الرّاقصات لا يدخلن الجنّة: متعة القراءة في ستريبتيز الكتابة (ج3)

 ثالثا/ فادية: الوجه العاري للمآزم الّنفسيّة والتّفكك الأسري والصّراع السّياسي الاجتماعي

يمكن اعتبار آسية وسارة الوجه العاري لما تخبئه الأقنعة الاجتماعية الثقافية والدينية الأخلاقية، من مآزم واضطرابات نفسية أو عقلية، واختلالات اجتماعية اقتصادية، والقهر السياسي الاستبدادي، داخل الوطن. وما ينتج عن ذلك من تمزق وتصدع وتفكك داخل الأسرة، وعلى مستوى العلاقات الاجتماعية المنحطة والمثقلة بعبء الواجهة البراقة للعفة والأخلاق الرفيعة والروحانيات الكاذبة في الطقوس والمعتقدات، التي ليست أكثر من آليات دفاعية ضد ما يتهدد الذوات من تمزق وقلق وعذابات مشحونة بالعدوانية التي تكاد تجهز على الذات. وإلى جانب هذا المعطيات العطنة التي تشكل واقعا موبوء، نلاحظ الانهيار الخطير لأبسط أشكال الروابط العاطفية الإيجابية داخل الكثير من الأسر، وفي وسط الكثير من العلاقات الاجتماعية، التي تميز مجتمعا لا مكان فيه للجرأة في انتهاك المحظور، وتخطى السقف الأخلاقي للمعايير المجتمعية التي تمارس الهيمنة والسيطرة والتحريم الديني على القلوب، والتجريم السياسي على العقول. أما فاديا فهي تمثل العينة النموذجية للمشاكل البنيوية النفسية والاجتماعية التي يعيشها المهاجرون في البلدان الغربية. إنها ذلك التشخيص الدقيق من جهة لخلل الذات وهي تعاني مرض الانغراس الاجتماعي الثقافي، الناتج  من جهة أخر عن خلل العلاقة الاجتماعية والسياسية، أي ظلم سياسي في عدالة توزيع الحظوظ والخدمات، داخل بلدان الغرب الذي يحكم على المهاجرين بالاستغلال والقهر وأشكال مختلفة من التهميش والهدر، حيث النظام الرأسمالي والنيوليبرالية المتوحشة لا تهمها الحياة الاجتماعية لهؤلاء، ومدى اندماجهم وانغراسهم في المجتمع، فهم مجرد يد عاملة رخيصة بخسة الثمن، ومادة للمتاجرة بأجسادهم وحيواتهم. فالمأساة الإنسانية التي عاشتها فاديا، ويعيشها أمثالها بين المخدرات والإرهاب…، لا محل لها في العلاقة بينهم والدولة، إنكار إنسانيتهم بهذا الشكل لا يساعد مطلقا في انغراسهم واندماجهم الاجتماعي والثقافي…، حيث يعيشون نوعا من حياة الكيطو.

  • جراحات السّرد العاري

نتعرف على فاديا في سياق انهيار للعالم الإنساني ولإمكانية التواصل والتفاعل بين حي الكرمة البيضاء للأجانب وبين المجتمع والدولة الفرنسية. ” نظرت إلى كم القمامة المتراكم أمام العمارة فأغلقت أنفها عن الروائح العطنة… تنسى تماما أنك في فرنسا وتدخل في العصر الافريقي بكل مميزاته…  الحي عبارة عن كيطو للسود والمغاربيين ولا سبيل للخروج منه لأن نسبة البطالة بين الشباب هنا تتجاوز الأربعين في المائة… المهم هناك قطيعة بين هاته الأحياء وباقي المجتمع الفرنسي تدخلها كأنك تدخل أي حي عربي أو افريقي وتنسى أنك في فرنسا… بعضهم يتاجر في الحشيش والبعض الاخر يبحث عن الخلاص في المسجد والفكر الجهادي… أما البنات فتتم تربيتهن على الطاعة والأشغال المنزلية وعدم الخروج وعدم مصاحبة النصرانيات”. 55و57 فالتفكك الشخصي والذاتي إلى درجة الانهيار والسقوط النهائي الذي عاشته فاديا لا يمكن فهمه إلا انطلاقا من السياقات المترابطة والمعقدة التركيب الاجتماعي والسياسي والنفسي الثقافي الذي تعيشه هذه الاحياء في علاقتها بالمجتمع والدولة. بمعنى أن تصدع الاسرة وتفكك الافراد في هذه الأوضاع، تعبير صريح عن القهر والظلم والخلل في بنية المجتمع. لذلك نجد أنفسنا أمام حالات مرضية تمارس عنفها وجنوحها وعدوانيتها من خلال ردود فعل دفاعية مرضية كالتي عبر عنها الأب في سقوط  شنيع ومذل لقيم ثقافية اجتماعية تقليدية محدودة الرؤية والافق، ومعدومة الأساس الإيتقي، مما جعلها- القيم – تعيش امتحان التحدي الحضاري الذي تجاوز بعدها القهري الابوي في بناء رؤية لعالم الكينونة، أو في ردود دفاع نكوصية  يعيشها الكثير من الشاب في علاقتهم بالفكر الجهادي. أما فاديا فهي تحمل في ذاكرتها وشما ملتهبا حارقا، وفي نفسيتها العميقة جرحا نازفا، لأن هذا التفكك والخلل البنيوي في المجتمع والأسرة انعكست بشاعته الرهيبة في الاعتداء على طفولتها، على إنسانيتها من خلال الاغتصاب القذر الذي كان يمارس ليس فقط في حق جسدها، بل أيضا في ذاكرتها وروحها ونفسيتها، حيث مزق ودمر وخرب روحها وكينونتها ومشروعها الوجودي. ” فكرت في أبيها وكيف كان يأتي إلى غرفتها حين تكون وحيدة. يزم فمها ويعريها ويدخل أصبعه في عانتها الصغيرة بعدها يريها قضيبه المنتصب. كانت تحس بالألم الشديد وبالخوف فهو يهددها بالقتل إن تكلمت. كان عمرها عشر سنوات ودام الأمر شهرين قبل أن يرحل إلى المغرب ويتزوج فتاة في السادسة عشر من عمرها…  كتمت الجرح بداخلها خوفا من انتقام الأب… دست جسدها جيدا تحت الفراش وهي تحاول تجنب تلك التفاصيل المدمية فجرحها كان يسيل دما في كل مرة يلامسها ولا يتوقف إلا بعد أن ينتشي… لم تتكلم أبدا حتى أنها لم تصارح أمها بالأمر، عايشت جرحها وأغلقت عليه الباب بقفل كبير.”60و61 وهنا تكمن روعة الرواية من خلال ستريبتيز الكتابة التي تعري كل هذه الاختلالات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي تتخفى في الوعد والصد الذي يمارسه جسد الراقصة الذي ليس إلا مظهرا لعري عفن مدنس نابع من بنية المجتمع والأسرة والعلاقات الاجتماعية الثقافية التي جردت الطفلة من إنسانيتها،  وجعلتها في وضعية منبوذة ومرمية بين المخدرات والرقص والدعارة،  كحل وحيد ممكن للهروب من المأزق الوجودي الذي وجدت نفسها فيها مكرهة كقدر محتوم ضد رغبتها وطموحاتها في الدراسة والعمل الشريف. فالستريبتيز الذي تعيشه هو المخرج والامكانية السحرية للاضطراب النفسي والصراع الذاتي الذي ينهك قواها ويحطم طاقتها كعبء ثقيل لا حيلة للهروب من سطوته والافلات من جبروته. لذلك لا تجد خلاصا لمأساتها إلا من خلال المخدرات وصالة الرقص، بحثا عن القيمة والمكانة والاعتراف من خلال المال، إنه شكل آخر للوعد والصد الذي يقدمه عالم الستريبتيز ، الذي هو عالم النظام الرأسمالي المتوحش، الذي تكون فيه الراقصة مجرد سلعة في سوق النخاسة. كما لو أنها في الحالة الأولى تعوض عن الكبت والحرمان بشكل بديل في اللذة والمتعة والمخدرات، كبديل للحب. ” فكرت أنها تهوي إلى قاع سحيق لكن قالت في نفسها أن الحل لنسيان الخيبات هو الجنة السحرية جنة السكر والكوكايين… تفكر أنها وجدت المنقذ من ذاتها وانسحاقها. أمام انسحاق الذات لا حل غير الإدمان والغامرة.”205 وفي الحالة الثانية تمارس انتقاما في حق الأب والمجتمع اللذين اغتصبا طفولتها وسلخا منها إنسانيتها، وفي ذلك أيضا ميول تدميرية لتحطيم الذات وعقابها تحت سطوة وعنف الأنا الأعلى الذي يشدد الخناق عليها من خلال عقدة الذنب والتأثيم الرهيبة والمروعة لوجدان ونفسية فاديا في غرقها في هوامات الشرف والعفة والطهارة والحصانة الزوجية، كلما فكرت في التخلص من حياة الفقر والذل والدونية، وانعدام القيمة الاجتماعية، من خلال عملها كفنانة راقصة تمارس لعبة الخفاء والتجلي، الغواية والاغراء، الوعد والصد. ” تعبت من الفقر ومن هذا الحي الموحش. أريد أن أعيش أن ألبس أجمل الملابس وأن أسكن حيا أنيقا في باريس. أخاف من عقاب الله فهذا العمل حرام ولا زلت أطمع في أن أصلي وأرتدي الحجاب يوما ما.”62 وفي سياق جحيم الدلالات هذا وجدت فاديا نفسها غارقة بين الدعارة الصريحة والكوكايين، هروبا من جهنم القلق المتفجر في أعماقها كجرح نازف خلفه غدر الأب ببراءة طفلته. ” تبكي لماض أليم يعود كل يوم ويحاصرها كل دقيقة. تبكي طفولة جريحة وعمرا يمضي في مهنة تذكرها بحقيقة كينونتها. جسدها رخيص استباحه الأب ورخصته الأم. تبكي فقرها وحاجتها للاخرين.”341 إنه عالم الفقدان الرهيب للمعنى وبالتالي للوجود. حيث يغيب الحب ينعدم المعنى فتنهار جذوة الحياة مترنحة بين مخالب التجاذب الوجداني بين النشوة والمتعة واللذة، وبين الحزن والقلق والرغبة في تدمير الذات.. وبسبب اختلال التوازن هذا تكون حياتها النفسية وتدبيرها اليومي محكومان بهذا الترنح المعذب للقلب والدماغ. لهذا نلاحظ مدى التشتت الذي تعاني جحيمه بين الطهارة والمال، أو بتعبير رمزي استعاري بين الطهارة والقرش بالمعنى الرأسمالي الذي لا يهمه إلا الربح والسطو على فائض القيمة كوجه دموي بشع تنهض على أسسه الديمقراطية، كنهب وتراكم رأسمالي. لذلك كان من الصعب على طفلة خرب كيانها ودمرت كينونتها أن تعرف الرزانة والاستقرار، والتقدم في محرقة جحيم الحياة دون تعثر. والحفر العميقة في سيرتها وتاريخها الشخصي كواحدة قادمة من أسرة ركيكة الوجود ومفككة الروابط العاطفية، ومن حي الكيطو المهمش للمهاجرين، يبين عمق الجرح الداخلي الذاتي الذي يعمل المركز الباريسي للطبقة الثرية على ايقاظه وإثارته. والدوافع اللاواعية لهذا التقلب المزاجي الذي كانت تعيشه فاديا تحت غطاء جرعات الكوكايين، هي بسبب اعتداء الأب واهمال الأم وما رافق ذلك من حرمان وفقر نفسي عاطفي فظيع، إلى جانب مشاعر الذنب المؤلمة التي لا تكف عن نخر الذات من الداخل، وميل إلى تدمير الذات، والغرق في عوالم التعويض، خوفا من قلق الانسحاق الوجودي. ” كان احساسها بأنها شخصية متشظية. لقد عرفت تجارب مؤلمة في حياتها… أغلقت عينيها وهي تبحث عن نوم عسير مع الإحساس بتأنيب الضمير والألم… يغوص الكوكايين عميقا في رئتيها كان عليها أن تغيب عن العالم وتنسى طبيعة عملها وكيف هو متناقض مع قيمها وأخلاقها التي تربت عليها، تغسل جسدها وتعيد الغسل مرات. في بعض الأحيان تتوضأ وتنوي الصلاة. كانت حائرة ومضطربة ومرعوبة من مصيرها بعد الموت… كانت تبتعد يوما بعد يوم عن تصوراتها ومثلها العليا في الطهر والنقاء… كان السكر والمخدر يساعدانها على حل الصراع النفسي المتفاقم داخلها.”303 و يتخذ هذا الانشطار الانفعالي الوجداني خصائص وسمات في الشخصية لها دلالات القلق والتصلب والتوتر، وفقدان التحكم في الذات المؤسس للسلوك التدميري للذات عقابا لها، كقدر محتوم لا مفر منه، إنها حالة من تفكك الأنا وقصور الضبط الذاتي الذي ولدتها تجربتها الوجودية كخلل في الشخصية منع تكاملها، الشيء الذي جعلها تعيش مغامرات الدعارة الصريحة، تحت وطأة العجز عن مقاومة اغراءات التسلق الطبقي، بسبب الواقع المزري المشحون بالحرمان والقهر، حيث لا مكان للجهد الذاتي في سياسة فرنسا التمييزية. ” في زمن مضى فكرت أنها يمكن أن تدخل نهار وليل باريس بالدراسة لكنهم في الإعدادية أفهموها من تكون. أفهموها أنها من حي الكرمة البيضاء وأنها تصلح فقط لكي تتوجه إلى التعليم التقني والمهن الحقيرة.” 73 مما يجعل الرهان السحري لنيل مكان تحت الشمس هو الدوس على الكرامة وبيع الجسد، إنه الأمل الوهمي الوحيد الممكن للخروج من المستنقع. هذا هو الواقع الذي نشأت فيه فاديا، وعانت من ويلاته الأسرية والمجتمعية والعلائقية إلى درجة الاضطراب الوجودي. وبحثا عن الحل السحري للخلاص وتغيير المصير وإعادة الاعتبار للذات المجروحة المثقلة بالحرمان والبؤس العاطفي، تنخرط فاديا في جدلية آليات اشتغال الرأسمالية: الوعد والصد، الاغواء والاغراء والمنع، وهي آليات تولد لدى البؤساء والمحرومين وهم الاشباع والارتقاء الاجتماعي. ” تحت تأثير الكوكايين تحلم بمستقبل مشع وأنها ي قلب باريس وتكسب مالا.”341

  • من وهم تحقيق الذّات إلى تدميرها

ومن جهة أخرى يمكن القول إن عقدة الذنب التي تعيشها فاديا في هروبها المستمر من عالم الفتنة والعري والدعارة نحو متخيل الحشمة والوقار والحجاب والتمترس وراء القيم الدينية الاجتماعية والثقافية ليس إلا تعبيرا عن قلق عنيف فجره عالم المال والستريبتيز في وجه الرغبات الداخلية المكبوتة. وإزاء هذا الرعب النابع من ذات شكلتها سيرورة الحرمان العاطفي والقمع الأبوي الذكوري والفقر النفسي والمادي، تحاول فاديا التمسك بالأطر الاجتماعية والدينية التقليدية التي عملت على استبطان في جوفها القواعد والمعايير الخلقية للكبت. لذلك تعيش قلقها متأرجحة بين تفجير المكبوت الجنسي والعاطفي والمادي، وعقدة الذنب في التخلي عن القيم التي تربت عليها كفتاة مسلمة، أي القيم الثقافية والدينية والاجتماعية التي أسست الكبت. إن الامر يتعلق بصراع بين مبدأ الواقع ومبدأ اللذة. أي بين نزوات الهو، ” وهي تتسلم أول أجرتها، قررت فاديا أن تحافظ على عملها وأن تنسى أنها تعيش على عريها… وهي في طريقها إلى بيتها في ليميرو نهاية الأسبوع فكرت أنها ليست عارية بل الواقع هو العاري. هذا الواقع الفج الذي جعلها تولد في حي مقيت كحي ليميرو على هامش مدينة الأنوار.”70 وأنا أعلى قاس وشرس مترسخ في التكوين النفسي الداخلي، من خلال التنشئة الاجتماعية الثقافية الدينية، بالإضافة إلى ما قام بتثبيته الواقع العاري للكيطو. ” كانت فاديا دائما مسكونة بالذنب تجاه عملها. كانت تعيش بشكل مؤلم صراع الدنس والطهارة، فهي تريد أن تكون ربة بيت صالحة في المستقبل وترغب في أن تصلي وتصوم وترتدي الحجاب وأن هذا في نظرها واجب على المرأة المسلمة.”100 وفي هذا التأرجح الجهنمي بين النزوات ونظام الضبط، بين الدنس والطهارة، بين الكبت والحرية، بين الرغبات المكبوتة وعوالم الستريبتيز المشجعة لانفلات الجني من قمقم المكبوتات فقرا وبؤسا وهجرا نفسيا وحرمانا عاطفيا…، تحاول فاديا بدوافع لا واعية تجنب أو مما يهدد الذات من مخاطر داخلية تم اسقاطها على الواقع المثير. إلا أنها لم تستطع حسم هذا التناقض الصراعي للقلق الداخلي إلا من خلال الكوكايين، خاصة ونحن نعرف حجم العذاب الهائل الذي تعانيه بسبب جرح الاغتصاب الأبوي الذي أرسى الإحساس بالتهتك في روحها. ” حكت لآسية وجعها القاتل، وجع لم تتعايش معه، لا يمكنها أن تنسى فالإنسان الذي كان من المفروض أن يحميها من نوائب الزمن هو الذي ينشب أظافره في جسدها وينهشه كذئب. كيف يمكن لها أن تغفر؟ أن تنسى؟ أن تطوي الصفحة؟ أن تتعايش مع الألم والنار بداخلها لا تخمد. تشرب وتتناسى للحظات. كل رجل تنام معه يوقظ الذكرى القاسية بداخلها.” 353 لم تستطع أن تتصالح مع نفسها وتغفر للطفلة المتألمة داخلها، كما لم تكن لها القدرة للتغلب على الرغبات المكبوتة والمقموعة في تاريخها الشخصي، في الطفولة والمراهقة، وهي تسمع وترى وتعايش نوع الحياة التي تعيشها صديقاتها الفرنسيات، في العيش اليومي، وفي تجارب العلاقات العاطفية…، كل هذا قوبل بقواعد تثبيت الكبت والحرمان، أي بفكر ومنطق الثقافة الذكورية في الوصاية على النساء باسم العفة والأخلاق الدينية الرفيعة التي يعري نفاقها وهشاشتها وتسلطها واقع السوق الرأسمالي الجشع والمتوحش، وآليات اشتغاله الرهيبة التي لا ترحم المهمشين والبؤساء والمنبوذين.

ولمواجهة قلق عواقب هذا التناقض الوجداني المثير لجراحات نازفة في أعماقها النفسية، بهوية مفككة تفتقر لجذور متينة في الوعي والصحة النفسية، ولدعائم تحميها من التحولات العنيفة، كانت فاديا تنتقم من نفسها وجسدها، وهي تغرق في استيهامات عوالم القرش/المال والمخدرات. ” تريد الحرية في الدنيا والجنة في الاخرة… تريد الحجاب وفي انتظار ذلك ترقص عارية… منظومتها الأخلاقية مشروخة ومتناقضة… تعاليم فرنسا المتحررة من جهة وتعاليم الجدات والخالات من جهة أخرى. تناقضات لا يمكن التوفيق بينها إلا بالصراع النفسي المحتدم.”282 الذي وجد حلوله الدفاعية في جرعات الكوكايين التي سهلت الميل النهائي نحو مناخ الرغبة المنفلت من الضوابط، الشيء الذي يعني بلغة التحليل النفسي ميلا واضحا نحو السقوط في حفر المرض.” نظرت إلى وجهها في المرآة ورأت صورة مخيفة. لا تكاد تتعرف على نفسها في المرآة. شعور بالغرابة يسيطر عليها. هل هو فعلا وجهها ما تراه في المرآة؟ طافت في غرفتها وهي تفكر في حياتها، تعبر كشريط مخيف فيه الكثير من العثرات، الكثير من الألم والاحساس بالخذلان. خذلان الأب وانشغال الأم بأشياء اليومي المتعب.”435 لذلك ليس غريبا أن تسير فاديا في طريق حلم لا مستقبل له، مما أدى إلى نهاية مأساوية في تدمير ذاتها.

هكذا بنت الرواية عوالمها الفنية تبعا لتضافر عالم الواقع وعالم الحلم الذي تمارس فيه الرواية لعبة التخييل استجابة لقلق الرغبات الداخلية المكبوتة التي لم تجد طريقها نحو الواقع لأسباب كثيرة، أتت فصول الرواية على بعض مظاهرها على طريقة ستريبتيز، وهذا ما جعلنا نتحدث عن متعة القراءة في ستريبتيز الكتابة. التي يمكن اعتبارها بمثابة التَّقطع الفنّي والجمالي، أي تلك الانزياحات الَّتي تخلق المتعة، إنّها أشبه كما قال رولان بارط بـ” تقطّع لمعان البشرة بين قطعتين من اللّباس بين حافتين، هذا اللَّمعان بالذَّات هو الَّذي يفتن”.  والذي يمكن أن يكون آلية دفاعية لحماية النفس من التفكك والانهيار والسقوط إزاء ما يثيره الواقع من استفزازات عنيفة في وجه الرغبات الداخلية المكبوتة. “كل تلك الأشياء التي استغنت عنها أيام الفقر صارت أشياء نفيسة تحتاجها كما تحتاج الهواء والماء. تسيطر عليها أحلام الارتقاء، لا يهم كيف سترتقي الأهم هو أن تصعد إلى الأعلى، أن تلامس السماء. أن تدخل نهار باريس… تريد أن تمحي من ذاكرتها كل آثار الفقر والعوز… باريس تذكي الأحلام والرغبات. كل الاحلام التي عجزت عن التعبير عنها تنفجر بداخلها دفعة.”435 وفي هذه السيرورة التي يتحكم فيها منطق الرغبات تكون النهاية واضحة كقدر محتوم لا مفر منه الهلاك، أي الموت أو الانتحار. ” الصراع الذي كانت تعيشه فاديا لم يكن محتملا. كان من المتوقع أن تنتحر أو تموت بجرعة مخدر زائدة. عاشت بئيسة وماتت في عز الشباب ميتة بئيسة أيضا”472

******

حنان الدرقاوي: الرّاقصات لا يدخلن الجنة، دار الفاصلة للنشر، الطبعة الأولى، 2020.

الهوامش تدلّ على صفحات الرواية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This