعتقداته، في علاقاته الاجتماعية، في رؤاه وأفكاره، في أحلامه وهواماته، خدمة لاستراتيجية تلقي تجعل القارئ واعيا بخطورة البنيات النفسية والثقافية والاجتماعية والسياسية التي تشكل وجوده ونمط حياته ورؤيته للذات والأخر والعالم. حيث يكتشف كما قلنا رعب عريه الإنساني على كل المستويات كفرد وجماعة ومجتمع. لذلك تبدو لنا الرواية كالبنية النفسية، في غموضها ووضوحها، في وعيها واللاوعي القابع في الأعماق المجهولة، في اندفاعها استجابة لنظام النزوات، وانتهاكا لسقف القواعد والمحرمات (فاديا وسارة)، وفي هدوئها ورزانتها تبعا لنظام الضبط  في خرق المعايير المجتمعية (آسية). إننا أمام توترات دلالية في توليد المعاني والوحدات المعنوية والخصائص النفسية والفكرية، توترات تجسدها ثلاث بنات (آسية، فاديا وسارة) مثلت كل واحدة منهن إلى حد ما إحدى جوانب البنية النفسية، (الأنا الأعلى، الهو، الأنا). بتفاوت واختلاف، وتبادل في الأدوار، في عيش التجربة في قسوتها وعنفها، وفي الصمود أو الانكسار، في التصلب والمرونة والقدرة على تقبل الإحباط، وتأجيل الرغبات والأحلام، كما هو واضح لدى كل من آسية وسارة أو في تصرفات تأخذ طابع التدمير الوجودي، كما جسدته فاديا.

تبعا لهذا الفهم، أو بالأحرى لهذا التفاعل مع استراتيجية الكتابة، نتعرف على التجربة الجميلة التي عاشتها آسية، فرغم الآلام المعنوية والعذابات والقسوة التي عاملتها بها أمها منذ ولادتها كطفلة غير مرغوب فيها، وهي تتعرض يوميا للنبذ والاحتقار والاستغلال الجنوني تبعا لرغبات الأم السادية المتسلطة التي هزمها جنون التماهي بالسيدة، مشغلتها، في عيشها ونمط حياتها، وهي مجرد أمة خادمة تحلم بوهم الترقي الاجتماعي. وهم خرب حياتها النفسية والأسرية والاجتماعية. حيث كانت مسكونة بالحقد والكراهية والحسد والغيرة تجاه طفلتها آسية التي عاملتها بجفاء وغطرسة مفعمة بالهجر السيكولوجي، كما تناقشه نظرية التعلق بولبي، والتبخيس، مدمرة نفسية طفلتها في عيش النبذ والحرمان العاطفي الكلي، بقسوة فظيعة في السخرية والاستهزاء.” كانت تعرف أن أمها تكرهها منذ صغرها. كانت تحرمها من الأكل حين كانت صغيرة وتبيت ليال بدون عشاء لأقل الأخطاء… حين بدأت آسية تكبر صارت تتعاطف مع أبيها المقهور وهذا جعل أمها أكثر إيذاء. كانت تعايرها بنحافتها وذمامتها حين بدأ نهداها يكبران، صارت تسميها القحبة والكلبة المسعورة، كانت تقول لها أنها ستصير عاهرة.” 226 كما كانت تستغلها أبشع استغلال في العمل المنزلي، وفي السطو على مالها المحصل من مهنتها ككتبية في المركز الثقافي الفرنسي.” قضت عشر سنين من أجل إرضاء طلبات أمها علها تهدأ قليلا وتقلع عن اطلاق النيران على الجميع وعن نوباتها العصبية التي أرهقتها هي وإخوتها وأبوها المقهور…أرغمتها أمها أن تقترض من البنك مبلغا كبيرا لكي تبني لها الطابق العلوي من البيت وتفرشه…لم تكن تكف عن جشعها ومطالبتها بالمال وتهديدها بالسخط عليها إن هي لم ترضخ لأوامرها ورغباتها.”27 وتحت وطأة عقدة الذنب الدينية والاخلاقية التي كان يفجرها الأنا الأعلى كانت آسية تحاول بتفوقها الدراسي والعمل المنزلي إرضاء أمها، لكن للأسف كانت كجهنم تلتهم كل شيء، وتحرم طفلتها من كلمة طيبة كلها اعتبار وتقدير، ولا حتى بنظرة ملؤها المحبة” العلاقة بالأم هي أولا علاقة عيون. قرأت ذلك في كتاب للتحليل النفسي. الطفل يرى نفسه أولا في عيني أمه قبل أن تقوده الأم إلى اكتشاف جسده في المرآة ممكنة إياه من الانفصال عنها وتخيل جسد مستقل.”233. وكانت أمها لا تكف عن التنقيص والتبخيس من قيمتها لغرض تحطيمها نفسيا ووجوديا. ” لن تصلي إلى أي شيء تصلحين فقط لأشغال البيت تصلحين فقط لغسل الملابس واعداد الطعام، وحتى هذا لا تتقينه جيدا… يا رب لماذا عاقبتني بهذا الشكل ومنحتني طفلة بهاته الذمامة رحمتك يا رب.” 227  إنه لأمر مرعب ومعذب بالنسبة لآسية منذ ولادتها إلى أن صارت فتاة في مقتبل العمر وهي تسعى نحو الشعور والاحساس بالوجود من خلال حب واعتراف أمها بها،” لا شيء مثل الحب يذلل المصاعب ويجعل الاحلام ممكنة. حين يغيب الحب يتآكل الجسد وتشيخ الروح. تعرف ذلك جيدا فغياب حب أمها جعل الأشياء في نظرها عبثية وبدون معنى.”246 لم تكن قادرة على فك هذا اللغز في أن تكون الأم شرسة في نظرتها، عدوانية في تعاملها، سليطة اللسان في تواصلها العمودي الذي لا يقبل الحوار والأخذ والرد، ومتخلفة نفسيا وعاطفيا ووجدانيا، ومعقدة اجتماعيا على مستوى الذكاء العاطفي الانفعالي في الإحساس بألم ومعاناة الاخرين. تساؤلات كثيرة كانت تحفر أخاديد الألم والعذاب الرهيب في نفسيتها الهشة كطفلة منبوذة مهجورة متروكة على قارعة الطريق الإنساني. ” كانت تعترض على كل طلباتها بحقد شديد. كيف يمكن لأم أن تكن كل ذلك الحقد لابنتها؟  لم تفهم يوما سر ذلك الحقد والشر الذي تكنه لها أمها.” 230 بهذه الطريقة الأقرب إلى فعل الجريمة، كانت أمها تعاملها بوقاحة لا تمت بصلة إلى المفهوم المثالي العاطفي الإنساني الذي ينتظره أي طفل من أمه. لهذا ” بدت لها أمها حقيرة فأن تزرع فكرة الذمامة في عقل فتاة صغيرة يعتبر جريمة، نوع من التدمير النفسي الذي يترك عواقب وخيمة في نفسية الفتاة424.

نتعرف على القهر والكم الهائل من العذاب الذي عاشته في وسطها الأسري في غياب كامل لسلطة الأب أمام طغيان قوة وهيمنة الأم، بما يوحي بتحولات مجتمعية وقيمية التي طالت المجتمع وأفرزت ظواهر تراجع سلطة الأب بالمعنى البطريركي، من خلال تراجع مكانته ودوره ووظائفه المجتمعية، لأسباب كثيرة منها حضور المرأة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا. وأيضا التفكك الاجتماعي الذي طال العلاقات الاجتماعية، خاصة على مستوى الأسرة، وما نتج عن ذلك من اختلالات واضطرابات نفسية أدت إلى انحرافات وتشوهات وتصفية الحساب في العلاقات الزوجية، فانعكس ذلك سلبيا على نفسية وحياة الاطفال. ” لم تسعد بحضن دافئ، أمها كانت قاسية وأبوها رجلا مغلوبا ولم يتح لنفسه فرصة التعبير عن مشاعره لأطفاله. لم تسعد في الحب بحضن دافئ وتجاربها مع الرجال قاسية.”79 ورغم تجربة الألم والمعاناة الفظيعة التي نشأت في حضنها فقد استطاعت آسية أن تحافظ على قوة شخصيتها وتزداد صلابة ومتانة أمام الانكسارات والخيبات والآلام التي تتعقبها كلما حاولت نيل بعض رضا أمها، كانت فقط تريد القليل من الحب والنظرة الدافئة للأم الحنونة. لكن بشاعة معاملة أمها تعذبها وتطحن دواخلها، الشيء الذي كان يفجر نارا ملتهبة حارقة في قلب الطفلة التي يعسر عليها فهم هذا العداء المجاني المتناقض كليا مع المسكوكات الثقافية والاجتماعية التي ترفع من شأن الأم، إلى درجة الاعتقاد في جنة تحت أقدام الأمهات، فتتولد حرقة الأسئلة في نفسيتها المهدودة المتشظية.” أنت يا من قلت أن الجنة تحت أقدامها، تعال وانظر ما تفعل بي أمي، هل يرضيك هذا يا ربي؟ هل أستمر في الطاعة طمعا في رضا لا يأتي.”228 هكذا يتشكل الوجه البشع من عقد الذنب والتأثيم التي يعيشها الكثير من الأطفال بسبب تصورات ومعتقدات دينية ثقافية اجتماعية تتحكم بشكل قهري في حياة الطفل من خلال آلية السخط والرضا التي تميز عملية التجاذب الوجداني في تغليبها للنبذ والقهر والكراهية، ضد الاعتراف والتقبل والتقدير غير المشروط، ونظرة الأم المشبعة بالحب والفرح. وإزاء هذا الغموض والالتباس غير المقبول عقليا ومنطقيا وأخلاقيا وإنسانيا كانت تعذبها عقدة الذنب الرهيبة، وهي تسحق وجودها وتقذف بها إلى جحيم الخطيئة والسوء والذنب المجهول كإجابة ذاتية لما تعيشها من نبذ وقهر وحرمان.” لزمن بعيد شعرن بالذنب والعار من ذلك الحقد. إن كانت أمها تحقد عليها فذلك لا شك لأنها سيئة بالفعل، لو كانت إنسانة حسنة لأحبتها أمها. غرقت في شعور الذنب وحاولت بكل قواها أن ترضي أمها بالعمل المنزلي وبالتفوق في الدراسة. تفوقها الدراسي كان يثير حقد أمها أكثر فكلما حصلت على نقطة جيدة كلما نفرت منها أكثر إلى أن شعرت آسية أنها مذنبة بتفوقها فصارت تخفيه وتخجل من عقلها. احتقرت أمها أنوثتها… وكانت دائما تكرر أمام مسامعها أنها ذميمة وأنها لعنة حلت بالأسرة أن تولد لها ابنة بمثل ذمامتها.”230 في ظل هذه العلاقة الاستغلالية إلى حد العبودية، والمشحونة بالكراهية  والعداء الشرس من طرف الأم تجاه طفلتها، تقرر آسية الهجرة بعيدا إلى بلاد الحرية والانوار للتحرر من الميول الرضوخية الاسترضائية التي كانت تأخذ طابع التعلق المتفاني بالأهل رغبة في الفوز برضا الأم، وبحثا  عن الشعور بالثقة في النفس، والايمان بتفوقها وقدراتها التي يمكن أن تؤهلها لاقتحام الحياة استجابة لطموحاتها وأحلامها التي كانت تتفجر في أعماقها. لكن حقد أمها خيب انتظاراتها الشيء الذي كان يغرقها في دوامة قلق مفزع لا ينتهي. ” البحث اليائس عن ذلك الحب جعل حياتها جرداء من المعنى، لم تستطع شيئا يوما في حياتها ولم تفرح لنجاح. أي معنى للنجاح إذا كنا لا نشاركه مع الأم، الأم التي أنجبت والتي من المفروض أن تحب. لم تحب ذكاءها ولا أحبت جسدها بفعل ذلك الفراغ القاتل الذي يذكرها أنها بنت سيئة.”246

  • التباس اللّقاء بالحبّ في عالم الحريّة

في باريس نتعرف على آسية كطالبة جامعية تحضر الماجستير، وفنانة راقصة في بار ألف ليلة وليلة، متحررة من الكثير من القيود التي كانت تعوق حريتها، وتقف في وجه طموحاتها. خاصة وهي تعيش ولادتها من جديد، كإنسانة تنال الاعتراف والاحترام والاعجاب، وهي تكتشف روعة وجمال جسدها الرائع الفاتن الذي يبهر ويجذب الرجال. كم كانت سعيدة بشعورها بوجودها الذي طالما همش وغُيّب واحتقر من طرف أمها، والنظرة الاجتماعية التي تؤسسها خلفية ثقافية دينية أخلاقية نمطية تمارس القهر والهدر الوجودي الإنساني في حق النساء. رغم عيوب أرض الانوار في الاستغلال، تبعا لقيم السوق التي تتحكم في سياستها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية النيولبيرالية المتوحشة، وبشكل مضاعف بالنسبة للمهمشين المهاجرين.

لقد كانت آسية تعيش وجودها الحر والمستقل والإنساني.” الجميع يطري على جمالها وعلى طولها الفارع وفمها المكتنز وشعرها ولونها الأسمر.. سارت في الشارع وهي مذهولة كيف أن مقاييس الجمال تختلف بهذا الشكل من مجتمع لآخر، هي الفتاة المقبولة الشكل هناك في المغرب تتحول إلى قنبلة يمدح الجميع مقوماتها في باريس. سخرت من نفسها ومن كل الألم الذي شعرت به في لحظات من حياتها لأنها لم تكن مكتنزة الصدر وسمينة وبيضاء البشرة…عاشت سجينة أراء أمها عن السمنة ونظرت إلى جسدها من خلال تلك الشفرة المشوهة وجعلتها تهرب من مباهج الجسد إلى دنيا الخيال. لم تكن تنتظر حبا ولا زوجا.”21و22 صحيح أنها كانت تشعر بنوع من التحفظ تجاه عملها كراقصة إلا أنها كانت تجد راحة نفسية عميقة وهي تعيش نوعا من التطهير الروحي والجسدي، أي تتخلص من عبء التبخيس والتحقير والقهر والتشظي والتفكك النفسي والذاتي المشبع باليأس والإحباط المنمي للميول التدميرية. ” نواجه بأجسادنا الصغيرة جنون أم  وجنون وطن بكامله. آه لو أعود إلى صديقاتي هن سيفهمن ما أشعر به. ما الذي قادني إلى هذا العمل؟ أريح نفسي من السؤال والألم وأقول إنني بحاجة إلى المال. هل الحاجة وحدها إلى المال هي التي أملت علي هذا الاختيار؟ لا أعرف، ما أعرفه هو أنني أحب نظرات الرجال الراغبة في جسدي… أية سخافة هي فكرة الجسد، كم هو متعب أن تحمل جسدا يعايره الجميع…  جسدي النحيل ذاك تركته هناك في بلاد الجوع التي تساوي بين المرأة والبقرة. أنا هنا باربي وسأرقص هذا المساء، وسأرقص كل مساء لأني أحب ذلك. أحب أن أرى الرجال يقتربون ويتعذبون مع كل قطعة ثوب أرميها بعيدا.”80 هكذا انفجر المكبوت وخرج الجني المسجون الذي فرضت عليه الإقامة الجبرية في اللاوعي هاربا مترنحا بسبب سكرات الخيال، وهي تفكر وتحلم بالحب والتوافق العاطفي والجنسي، تحلم بالرجل المثقف الفنان تأثرا بتجربة الحب لكل من شوبان وجورج صاند. كانت تتجاوز الواقع القهري المدمر لوجودها الإنساني، بسبب الهجر العاطفي والسيكولوجي من طرف أمها التي حرمتها كليا من نظرة حنان ودفء مفعم بالأمن والأمان، أي بما يؤسس الطمأنينة القاعدية عند الطفل، حيث وجوده رهين بنعمة الحب التي يحظى بها من طرف أمه. وبسبب هذا الحرمان، وبتعبير أدق غياب الحب كان يعني لها الموت أو عدم الإحساس بالوجود.” ترى لو نظرت إليها أمها نظرة حب، لو روتها من نبع الحنان هل كانت لتشتغل مهنة تكون فيها موضوعا للرؤية؟ مهنة تستعرض فيها جسدها وتمنحه لعيون رجال بائسين؟ كان يمكنها أن تشتغل في مهنة أخرى، لكن عطشها لنظرات الرجال كانت أقوى من رغبتها في حياة نظيفة. فكرت في النظافة والدنس، هل ما تفعله دنس؟ ما معنى الدنس وما معنى الطهارة؟”234 تدخلها هذه التساؤلات الأخلاقية في نوع من تصفية الحساب مع كل ما ترسب في النفس من قيم ومعايير نفاقية يكذبها الواقع، في هذا السياق استحضرت علاقتها بالأم والجارة التي تزوجت السعودي العجوز على شكل صفقة لا تخلو من تعفن قيمي وأخلاقي صريح وإن كان يحمل تبريرا زائفا وكاذبا اسمه الزواج كنكاح شرعي لا يتميز عن نوع من الدعارة المقنعة. كما أنها تدرك حجم الخسارة والفقدان الذي عاشته مع أم قاسية وسادية إلى أبعد الحدود. حياتها الباريسية كفنانة للرقص كانت بحثا عن الذات، بديلا لما افتقدته من حب وحنان ومتانة نفسية وعاطفية واجتماعية في علاقتها بالوالدين والمحيط السوسيوثقافي الذي يكرس القهر والقمع والهدر الذاتي. ” الأم التي تنظر لابنتها بعين الحب تهبها كنزا لا يقدر بثمن. تعطيها الثقة والأمان اللذان تحتاجهما لمواجهة الحياة المعقدة. هي لم تنل نظرات أمها لكنها اليوم تملك نظرات العشرات من الرجال الراغبين في لحظة معها. هل تعوض نظرات رجال مهووسين دفء نظرة الأم الحنونة؟ تعرف أن لا شيء سيعوضها عن حب الأم. ستظل تبحث في عيون الرجال عن نظرة غائبة…لا كلمات يمكنها التعبير عن غياب حب الأم.”424 هكذا نفهم الديناميات النفسية الواعية واللاواعية التي تحدد توجهها في الحياة. فالقليل من الحب الذي نالته في حياتها المدرسية هو الذي حماها من التخلف العقلي والثقافي، ومن الانتحار، لأن غياب الحب يعادل عدم الوجود، وفقدان المعنى يعمق تدمير الذات، ويبلد الوضع العقلي. إلا أن تجربتها العلائقية والعاطفية كانت سيئة جدا بسبب اجتيافها للأحكام القذرة والتبخيسية التي تصدرها أمها في حقها عقليا وجسديا. الشيء الذي أعدم ثقتها في نفسها وحطم نظرتها الإيجابية إلى جسدها وقدراتها ومؤهلاتها، غارقة في شعور بالإثم على ذنب وهمي اقترفته، وأن حرمانها من حب الأم، هو بمثابة عقاب. وهجرتها إلى فرنسا لمتابعة دراستها هو محاولة للهروب من الصراع النفسي والاضطراب الذي تضافرت عوامله من البيت والمحيط السوسيوثقافي، من التصورات والمعتقدات، والنظرة الدونية الاحتقارية التي تعيشها المرأة في مجتمعها، بالإضافة إلى الاستلاب القهري الذي تكرسه المرأة/الأم في المجتمع ضد ابنتها، معاودة انتاج المجتمع الأبوي الذكوري. إنه هروب من واقع أسري واجتماعي تعجز عن مواجهته وتحمل عبء عذابته المؤلمة وهي تشعر بالبؤس الوجودي. لذلك كان من الطبيعي أن تبحث عن الحب الذي افتقدته، ”  لو أن أمها قالت يوما أنها تحبها لما انتظرت حب رجال جائعين… لم يعد لأمها أي وزن في حياتها، … لم تعد ترى الجنة تحت أقدام الأمهات… الجنة تحت قدمي من يسمح لنفسه بحق السعادة… كل شخص يملك سر عبوره إلى الجنة أو الجحيم. الدخول إلى الجنة قرار فردي يتخذه الفرد الحر الفخور بحياته. لن تضيع المزيد من العمر في انتظار رضا لا يأتي. سترضى على نفسها وتبارك ما تفعله.”422و423

فرغم ما يكتنف تجربتها في البحث عن الحب المفقود من عوائق، ورغم التباس البحث عن الحرية والتمتع بكل مكتسباتها في العيش بإنسانية كاملة، في ظل قيم المجتمع الرأسمالي الذي تهيمن فيه الكثير من مظاهر الاستلاب والاغتراب والاستغلال إلى حد جعل البشر سلعة تباع وتشترى، فإن آسية ظلت مؤمنة بحقيقة الحب وقدرته على تغيير الوجود الإنساني نحو الاحسن. فقد انتصرت في ايمانها للحب كقضية وجودية تحدد مسارها وكينونتها في العالم. بل واستطاعت أن تغير موقف سارة السلبي القاطع والحاسم إزاء الحب باعتباره وهما وخدعة لا ينبغي السقوط في فخها. و يمكن اعتبار آسية  ذلك التوجه النفساني للكتابة في الانتصار للتوافق العاطفي والجنسي، الذي يجعل الحب مركز نظام ضبط لدوافع الأنا في انتزاع السلطة والهيمنة، وضبط نزوات الدافع الجنسي على مستوى سيكولوجية العلاقات الجنسية. لذلك ليس غريبا أن يكون كمال بعيدا عن الحب، حيث هو مجرد نصاب ولص تهزمه شهوة التسلط والهيمنة، متوافقا مع بيئته الثقافية الاجتماعية التي لها موقف سلبي من المرأة. والذي كما قلنا لا يملك شيئا إنسانيا يقوله أو يمارسه في علاقته بالمرأة وبنفسه والآخرين.

الرواية حافلة بالكثير من التيارات النفسية التي تعيش صراعات ومآزم فظيعة، حيث إننا أمام ظواهر ومشاكل واختلالات نفسية اجتماعية، لا يمكن أن تفهم من زاوية واحدة، ومن موقع ضيق لا يأخذ بضرورة توسيع المنظور، ورؤية كل الوجوه الواضحة والمبهمة والمحتملة. وهذا ما يجعلنا نفكر نقديا في الأسئلة المضمرة التي تتجاوز فكر ومنطق علاقة الجلاد بالضحية، أي علاقة الأم بابنتها، هذه العلاقة التي جعلت آسية، تفتح دفتر الحساب العسير في حق أمها، دون أن تجد لها أعذارا، أو تبحث لها عن مبررات نفسية اجتماعية، كأم تعرضت لنوع من العبودية، والقهر والاستغلال. ودون أن تتساءل عن دوافعها الواعية واللاواعية، فالواقع الذي عاشت فيه الأم ليس بريئا مما ألم بآسية من شر وآلام معنوية، فقد عاشت أمها الكثير من الرغبات والاحباطات والمخاوف التي يعجز التحليل النفسي وحده كمقاربة في فهمها، الشيء الذي يتطلب جدلية النفسي والاجتماعي. فديناميكية شخصية الأم وقواها النفسية الواعية واللاواعية، مشروطة ببنية المجتمع وقواه الفاعلة. وهذا ما يجعلنا ننظر من خلال ما يخفيه ستريبتيز الكتابة إلى الأم كإنسان في وضع نفسي وعقلي وعلائقي عصابي أقرب إلى الذهان، وهي بذلك تعبر عن خلل في البنية المجتمعية يتجاوز ما هو شخصي وذاتي.

******

حنان الدرقاوي: الرّاقصات لا يدخلن الجنة، دار الفاصلة للنشر، الطبعة الأولى، 2020.

الهوامش تدلّ على صفحات الرواية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This