مراجعة كتاب جاك لوغوف “هل ولدت أوروبا خلال العصر الوسيط؟”

أسهمت أجيال متعددة من المؤرخين في الغرب في تطوير الكتابة التاريخية والارتقاء بها إلى ذرى الإبداع خاصة خلال القرن العشرين الذي شهد تأسيس مجلة الحوليات الشهيرة التي كان لها دور كبير في تجديد المعرفة  التاريخية وتثوير  مناهجها  حيث تولى إدارتها   نخبة من المؤرخين  كانت لهم إسهامات كبيرة في ابتكار اتجاهات مستحدثة في الفكر التاريخي  ونذكر من بين هؤلاء  مارك بلوك، لوسيان لوفيفر جورج دوبي،  فرناند بروديل وخاصة جاك لوغوف الذي ارتبط اسمه بالقرون الوسطى وبمدرسة “التاريخ الجديد”، فقد أبدى  منذ طفولته شغفا  غير محدود بالعصور الوسطى التي ظلت عصور تخلف وظلام في المخيال الأوروبي لقرون وذلك عبر إعادة دراسة هذه الفترة المهمة في تاريخ الغرب المسيحي من خلال توسيع دائرة المصادر والاستئناس بالعلوم الاجتماعية والإنسانية المساعدة لعلم التاريخ  .كما دافع كذلك لوغوف  عن تاريخ جديد يسعى إلى دراسة  تاريخ المجتمع في شتى أبعاده مادية كانت أم روحية، فقد عرف بمنهجه الذي يتعامل مع التاريخ بشموليته حيث لا يكتفي بسرد الأحداث والمعارك والتواريخ والمعاهدات بل يتعداها إلى رصد مختلف مظاهر الحياة في زمن ما كأنماط التفكير وأنماط العيش والعادات والتقاليد وقد أسهمت جل أعماله في تغيير نظرتنا  إلى العصور الوسطى التي أصبحت مرحلة أساسية في تكون المجتمع الغربي وثقافته، ففيها  نشأ العنصر المؤسس للهوية الجمعية وأخذت بوادر الدولة تتكون شيئا فشيئا   كما أيضا ظهرت خلالها   اللغات المحلية والتطور العمراني وتشكل الجامعات بل إن أوروبا نفسها نشأت في نظره خلال هذه الحقبة الطويلة  وهوما سنتناوله في مراجعتنا لهذا الكتاب.

وقد عرف جاك لوغوف بغزارة إنتاجه حيث ألف ما يربوعن ثلاثين كتابا، نذكر من بينهم “حضارة الغرب الوسيط”، ” المثقفون في القرون الوسطى”، الإنسان الوسيطي (بالاشتراك)، “التاريخ الجديد” (بالاشتراك)، ” من أجل عصر وسيط مختلف”، “المخيال القروسطي” و”هل ولدت أوروبا خلال العصور الوسطى؟” الذي نقله الى العربية كل من الأستاذ “يوسف نكادي” و”محمد حناوي”(صدرت الترجمة العربية سنة 2015) وقد صدر في نسخته الأصلية عن دار سوي سنة 2003 وترجم إلى لغات متعددة كالاسبانية والايطالية والانكليزية.

افتتح الكتاب بمقدمة، كشفت عن الجهد الذي بذله لوغوف في هذا المؤلف للتأكيد على أن الوحدة لا يمكن أن تستكمل إلا بأخذ التاريخ بعين الاعتبار حيث يجب استحضار التاريخ في عملية البناء لأنه ضروري لتحقيق النجاح ولا شك أن العصر الوسيط الذي اهتم به لوغوف يمثل الحيز الزمني الذي انبثقت فيه أوروبا كحقيقة وكتمثل. ويتوزع الكتاب على 350 صفحة حيث نجد على توطئة في شكل فصل وستة  فصول مسبوقة بمقدمة ومذيلة بخلاصة عامة.

يفتتح “لوغوف” الكتاب بفصل ممهد أورد له كعنوان “المقدمات الممهدات  (ما قبل العصر الوسيط )”، أكد من خلاله على أن العصر الوسيط   قد ورث  عن العصور السابقة له خاصة العصر القديم العديد من المظاهر الحضارية فقد ورث مثلا  عن حقبة ما قبل التاريخ هذا المجال الجغرافي الأوروبي  المتنوع بسهوله وغاباته وأنهاره وجباله، كما كان للحضارتين  الإغريقية والرومانية  حضورا لافتا خلال العصر الوسيط  فقد أخذ هذا الأخير  عن حضارة الإغريق  هذا التقابل بين الشرق والغرب أوبين أوروبا  وآسيا كما ورث النمط الديمقراطي الذي احتفظ به إلى أن تسلمته منه الأزمنة الحديثة والمعاصرة ،أما الحضارة الرومانية فقد استمر وجودها خلال العصر الوسيط  من خلال العديد من المظاهر مثل اللغة اللاتينية وفنون القتال ومجال البناء والهندسة والتشريعات والقوانين والعديد من الكلمات ومنظومة القيم والأفكار.

ينتقل بعد ذلك لوغوف، إلى الفصل الأول الذي غطى المرحلة المتزامنة مع بداية العصور الوسطى في أوروبا أي الفترة الممتدة بين القرنين الرابع والثامن والتي اعتبرها  المرحلة الأولى في طريق بناء أوروبا الموحدة،  وقد اختار له كعنوان “تصور أوروبا بين القرنين الرابع والثامن” حيث يرى بأن هذه الفترة  هي حقبة مفصلية بدأت تظهر فيها أوروبا ولو بشكل هلامي وجنيني، و قد حدث ذلك في خضم تحول ذو وجهين: الأول انتشار الديانة المسيحية في ربوع أوروبا سنة 318 م تاريخ اعتراف الإمبراطور قسنطين بهذه الديانة ثم  إقرارها كديانة رسمية سنة 390.

أما الوجه الثاني، فهو تقسيم الإمبراطورية إلى قسمين: قسم شرقي وقسم  آخر غربي قدر له أن يكون مهد نشأة أوروبا الموحدة ،فقد شكل القرنان الرابع والخامس عملية صياغة العقيدة المسيحية التي قام بها كل من القديس “جيروم”  والقديس “أوغسطينوس” ،كما شهدت هذه الفترة كذلك انبثاق تراث فكري ينتمي إلى مرحلة نهاية العصر القديم وبداية العصور الوسطى حيث نجح العديد من الأعلام في المزج بين الثقافة الرومانية ومتطلبات المجتمع الجديد  الذي  انضافت إليه العناصر الوافدة  الأمر  الذي أدى إلى عمليات اختلاط وانصهار بين شعوب وافدة وعناصر محلية  فأخذت  بذلك الخارطة السياسية تتشكل من جديد في ضوء هذه التحركات البشرية. في خضم ذلك مثلت الديانة المسيحية البوتقة التي انصهرت فيها مختلف فئات المجتمع الأوروبي خلال القرون الأولى من العصر الوسيط كما أعطت في نفس الوقت لجميع الأقاليم نوعا من الوحدة والتجانس.

يشير كذلك “لوغوف” إلى بروز فاعلين جدد هم القديسون الذين قاموا ببطولات خارقة وقد انضموا إلى التشكيلة المؤلفة من الرهبان والقساوسة وكبار رجال الدين وقد انبثقت بالتزامن مع ذلك طرق جديدة لقيس الزمن حيث كان تأثير المسيحية جليا فيما يتعلق بالزمن. بيد أن حضور الديانة المسيحية لم ينحصر في مسألة إعادة صياغة الزمن بل تجاوزها ليسجل حضورا في عملية إعادة تشكيل المجال  حيث يظهر ذلك من خلال تقسيم التراب الأوروبي إلى ديوسيزات ( des diocèses).

يستحضر كذلك “جاك لوغوف” أمرا مهما أدى إلى بداية انبثاق هوية دينية موحدة أو هوية وطنية ألا وهوتنامي قوة كل من بيزنطة والإسلام فقد اشتد الخلاف مثلا بين بيزنطة والكنيسة المسيحية حول مسألة الصور والتجسيد،  فقد تبنت الكنسية في غرب أوروبا موقفا مرنا على اعتبار أنها أجازت عملية تجسيد وتصوير السيدة العذراء وسائر القديسين وقد كان هذا الموقف مقدمة في اتجاه إرساء أسس الحركة الإنسية التي شهدتها أوروبا فيما بعد حسب المؤرخ .

يهتم  الفصل الثاني بالفترة الممتدة  بين القرن الثامن والقرن العاشر  وقد ورد تحت عنوان “أوروبا مجهضة العالم الكارولنجي” ويعتبر لوغوف أن الفترة الكارولنجية تمثل الحقبة التي شهدت أهم محاولة لبناء أوروبا الموحدة وقد ارتبطت هذه المحاولة  بشخص شارلمان الذي أقام إمبراطورية تعد مقدمة في مسلسل بناء أوروبا الموحدة ولذلك أولى “لوغوف” اهتماما بشخص شارلمان حيث لم يتردد في اعتباره الأوروبي الأول الذي حلم بأوروبا موحدة فهو لم يتوان هذا    في القيام بحروب وغزوات أسهمت في توسيع مجال إمبراطوريته كما عقد  تحالف مع  المؤسسة البابوية  لذلك يمكن القول بأنه  ترك إرثا يكمن أساسا   في منظومة القوانين التي أصدرها لتنظيم الحياة داخل المجتمع  والعملة التي  سعى من خلالها  إلى توحيد العملة المتداولة وذلك بإقرار نظام نقدي تمثل العملة الفضية قاعدته والدنير وحدته النقدية. أما بخصوص المؤسسات الدينية، فقد نجح ” شارلمان ” في توحيد الأديرة حيث أصبحت الطريقة البندكتية الطريقة الملزمة لجميع أديرة الإمبراطورية ولذلك يعتبر لوغوف أن أهم نجاح حققه أوروبا الكارولنجية تجلى في مجال الحضارة على الرغم من أن شارلمان ذو مستوى ثقافي متواضع لكن هذه الوحدة الحضارية الخلاقة لن تتواصل بعد وفاة شارمان إذ سرعان ما سيعود الانقسام السياسي من جديد .

ينتقل لوغوف إلى الفصل الثالث المعنون” بأوروبا المحلوم  بها وأوروبا الممكنة في سنة ألف” حيث يشير إلى أن الوحدة وإن تهاوت بعد وفاة شارلمان فإنها قد انبعثت من جديد تحت يافطة جديدة وهي يافطة  الإمبراطورية الجرمانية المقدسة مع ملك جرمانيا “أتون الأول” وقد تزامن ذلك مع دخول أوروبا مع حلول السنة ألف في مرحلة نمو اقتصادي مطرد أفضى إلى انتعاش جميع الأنشطة المتصلة بالعمارة والعمران والتجارة والزراعة ، كما  شهدت هذه المرحلة  كذلك قدوم وافدين جدد في شكل موجات غزو وهم الإسكندفايون والهنغاريون والسلافيون وقد تحولت أغلب الشعوب الوافدة إلى المسيحية  الكاثوليكية مما هيأ إلى قيام وحدة دينية وسياسية فيما بعد.

اتسمت هذه الفترة أيضا بظهور حركة السلم التي انتشرت في أوروبا الغربية والتي ارتبطت بنشأة الفيودالية وتدهور السلطة المركزية وتزايد عنف السنانير (seigneurs) والأسياد لبسط سلطتهم على الضعفاء،  لذلك انبثقت حركة هدنة الله كمبادرة من الكنيسة  لمنع العنف في أوقات معينة.

الفصل الرابع خصصه المؤرخ للحديث عن “أوروبا الفيودالية” أي أوروبا بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر وهي حقبة تأكدت فيها قوة العالم المسيحي من خلال   الازدهار الكبير الذي شمل تطورات عديدة في مجالات متنوعة: ففي مجال الزراعة استغنى الفلاحون عن استعمال المحراث البسيط الأركثروم ليحل محله  المحراث la charrue ) )كما حدث تحسن في العوامل المناخية بعد بزوغ فجر سنة ألف فبدأ وكأنه دفعة آتية من السماء على حد تعبير الباحث مارك بومبير.

أما المستجدات الأخرى فتكمن في بروز تنظيم جديد للمجال انتظم وفقه الأفراد تمثل في الحصن والسينورية والقرية والأبرشية فقد انتشرت القرى انتشارا واسعا حيث   أصبح فيها السكن متجمعا بعد أن كان متفرقا خلال العصر القديم والعصر الوسيط الأعلى. هذا بالإضافة إلى حدوث تحول جذري مهم  بعد ظهور وانتشار المسيحية حيث تم إدماج الأضرحة في الوسط الحضري وقد اعتبر لوغوف ذلك  تمتينا للروابط بين الأحياء والأموات خلال العصور الوسطى.

أما بخصوص التطورات الاجتماعية فقد تميزت هذه الفترة ببروز شريحة عليا هي الأرستقراطية وهي طبقة تقوم على الدم ارتبط أفرادها بالسلطة والثورة والجاه كما أنها كانت تتمتع بامتيازات سياسية وقانونية وبحظوة اجتماعية كبيرة. إلى جانب الأرستقراطية، شهدت مناطق أوروبا حوالي سنة ألف ميلادي بروز نموذج جديد من الفئات الاجتماعية يتمثل في الفرسان الذين ظل عددهم في تزايد مطرد كما تزايدت أعمال العنف التي كانوا يسببونها بين الفينة والأخرى لذلك عملت الكنيسة على الحد من ذلك وصرف طاقاتهم نحو حماية المؤسسات الدينية. رافقت كل هذه التحولات تطورات على مستوى الأسرة والمجتمع، فقد تطورت مؤسسة الزواج الذي أصبح يتم تحت سلطة الكنيسة حيث لم يعد بإمكان ذكر وأنثى القيام بعقد قران إلا بحضور أحد الكهنة، كما انبثقت علاقات وأشكال جديدة من الحب أبرزها الحب الذي عرف باسم حب الباقة أو الحب الرقيق. أما فيما يخص الطوائف العسكرية فقد شهدت أوروبا الفيودالية خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر ميلاد طوائف جديدة منبثقة عن الأديرة وقد تمت هذه النشأة بالموازاة مع اندلاع الحروب الصليبية وكانت هذه الطوائف ذات صبغة دينية وأبرزها طائفة القديسة ماريا التوتونية الألمانية وقد رفعت هذه الطوائف شعار السيف والصلاة والتنصير ودخلت في مواجهة مفتوحة مع أعدائها من الوثنيين والمسلمين.

هذا فيما يخص الاقتصاد والمجتمع، أما المجال السياسي فقد تميز خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر بتناقض صارخ فمن جهة هناك بروز وصعود كاسح للنظام الفيودالي الذي ظهر وترعرع من خلال تدهور السلطة المركزية ونهاية دور المؤسسات العمومية وهناك من جهة أخرى التشبث بالسلطة المركزية في بعض المناطق التي ظل سكانها ملتفين نحو الملوك الذين كانت لهم   ثلاث وظائف أولها الوظيفة الدينية ثم الوظيفة العسكرية والوظيفة الاقتصادية.

تكثيفا للقول، يمكن الإشارة كذلك إلى تعدد  الممالك الفيودالية التي لم تكن كلها متماسكة ونذكر من بينها “أنجلترا” التي شهدت خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر أحداثا جسيمة تجاوزتها بفضل صلابة ملوكها الأقوياء وثرواتها المتنوعة ،أما فرنسا التي تعتبر ثاني مملكة في غرب أوروبا بعد انجلترا فقد حافظت على استقرارها لفترة طويلة بفضل استمرارية الحكم فيها بيد أسرة واحدة هي “آل كابت” (les capétiens ) ، أما مملكة قشتالة التي ظهرت للوجود في سياق حرب الاسترداد التي خاضها مسيحيوشبه  الجزيرة  الإيبرية ضد المسلمين فإنها كسبت رهان التوسع خاصة بعد اتحادها مع مملكة ناقار وقد أصبحت منذ 1230 مملكة موحدة هي مملكة قشتالة وليون.

يتطرق جاك لوغوف فيما بعد إلى المستجدات الدينية التي ظهرت بأوروبا خلال هذه الفترة حيث ظهر اتجاه تجسد في صحوة غير مسبوقة لظاهرة تقديس مريم العذراء كما تحولت ظاهرة تقديس المسيح من بطل مسيح منتصر على الموت إلى مسيح يتأوه من شدة الألم، كما تمت بموازاة ذلك إعادة النظر في دلالات مفهومين أساسيين يؤطران الفكر  الأوروبي برمته وهما “الطبيعة والعقل” وذلك في إطار إعادة تشكيل صورة الإنسان في علاقته بالله فقد أفضت حسب لوغوف صياغة الإنسية المسيحية توظيف عنصرين كان يكتنفهما الغموض وهما الطبيعة والعقل. فبخصوص الطبيعة فقد غلب عليها التصور الرمزي في العصر الوسيط الأعلى لكن منذ القرن الثاني عشر بدأ هناك تمييز بين الطبيعة وما فوق الطبيعة وأخذ هذا المفهوم يتبلور شيئا فشيئا في دلالته كمفهوم  فيزيائي وكوسمولوجي. أما العقل فقد أخذ هذا المفهوم معنا فضفاضا هو الآخر خلال العصر الوسيط الأعلى إلى أن تمت مراجعته خلال القرن الثاني عشر حيث بدأ التمييز بين عقل أعلى مختص بالحقائق المتعالية وعقل أسفل مختص بالقضايا الدنيوية والمادية وهذا كله أدى الى تبلور الإنسية المسيحية حسب لوغوف التي قامت على مبدأ مراجعة وإعادة صياغة مفاهيم قديمة تم إثراؤها خلال القرن الثاني عشر وبذلك يعتبرها ثورة أوروبية أولى.

لكن كل هذه التحولات  الايجابية لم تمنع جاك لوغوف من الحديث عن ميلاد أوروبا الاضطهاد التي تحولت إلى العدوانية والتوسع مستئصلة في ذلك كل ” جرثومة مولدة للنجاسة على حد تعبيره ” وكان من أبرز ضحايا  عمليات الاضطهاد الهراطقة في المقام الأول ثم اليهود والمثليون في المقام الثاني، فقد اندلعت حركات الهرطقة عالمة أوشعبية كانت مند القرن العاشر لكن الكنيسة تصدت لها بكل قوة .ومن أهم حركات الهرطقة نذكر الهرطقة التقطيرية التي ظهرت بجنوب فرنسا ،أما بخصوص اليهود فقد مثلت هذه الطائفة الطائفة الثانية التي شملها الاضطهاد من قبل الكنيسة والقائمين على الأمر في الممالك الأوروبية حيث أحيت الحروب الصليبية شعورا دفينا لديهم بالحقد على اليهود الذين كانوا في نظرهم وراء المصير الذي انتهت إليه حياة المسيح الأمر الذي أدى إلى ظهور أولى موجات التهجير الجماعي لليهود في معظم ممالك أوروبا: في أنجلترا 1290 وفرنسا 1306، أما المثليون فقد شملهم هم أيضا الاضطهاد فقد كان هؤلاء موضوع مضايقات شديدة وقد تراوح موقف الكنيسة بين الصرامة أحيانا والصمت وغض الطرف في أحيان أخرى.

ينتقل لوغوف الى الفصل الخامس المعنون” بأوروبا الجميلة: أوروبا المدن والجامعات القرن الثالث عشر” حيث يعتبر أن القرن الثالث عشر كانت فترة أوج الغرب الوسيط فقد حقق فيه العديد من النجاحات التي تمثلت في: الازدهار الحضري وانتعاش المبادلات التجارية ثم انتشار المعرفة والجامعات وأخيرا ظهور فئة جديدة من رجال الدين.

بالنسبة للازدهار الحضري فقد كشف لوغوف عن تغير مورفولوجية المدينة الوسيطة ووظائفها مقارنة بمدينة العصور القديمة حيث أصبحت الوظيفة الاقتصادية تحتل المقام الأول هذا فضلا عن تحول مدن القرن الثالث عشر إلى مدن تجلت فيها قيم الجمال خاصة في المعمار وهذا ما يؤكده لوغوف بقوله ” المدينة أصبحت تمثل حالة روح اختزلت حقائق مادية وتمثلات ذهنية في نفس الوقت.”

أما النجاح الثاني الذي شهده القرن الثالث عشر فكان بدون شك النجاح التجاري فقد كان هذا القرن قرن صحوة وتطور ونشاط ارتبط بالمدن ارتباطا وثيقا وقد اشتهر التجار الايطاليون والهانستيون إذ يعود ذلك إلى النشاط والازدهار اللذان ميزا كل من المدن الايطالية ومدن الشمال الألماني. وقد كان التاجر الأوروبي تاجرا متجولا في أغلب الأحيان حيث يجوب التجار البلدان بحثا عن تحقيق أكبر قدر من  الربح.

كانت أهم مشكلة تواجه الاقتصاد الأوروبي الوسيط هي مشكلة النقد حيث كانت التجارة الدولية تقتضي وجود أداة نقدية قوية وقابلة للانتشار بدل العملات الفيودالية التي كانت متداولة آنذاك. وقد قام التجار الأوروبيين بالعديد من أعمال البر والإحسان كتقديم الصدقات والأعطيات أملا في الحصول على الخلاص من الكنيسة، كما انخرطوا منذ القرن الثالث عشر في عمليات تشييد كنائس جديدة مغدقين الأموال على الرسامين والفنانين وبذلك حقق هؤلاء التجار مكسبين رئيسيين وهما الرفاه المادي والاستقرار الروحي.

إلى جانب النجاح  الحضري  والازدهار  التجاري، تميز القرن الثالث عشر بظهور المدارس والجامعات، فقد خلق تنامي قوة البورجوازية في الحواضر المناخ الملائم لتأسيس مدارس لكن الحدث الهام بدون شك كان إنشاء مدارس للتعليم العالي تسمى بالجامعات أهمها جامعة السربون التي أسسها” روبير  دوسربون” .أدى انتشار الجامعات والمدارس إلى تطور  الثقافة والعلم و ظهور حضارة الكتاب الذي شهد تطور هام خلال هذه الفترة فإلى جانب تزايد المهتمين بالقراءة وانخفاض نسب الأمية في أوساط النبلاء والتجار، شهد الكتاب خلال القرن الثالث عشر تطورات هامة تمثلت في تطور ظاهرة النسخ واستعمال تقنيات  جديدة تقوم على نسخ صفحات الكتاب مستقلة الواحدة عن الأخرى قبل شدها إلى بعضها البعض. بالتزامن مع ذلك، انتشر الإنتاج الموسوعي الذي اهتم بعلوم عقلية ونقلية كعلوم الدين والفلسفة والميتافزيقا ويعتبر العالم اللاهوتي “هيوغ” أول من وضع أسس وقواعد التأليف الموسوعي حيث نشر حوالي سنة 1135 كتابا يتضمن معارف دينية وأخرى دنيوية.  بالموازاة مع ذلك تمثل المدرسية أهم إرث ثقافي جامعي ورثه القرن الثالث عشر وتطلق هذه التسمية على الإنتاج الثقافي المرتبط بالمدارس عموما وبالجامعات خصوصا.

أشار كذلك لوغوف إلى ظهور اللغات المحلية التي انتشرت بدل اللغة اللاتينية فعلى الرغم من صعوبة تحديد تاريخ بداية استعمال اللغات المحلية واللهجات المحلية فإن بعض الباحثين يربط نشأتها بالنص الشهير المعروف بقسم “ستراسبورغ” حيث أدى أبناء لويس التقي القسم باللغة الفرنسية وباللغة الألمانية ثم أقر فيما بعد سنة 813 المجمع الديني المنعقد بمدينة تور بجواز استعمال اللهجات المحلية في التراتيل.

وقد فرضت اللغة الفرنسية نفسها مند نهاية القرن الحادي عشر حين كتبت بها القصائد التي تمجد بطولات الفرسان ومن ضمنها أنشودة رولان. شهد القرن الثالث عشر حدثا هاما في حقل الآداب كان له أبلغ الأثر في الحياة الثقافية في أوروبا بأكملها وقد تمثل هذا الحدث في نشأة النثر الأوروبي حيث أخذ الإخباريون يعملون على تدوين أخبار الممالك والتعرض لأخبار وأحداث الموناستريات والأسقفيات. ومن بين هذه المؤلفات يمكننا ذكر كتاب “أعمال ملوك أنجلترا ” للراهب غليوم دي مالمسبوري “.

أما النجاح الرابع والأخير فتمثل في نشأة طوائف الفقراء التي كانت مؤلفة من طائفة الدعاة الدومنيكان وطائفة المتواضعين وقد كانت طوائف الفقراء وراء شيوع العمل الخيري في أوروبا. بالتزامن مع ذلك شهد الفن خلال القرن الثالث عشر انتعاشة مهمة وخاصة فن العمار حيث ظهر فن جديد كان مختلفا عن الفن الروماني وهو الفن القوطي الذي يمثل فن حضري بالأساس تجسد إبداع مهندسيه في الكاتدرائيات خاصة لذلك نعت “جورج دوبي” فترة سيادة الفن القوطي بكونها فترة الكاتدرائيات.

أشار لوغوف كذلك إلى تحولات ذهنية ميزت هذه الفترة خاصة مواقف الناس من العمل كما شهدت تحولات في منظومة القيم والأفكار حيث تم التراجع عن فكرة نهاية العالم والإيمان بمعنى إيجابي لاتجاه  التاريخ كما تم الاعتقاد في فكرة النمو في المجال الاقتصادي التي سيتم تغييرها بفكرة التقدم عند نهاية القرن السابع عشر  إذن فما يمكن أن نخلص إليه من خلال ما تقدم هو أن القرن الثالث عشر  مثل فترة تحولات كبرى في شتى المجالات ستمهد  فيما بعد إلى ظهور حركة الإحياء في المدن الايطالية ثم النهضة في كامل أقطار أوروبا الغربية.

أما الفصل السادس والأخير فقد ورد بعنوان ” خريف العصر الوسيط أم ربيع الأزمنة الجديدة ” حيث أكد فيه المؤرخ منذ البداية على فكرة مفادها أن الباحثين قد درجوا على إطلاق عبارة “خريف العصور الوسطى” على القرنين الرابع عشر والخامس عشر وهي فترة شهدت خلالها أوروبا أزمة بعد قرن من الاستقرار والازدهار النسبيين وقد تجلت هذه الأزمة في عودة المجاعة والحروب والأوبئة. أما  المجاعات التي كانت ظاهرة مرعبة خلال العصر الوسيط فإن أسباب عودتها تتمثل في حدوث تحولات مناخية أفضت إلى برودة والأمطار تارة وإلى الجفاف تارة أخرى.

أما بخصوص الحروب فقد عادت للظهور بعد دخول الدول المركزية في حروب ذات صبغة وطنية من أبرزها حرب المائة سنة بين فرنسا وانجلترا كما يعود ذلك الى تطور التقنيات الحربية والتي تجلت في ظهور المدفع والبارود.

إلى جانب الحروب والمجاعات، ظهر شبح الأوبئة فقد كان الطاعون الأسود أهم حدث عصف بالقارة الأوروبية ثم بالعالم أجمع في أواسط القرن الرابع عشر إذ كانت نتائجه الديموغرافية والاقتصادية كارثية على جميع الأصعدة وقد أسهم الطاعون في ظهور تمثلات ذهنية جديدة نتجت عن معاينة الناس للموت عن كثب.  تزامنت كل هذه الأزمات المختلفة مع ازدياد أعمال العنف التي استهدفت بالأساس اليهود مما  يعكس مشاعر الكره التي تكنها فئة عريضة من المجتمع المسيحي لليهود. كما ظهر خلال القرن الرابع عشر شكل جديد من العنف تمثل في محاربة الشعوذة والسحر وازدياد عمليات التفتيش التي كانت تقوم بها الكنيسة ضد الهرطقة وحركات الشعوذة.

أدى كذلك تأزم الحياة الاقتصادية إلى تعدد الانتفاضات فقد شكلت انتفاضات الطبقة الشغيلة من فلاحين وحرفيين مظهرا آخر من مظاهر العنف خلال العصر الوسيط والتي تعكس حسب “روبير فوصيي” مظهرا جديدا من الصراع بين الطبقات، ولم تقتصر الانتفاضات على الأرياف مثل ثورة فلاحو فرنسا في 1358 بل إن الحواضر انتفضت كذلك نتيجة البطالة وتدني الأجور وتزايد عدد الفقراء فقد اندلعت بباريس حركة اجتماعية قوية سنة 1358 شارك فيها عدد كبير من سكان المدينة على إثر هزيمة تلقتها الجيوش الفرنسية على يد الأنجليز في بواتيي سنة 1356.

كل ذلك أثر على الكنيسة حيث انفرطت وحدتها ودبت فيها جذور الانشقاق حيث حدثت اضطرابات هزت مدينة روما فانتقل البابا إلى مدينة ليون ثم أفينيون وقد حدث أمر هام خلال هذه الفترة سيؤدي فيما بعد إلى الإصلاح الديني في القرن السادس عشر وهو أن الكنائس الوطنية أصبحت تأتمر بأمر الملوك والساسة المحليين. بيد أن حركات الهرقطة لم تنقطع إذ تواصلت وتمثلت هذه الحركات بشكل خاص في حركة “جون ويكليف” واللولارديين بأنجلترا وحركة “جون هوس” والهوسيين في بوهيميا.

في خضم كل هذه الأزمات لا يمكن إنكار وجود بعض النقاط المضيئة التي ستمهد لبداية العصور الحديثة، فقد ترسخ لدى أغلب الشعوب الشعور الوطني الذي تأكد في أنجلترا في وقت مبكر نسبيا ثم أصبح سائدا في العديد من الممالك الأوروبية. إلى جانب ترسخ الشعور الوطني لا يمكن المرور دون الإشارة إلى   حدث هام جدا وهو اختراع الطباعة الذي يفتح الباب على مصراعيه لولادة حضارة جديدة قائمة على القراءة والكتب وقد انتشرت مراكز الطباعة في كل مدن أوروبا الغربية تقريبا بين القرنين الرابع عشر والخامس عشر.

تشكل في هذه الفترة ما أسماه المؤرخ “فرناند بروديل” ” بالاقتصاد –عالم” الذي يعني به تكون علاقات اقتصادية منتظمة قامت خلال القرن الرابع عشر بين أوروبا الشمالية ومنطقة الفلاندر والعالم الآسيوي والمرافئ الايطالية الكبرى بجنوة والبندقية ويعود تشكل هذا الاقتصاد إلى ما عرفه القرنان الرابع عشر والخامس عشر من انفتاح اقتصادي وتوسع النشاط التجاري خاصة الحري منه بعد الاكتشافات الجغرافية الكبرى.

من بين أقطاب الفكر المنفتح في القرن الخامس عشر أورد “لوغوف” جملة من أسماء بعض المفكرين من بينهم الألماني “نيكولا دي كوزا” الذي درس الفنون والقانون واللاهوت وألف العديد من المصنفات مثل كتاب “العالم الجاهل” الذي قسمه لثلاثة أجزاء حاول فيها تعريف كل من الله والكون والمسيح  والبولندي “باويل فلودفوكوفيتش” الذي شغل منصب رئيس جامعة كراكوفيا وأصدر العديد من المؤلفات في القانون واللاهوت.

أما من الناحية السياسية فقد أشار لوغوف إلى أن هذه الفترة شهدت بداية تراجع الإمبراطورية كحقيقة ترابية وسياسية وكمعطى يؤثث المخيال الأوروبي لتبرز بذلك خارطة سياسية جديدة أخذت تتجه نحو البساطة حيث بدأت في الظهور الممالك الوطنية بدل الإمبراطوريات كما انتهت الصراعات بين فرنسا وانجلترا وتوحدت الجزيرة الإيبرية خاصة بعد 1492 استرداد غرناطة وقد ظلت ايطاليا القطر الأوروبي الذي أثار انتباه المعاصرين لأنه كان موطن الحركة الإنسية كما أن التجزئة السياسية أخذت تخف به شيئا فشيئا.

شرعت أوروبا بعد ذلك في ملاقاة العالم الخارجي معلنة بذلك بداية التوسع خارج القارة وذلك عبر الاكتشافات الجغرافية الكبرى التي توجهت نحو المحيط الأطلسي وإفريقيا وقد قام بهذه الرحلات كل من الإمبراطورتين البرتغالية والاسبانية بفضل   التقدم الذي تحقق في تقنيات الملاحة وصناعة المراكب البحرية

يختتم لوغوف هذا العمل بالإشارة إلى تساؤل هام وهو هل أن أوروبا قد كانت بصدد العبور إلى مرحلة جديدة عند نهاية القرن الخامس عشر؟ فهل كانت تلك اللحظة تتضمن بعض المستجدات وبعض مظاهر القطيعة التي تسمح بالحديث المشروع عن انتقال من حقبة تاريخية سميت بالعصور الوسطى إلى حقبة تاريخية أخرى نعتت بالعصور الحديثة؟ فهل انتهى العصر الوسيط حقا عند نهاية القرن الخامس عشر؟  للإجابة عن كل هذا الوابل من الأسئلة والإشكاليات يعتقد لوغوف بوجود “عصر وسيط طويل الأمد “فما ميز نهضة القرن الخامس عشر كان موجودا خلال العصر الوسيط: ألم يكن الفن ناهضا في ايطاليا منذ القرن الثالث عشر؟ ألم تكن الحركة الإنسية قد بدأت في البزوغ منذ القرن الرابع شعر؟ ألم يتواصل الطاعون إلى حدود 1730؟ النظام الفيودالي كذلك ألم يسقط إلا عشية بداية الثورة الصناعية؟ وكذلك الأمر بالنسبة للتراتبات الثلاث (رجال الدين والمحاربون والفلاحون) ألم تبق   سارية المفعول في فرنسا إلى حدود الثورة؟ لذلك يؤكد لوغوف على أن قطيعة ما يسمى بالنهضة لا وجود لها لذلك “فإن العصر الوسيط كان عصر تقدم هائل نحو الأمام خاصة تقدما نح والوحدة فقد تأكدت القدرة على التقدم خلال العصر الوسيط وتقوت أكثر خلال القرن الخامس عشر إذ كانت العوائق الفكرية المنتصبة أمام التقدم تزاح شيئا فشيئا فتم الانتقال من القدرة على التحكم في الحواس إلى القدرة على التحكم في الوقت وقد كان ذلك أمرا عظيما “.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. يوسف نكادي

    الأستاذ الفاضل فهمي رمضاني

    السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته
    وبعد، فأود أن اشكرك جزيل الشكر على اهتمامك بكتاب “هل ولدت أوربا في العصر الوسيط؟”.
    فقد صدر منذ فترة ولم يعره الباحثون والقراء المغاربة أي اهتمام رغم أنه صدر بين ظهرانيهم. وكنت اول من خصه بهذه الورقة التعريفية.
    مع تحياتي ومتمنياتي لك بدوام الصحة والتوفيق.
    يوسف نكادي أحد معربَيْ الكتاب

    1. فهمي رمضاني

      الأستاذ يوسف نكادي
      تحية طيبة
      أشكرك على هذا التشجيع و أتمنى أن تحظى كتب المؤرخ الفرنسي الشهير ” جاك لوغوف ” سواء التي ترجمت أو التي لم تترجم بعد بقدر جيد من الاهتمام من قبل الباحثين المغاربة لأن ذلك سيسهم و من دون شك في تطوير المعرفة التاريخية لدينا و كذلك الانفتاح على المناهج الحديثة التي جاءت بها المدارس التاريخية الغربية
      كل تمنياتي لكم بالتوفيق
      مودتي
      فهمي رمضاني أستاذ مبرز في التاريخ من تونس

أضف تعليق

Share This