الرّاقصات لا يدخلن الجنّة: متعة القراءة في ستريبتيز الكتابة (2)

ثانيا/سارّة من الوصم السّيئ إلى الهروب في المتعة واللّذة

  • طفلة الفاحشة والصّراع الذّاتي

إن أبشع تماس ونظرة وتواصل وحكم يمكن أن يتعرض له الانسان في حياته، هو الوصم السلبي والعدواني المعبر عن توحش الشر، الوصم الذي يجرده من إنسانيته ويدخل في دائرة الأشياء، أي يتعرض للتشييء الذي يدمر وجوده الإنساني. هذا ما عاشته سارة وهي طفلة صغيرة، حيث كان عليها أن تحمل مشاعر الدونية والذل والنقص والاستبعاد الاجتماعي، وهي مثقلة بمشاعر الذنب والخطيئة والعار، باعتبارها طفلة حرام وفاحشة. ” لم يحدث أن ضربتها أو قرصتها كما تفعل غالبية الأمهات المغربيات. كانت كل ذكرياتها معها جميلة، لولا كلام جدتها وأخوالها الذين ينعتونها بالسايبة والقحبة التي فضحت الأسرة… لم يكن واجبا أن يلطخوا صورة أمها ويجعلوها تحس بأنها ولدت من الحرام.” 367 هكذا انقلبت الصورة الرائعة لأمها التي لم تبخل عليها بالحب والحنان، وهي تتعرض للتشويه من طرف عائلتها، التي صارت تحقد بكراهية أقرب إلى القتل على أمها باعتبارها عاهرة ومومس مست عرض وشرف وكرامة العائلة حين سمحت لنفسها بعلاقة حب خارج فكر ومعايير الزواج الشرعي. وتحت وطأة عبء هذه المرجعية الثقافية الأخلاقية والاجتماعية، فر زوج الدافع الجنسي المخبأ تحت رداء الحب والعواطف الجياشة، فتركت أم سارة وحيدة في ميدان الأبوة تصارع المألوف في النظر والتعامل مع المرأة بدونية واحتقار لا يخلو من التلاعب والتحايل على الشرف الحقيقي في احترام كرامة الانسان، حيث المرأة إنسان قبل أن تكون امرأة. ” أمها طلقت من أبيها وهي لا تزال رضيعة، ولم تر أباها غير مرات قليلة… كانت سارة تحس أن هناك أشياء غريبة في قصة ولادتها، إلى ان جاء يوم، وجاءت جدتها لزيارتهما وهنا سألتها عن ولادتها وعن أبيها الذي لا يزورها… أمها وقعت في حمل غير شرعي وأنها تزوجت سريعا من أجل اثبات نسب الطفلة. شعرت بصاعقة تخترق جسدها وفهمت أنها ابنة الحرام… شعرت بالذل والنقصان أمام هويتها اللقيطة والمحرمة … كبرت وكبرت معها مشاعر العار من مولدها هي ابنة المعصية لهذا لم تتردد في طرق باب المعاصي بدءا بالسجائر.”45 لم يكن سهلا بالنسبة لطفلة أن تقف في وجه هذا الرعب الرهيب الذي تؤطره قواعد ومعايير وأعراف اجتماعية دينية، وثقافية سياسية في عمقها الاستبدادي التسلطي الذي يمارس حصارا إرهابيا في حق الأسرة إلى درجة دفعها نحو تغيير البلدة أو المدينة. إنه التهجير القسري الأقرب إلى العقاب الرمزي الاجتماعي. وهذا ما ينعكس سلبيا على المرأة بشكل مضاعف يجعلها تدفع ثمن جرأتها في انتهاك المحظور واختراق السيطرة والهيمنة على الرغبة والجسد باسم الاخلاق والتصورات الأبوية الذكورية، والمعتقدات التدينية التي أسسها التأويل البشري  للدين خدمة للمصلحة في الحياة الدنيا. ” في بيت جدتها كانت تسمع الكثير من الأشياء السيئة عن سيرة أمها فهي التي جلبت فضيحة للعائلة وهي المذنبة، المدنسة بعار حمل غير شرعي جعل الأسرة تنتقل من مدينة آزرو إلى إيفران لتبدأ فيها حياة جديدة بعيدا عن كلام الناس وما أقساه. كانت كل كلمة  عن أمها تشكل طعنة في صدرها فهي ثمرة ذلك الفعل الشنيع.”46 في ظل انتهاك المحظور وخرق سقف المعايير الخلقية والاجتماعية التي تلبست قناع الدين لشرعنة سيطرة النظام الأبوي، كان من الصعب على الأسرة والأم والطفلة بشكل خاص أن تحمل عبء الذنب والخطيئة والفضيحة كلوثة يجب التخلص منها خوفا من العدوى الخبيثة، وهي موزعة بين مشاعر متناقضة، الشعور بالحب والحنان تجاه أمها، وبين الحقد عليها، حيث لا تستطيع أن تغفر لها ولادتها بهذا الشكل الشنيع الذي  يوصف بأقبح النعوت والأوصاف، ويجرد الطفل من إنسانيته باسم العرض والشرف الرفيع، والجماعة الطهرانية التي تفعل في يقظتها ما لا يفعل بها الشيطان. ويؤدي موقف الرقابة المجتمعية في عنفه المادي والرمزي إلى ترسيخ هذا الوصم السيئ: طفلة المعصية والحرام والفاحشة. وهنا يكمن سر تورط الطفلة في عملية التماهي بالصورة التي كونتها عنها العائلة والمجتمع. هكذا كانت تنمو الكراهية والاختلالات النفسية العميقة التي تجعل نظام الضبط ينهار كليا أمام هيجان النزوات التي يعسر ضبطها هروبا في اللذة والمتعة من قلق الوصم البشع الذي يعذبها في الأعماق. لذلك لم تعد سارة بعد التجارب العاطفية الصعبة، مع الاسرة والام والأصدقاء، تثق في الحب الذي تراه مجرد وهم وخدعة تنطلي ألاعيبها على السذج الأغبياء.” كانت تحن إلى أمها… لكنها ما تنفك تحقد عليها لأنها أنجبتها من دنس. كانت تحس أنها مدنسة بسبب ولادتها ولا تهتم لعواقب أعمالها، على أي هي ابنة حرام وليس عليها من حرج في ركوب المغامرات.”48 التي اتسعت فرصها بعد أن التحقت بأمها في فرنسا، لترفع شعار العيش بكل حرية بعيد عن رقابة الأسرة والمجتمع في منع الاستمتاع بالجسد وما يحركه من رغبات. ورغم هذا الانطلاق في نمط الحياة الذي اختارته سارة بعيدا عن بيت أمها، كانت لا تستطيع إخفاء حالات من فراغ الروح والاحساس الفظيع بالذنب الذي لم تتغلب عليه إلا من خلال خبرتها وتجربتها في الحياة كمسارات مرعبة ومؤلمة. وما جعل شخصيتها تزداد قوة وصلابة هو عملها كراقصة ستريبتيز، حيث تعرفت على جسدها وقدراتها الرهيبة والساحرة في بيع التخيل والفانتازم، وهي تتعرف على مكامن الرغبة والغواية، التي تحاصرها قوانين الزواج وفق أخلاقيات الطهرانية الكاذبة. وهذا ما يميزها في نظرها عن العاهرة التي تبيع جسدها. هكذا كانت تفكر حياتها وهي تنتقم من الأب كنظام اجتماعي أخلاقي دمر نفسيتها، وفرض عليها تمزقا في هويتها الفردية وتفكيكا لنرجسيتها الذاتية التي تمنح معنى لحياة الانسان. لهذه الأسباب والعوامل التي ولدت معها كطفلة الحرام والمعصية، تمردت بشكل ثوري رافضة كل هذا الأساس والمرجعية الاجتماعية الأخلاقية في الحد من حريتها باسم قيم ثقافية ودينية واجتماعية لا تبرر سوى السيطرة والوصاية والهيمنة، والتدمير النفسي والوجودي لحياة الانسان. ” اختارت الحرية وليس في الأمر شيء مرضي. الخلل في الاخلاق التي تفرض الوفاء أما الطبيعة فتسعى إلى الإشباع141 لقد سلكت هذا الاختيار بحثا عن شهوة السلطة في انتزاع حق الوجود و الاعتراف، ليس عن طريق الحب، بل من خلال التحكم في رغبة الاخر وإذلاله وتحقيره كنوع من العقاب للأب الذي استسلم لقانون القبيلة في فرض أخلاقيات القطيع البشعة والفظيعة. ” هي ليست امرأة إنها سيدة الليل … تعجبها تسمية سيدة الليل، فيها سلطة واقتدار، يعجبها أن تمتلك السلطة على الرجال أن تجعلهم يخضعون لها يخافون منها ويسعون إلى رضاها… جبروت الأنثى وهي تعلن الغواية تعلن التسلطن الليلي العاري. لا تستطيع ان تبادل تلك المتعة بمتعة أخرى. التسلطن والجبروت يجعلها تحس أنها موجودة.”  143 هكذا تمارس دوافع الأنا التغطية على حقيقة الصراع النفسي والوجودي الذي تعيشه سارة باعتبارها انسانا أتى إلى الحياة بطريقة غير شرعية، طريقة تحرمها التصورات والمعتقدات الاجتماعية والثقافية والدينية، والغريب المروع في الأمر أن ذلك حدث باسم الحب بين أبيها وأمها.  لهذا تخوض في داخلها حربا ضد كل من جردها من إنسانيتها وشوه وجودها الاجتماعي. لذلك تعتقد بنبل مهنتها في تحرير الوجود البشري من الممنوعات والطابوهات التي تعيق تصالح الانسان مع ذاته وجسده وعواطفه ومع جميع حواسه. ” ليس المال وحده ما يدفعها إلى مهنتها إنه شعور آخر حميمي بأنها تساهم في التحرر الجنسي والعاطفي لزبنائها وراقصاتها… تساهم في تطوير العلاقة بين الجنسين.”143 إلا أن هذه القناعة تتزحزح كلما صحت من حصة الكوكايين، عندها تدخل في حوار نقدي ذاتي عميق مع رواسب هويتها الممزقة والمفككة الأوصال في كونها مسلمة تستثمر الخطاب الديني في تدبير حياتها اليومية. ” يلزمها ان تغير نمط حياتها…التوقف عن تناول الكوكايين، بدونه لا يمكنها أن تستمر في إدارة بار للعري. هذا العمل يتناقض مع شخصيتها الأساس، فهي في عمقها مسلمة وتستعيذ بالله كل ساعة وتحمده وتشكره وتسأله الرزق. بل إنها صامت نصف رمضان العام الماضي. كيف يمكنها أن تكون مسلمة وصاحبة بار للعري؟ هل الله يقبل ايمانها، هل الله ينظر إلى التفاصيل والسيرة الشخصية أم أنه يحكم على عمق الانسان؟”146 وفي هذا الحوار الداخلي   يتبين لنا ما يعري الوضع النفسي والعقلي والعلائقي الذي تعيشه سارة هروبا من فشل الحصول على الحب والاعتراف، وبالتالي الشعور بالوجود، بعيدا عن الوصم السيئ بكونها طفلة الحرام والفاحشة. وفي غياب الحب في علاقاتها التفاعلية مع الاخر والمجتمع، تغرقها شهوة السلطة والهيمنة في المتعة واللذة، حيث الدافع الجنسي يعلو ولا يعلى عليه. لكنها تنظر بعين الرضا إلى مهنتها النبيلة التي تقدم العلاج النفسي للمحبطين مثلها واليائسين من الحب، من الإحساس بالوجود الذي توفره ثراء علاقة الحب بالذات والأخر والعالم.” تنير ليل المحرومين من الحب في عاصمة الحب باريس… المدينة دعوة للحب وتغن به لكن بداخلها ملايين الناس البؤساء والمحرومين، لا شك أن الحرمان من الحب هو ما يدفع الزبائن إلى بارها… حرمان من الحب وليس من الجنس. لأن الجنس متوفر في كل مكان.”147 لكن تجربتها المرة، وتاريخها الذاتي الفردي والأسري جعلها متصلبة في موقفها من الحب، حيث لاترى أبعد من الجسد والرغبة، والحرية المطلقة للمرأة في علاقتها بالرجل، وما يتيحه الستريبتيز من إمكانات تعرف المرأة على قوتها، وبالتالي النجاح في وضعها العلائقي مع الآخر.” المرأة التي تعي جسدها تعي الآخر أيضا وتعرف إلى ماذا تريد أن تصل وما تريد في حياتها.”148 دون أن تتنازل عن حقها الوجودي في الاستقلال على جميع المستويات بما في ذلك الجانب الاقتصادي من خلال ممارسة العمل، الذي يحرر من أية تبعية مهما كانت طبيعتها، أو ما يمكن أن يحد من حريتها في الحركة والتفكير والسلوك والاختيار. دوافع الأنا في أعماقها تجعلها متشبثة بشهوة السلطة في السيطرة على الرجال، حاسمة علاقتها بمشاعرها بعد أن أغلقت بقساوة هذا الباب، متجاهلة ومتنكرة لشيء تافه مشحون بالرتابة والملل اسمه الحب. ” لا شك أنها قادت معارك طاحنة مع قبيلتها لتصل إلى هاته الحرية الموجعة… طريقتها السلطوية في الكلام في توجيه مسار الحديث مع الجميع تقول إنها في حرب معلنة طيلة الوقت.”264 ضد تماهيها مع، الصورة السلبية التي وصمتها بها العائلة كابنة حرام ومعصية. وجدت نفسها تعيد انتاج تجربة أمها في إنجاب طفلة الحرام، كما لو كانت مدفوعة بشكل قهري إلى تجسيد ما رفضته العائلة باسم العرض والشرف والأخلاق. لقد جسدت المصير الذي تنبأت به العائلة. وفي ذلك تحاول أن تؤكد صورتها القدحية التي وصمها بها الاخرون. الشيء الذي خنق الامل في جوفها وجعل المجتمع يصدر حكمه القاسي بالعزل والنبذ من عالم الشرفاء. فلولا علاقتها بابنتها لأنهت حياتها بالانتحار، لأن دوافعها اللاواعية تجعلها تتفاعل مع الاخرين من خلال التماهي السلبي، وكأنها تؤكد الوصم السيئ لطفلة الحرام والفاحشة التي قدرها أن تعاود أنتاج مسار أمها كما يكرر أهلها على مسامعها الصورة السيئة لأمها ولما ينتظرها من حرام وفاحشة. ” لا تربح الكثير من هذه الشغلانة لكنها تستمر فيها لشيء آخر غير المال، شيء آخر يدفعها كل ليلة إلى الاشراف على محل العري… نوع من السعي إلى امتلاك عيون كل الرجال، تريد أن تحضر في المجال البصري لأي رجل يعبر أمامها. تحب أن يراها الرجال، وأن ينظروا إليها وهي التي حرمت من أغلى عيون تنظر إلى فتاة: عيني أب فخور بابنته. هذا ما قالته لها محللة نفسانية حين حاولت أن تتوقف عن عملها في الستريبتيز في البداية حين كانت أفكار الطهر والدنس تتصارع بداخلها”.268

  • من شهوة السّلطة والجنس إلى تجربة الحبّ

” العالم رغبة واستمتاع وأنا يكفيني رجالي الذين أعود بهم آخر المساء أمارس الجنس وأفضفض على جسدي من خنقة المحل ومسؤوليات تربية ياسمين ابنتي. أنا لا أريد حبا، أريد جنسا ومالا كثيرا.”105

لم تستطع سارة تقبل جرح طفلة الفاحشة، ودلالة فقدان عيني الأب الفخور بابنته، فلجأت إلى البحث عن البديل، هروبا في الجنس والمتعة، حاقدة على فرويد الذي لا يمنح مثل هذا التعويض، وإرضاء شهوة الانتزاع والهيمنة الأقرب إلى التسلط على رجال بائسين، يقصدون بارها للستريبتيز “ألف ليلة وليلة” بحثا عن الحب المفقود في حياتهم. ” ماذا يضير إن حاولت التعويض؟ هل على الانسان أن يتألم طيلة حياته؟ توقفت عن الذهاب إلى المحللة وتحررت من مشاعر الدنس. من يجب أن يشعر بالدنس هو أبوها الذي تخلى عنها… لأنها طفلة الحرام… من قرر أنها أنها طفلة حرام؟ أمها تقول أنها ابنة حب كبير بين شابين أخطئا.”268 هذا غرقت في عالم الجسد والمتعة متنصلة من أي التزام عاطفي، أو ارتباط زوجي، فاكتفت بدعوة الرجال إلى احتراق الحواس. فرغم الاغراء الكبير الذي قدمه لها زاهي كرباط زواج يسمح لها بالعناية بطفلتها ياسمين، فهي فضلت الحرية والعيش بشكل مستقل دون أية وصاية أو تبعية. ” لكن الجرثومة التي في دمها تمنعها من قبول عرضه: الزواج والتفرغ لتربية ياسمين.”143 فهي لم تعد ترى حياتها خارج الجسد ورغباته، والتمتع بالحرية لأن الحب في نظرها مجرد وهم وفخ تنصبه الذكورة لاستغلال وقهر النساء. هكذا خاضت نقاشا صعبا مع آسية التي تؤمن بضرورة وروعة الحب، وعن أهميته في تأسيس علاقات إنسانية بين الانسان وذاته، وبين الرجل والمرأة. وعن دور الحب في تصالح الانسان مع الجراحات العالقة في ذاكرة القلب والدماغ، وهي لا تكف عن سومه الألم والعذاب، ونكران حق الوجود والاعتراف. كانت سارة متشبثة بمواقفها رافضة أي تنازل من حريتها واستقلالها الذاتي والشخصي في علاقتها بالرجل في إطار ما تسميه آسية الحب، أي التوافق العاطفي والجنسي.

لكن في الأخير كشفت سارة خلال لقائها بماريو عن دوافعها اللاواعية التي كانت تشتغل بصمت، مما يدل على ان ” عالم الليل لم يضيع احساسها بالعالم وبأحلام الاخرين.” 266 وهي تتغير من لقاء لآخر بماريو الذي يحمل هو الاخر جرحا خفيا، حفزه إلى ملامسة الاخرين من الداخل. فتراجع جنون شهوة السلطة المحكوم بالجنس فقط، ليفسح المجال لولادة علاقة حب متكافئة ومتوافقة في بنيتها الثلاثية بيم الجنس وانتزاع الاعتراف والحب. بعيدا عن ” أن يفرض رجل شهوته على المرأة، لكن الأجمل هو أن تعلن امرأة عن رغبتها وأن تسعى هي إلى اللقاء إلى اللمس والقبل.”269 ونتيجة هذه التجربة الجديدة المفعمة بالحب حاولت ترميم علاقتها بأمها فرحة بما تشكل في روحها ووجدانها، إلا أنها فوجئت بالتحول الغريب والمؤلم الذي عرفته أمها كمسلمة عليا بتعبير فتحي بن سلامة مسكونة برهاب الدنس والذنب والخطيئة وهي تسعى في نوع من التطرف المولد للكراهية والذات والأخر والعالم إلى معانقة هوامات طهرانية نقية معذبة للذات، ومانعة لجذوة الحياة. لذلك تبرأت منها بسبب عملها في البار، الرزق الحرام والفسق والفجور، كما وجدتها سارة غارقة في الاستلاب الفكري والثقافي الذكوري الذي يمرغها في وحل عقدة الذنب كأم لطفلة حرام. وإزاء هذا الموقف الغريب من طرف أمها كانت سارة تتساءل، ” كانت طيبة قبل أن تؤمن. هل يمكن للإيمان أن يجعل القلوب قاسية. أليس الايمان رحمة ومحبة؟ محبة لكل الناس كيفما كان اختلافهم؟…تود أن تحدث أمها عن ماريو وعواطفها الجديدة، وعن وعد الحياة الجميلة لكن أمها انصرفت عن شؤون هاته الحياة لكي تفكر في الماوراء. تهمها الجنة أكثر مما تهمها مصلحة ابنتها… الله ليس بتلك القسوة لكي يفرق بين البنت وأمها. لاشك أن هناك خللا في طريقة إيمان أمها، في تفسيرها لما يريده الله.”373

لم تشعر سارة بالحزن أو الإحباط، خاصة وهي منخرطة في تجربة حب تعلن وجودها، لذلك حسمت علاقتها بالأسرة والعائلة، وصارت تفكر في حياتها الخاصة برفقة ابنتها وماريو، بعيدا عن الجراحات العارية التي خلفتها فيها العائلة والمجتمع، بكل اطاره الاجتماعي والثقافي.” فكرت في وجودها منذ بدايته كانت لعنة وحراما منذ ولادتها… جدتها قالت لها إنها طفلة الشيطان أتت من حمل غير شرعي، أتت من بوابة الحرام لتواجه حياة قاسية قسوة أخوالها وجدتها والمجتمع ككل… حين أخبرتها جدتها بذلك أحست بتجمد في أطرافها. شعرت أن العالم بارد من حولها، مثلج، الناس يعرفون أنها طفلة الحرام. لم يعد هناك شيء تخاف عليه، لا أثر لحياتها السابقة ولنمط تفكيرها الذي حملته من المغرب. لا شيء تراءى لها غير حرية غير مشروطة.”375

بفضل نقاشها الصعب مع آسية استطاعت سارة أن تقلب المعادلة الجهنمية، من خلال نعمة الحب الذي انفجر في دواخلها في علاقتها بماريو. كما لو كانت تكتشف الفاحشة والحرام الحقيقي، الذي هو الإطار الثقافي الاجتماعي…، الذي يحتضن ولادة الانسان بشكل ظالم وقاهر ومانع للكرامة والحرية والعدالة، والوجود الإنساني، والتقدير والاعتراف اللامشروط بإنسانية الانسان.

******

حنان الدرقاوي: الرّاقصات لا يدخلن الجنة، دار الفاصلة للنشر، الطبعة الأولى، 2020.

الهوامش تدلّ على صفحات الرواية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This