تورغينيف في قصائد النثر.. وداعًا أيها العالم التافه! / دارين حوماني

“غدًا عليّ أن أذهب إلى المسرح، فإنّهم يقدّمون مسرحيّتي “الأعزب”، سأجلس في مقصورة مختفيًا عن الجمهور. أظنني سأخاف… لقد استقبلها الجمهور بحرارة.. بشكل عام أنا مرتاح أن هذه التجربة أظهرت أن لي دعوة إلى المسرح وأنني مع الزمن أستطيع كتابة أشياء جيدة”، بهذا التواضع وبكل هذه الطيبة يكتب إيفان تورغينيف (1818-1883) إلى صديقته المغنّية بولينا فياردو، التي أحبّها ثلاثين عامًا حتى وفاته؛ إيفان تورغينيف الذي عُرف بتواضعه الذي “يكاد يصل إلى حدّ الخشوع، فلم يكن يحب أن يُكتب عنه في الجرائد، معانيًا خجلًا من نوع خاص”، كما يقول الروائي الفرنسي غي دي موباسان عنه، واجه إقامة جبرية في بلاده لفترة من الزمن بعد انتقادات طالت أعماله واستياء رسمي منه، فرحل صوب فرنسا وهناك حصل على اعتراف كبير من الفرنسيين والبريطانيين. يكتب ليو تولستوي: “كان تورغينيف يعبّر عمّا وجده، كل ما وجده، لم يكن يستخدم موهبته (القدرة على التصوير الجيد) لإخفاء ذات نفسه، كما فعلوا ويفعلون، بل للكشف عن بواطنها. إذ لم يكن هناك ما يخشاه”. ويكتب غوستاف فلوبير: “ما هذا الإنسان صديقي تورغينيف، ما هذا الإنسان، أنت تعرف الكثير عن الحياة صديقي العزيز، وتحسن رواية ما تعرفه وهذا أكثر ندرة، أودّ أن أكون مدرّس أدب لأشرح كتبك”.
في مثل هذا الشهر منذ 137 عامًا توفي الروائي والقاصّ والشاعر الروسي إيفان تورغينيف الذي نعاه المؤرّخ إرنست رينان عند نقل جثمانه إلى بطرسبرج ليُدفن هناك: “وُلد إيفان تورغينيف بشكل غير شخصي، لم يكن ضميره ضمير فرد، كان نوعًا من ضمير شعب. قبل أن يولد كان قد عاش لآلاف السنين. ما من إنسان مثله جسّد أجيالًا كاملة صامتة وأعادها للنطق والحياة”. ما فعله تورغينيف في حياته هو أن اقتفى أقدام الفلاحين في روسيا ناقلًا مآسيهم إلى العالم عبر الأدب، يحكي عن وعيهم الغافي وعن كونهم لا يعرفون ما هي الحرية، وانتقد الإقطاعيين والأثرياء في القرن التاسع عشر وعمل على تشريح البيئة والمجتمع الروسي عبر المسرحيات والقصص والروايات والقصائد، وكان يرى أن المجتمع الروسي لا يزال يعيش في الماضي وعليه أن يتخلّص من هالة القيصر المتسلّطة على مصائر الناس.
وُلد إيفان تورغينيف في مقاطعة أورويل في الحزام الزراعي الثري لروسيا، توفي والده وهو في السادسة عشرة من عمره، وكانت والدته فارفارا بتروفنا مالكة أراضٍ ومعروفة بقساوتها، فقد اشتهر عنها أنها أرسلت اثنين من المزارعين إلى سيبيريا بسبب عدم انحنائهما لها لدى مرورها في أحد الحقول، ورغم اهتمامها بتلقينه لغاتٍ متعدّدة إلا أنها كانت تضربه بقسوة، وقد تمكّن تورغينيف من إتقان عدد من اللغات على أيدي مدرّسين، ثم درس اللغة والأدب الروسي في جامعة موسكو، وفي العشرين من عمره انتقل إلى ألمانيا حيث درس فلسفة شيلينغ وهيجل. عاد تورغينيف إلى موسكو حاملًا معه أفكارًا تنويرية للمجتمع الروسي، وعمل لمدة عام في مكتب وزير الداخلية وهناك كان يلتقي بالناقد فيسايون بلنسكي، الذي كان له الدور الكبير في تشجيعه على الكتابة، بعد أن كان تورغينيف قد نشر قصائد شعرية لم تلقَ نجاحًا فشكّ في موهبته وقرّر هجر الأدب، لكن وبعد رجاءات متكرّرة من بلنسكي أعطاه تورغينيف قصة قصيرة لتُنشر في مجلة “سوفريمينيك” وهي “خور وكالينيش” التي ضُمّت فيما بعد إلى كتابه “مذكرات صيّاد” الذي وصف فيه حياة الفلاحين الروس البائسة بواقعية شديدة، فنشرها بلنسكي وكان وقعها شديدًا في نفوس القرّاء وقيل إنها ساهمت في إلغاء نظام القنانة (الإقطاعية)، وقد أقنع نجاحها تورغينيف بموهبته ككاتب وكرّس نفسه بعد ذلك للأدب. لكن “مذكرات صياد” ومقالة كتبها تورغينيف ينعي فيها نيكولاي غوغول، سبّبا له في عام 1852 إقامة جبرية في قريته لمدة أربعة أعوام. بعد انتهاء فترة الإقامة الجبرية في عام 1856 سيترك تورغينيف روسيا نحو لندن وباريس وسيمضي بقية حياته في باريس وكان يعود إلى بلده الأم في زيارات متباعدة، وقد ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بتاريخ ثقافة فرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأصدقاؤه هم غوستاف فلوبير، إدمون جونكور، فيكتور هوغو، إميل زولا، ألفونس دوديه، غي دي موباسان، وكل الأدباء المحدّثين، وقد خلص الباحث الروسي سيرغي ماكاشين إلى أنه “ولأول مرة في تاريخ العلاقات الأدبية الفرنسية- الروسية يساهم كاتب عظيم من أحد البلدين بنشاط وبشكل مباشر في خلق حركة أدبية كاملة في البلد الآخر”.

بعد محاولاته الشعرية في شبابه والتي هجرها، بدأ تورغينيف بكتابة مشاهد وكوميديات بين الأعوام 1848 و1850 وهي مسرحيات أكسبته شهرة ككاتب مسرحي ومنها “الأعزب”، “العالة”، “فطور عند العميد”، و”شهر في القرية”، وهي من نوع الكوميديا السوداء التي تنتقد بسخرية الأرضية الروسية ويمكن أن تُضحكك ثم تترك في نفسك حزنًا بليغًا. يكتب الناقد نيقولاي نيكراسوف في عام 1849: “إن موهبة تورغينيف هي من ذلك النوع الذي يمكن أن يستخدمه في كل لون إلى درجة معينة، فإذا رغب أن يكتب قصصًا كتب قصصًا، وإذا فكّر أن يكتب كوميديات كتب كوميديات أيضًا، وليس من شك في أن تورغينيف مقتدر على الكوميديا بمثل اقتداره على القصة والرواية، إن القصة الروسية تملك بعض المواهب أما الكوميديا الجيدة فهي نادرًا ما تظهر عندنا”.
يُعدّ تورغينيف من روّاد المدرسة الواقعية في الأدب الروسي، أعماله الروائية والقصصية تفحص الإنسان وتعيد تعريف نزواته، إنها تغور في الداخل الإنساني وفي الأحاسيس الموجعة التي اختبرها، فقد أثار واقع الحياة في نفسه إحساسًا مؤلمًا، “فلم يكن يتحمّل فساد ورياء الطبيعة البشرية، وكان يساعده ذلك على فهم الحياة والنفاذ إلى أعمق خفاياها تمامًا كما يراقب الإنسان في الشارع من خلال نافذة دون المشاركة فيها”، مثلما يكتب عنه دي موباسان. يتحدّث تورغينيف في روايته “رودين” (1955) عن المثقفين النبلاء لأعوام 1830-1840 الذين لم يجدوا لهم قضية ومكانًا في الحياة لأنهم لم يستطيعوا أن يهادنوا الواقع المعاصر لهم، أما “في العشية” (1860) فتدلّ على عشية إلغاء نظام القنانة التي يحكي فيها تورغينيف بأسلوبه المشبع بالنضال عن ضرورة العمل على تحرير الوطن، وفي “الآباء والبنون” (1862) يصوّر الصراع الفكري والاجتماعي بين الأجيال في المجتمعات الإنسانية. وتنتقد “الدخان” الأثرياء الروس الذين يذهبون إلى ألمانيا للاصطياف ويقارنهم بالألمان، وقد سبّبت هذه الرواية تهجّمًا عليه من الصحافة الروسية واستياء دوستويفسكي منه الذي كتب له: “المجتمع الأوروبي يسوده الفساد وانعدام القيم وليس الروسي”.. وكانت علاقة تورغينيف بدوستويفسكي وبتولستوي متوتّرة أحيانًا بسبب توجّهات تورغينيف ذات النزعة الغربية بعد دراسته في ألمانيا واطلاعه على الفكر الفلسفي الأوروبي، بينما كان تولستوي أكثر قربًا من الأرض الروسية وتقاليدها، وكان دوستويفسكي متمسّكًا بمذهبه الأرثوذكسي في حين كان تورغينيف ملحدًا، وقد كتبت آنا غريغوريفنا زوجة دوستويفسكي في مذكّراتها عن زوجها: “كان يرى أن إيفان تورغينيف روائي من الدرجة الأولى لكنه يأسف لأن هذا الأخير أمضى وقتًا طويلًا في الخارج ولم يعد يتفهّم طبيعة روسيا والروس كما ينبغي لكاتب كبير مثله، كانت العلاقة بينهما معقّدة وغلب عليها الجفاء والقطيعة”. كما تُخبر الكونتيسة صوفيا أندريفينا، زوجة تولستوي، أنه جرت محادثة طويلة في ياسينايا بوليانا بين تولستوي وتورغينيف في الثامن والتاسع من آب/ أغسطس 1878 وكان تولستوي في ذلك الوقت مستاءً وغاضبًا من تورغينيف بسبب قصيدته “الشحرور 1″؛ كانت حرب البلقان لا تزال مستمرّة وقد لامه تولستوي على تفكيره في جراحه فقط ونسيان إخوته ورفاقه في السلاح، فأتبعها تورغينيف بـ”الشحرور 2” يحكي فيها عن أولئك الذين “أرسلوا إلى حتفهم دون ندم”.
كان كأنه يتبادل الأدوار مع أبطاله..

لكن تورغينيف وفي بحثه داخل عتبات النفس البشرية، كان كأنه يتبادل الأدوار مع أبطاله، لقد وضع وحدته وشعوره باقتراب الموت بين الكلمات. بدأ يفكر في الموت من داخل رواياته وشخصياته؛ إن ديمتري سانين في رواية “سيول الربيع” (1871) يستعرض مراحل حياته وهو في الثانية والخمسين من عمره وهو نفس عمر تورغينيف عند كتابته للرواية. يقول ديمتري: “فجأة تسقط الشيخوخة كما يسقط الثلج على أم الرأس ويحلّ معها خوف من الموت يقيم في النفس وينخرها من غير انقطاع ولا تلبث هاوية النهاية أن تنفتح! وليت الحياة تقف عند هذا العبث فهناك فوق هذا ما يأتي قبل النهاية من العجز والألم كما يتأتّى الصدأ على الحديد”.. وستكتب يلينا في رواية “في العشية” (1860): “لقد وصلت إلى حافة الهاوية، ويجب أن أسقط، كنت أبحث عن السعادة ولكنني ربما سأجد الموت، إن هذا ما كان يجب أن يكون”، وفي خاتمة الرواية: “كيف مرّت الحياة بسرعة جدًا؟ كيف وصل الموت قريبًا جدًا؟ الموت مثل صيّاد يصيد سمكًا في شبكته ويتركه إلى حين في الماء؛ السمك لا يزال يسبح لكن الشبكة تطوّقه، والصيّاد سيسحبه عندما يعتقد أن الأمر مناسب”. أما في قصة “الحب الأول” (1860) فيستدعي فلاديمير بتروفيتش شبابه: “آه لك أيها الشباب، إنك تقول وأنت واثق من نفسك: أنظروا إليّ، فأنا فقط من يعيش، على حين تمضي أيامك ثم تتلاشى فلا أثر ولا ثمر، ويختفي كل ما فيك كما الشمع في وهج الشمس وكما الثلج.. إلى أي أمنية كنت أتطلّع، ماذا تحقّق من كل الآمال التي طمحت إليها وجدّدت في طلبها؟ وماذا بقي لي الآن بعد أن أخذت حياتي تمضي في ظلالها المسائية؟”.
الشعور باقتراب الموت أكمله تورغينيف في كتاباته المتأخرّة، ففي سنواته الخمس الأخيرة توقّف عن كتابات الروايات والقصص وأخذ يكتب نصوصًا نثرية قصيرة فيها من روح الشعر ما جعلها تُصنّف بـ”قصائد نثر” وقد شكّلت خاتمة أعماله، قصائد يخيّم عليها الشعور المأساوي تجاه الحياة، ويخيّم عليها الموت والشيخوخة والخوف. كتب تورغينيف ثلاثًا وثمانين قصيدة، كلها تنتمي إلى فترة الاقتراب من الشيخوخة، لكنه اختار أن ينشر خمسين قصيدة منها فقط في جريدة “البشير الأوروبي” في عام 1882 أي قبل عام واحد من وفاته، وقد أعطى تورغينيف اسم “سينيليا” لهذه المخطوطات، وكتب لها مقدّمة مؤثّرة: “إلى القارئ.. أيّها القارئ الكريم.. لا تطالع هذه المقطوعات تباعًا فإنك، على الأكثر ستضجر، ويقع الكتاب بين يديك. ولكن اقرأها فرادى. اليوم واحدة، وغدًا أخرى، ولربما يثير بعضها شيئًا في نفسك”. ويروي محرّر الجريدة ميخائيل ستاسيوليفيتش قصة نشرها، يقول له تورغينيف:”هذه موادّي، إنني لا أكتب شيئًا، ولن أكتب شيئًا، سأضع كل هذا في ظرف مختوم وأعطيه لك لحفظه حتى مماتي”، فأجابه ستاسيوليفيتش: “لا يا إيفان، أنا لا أوافق على اقتراحك، فلو كان على الجمهور أن ينتظر موتك حتى يطّلع على هذه الروعة فإنه سيضطّر إلى التعجيل بموتك، دعنا ننشرها الآن”، لكن تورغينيف وافق على نشر خمسين قصيدة فقط وبقيت القصائد الأخرى مجهولة لزمن طويل.

في عام 1930 نشر أندريه مازون القصائد الأخرى التي كانت محفوظة لدى ورثة بولينا فياردو، وقد نُشرت تحت عنوان “مقطوعات نثرية”. في عام 1985 قدّمت دار رادوغا الترجمة العربية لهذه القصائد ضمن مؤلّفات مختارة للكاتب وقد نقل غائب طعمة فرمان القصائد إلى العربية مباشرة من اللغة الروسية، وها نحن هنا الآن أمام ترجمة جديدة لقحطان جاسم عن دار الرافدين (2020) نقلها من الإنكليزية مع وجود النص الأصلي الروسي معها. يكتب جاسم في ديباجة الكتاب: “تكمن أهمية هذه القصائد في أنها تكشف جانبًا مهمًا يتعلّق بالنقاشات الدائرة حول قصيدة النثر، وروّادها، وأصولها. وتكشف لنا هذه النصوص أن روّاد قصيدة النثر وليس كما أُشيع حتى الآن، ليس هم الفرنسيون فقط، بل إنها تستمدّ عناصرها من جهات مختلفة من العالم”.
ثمة فروقات بين ترجمة طعمة فرمان وجاسم، الشعر بأي حال من الأحوال تصعب ترجمته ونقل الدواخل النفسية للشاعر كما هي، فكيف إذا كان من لغة تورغينيف إلى لغة الضاد؛ فروقات عديدة لكن يمكن إيجاز بعضها بما يلي:
يعنون غائب طعمة فرمان إحدى قصائد تورغينيف: “كم كانت الورود لطيفة.. غضّة..”، ويعنونها قحطان جاسم: “كم عادلة، كم كانت عذبة الورود”.. وفي نفس القصيدة يكتب فرمان: “المساء الصيفي يذوب بهدوء ويتحوّل إلى ليل”، بينما يكتبها جاسم: “مساء الربيع يندمج تدريجيًا في الليل”..
وفي قصيدة “البساطة” يكتب فرمان: “الخنوع، نعم. إنه يدنّس، يغلب الكبرياء”، ويكتب جاسم: “تواضَع، نعم، إذا أردت. التواضع يدوس على الزهو ويهزمه”.. هنا نلاحظ أن ثمة فرقًا واضحًا بين الترجمتين ففعل “الدنس” يختلف عن فعل “الدوس”..
قصيدة يعنونها فرمان: “الحقيقة المطلقة والحقيقة الحياتية”، ويعنونها جاسم: “حقيقة وعدالة”، فهل يحقّ للمترجم وضع عنوان كما تقرأه ذاته، فثمة بون واضح بين العنوانين. ثم تبدأ القصيدة نفسها في ترجمة فرمان: “لماذا تقيم خلود الروح إلى هذا الحد؟”، في حين يكتبها جاسم: “لماذا أقمتُ مثل هذه المؤونة عبر خلود الروح؟”. تدفعنا هذه الجملة إلى التفكير في لغة تورغينيف ودقّتها، فلربما كان من الصعب ترجمة لغته وقصده.
لا يلبث الموت أن يتغلّب على قصائد تورغينيف وبالكاد يفارقها، إنها قصائد تكتسب
الثيمة الوداعية، نوع من سرد قلق، لن نعدّد الموت فتكاد لا تخلو قصيدة منه

ويعنون فرمان إحدى القصائد: “نقش بارز” بينما يعنونها جاسم: “نحت غائر”. أما في قصيدة “الطبيعة” فيكتب فرمان: “غمغمتُ ثانية: ولكن الخير.. الحصافة.. العدالة.. صلصل الصوت الحديديّ: هذه كلمات بني الإنسان، أنا لا أعرف خيرًا أو شرًّا، الحصافة ليست قانونًا لي”، ويكتبها جاسم: “لكن الحق.. العقل.. العدل.. تلعثمتُ مرة أخرى../ تلك كلمات رجال، سمعتُ الصوت الحديدي يقول: لا أعرف صوابًا أو خطأ، وليس العقل قانونًا بالنسبة لي”.. يبدو لنا أن ثمة فروقات شكلية بين الترجمتين مع بقاء روح نص تورغينيف وصداه.
ستكون ترجمة فرمان في كثير من الأحيان أقرب إلى القلب من ترجمة جاسم، وستكون ترجمة جاسم ذات بناء شعري يشدّنا إليه وتحتاجه البنية اللغوية لقصائد تورغينيف بلغتها الروسية.
تورغينيف الذي كان يكتب أواخر أيامه ويعتبر “أنه لا يكتب شيئًا” ولم يرغب بنشر قصائده إلا بعد موته، لم يكن يعلم حينها أنه كان يسجّل وجوده الإنساني كله وعذابات الكائن البشري عبر هذه القصائد، إنها عُصارة حياته كلها، الحياة والموت، خلود الطبيعة، هشاشة الكيان الإنساني، لانهائية الزمن، سرعة زوال الحياة، والحب كعنصر مسيطر على الإنسان.
أولى قصائد النثر قصيدة “البلاد” كما عنونها جاسم أو “القرية” كما عنونها فرمان، لكن العنوان ليس بذات أهمية؛ إن تورغينيف في هذه القصيدة لا يكتب قصيدة بل يرسم لوحة كاملة عن بلاده، يصف روسيا فرسخًا فرسخًا، إنها عمل فني تتناوب حواسّنا الخمس عليه؛ عمل فني يدخل في السماء، النهر، الوادي، السحابة، الحمامات، السنونو، الكلاب، رائحة الدخان والتبن، الدجاج ذو العرق، الديك، “رؤوس صبيانية مجعّدة من كومة قش”، “امرأة تسحب دلوًا من البئر”، المرأة العجوز، “حتى هذه اللحظة يستطيع المرء أن يرى أنها كانت جميلة في أيامها”، الحليب الطازج، والخبز الحارّ.. يضع تورغينيف بلاده أمامنا مع كومة من الحنين ستنتقل إلينا من بين السطور. هل هذه المقطوعة هي ومضات من سيرة ذاتية أم مجموعة صور تلاحق مخيّلتنا كما لاحقت تورغينيف بعد اختياره فرنسا وطنًا ثانيًا. سوف ترتعش الصور وتهتزّ بين أيدينا لكثرتها وسنتنشّق مع الكاتب رائحة الخبز الحارّ والدخان والتبن والحزن، لكن ثمّة تساؤل ينهي تورغينيف “الملحد” به قصيدته، هو تساؤل عن معنى الوطن وكل ذلك في عالم قائم على الحروب الدينية: “ماذا يعني كل شيء لنا هنا؟/ أهو الصليب في قبّة القديسة صوفيا في قسطنطينة/ وكل البقية التي نكافح من أجلها/ نحن رجال المدينة”.

يطلّ الموت من قصيدة لأخرى كوجه حزين يدخل من نوافذ تورغينيف وعبر الهواء، نافذة تلو نافذة، تدخل حتى في أحلامه، يخبرنا عن أحلامه في عدد من القصائد، أحلام تشدّه وتشدّنا معه في الحفر السوداء وفي غشاوة الظلام.. في قصيدة “لقاء” يجيئه الموت في سحابة تتّخذ شكل امرأة “بدت أن تقول: تعال إليّ/ لكنني عاجز عن الحركة/ ومن ثم ضحكت وابتعدت/ إكليل قرمزي من ورود صغيرة/ وأنا مستلقٍ بلا حركة وأخرس على شاهدة قبري”. وفي قصيدة “نهاية العالم” يحلم بأنه في مكان ما في روسيا، في البراري، مع عشرة أشخاص وفيهم صبي يبكي خوفًا، وحيث لا مهرب من بحر قادم صوبهم “سيبتلعنا البحر/ إنه يرتفع بشكل هائل/ بكى الطفل مرة أخرى/ حاولت التمسّك بأصدقائي/ لكننا كنا جميعًا مسحوقين، مدفونين، غرقى/ جرفتنا تلك الموجة الرعدية الجليدية ظلام.. ظلام أزليّ! بالكاد أتنفس، فأستيقظ”.. ثمّة أحلام أخرى يود تورغينيف إخبارنا عنها فيحكيها في عدد من القصائد الأخرى، هي أفكاره المستقرّة فيه والتي تقلقه، منها قصيدة “الحشرة” حيث سيكون الموت حشرة متنقّلة ويأخذ شابًا يجالسه.
الموت والوحدة
لا يلبث الموت أن يتغلّب على قصائد تورغينيف وبالكاد يفارقها، إنها قصائد تكتسب الثيمة الوداعية، نوع من سرد قلق، لن نعدّد الموت فتكاد لا تخلو قصيدة منه. قصيدة “بماذا يجب أن أفكر” تفكر في الموت وفي الوقت المتسارع وفي القبر وفي العتمة الراسخة، يصيبنا تورغينيف بنفس الحزن الذي يشعر به وبنفس التساؤلات الوجودية التي يريد لها جوابًا: “بماذا سأفكر عندما أوشك على الموت/ هل سأفكر في مدى قلّة استخدامي لحياتي، ومدى قلة معرفتي بكيفية الاستمتاع بعطاياها؟/ أهذا هو الموت؟/ قريب جدًا/ مستحيل/ لماذا لا أملك أي وقت لأفعل أي شيء حتى الآن/ هل عليّ أن أفكّر بما ينتظرني ما بعد القبر/ وهل ينتظرني حقًا أي شيء هناك؟/ كلا أتصور أنه عليّ محاولة عدم التفكير وأن أقسر نفسي على الاعتناء ببعض التوافه لأصرف ببساطة انتباهي عن الظلام المهدّدـ/ الذي هو أسود أمامي”. أما قصيدة “عندما لا أكون موجودًا” فهي رسالة وداع لبولينا فياردو، المرأة التي أحبّها ثلاثين عامًا ولم يتزّوجها فقد كان لديها زوج وأولاد؛ قصيدة لن تقيك من الحزن وستُشعرك أن ثمة خسارات في الحياة لا يمكن الشفاء منها “عندما لا أكون موجودًا/ وعندما كلّ شيء كان ذات مرة أنا/ قد تفسّخ إلى غبار- أوه أنت يا صديقي الوحيد/ أنت الذي أحبّك بمثل هذا الحب العميق الرقيق/ أنت الذي ستجعلني أحيا بالتأكيد/ فلا تذهب إلى قبري/ فلم يبقَ هناك شيء لك لتفعله/ لا تنسني/ لا أريد أن أتدخل في حياتك وأن أربك تدفقّها المعتاد/ تذكّر الأيام التي مضت، دموعًا صامتة عذبة في عينيك وعينيّ في آن واحد…”.
قصائد الوحدة تنتشر في أرضية الكتاب على مساحة واسعة، “عندما أكون وحيدًا” تستبدل عالم تورغينيف الذي يفيض بالأصدقاء والمعجبين به بالخوف من الوحدة، كان تورغينيف يشعر بوحدته بين الجميع: “عندما أكون وحيدًا، منعزلًا، أبدأ بتخيّل وجود شخص في الغرفة/ هو يعرفني وأنا أعرفه ومع ذلك هناك فجوة بيننا/ لست خائفًا منه لكني أشعر بعدم الراحة في وجوده وأفضّل ألا يكون شاهدًا على أفكاري العميقة/ لكن انتظر لحظة فقط/ عندما أموت سنصبح شخصًا واحدًا..”، قصيدة “طائر بدون عشّ” تفتش عن زاوية خضراء ومحمية وسط صحراء صفراء “لكن لا عشّ يمكن بناؤه في ذلك الفراغ اللانهائي/ إلى أين أذهب/ ألم يحن الوقت أنني أيضًا أسقط في البحر”.

يطلّ الموت من قصيدة لأخرى كوجه حزين يدخل من نوافذ تورغينيف وعبر الهواء، نافذة تلو نافذة، تدخل حتى في أحلامه، يخبرنا عن أحلامه في عدد من القصائد، أحلام تشدّه وتشدّنا معه في الحفر السوداء وفي غشاوة الظلام..

“أوه يا شبابي” تنقل لنا إحساس تورغينيف بخساراته التي تنخر فيه بلا انقطاع مثل ألم بطيء. “الساعة الزجاج” (ساعة رملية) هي فزع تورغينيف من العمر الذي يتفلّت من إطاره بشكل خاطف “تمضي الحياة قدمًا بسرعة مرعبة/ خاطفة وصامتة/ عندما أستلقي في السرير مُحاطًا بالظلام/ أنا واعٍ دائمًا بالحفيف المستمرّ الغامض للحياة المنقضية/ لا أندم على الحياة/ لا أشعر بالأسف على الأشياء/ التي ربما كنت لا أزال قادرًا على فعلها/ أنا مذعور فحسب، أشعر بالرعب”.
قصيدة “الشحرور 1” يحكي فيها تورغينيف عن “القلب الذي لا يزال يحتفظ بشبابه بطريقة غير مجدية لا لزوم لها” وعن “صقيع شيخوخته التي تحوم”، لكن عندما يوجّه له تولستوي اللوم على تفكيره بجراحه فقط فيما تدور حرب البلقان بين الروس والعثمانيين، يكتب تورغينيف “الشحرور 2″، يقول فيها: “جروح من نوع آخر تعذّبني الآن/ يتدفّق منها دم أقاربي وأصحابي الغاليين/ يلقى أشقائي ورفاقي حتفهم بالآلاف/ ويتم إلقاؤهم بين كفيّ الموت من قبل قادة فاشلين/ يموتون دون غمغمة/ لقد أرسلوا إلى حتفهم بدون ندم/ هم لا يشفقون على أنفسهم ولا يتلقون أية شفقة/ من قادتهم غير الكفوئين/ ماذا تكون جروحي ومعاناتي بالمقارنة…”.
آخر ما كتبه تورغينيف هما قصيدتا “صرخة طفل” و”أشجاري” أرّخهما بتاريخ تشرين الثاني/ نوفمبر 1882 أي قبل وفاته بأقلّ من عام، إنهما خاتمة لقصائد سيكولوجية تتمدّد بين السردي والشعري، بين الخاص والعام، وتدخل في الأمكنة الأكثر حزنًا. قصيدة “أشجاري” تحكي عن شجرة الحياة التي تعطي الإنسان بلا حدود فيما الإنسان “دودة نصف ميتة تزحف تحت قدميها”، أما في قصيدة “صرخة طفل” فيسترجع شبابه مرة أخرى لمّا كان فتًى مراهقًا يفكّر دومًا بالموت والانتحار: “وحدي أنا وحدي/ وحدي وجهًا لوجه مع الموت/ ألم تحن الساعة؟/ وداعًا أيها العالم التافه”..

عن ضفة ثالثة

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This