140 عامًا على ولادة أبولينير.. نقض المفاهيم والأنماط السائدة / سمير رمان

حلّت أخيرًا الذكرى 140 لميلاد أحد أكثر الشخصيات المؤثرة في الفنّ الطليعي(1)، الشاعر والأديب والناقد الفني غيوم أبولينير (1880 – 1918). ارتبط اسم أبولينير بالمدرسة التكعيبية(2)Cubism، حيث يعود الفضل إليه في إطلاق مصطلح التكعيبية عام 1911، لوصف الحركة الفنية الناشئة التي ضمّت شعراء شبابًا، أمثال أندريه بريتون، وفيليب سوبّو، ولويس أراغون، وجان كوكتو… وفي عام 1912، أطلق مصطلح (Orphism)(3)، كما عرف أيضًا في كونه الأب الروحي للحركة السريالية (Surrealism)(4)، التي أطلق مصطلحها عام 1917 على أعمال Erik Satie، وكتب بنفسه واحدةً من أبكر المسرحيات السريالية بعنوان “نهدا تيريزياس/ Breasts of Tiresias”. وأخيرًا، كتب الشعر من دون تنقيط، محاولًا أن يضفي عليه الحداثة شكلًا ومضمونًا.
كانت حياة أبولينير القصيرة (38 عامًا)، وعمله، نقيضًا للمفاهيم والأنماط السائدة في الكلمة الفنيّة، ونقيضًا للمفاهيم للبراغماتية، وللكلمة الموجزة المختصرة. كانت حياته برّاقة، مفعمةً بالأحاسيس، ومجنونة، بالمعنى الأجمل للكلمة. كان غيوم أبولينير شهابًا متمردًا اخترق غلاف الوحل الآسن، ليفجِّر ينابيع جديدة، مؤذنًا ببزوغ آفاقٍ جديدة في عالم الأدب والفنّ.
في الواقع، كان ظهور أبولينير نفسه إلى الوجود ظهورًا بوهيميًا، خاطئًا، دنيئًا في الوقت نفسه. فوالدته، أنجيليكا كوستريفسكايا، أرستقراطية بولونية نبيلة، حملت به سفاحًا من الأرستقراطي الإيطالي – السويسري، أو ربما من الضابط الإيطالي، فليوجي أسبيرمونتا! ولدته أمّه وأخاه ألبرت في روما، وبالإضافة إلى ذلك، لم تعترف الأمّ بهما على الفور أبناءً لها. عند الولادة، أطلق عليه اسمٌ طويل مركّب (ويليام ألبرت فلاديمير أبوليناري فونج – كوستروفيسكي). غير أنّه اختار لنفسه في ما بعد اسمًا أدبيًا مستعارًا مختصرًا على الطريقة الفرنسية، غيوم أبولينير. أمضى الشاعر طفولته في إيطاليا، ودرس في مدارس مدن موناكو، نيس، وكان. وفي عام 1899، انتقل مع والدته إلى باريس، حيث أمضى بقية عمره.
نظرًا لنَسبِه المتسلسل، كانت لدى أبولينير كلّ الفرص ليكون ابنًا مدللًا يبذر النقود. غير أنّ كلّ شيءٍ جرى بشكلٍ خاطئ. ربما أصبح الفتى مبذرًا، ولكن بمعنى أدبيّ مختلف، حيث كان يقف على الدوام مضطربًا على الحافّة، التي تبدأ عندها الحرية، فتُنحت معها معانٍ جديدة:

“أتى لهيب النار على الأصفاد فتفككت،
فلتكن نهايتي تعاسةً ومجدًا.

وإعصار الموت يزداد حرارةً في يوم الصوم الكبير،
ليبدو لي من خلال دخان لحظة الموت الملتهبة،
طائرًا برؤوسه الخمس،
بعيد المنال.

الحبّ والشمس يرقصان مرحًا في أرجاء المدينة،
التي يحمل أبناؤها القشّ والحطب بكلّ تهذيب،
ولكنّ لهيب ناري عالٍ كآخر لحظات حياتي…..”.
هذه الأبيات مقتطفةٌ من قصيدة في سلسلة “الكحول” (1913)، جاءت تلخص أعمال أبولينير قبل الحرب العالمية الأولى، في محاكاةٍ لقصّة سيّد فرسان الهيكل جاك دو مولييه(5)، الذي

“في عام 1912، أطلق مصطلح (Orphism)، كما عُرف أيضًا في كونه الأب الروحي للحركة السريالية”
اعتبر موته الأليم رمزًا لثبات العقيدة. وبإضفاء قليلٍ من ظلال التشكيك على طبيعة العمل الإبداعي، يمكن أن نفهم أنّ النار التي أحرقت فارس الهيكل (مولييه)، ترمز بشكلٍ ما إلى نار روحية، كان الشاعر يحترق بلهيبها طيلة حياته. يمكن القول إنّ المواجهة بين أولئك الذين يحملون الحطب بخنوعٍ (أي البراغماتيين الذين يؤمنون لأنفسهم السعة المادية)، وبين أولئك الذين تكون “نيرانهم متقدّة اللهب”، كلهيب “آخر ساعةٍ من العمر”، هي واحدةً من خصائص إبداع أبولينير المميزة. وبالفعل، فقد كانت ساعة الشاعر الأخيرة متناغمةً ومسيرة حياته الجنونية (الإنفلونزا الإسبانية، وما يرافقها من حرارة آخر ساعة). التحق طوعًا بجبهات الحرب، حيث أصابت شظية رأسه بجروح عام 1916، ليخضع لعملية في الجمجمة، الأمر الذي أنهك جسده، فسهّل على الإنفلونزا الإسبانية مهمّة إنهاء حياته عام 1918.
غيوم أبولينير (1880-1918) وزوجته جاكلين كولب على شرفة في شارع سان جيرمان في باريس/ فرنسا (1918/Getty)
عاش الشاعر حياةً قصيرةً، ولكنها متقدة، وببقي ما أبدعه إرثًا للثقافة العالمي. فبالإضافة إلى سلسلة “الكحول”، التي أتينا على ذكر مقاطع منها، ترك الشاعر سلسلة قصائد قصيرة “بيستياري أو كورتيج أورفيا” عام 1911، حيث تجتمع فيها مجموعة واحدة حيواناتٍ – حقيقية وأسطورية في الوقت نفسه، يعبّر الشاعر بصورةٍ فلسفية من خلالها عن آرائه في الحياة، أحيانًا بحزنٍ وكآبة، وأحيانًا أُخرى بلؤمٍ ووقاحة:

“أريد أن تعيش معي زوجة حكيمة في مأوى مريح،
مع كتبٍ وهرّة،
وأريد أن تكون روحي حيّة،
بدفء روحٍ حيّةٍ وحبيبة،

(القطّة):
“اندلق الحبر على الأرض،
وبتلذّذٍ ألعق دماء أصدقائي،
فهل صادفتم هكذا ذوّاقة؟/ من هذا الوحش؟ ألست أنا نفسي؟

(الأخطبوط):
“هذا الطائر مرخيًا ذيله،
يستعرض زينته أمام الجميع،
متباهيًا بجماله،
ولكنّه في حقيقة الأمر،
إنما يستعرض عورته على مرأى من الجميع”.
في عام 1918، وقبل وفاته بقليل، كتب ما سمّي (Calligrams)(6)، وهي مجموعة من القصائد كُتبت كمجسّمٍ أُضيفت إليه رسوم شكلتها الكلمات، لتمثّل شخصًا، أو كائنًا ما، ولتصبح

“في عام 1916، أصابت شظية رأسه بجروح، ليخضع لعملية في الجمجمة، الأمر الذي أنهك جسده، فسهّل على الإنفلونزا الإسبانية مهمّة إنهاء حياته عام 1918”
مجموعته هذه نموذجًا “للرسائل التلقائية/ الأوتوماتيكية” عند السرياليين اللاحقين (تشبه رسم الأشكال والصور والآيات القرآنية بالخطّ العربي، ولكنّها تروي حكاية متكاملة).
وعند الحديث عن أبولينير لا يمكن إغفال تاريخه الصحافي الفني، وأنشطته الثقافية. إلى جانب عمله كإعلاميٍّ (مؤرخًا لدى Mercure de France، وناقدًا لصالح مجلة باريسParis Magazine، ومحررًا في باريس المسائية Soire de Paris مع أندريه بيللي، كتب كثيرًا عن الرسم المعاصر)، قام الشاعر بتأسيس عدد من المجلات، من ضمنها Aesop’s Feast. وفي خضمّ حياته البوهيمية والأدبية، توثقت صداقة أبولينير مع العديد من الفنانين، في مقدمتهم بابلو بيكاسو، أندريه ديرين، فرانسيس بيكابيا، موريس دي فلامينك، وهنري روسو، وغيرهم.
بين عامي 1907، و1912، ارتبط اسمه بعشيقته الرسامة، ماري لورانسين، التي التقاها في مونمارتر في مرسم بيكاسو. رسمت لورانسين Laurencin لوحةً بروحٍ بدائية: في وسط اللوحة أبولينير، إلى شماله بيكاسو، وإلى جانبه عشيقته الموديل – فيرناندا أوليفيه، ولورانسين في المقدمة بثوبٍ أزرق. وفي عام 1917، وبطلبٍ من جان كوكتو، وسيرغي دياغيليف، تحدّث الشاعر عن فنّ المستقبل “الروح الجديدة”. وفي الوقت نفسه تقريبًا، كانت تعرض دراما أبولينير السريالية “The Breasts of Tiresias”.
ربما ما كان مخطط سير حياة أبولينير ليكتمل من دون سرقة اللوحة الشهيرة بـ”الجوكوندا”. ففي 21 آب/ أغسطس سُرقت اللوحة من متحف اللوفر، حيث كانت هناك شكوك بتقديم أبولينير المساعدة للصّ، فاعتقل في السابع من شهر أيلول/ سبتمبر، وأودع السجن، ليتضح في ما بعد أن محبوب الشاعر، البلجيكي جيري بيير، الذي كان يقطن معه الشقّة نفسها، كان هو اللص الذي سرق تحفًا فنيّة أيبيرية من اللوفر، وباعها لبيكاسو. وبفضل مساعي أبولينير، توارى اللص عن الأنظار، بينما حاول بيكاسو التخلّص من حقائب مليئةٍ بالتماثيل والتحف

“عند الحديث عن أبولينير، لا بدّ من التطرّق إلى إبداعه النثري، ذي الإيقاع الديناميكي الذي يحلّق عاليًا، مترافقًا مع قدرةٍ مذهلة على تغيير المشاهد بأسلوبٍ مبهر تزيده التفاصيل الدقيقة روعة”
الصغيرة المسروقة، ولكنّه لم يجرؤ. تعرّض بيكاسو إثر الحادثة إلى حملة شعواء، ولكنّ سمعته أُنقذت بفضل رعاة نافذين من شبكة معارفه. في النتيجة، أعيدت المسروقات من دون ضجّة إلى المتحف، لكن أبولينير كان هو من عانى بدلًا من الجميع، فقد سُجِن ستة أيامٍ، ليخرج بسلسلته الشعرية “في سجن سانتا”.
عند الحديث عن أبولينير، لا بدّ من التطرّق إلى إبداعه النثري، ذي الإيقاع الديناميكي الذي يحلّق عاليًا، مترافقًا مع قدرةٍ مذهلة على تغيير المشاهد بأسلوبٍ مبهر تزيده التفاصيل الدقيقة روعة، وتضفي عليه روح السخرية والفكاهة مزيدًا من السحر. وحتى في النثر، لا يتخلّى أبولينير عن رفضه وإنكاره لكلّ من المسلّمات العقائدية والكتابة المبتذلة المقيّدة.
من إبداعاته روايات “روما تحت سلطة بورجيا” (1913)، و”نهاية بابل” (1914)، و”ثلاثة دونجوانات” (1914)، وأيضًا سلسلة “سادة الحبّ”، التي نشرت بين 1909 – 1914، التي ضمّنها أبولينير تعليقاتٍ على نصوصٍ ماركيز دي سادا، بيترو أريتينو، وغيرهما.
في النهاية، لا بدّ من الإشارة إلى رواية أبولينير المثيرة الفاضحة “Eleven Thousand Sticks ــ أحد عشر ألف عصا، أو مغامرات السيّد Adventures of the Lord” (عام 1907)، التي لا تزال تثير دهشة القرّاء حتى في أيامنا، لتصيبهم بالصدمة بصراحتها، وبالمباشرة الجنسية الواردة فيها.
هوامش:
(1) avant – garde/ الريادة: مجموعة من الحركات الأدبية والفنية ظهرت في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، تدعو إلى القطع مع التقاليد الفنية، وضرورة البحث عن أشكال إبداعٍ جديدة تمامًا. حاليًا، ينظر إلى المصطلح بمعنى أكثر أشكال الحداثة جذرية.
(2) Cubism: مقاربة فنّية طليعية ظهرت بداية القرن العشرين لخلق ثورة في الرسم والنحت. من أشهر دعاتها بابلو بيكاسو، وجورج براك، تتداخل فيها الصور والأشكال في الرسم نفسه، مما يجعله يبدو مجزّءًا ومجردًا.
(3) Orphism، أو Orphic Cubism: اسم أُطلق على مجموعة معتقدات وممارسات دينية من اليونان القديم والفترة الهلينية. يرتبط المصطلح اليوم بالشاعر أبولينير، ويركز على التجريد الكامل، والاهتمام بالضوء والألوان.
(4) Surrealism: حركة فنية ازدهرت في أوروبا بين الحربين العالميتين، تنتج أعمالًا مضادة للفنّ تتحدّى العقل عمدًا، ولكنّها لا تركز على التعبير السلبي وحده، بل على الإيجابي أيضًا. جاءت الحركة كردّة فعلٍ على ما سماه أعضاؤها بالأثر المدمّر للعقلانية (rationalism)، التي وجهت الثقافة والسياسات الأوروبية، وتسبّبت بحربٍ عالمية مدمرة. يرى أنصارها أنّها وسيلة ممكنة لإعادة توحيد عوالم الخبرة الواعية واللاواعية بحيث يرتبط عالم الحلم والخيال بالواقع العقلاني اليومي ضمن واقع مطلق “سريالي”.
(5) Jacques de Molay جاك دو مولييه (1244 – 1314): كاهن متعصب كان يدعو الدول الأوروبية إلى شنّ حملاتٍ صليبية. خضع لمحاكمة، وحكم عليه بالموت تعذيبًا.
(6) Calligrams: كلمة، أو قطعة من نصّ، يكون تصميمها وتوضّع الحروف فيها بحيث تنتج صورة مرتبطة بمعاني الكلمات نفسها.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This