تخفّي نجيب محفوظ / محمود الرحبي

من أهمّ ميزات الروائي والقاص، نجيب محفوظ، الذي مرّت، في 30 أغسطس/ آب المنصرم، ذكرى رحيله الرّابعة عشرة، قدرتُه الكبيرة على “التخفّي” خلف ما يقرأ. يمكن بداية التحدث عن لغته التي تخفي قراءاته للتراث العربي وتشرّبه العميقَ لأهمّ روافده ومراجعه.
لو ذهبتَ حاليا، في أي وقت، إلى سوق الأزبكية في القاهرة، يمكنك أن تشتري “عربة” كاملة من روايات محفوظ وبسعر “معقول”. وحين تقرأها، أو تعيد قراءتها، ستعيش في صميم لغة خاصة، هي “معجم نجيب محفوظ”.. تلك اللغة التي تُذكّرنا، مع كثير من التحوّل، بلغة الثعالبي وابن خلدون، فرواية “خان الخليلي”، مثلا، ليست فقط رواية عوالم وقاع، بل هي أيضا رواية “تتخفّى” بين صفحاتها قراءاتُ محفوظ للتراث العربي. وستستشعر اطّلاعه العميق على مُتون هذا التراث من خلال شخصية المثقف، فقد نحتَ محفوظ اللغةَ العربية القديمة، المُوغلة في البلاغة، و”صقَلَ” منها لغة روائية رائقة لا هي مثقَلة ولا هي سطّحت العبارات. وهكذا نجح رائدُ “السّهل المُمتنع” في أن يخاطب الجميع، بغضّ النظر عن انتماءاتهم أو ثقافاتهم أو أعمارهم. كما ستتعرّف على معلوماتٍ إداريةً وسياسية وواقعيةً، يتخفى خلفها، من خلال شخصيات أخرى تزخر بها رواياته العديدة والخالدة، فكما لمحفوظ معجمَه اللغويَ الثري الذي متح منه، لديه كذلك منجمه المعيشي الواقعي الذي اغترف منه ليُبدع أعماله، التي جعلت الحائز الوحيد على “نوبل” في خارطة الإبداع العربي (1988)، على الرغم من رحيله، يواصل العيش بيننا. المعجم لديه ثابت، فيما المنجم مُتجدّد وعميق، ففي “ليالي ألف ليلة” تتخفّى قراءات محفوظ لـ”ألف ليلة وليلة”؛ إذ حوّل عوالم الليالي القديمة إلى قاهرة الثمانينيات، بلغة وفضاء جديديْن. وهكذا فعل أيضا في “رحلة ابن فطومة” التي نجد فيها تناصّا مع رحلة ابن فضلان. ولن يحتاج القارئ إلى فراسةٍ كثيرة لينتبه إلى ذلك. فيكفي، مثلا، أن يتوقف عند مشهد الناس الذين يعيشون عراةً في العمَلين معا، وغير ذلك من شواهدَ ليقف على هذا التناصّ في أوضح تجلياته. ويسري الأمر نفسه على “بدائع الزّهور” لابن إياس التي نجدها مُتخفّية في “أولاد حارتنا”..
صحيح أنّ مبدع أشهر ثلاثية في الأدب العربي (“بين القصرين”و”قصر الشّوق” و”السكّرية”) ينطلق في كثير من رواياته من إحداثياتٍ ومواقعَ مُحدَّدةٍ وواقعية، لكنه لا يلتزم بها ولا ينضبط لها، لذا فإن تصنيفه كاتبا واقعيّا فيه نظر، ويحتاج إلى نقاش. ومن ذلك قولُ بعضهم إنه امتداد لبلزاك الذي، لفرط واقعيته، استعان المهندسون برواياته في تطوير باريس! أو كما فعل مترجِمُ ثلاثية محفوظ إلى الفرنسية حين كتب على غلافها “فلوبير المصري”، فمن يقرأ، مثلا، رواية “زقاق المدق” (1947،) ذلك الزقاق الصغير والضيّق، سيستشفّ أن محفوظ لم يكتف بوصفه كما هو، وإنما انطلق منه ليضيف إليه وقائعَ أخرى وعوالمَ واسعةً، ربما استمدّها من أماكن أخرى.
وتستدعي ذكرى نجيب محفوظ، كذلك، الوقوف أمام كاتب عالمي عرف كيف يكتب قصة قصيرة انطلاقا من واقع واسع، ويكتب رواية طويلة انطلاقا من واقع ضيّق. وهو في ذلك يدخل في تحدّ تتناوب فيه الحياة والفن، لتصنعا حيوات كاملة، بشخوص وأحداث ومواقف كرّست اسمه كاتبا عبقريا ومتفرّدا.
يمكن أن يُكتب الكثير عن عبقرية هذا المواطن المصري المديني، الذي كان يتحرّك في الشوارع، وتحت الأضواء الخافتة بهدوء ومكر جميلين، والذي لم يكن يترك أي شاردة وواردة في شوارع القاهرة وأزقتها الخلفية إلا وأحصاها ووظفها في ثنايا قصصه ورواياته. ففي رواية “الكرنك”، مثلا، كان يستمتع في مطعم ريش بحديث القاص المتميز سعيد الكفراوي الذي كان حينئذ خارجا من أحد سجون جمال عبد الناصر، ثم كتب روايته الشهيرة التي كان الكفراوي “متخفّيا” فيها تحت اسم آخر.
ليست أهمية نجيب محفوظ في واقعيته كما أشيع خطأ، وإلا لكان اندحر منذ خطواته الأولى كما حصل لكثيرين، إنما أهميته وسبب صموده وتفوقه هي في هذا الثراء اللغوي، وفي هذه القدرة الهائلة على إذابة الحدود بين الواقع والمتخيل، وقدرته على الإيهام بالحقيقة. ولن ننسى قدرته التجريبية التي يمكن للحديث فيها أن يطول ويتشعب. وليس سوى مثال أن نرى تلك الأبيات الصوفية المترجمة من الفارسية إلى العربية التي طعّم بها روايته ملحمة “الحرافيش”، والتي ربما نجد أنها تخفي في هيكلها الداخلي قراءته “مائة عام من العزلة”. رحم الله نجيب محفوظ.
 عن العربي الجديد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This