فلسفة الطبيعة عند برتراند رسل

 

تبنى الفيلسوف والمنطقي الإنكليزي برتراند رسل (1872 – 1970) منذ البداية منهج وسطي منتقداً التيار العقلاني من جهة، والتيار التجريبي من جهة أخرى. لكن رغبه رسل لوصول إلى ما يراه “معرفة حقيقية” دفعته إلى وضع أسس ما بات يُعرف باسم الفلسفة التحليلية، التي تميل في النهاية إلى الاتجاه التجريبي رغم العقلانية الظاهرة على حديثه.

لقد انتقد رسل نظرية الاستدلال الأرسطية في صورتها القديمة قائلاً: أنها تافهة في مادتها من جهة، ومعصومة عن الخطأ من جهة أخرى، فهي بالتالي أشبه بالتحفة القديمة ليس إلا، وإن دلت على شيء فهي تدل على الجبن  العلمي، إذ أن الرأي عند أصحابها هو أنه لو تعرض الاستدلال لأيسر احتمال للخطأ، كان من الخطر أن تنتزع منه نتيجة نركن إليها، وهكذا كان طابع التفكير عند قساوسة العصور الوسطى، بل هكذا كان طابع حياتهم ذاتها، إنهم ينشدون السلامة على حساب الخصومة. وبنفس الوقت انتقد رسل ما أسماه بالاستقراء الدوغمائي قائلاً: “بعد ثورة بيكون وديكارت، جاء غاليليو ليجعل من المنهج الاستقرائي أداة جديدة من شأنها أن تؤدي إلى نتائج عظيمة حقاً،  هذا ما أصبح أساساً لعلم الفيزياء الرياضي الحديث، غير أن المتحذلقين من العلماء لسوء الحظ، ما أن قبضوا بأيديهم على الطريقة الاستقرائية، حتى راحوا يخضعونها للقيود والقواعد حتى غدت مغلولة بما كان يغل الطريقة الاستنتاجية الاستنباطية قبلها، فجعلوا من الاستقراء سبيلاً مؤدياً بشكل دائم للنتائج اليقينية، فسلبوه طابع المغامرة الذي كان يميزه:.

ويرى رسل أن الجدل الذي دار بين أصحاب التجربة وأصحاب العقل، هو جدل فارغ وعقيم، فكل معتقد في رؤوسنا قد سببته مؤثرات خارجية، فإن كان المعتقد جزئياً كالمؤثر الذي أحدثه، كان من النوع الذي يقول عنه التجريبيون أن البرهنة عليه تستند إلى التجربة، أما إذا كان أعم، فإن الأثر يتعرض لإشكاليات أكثر. وعليه فإن الأفكار التي يقال أنها فطرية كما صرح عنها ديكارت وكانط، نابعة من طبيعة العقل نفسه، هي تلك الأفكار التي لم تجد من حوادث الحياة ما يفندها، لكن رسل يرى أنه لا استحالة في حدوث ما يفندها، وغاية ما في الأمر أن ذلك التفنيد لم يحدث بعد.

لقد أراد رسل أن يعالج المادة على أنها بناء منطقي يقوم على الأحاسيس، فقرر أن الأحاسيس ومعطيات الحواس، شيء واحد. ولما كان علمنا بالعالم الطبيعي لا بد وأن يبدأ بمعطيات حسية وإدراكات حسية، ثم استدلالنا من هذه الإدراكات شيئاً عن طبيعة العالم الخارجي، كان علم الطبيعة مشوباً حتماً بظل من الذاتية لا مفر منه”. وهنا نجده يصر على التمييز بين إحساسنا الذي هو حدث ذهني يتمثل في إدراكنا لشيء ما حسي، والشيء الحسي الذي ندركه عن طريق الإحساس، حيث يعد رسل التجاهل لهذا الفرق مرده الخلط بين الذات والموضوع، وهو المطب الذي وقع به كلاً من باركلي وبرغسون. فنحن في سلوكنا العملي نستجيب للشيء المرئي على أساس حقيقته الموضوعية، كما تحددها الرؤية واللمس معاً، لا على أساس صورته الظاهرية كما يتأثر بها البصر وحده من زاوية النظر المؤقتة إليه، بذلك فإن إطلاقنا تسميات معينة على مسميات مرئية هو دائماً من قبيل الاستدلال، لا من قبيل الإدراك الحسي المباشر، فمثلاً: كثيراً ما يحدث أن يكون على زجاج النافذة بقعة ملونة فنظنها رجلاً في حقل بعيد، ونحن لا ننتبه لخطأنا إلا حين نفتح النافذة أو نحرك رؤوسنا قليلاً، وعندها ندرك بأن حكمنا على الذي رأيناه بأنه رجل في حقل بعيد، هو حكم استدلالي مما تراه العين، وليس هو انطباع حسي مباشر.  وعليه، يخطئ وفق رسل من يظن بأن الجوانب الذاتية هي أقل واقعية من الجوانب الموضوعية، فكل ما في الأمر هو أن الأولى أقل أهمية من الثانية، لأنها لا تدلنا على شيء خارج نفسها، كما تفعل الجوانب الموضوعية حيث نستطيع أن نستدل منها عن أشياء عن الطبيعة الخارجية. وسائر الناس بصفة عامة يطرحون من إدراكاتهم الحسية جوانبها الخاصة الذاتية، ليؤكدوا الجوانب الموضوعية التي يشتركون فيها مع سواهم حتى يعيشوا جميعاً في عالم واحد، وتأتي اللغة لتزيد هذا العمل الفطري شدة، لأن استعمال الناس جميعاً للفظة واحدة يطلقونها على مختلف الصور التي ترد إليهم من شيء ما، يؤكد على وحدانية الشيء المدُرك، أي يبرز الجانب الموضوعي من المدركات الطبيعية، إذ يدلنا على حقائق الأشياء كما هي موجودة خارج أنفسنا”. لكن رسل حاول أن ينقذ المعرفة من أسر الذاتية المطلقة، منطلقاً من مصادرة إرادة المعرفة الموضوعية عند الناس جميعاً، وهو بذلك يفسر الموضوعي باتحاد الإرادات الذاتية للمعرفة، فيقول: “إن علمنا بالطبيعة إن هو إلا استدلال من الحوادث التي تحدث داخل كياننا العضوي، وليس لدينا ما يدل على أن ثمة تشابهاً بين الحوادث الداخلية المُستدل عنها، والحوادث الخارجية المستدلّة”. ومع ذلك بقي عند رسل عنصران في العقل لا يمكن ردهما لشيء، هما الإحساسات والصور الذهنية، غير أن هذه الصور الذهنية لا تختلف في جوهرها عن الإحساسات، تماماً كما تتشابه معطيات الحواس غير المحسوسة “إن وجدت” في طبيعتها مع الإحساسات. إن العقل بناء من الصور الذهنية والإحساسات، كما أن المادة بناء مستمد من الإحساسات وربما معطيات الحواس غير المحسوسة. بذلك تكون الإحساسات، هي نقطة تقاطع المادة مع العقل.

ومن جهة أخرى: انتقد رسل المفهوم التقليدي للعلّية، معتبراً إياه مجرد إسقاط نفسي على حوادث الطبيعة. فحاول أن يقدم تفسيراً جديداً للعلة ينسجم مع نظريته، إذ أكد أنه إذا كان لدينا معطيات كافية عن مناطق معينة من المكان – الزمان، فإنه يمكننا أن نستدل على شيء ما آخر عن مناطق أخرى في الزمان – المكان، وهنا لا بد أن يكون للشيء الذي عليه نستدل، والشيء الذي نستدل منه، نفس المعطيات الحسية. وهذا يعني أن الشيء الثابت في القانون العلمي، يتمثل في العلاقة بين ما هو معطى، وما هو مسُتدل عليه ضمن موضوعات علم الحس. وهذا لا يجعلنا بطبيعة الحال نعترف بقيمة وصحة وجهة النظر التقليدية القائلة بأن نفس العلة تؤدي لنفس المعلول، وذلك لسببين: الأول هو أن نفس العلة قد لا تحدث تماماً في المستقبل، كما حدثت في الماضي، والثاني هو أن بين العلة والمعلول فاصلاً زمنياً مهما بدا متناهياً في الصغر، وقد يحدث في هذا الزمن الفاصل، ما يمنع وقوع الحادثة الثانية.

وعلى ذلك فإن البرهان على أن العالم يخضع للعلية خضوعاً مطلقاً، غير ممكن من الناحية النظرية، أولاً: بسبب الفترة الزمنية التي تفصل بين العلة والمعلول، وثانياً: بسبب أنه ليس من السهل أن نقول عن حادثة ما، أو مجموعة من الحوادث، أنها علّة ظاهرة بكل يقين، لأن ذلك يستلزم منا أن نجري ملاحظات على الكون كله لكي نتأكد من أن شيئاً ما لم نلاحظه من قبل قد يكون عائقاً لحصول المعلول المتوقع. وبالتالي فإن المعطيات التي تعتبر المواد الأولية للفكر العلمي، هي نسبية وخاصة بالنسبة إلينا. فما نسميه الشمس، هو عبارة عن حادثة في حياة الرائي. إن جميع حقائق معرفتي عن العالم الخارجي هي حوادث في عقلي، وما أعرفه بدون استنتاج حينما أكون حالة ما، ولتكن رؤيتي للشمس، ليس هو الشمس، بل حادثة عقلية في نفسي، وأنا لا أشعر بالموائد والكراسي الموجودة أمامي الآن، بل ما أحس به هو تأثيرات معينة تختلج فيّ.

ورغم أن قانون السببية القديم لم يفترضه العلم، فإن شيئاً يدعى “اتساق الطبيعة” يتم قبوله على أساس استقرائي. إن انتظام الطبيعة لا يقر المبدأ السخيف الذي يقول “السبب ذاته يؤدي إلى النتيجة ذاتها” بل إنه يقر مبدأ ثبات القوانين. أي عندما يظهر قانون مثلاً: تسارعاً ما كتابع للشكل، ووجد أنه يستمر خلال الماضي غير المنظور، فيُعتقد أنه سيستمر في المستقبل، وأساس هذا المبدأ هو الأساس الاستقرائي الذي وجد أنه صحيح في حالات كثيرة جداً. من هنا لا يمكن اعتبار المبدأ مؤكداً، ولكنه محتمل فقط بدرجة لا يمكن تخمينها بدقة.

وبالتالي علينا في العلم أن نميز نوعين من القوانين، الأول: هي القوانين التي يمكن التحري عن صحتها تجريبياً ولكن ربما تكون تقريبية فقط. والثاني: هي القوانين التي لا يمكن التحري عن صحتها، ولكن رغم ذلك قد تكون صحيحة. فمثلاً: قانون الجاذبية عند تطبيقاته على النظام الشمسي، يمكن التحري عن صحته فقط في حال افترضنا أن المادة خارج النظام الشمسي قد تُهمل لهذه الأغراض، وهذا – وفق رسل – سيكون صحيحاً بشكل تقريبي فقط، ولكن لا يمكننا التحري من صحة قانون الجاذبية الكونية الذي نعتقد بصحته.

إن العلم يبدأ بدراسة الحقائق الجزئية، غير أن هذه الحقائق لا تكون بذاتها علماً، لأن العلم لا يكون إلا إذا كشفنا عن القوانين العامة التي تكون هذه الجزئيات تطبيقاً لها، فأهمية الحقيقة الجزئية، هي أنها مثل يدلنا على قانون من قوانين الطبيعة، والمقارنة بين الظواهر المختلفة التي نصادفها في سياق خبرتنا، تم استخلاص ما بينها من جوانب مشتركة نطلقها عليها جميعاً أو على طائفة منها على سبيل التعميم، هو ما نعني به التفكير العلمي. فما الذي يمكن لنا تعلمه بالمشاهدة والتجربة في الفيزياء مثلاً؟ يجيب رسل، لا شيء يمكن تعلمه، باستثناء المعطيات اللحظية للحس، بقع معينة من الألوان، أصوات، مذاقات، روائح …. ضمن علاقات معينة موجودة في حيز وفي زمان معاً. لكن المكونات المفترضة للعالم المادي مختلفة في الظاهر عن هذه: فالجزيئات لا لون لها، والذرات لا تُحدث ضوضاء، والالكترونات لا طعم لها، والجسيمات لا رائحة لها. وإن كان لهذه الأشياء أن تُثبت، فلا بد أن يتم ذلك من خلال علاقتها بالمعطيات الحسية لا غير.

ولتفادي المشكلات الناتجة عن المعطيات الحسية هناك طريقتان:

الأولى: قد ندعي أننا نعرف بعض المبادئ الأولية، دون الحاجة إلى التفنيد التجريبي، كقولنا أن لمعطيات حسية مسببات غير مسبباتها ذاتها، وأن شيئاً ما عن هذه المسببات يمكن معرفته بالاستنتاج من آثارها. وقد تبنّى هذه الطريقة بعض الفلاسفة، ولكن بمجرد تبنيها، تكف الفيزياء على أن تكون علماً تجريبياً فقط، فلا بد هنا من تفادي هذه الطريقة.

الثانية: قد ننجح في تعريف موضوعات الفيزياء على أنها بمثابة دوال للمعطيات الحسية، فبقدر ما تؤدي الفيزياء إلى احتمالات، بقدر ما يكون ذلك ممكناً. فنحن بإمكاننا توقع ما يمكن اختباره فقط، وهذا ما يُفضي إلى الكثير من العمل الرياضي – المنطقي الممتع. وبالتالي فإنه في الفيزياء تظهر المعطيات الحسية على أنها دوال للأشياء الفيزيائية، فعندما تمس أمواج معينة العين، فإننا نرى ألواناً معينة، إن هذه الأمواج يُستدل عليها حقيقة من الألوان، وليس العكس، ولا يمكن اعتبار الفيزياء أنها قائمة حكماً على المعطيات التجريبية ما لم يتم التعبير عن الأمواج على أنها دوال للألوان وغيرها من المعطيات الحسية.

ولكي لا يصل رسل لنفس النتيجة التي توصل إليها هيوم في ارتيابه النفسي في حقيقة المعارف، أو القول باستحالة صحة المنهج الاستقرائي، ذهب للقول أنه من المعقول أن نقول على بعض القضايا والمصادرات بأنها تتمتع بدرجة عالية من التصديق، رغم أنها ليست مطلقة التصديق، ومن هذه المصادراتM

1- مصادرة الثبات التقريبي: التي تنص على أنه إذا كان لدينا حادثة معينة ولتكن (أ)، فإنه كثيراً ما يحدث في زمن مجاور، حادثة ما أخرى، في مكان مجاور مشابه بدرجة كبيرة للحادثة (أ).

2- مصادرة تمييز أو انفصال الخطوط العلّية: بموجبها نجد أن كثيراً ما يكون ممكناً أن تكون سلسلة من الحوادث، حيث يمكننا من عضو أو اثنين في هذه السلسلة، أن نستدل شيئاً ما بالنسبة لبقية الأعضاء.

3- مصادرة الاتصال الزمكاني: تقول أنه حيث توجد رابطة علّية بين حادثتين ليستا منفصلتين، فإنه يجب أن توجد روابط متوسطة من حلقات السلسلة، يكون كل منها متصلاً بالتالي.

4- المصادرة البنائية: تقول أنه حين يكون لدينا عدد من الحوادث المتشابهة في البنية والتركيب والمرتبة في مسافة مكانية بحيث لا توجد مسافات كبيرة بين حادثة وأخرى، يمكننا القول أن كل تلك الحوادث تنتمي إلى خطوط علّية واحدة، تصدر عن حادثة بنفس التركيب قائمة في تلك المنطقة المكانية.

5- مصادرة التمثيل: تقول أنه إذا كان لدينا صنفان من الحوادث (أ – ب) وكانت (أ) (ب) مما يمكن ملاحظته، فإنه يوجد لدينا سبب للاعتقاد بأن (أ) تسبب (ب) وتكون (ب) في هذه الحالة محتملة الوقوع.

بذلك اقترح رسل تفسيراً جديداً لمفهوم السببية، مؤكداً على أن معنى السببية ليس الجبرية التي تلزم النتيجة عن سببها، بل هو إحصاء التتابع في حدوث الأحداث، فما تدل التجربة على أنه متلازم الوقوع مع غيره، عددنا أن الحادثتين المتلازمتين مرتبطتين برابطة السببية، وقبلنا من تلازمهما قانوناً مطّرداً. إن ما يثير الدهشة في علم الفيزياء، وفق رسل، ليس وجود القوانين العامة، وإنما بساطتها البالغة، وليس اتساق الطبيعة ما يجب أن يثير دهشتنا، ذلك لأنه بمهارة تحليلية كافية يتضح أن أي منهج للطبيعة في حدود التصور قد يبدي هذا الاتساق. ما يجب أن يثير دهشتنا هو حقيقة أن الاتساق بسيط كفاية بالنسبة لنا ليمكننّا من اكتشافه، ولكن هذه الخاصية بالضبط – البساطة – المكتشفة في قوانين الطبيعة ستكون زائفة عند تعميمها، وذلك لأنه من الواضح أن البساطة هي سبب جزئي لاكتشافها، ولا يمكنها بالتالي إعطاء أي سبب لافتراض أن القوانين الأخرى التي لم يتم اكتشافها بسيطة بشكل مساو لها.

لكنه لم يلبث وأن عدل عن أفكاره وأعاد النظر في المسألة كلها ليتوصل إلى نظريته “العنصر المحايد” أو الواحدية المحايدة، حيث التطابق بين الإحساس ومعطيات الحواس، حيث كان متأثراً بالاتجاهات المعاصر في علم النفس لا سيما المدرسة السلوكية التي نظرت إلى الأفكار باعتبارها ردود فعل حركية أولية عن آليات فيزيولوجية جسدية، وكذلك فيزياء النسبية التي أحدثت تغييراُ في وجهة النظر التقليدية بخصوص العلاقة بين المادة والطاقة، فغدا العقل أكثر تعلقاً بالمادة التي أصبحت بدورها أقل مادية عن ذي قبل، ليظهر العنصر المحايد في فلسفته كنقطة التقاء طبيعية بين هذه الاتجاهات.[1] لقد وضع رسل هذه النظرية بصيغتها الأولى من خلال وايتهيد (1861 – 1947)، معتبراً أن العنصر المحايد عبارة أحداث محايدة لا هي عقل، ولا هي مادة، بل شيء مختلف عن كليهما، أو أسبق منهما. وبالتالي فإن العالم مؤلف من مجموعة من الحوادث، إذ يقول: “إن ثورة النسبية تجلت في تغيير النظرة الكلية إلى مفهومي الزمان والمكان، حيث جعلتنا ننظر إلى الموجودات كحوادث لا كأجسام، فلمعة البرق حادثة، وانتقال موجة ضوئية من الذرة حادثة، وهكذا يصبح أي شيء مصدراً لأحداث تخرج منه، وملتقى أحداث تصل إليه، فيغدو الوجود خليطاً من الحوادث، أو شبكة من خيوط الحوادث، وبين أحداث الطبيعة علاقات هي التي أدت بنا إلى الاعتقاد بفكرتي الزمان والمكان، فبين الحوادث ترتيباً معيناً يمكننا من القول عن حادثة ما بأنها أقرب إلى الثانية منها إلى حادثة ثالثة”.

بذلك تجاوز رسل الثنائية الديكارتية، رافضاً الفصل القطعي بين المادي والعقلي، إذ لم يقر بالفكر المادي الكامل، كما لم يقف مع التصور العقلاني الذي يعتقد بجوهرية العقل فقط. ففي توليفة رسل المحايدة ، قد تبدو الظواهر المادية مختلفة عن الظواهر العقلية، إلا أن كلاً منها تشكل أبينية منطقية من الخامة نفسها، يشكل كلاً منها خطوط أو سلاسل من أحداث تنظمها قوانين علّية هي ليست قوة إجبار وإحداث، كما كان الأمر في تصور الفيزياء الكلاسيكية، بل هي مجرد قوانين للتعاقب، والسلسلة العلّية هي خط من الأحداث نستطيع أن نستدل من خلالها من أي حادثة على شيء ما يتعلق بحادثة أخرى في السلسلة نفسها، وقد جعلت ثورة النظرية النسبية في الفيزياء رسل يقلع تماماً عن التفكير بأي ثنائية للعالم بين العقل والمادة، ويأخذ بهذا التصور التوحيدي للعالم، على اعتبار أن النسبية هي التي أطاحت بالانفصال التقليدي بين الزمان والمكان من جهة، وبينهما وبين الأحداث المادية من جهة أخرى، لتحل محلهما المتصل الزماني المكاني رباعي الأبعاد.

ووفق هذا المعطى، نظر رسل إلى الكون على أنه مجموعة من الحوادث المترابطة ترابطاً تجاورياً لا حركياً، وإذا اعترض معترض بأن القوة بين حادث وآخر هي الرابطة بين السبب والنتيجة، وهي ما يرتبط بخبرتنا، أجابه بأنه يخلط بين ما يَخبَره وما يَستدله، فهو كمن رأى ريح تقتلع شجرة، أو شرارة كهربائية تشعل النار، فيظن أنه قد رأى بعينيه القوة التي اقتلعت بها الريح الشجرة، أو الشرارة التي أشعلت النار، لكنه في الواقع أحس الريح أو الشرارة، كما أحس بالشجرة تقتلع والنار تندلع، ثم استدل من عنده قوة، لأنه يميل بفطرته لأن يسأل (لماذا)، على حين أن النظرة العلّية تسأل (كيف)، ولا تزيد على ذلك”، ليضع أيضاً أسس ما سيسمى بالوضعية المنطقية فيما بعد.

خاتمة:

يمكننا أن نلخص منهج رسل بالقول أن المادة هي مجموعة من الأحداث التي تحدث دون أن يكون من هناك حقيقة ثابتة، حيث رفض الزعم المادي الذي يقول أن الأشياء المادية هي التي تسبب حدوث الإحساسات في حواسنا، كأنما السبب والمسبب أمران جد مختلفان، في الخارج مادة، وفي الداخل إحساس. ويرى بأن الأمر هو مجموعة الحوادث، التي هي مادة تتصف بخصائص هي غير الخصائص التي تتصف بها مجموعة الحوادث التي هي عقل، على أن الاختلاف ليس من طبيعة الحوادث هنا وهناك، بل إنه اختلاف ينشأ من تغير في السياق بحيث لو فرغنا حادثة من سياقها، لما عرفنا أمادة هي أم عقل، لأنها تكون هذا وذاك معاً. وما يمكن معرفته بالتجربة عن مادة شيء ما يبقى تقريبياً فقط، لأننا لا نستطيع معرفة مظاهر شيء ما من مسافة صغيرة جداً، كما لا يمكننا أن نستدل على حد هذه المظاهر بشكل دقيق، ولكننا نستدل عليه بشكل تقريبي عن طريق المظاهر التي يمكن رؤيتها. وبالتالي فإن هذه المظاهر يمكن إظهارها في الفيزياء على أنها دوال للمادة في جوارنا الوسيط، فالمظهر المرئي مثلاً لشيء بعيد هو الدّالة لموجات الضوء التي تصل إلى العين، وهذا يؤدي إلى تشويش في الفكر، ولكن ليس من شأنه إثارة مشكلات حقيقية.

بذلك قدم لنا رسل مذهب لا هو بالمادي، ولا هو بالعقلي، بل توليفة من هذا وذاك، فأرجع العالم إلى نوع واحد من القوام أو الهيولى هي الحوادث التي ترجع لأساس منطقي رياضي، قائلاً: “لا تنطوي الرياضيات على الحقيقة وحسب، بل إنها تتحلى بجمال منقطع النظير، جمال بارد وعار من كل زينة، جمال لا يشكل أي فتنة لطبيعتنا الضعيفة، خالٍ من تلك الزخارف البهية التي نجدها في الرسم والموسيقى، جمال مطلق النقاء مؤهل ليكون نموذج لكمال سام لا تظهره إلا أعظم الفنون، إنها روح المسرة الحقيقية والانتشاء الروحي، والإحساس بأن المرء أعلى من مجرد إنسان”.

يقول رسل في كتابه” الدين والعلم”: إذا كانت غاية الكون هي تحقيق تطور العقل، فينبغي أن يكون مفتقراً إلى الكفاءة بشكل كبير، لأنه استغرق مثل هذا الوقت الطويل في خلق هذا القدر الضئيل من التطور العقلي، وقد يبدو من الغريب أن تظهر الحياة وليدة الصدفة، ولكن الصدف قمينة بأن تحدث في مثل هذا الكون الكبير.

******

[1] آلان وود- برتراند راسل: سيرة حياة، ترجمة: رمسيس عوض، المشروع القومي للترجمة، 1998، ص 150.

******

المراجع:

  1. برتراند رسل: الفلسفة بنظرة علمية – تلخيص وتقديم: زكي نجيب محمود، مكتبة الأنجلو مصرية، 1960.
  2. برتراند رسل: التصوف والمنطق ومقالات أخرى، ترجمة: عبد الكريم صالح، هالة سليمان عمران، دار الفرقد، دمشق، ط1 2016.
  3. برتراند رسل: الدين والعلم، ترجمة: فرنسيس عوض، دار الهلال.
  4. محمد عمر فرحات: طبيعة القانون العلمي، الدار القومية للطباعة، القاهرة، 1966.
  5. يمنى طريف الخولي: فلسفة العلم في القرن العشرين، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عدد ( 264)، 2000.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This