صاموئيل شمعون.. المحارب الآشوري الأخير / بشير البكر

لو أن صاموئيل شمعون يكتب كما يتحدث، أو يسجل على الورق كل ما يفكر به ويعيشه، لكان من بين الكتّاب الذين يتصدرون المشهد اليوم. لو أنه تفرغ للكتابة، لأصبح واحداً من الكتّاب المعروفين ذوي الشهرة والشأن في الساحة الثقافية. يجيد الكتابة كحرفة، لكنه لا يولي الكتابة الاهتمام الكافي، ليس لأنه عاجز عن العملية، أو غير مسكون بها، بل لأنه أغرق نفسه بالتزامات أخذته بعيداً من تخصيص وقت كاف للكتابة التي لا تقبل ضرّة. ولو أن صاموئيل يصرف خمسة في المئة من وقته على الكتابة الخاصة به، لكان أنجز بعض مشاريعه الروائية والسينمائية التي ما زال يتحدث عنها، والمؤجلة منذ مرحلة الشباب، لكنه كرس كل وقته من أجل خدمة الكتاب الآخرين، وله الفضل مع زوجته البريطانية مارغريت أوبانك في تعريف اللغة الانكليزية على نخبة كبيرة من الكتّاب العرب من خلال الترجمة في صفحات المجلة التي أسساها في لندن العام 1998 تحت اسم “بانيبال” تيمناً باسم “آشور بانيبال” آخر ملوك الدولة الآشورية الحديثة، الملقب بملك العالم، والذي كان مهتماً بالثقافة والفنون، وما زالت المجلة تصدر بانتظام ثلاث مرات في السنة، ومؤخراً بدأت بإصدار نسخة إسبانية منها سيرفانتس، وهذا في حد ذاته مشروع على قدر كبير من الأهمية، ذلك أن تعريف قرّاء الاسبانية على الأدب العربي، خطوة تستحق التحية، لاسيما أن العرب ترجموا خلال العقود الأخيرة غالبية أعمال كتّاب أميركا اللاتينية، ولم يحصل العكس.

لم يصدر صاموئيل سوى رواية واحدة (“عراقي في باريس” 2005) وديوان شعر واحد (0ld boy)، وكلاهما يعود إلى زمن بعيد، ويأخذ من باريس فضاء خاصاً. الديوان كتبه في أوائل الثمانينات حين ذهب ليستقر في باريس، وهو عبارة عن قصائد قصيرة ذات طابع منمنات حياتية وخواطر وشذرات احتفالية بالحياة الباريسية الثرية بجمالها وتسكعها الشعري بين الكحول والفنون والأحلام والخيبات والخسائر. لكنه ليس حال هذا الشباب وحده الذي وصل هذه العاصمة الأثيرة، وكانت ما زالت عابقة ببقايا رائحة تمرد جميلة من أيار 1968 ثورة الطلاب في الحياة الاجتماعية والأغاني والشعر والحريات الفردية، وهذا هامش عشنا فيه جميعاً، نحن الذين وصلنا إلى باريس في وقت واحد خلال النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي، من عراقيين وسوريين وفلسطينيين ولبنانيين ومغاربيين، وكانت تجمعنا الكتابة والفنون والقطيعة مع حكومات البلاد. كنا جميعاً بلا جوازات سفر من بلداننا، وأغلبنا دخل باريس بجواز سفر يمني جنوبي استصدرته له منظمة التحرير الفلسطينية، وكلنا كان مسجلاً من مواليد عدن.

أما رواية “عراقي في باريس” التي ترجمت إلى لغات أجنبية عديدة، فهي عبارة عن تقاسيم على سيرة الفتى العراقي الآشوري المولود في الحبانية التي كانت قاعدة عسكرية بريطانية، حيث عمل والده طباخاً. وهذه الرواية ليست سوى شطر صغير من حياة هذا العراقي الذي غادر بغداد في أوائل الثمانينيات، براً إلى تركيا، في طريقه إلى سوريا ولبنان، وهدفه الوصول إلى هوليوود ليشتغل في السينما. لكن الطريق لم يكن سهلاً، فلقي الكثير من المتاعب قبل أن يصل إلى منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت ويعمل في إعلام الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، كسكرتير تحرير تنفيذي ومصور في مجلة “الحرية”، وهناك تعرف من كثب على عالم الفدائيين وحياة الفلسطينيين، ومن بين من عرفهم الأمين العام للجبهة نايف حواتمة الذي كان معجباً بمواهب الشاب العراقي (سامي شاهين) ووعيه السياسي والثقافي.

وحين أقول أن صاموئيل كان ينوي الرحيل إلى هوليوود، فمن أجل التنوية بمكانة السينما لديه، فقد استهوته كفن وصناعة، وكان طموحه أن يصبح صانع أفلام، وربما تجرأ على هذا الحلم الكبير وهو يرى أميركا وطناً للمهاجرين الذين شاركوا في بناء الجزء الجميل والثري من ثقافتها، في الكتابة والسينما والمسرح والفن التشكيلي، وكان يجد أمامه آشوريين آخرين وصلوا إلى مواقع مهمة مثل العراقي جان بيار رسام، الذي لعب دوراً مهماً في السينما الفرنسية وتزوج من واحدة من أجمل نجماتها كارول بوكية. لكن عين صاموئيل كانت على الإيطاليين الذين قلبوا السينما الأميركية وطبعوها بطابعهم في القرن العشرين، مثل سيرجي ليوني صاحب أفلام ويستيرين سباغيتي مثل “حدث مرة في الغرب”، ومارتن سكورسيزي صاحب “سائق التاكسي”، وكان مغرماً بالممثل روبيرتو دونيرو. وفكاهة صاموئيل الأثيرة هي عندما كان يحدثنا نحن اصحابه في باريس عن مغامراته في مهرجان “كان” السينمائي الذي كان يحرص على حضوره في كل دورة، مع المسرحي العراقي سمير سعيد، والصحافي في مجلة “كل العرب” حينذاك شاكر نوري. وفي غالب الأحيان كنا نغمز منه، ونقول انه يبالغ حتى حصل اننا ترافقنا معاً لحضور إحدى الدورات العام 1995، وأصابتني الدهشة من معارفه وصلاته في الوسط السينمائي العالمي، وقد وقف سينمائيون كبار يحيونه وهو لا شيء في عالم السينما. وذات مساء كنا في فندق ماجستيك في “كان”، وتركته قليلا من أجل مشوار استغرق نصف ساعة، وحين عدت وجدته يجلس مع النجم السينمائي نيكولاس كيج الحائز على أوسكار في تلك السنة عن دوره في فيلم “غادر لاس فيغاس”، ولم أكن أعرفه في تلك الفترة، وظننته زائراً على هامش المهرجان لغرابة ملابسه، فنكزت صاموئيل للمغادرة، فقال لي: هذا صديقي ولم أره منذ عام، أتركني قليلاً معه، وتركته فعلاً، وعاد في نهاية الليل إلى الفندق يرافقه لاعب كرة السلة الأميركي الشهير عبد الجبار، وبصورة مع كيج يريني إياها كلما استرجعنا تلك الزيارة إلى “كان”، وكان برفقتنا الشاعر العُماني سيف الرحبي، ومن هناك تجولنا بالسيارة نحو مدينة نيس وإمارة موناكو التي تعد جنة صفوة الأغنياء، ولذا كان الناس يحدقون في سحناتنا الشرق أوسطية، ويحسبون أننا قدمنا من الريف الإيطالي القريب.

عرفتُ صاموئيل منذ بيروت أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وكان يعمل في إعلام الجبهة الديموقراطية، وخلافاً للكثيرين ممن حملوا الكاميرا في تلك الفترة داخل اعلام منظمة التحرير الفلسطينية، فقد كان بارعاً في التصوير ويعرف الأصول، وهذا جعله على صلة حميمة مع الكاميرا التي بقيت لها مكانة أثيرة ضمن خيالاته وأحلامه السينمائية التي لم تتحقق حتى الآن. ومن ثم عدت والتقيته في تونس في العام 1982، بين كوادر منظمة التحرير الذين خرجوا من بيروت، وكانت محطة تونس أساسية بالنسبة لنا جميعاً نحن الذين غادرنا بيروت برفقة الرئيس ياسر عرفات إلى أثينا، لأنها بوابة العبور إلى أوروبا، ولا شك أننا تأثرنا بالمرور في تونس، وكان لا بد لنا أن نأخذ بخلاصات تجربة التونسيين مع فرنسا، ونستفيد منها، ليس من أجل تصحيح رؤيتنا لأوروبا، وإنما لاستيعاب الاتيكيت الثقافي الذي يعد جواز مرور قوي في باريس. وستبقى علاقتنا بالتونسيين متينة جداً، كما اختصرها محمود درويش: “كيف نشفى من حب تونس الذي فينا مجرى النفس.. لقد رأينا في تونس من الألفة والحنان والسند السمح ما لم نره في أي مكان آخر”.

عاش صاموئيل اكثر من عشر سنوات في باريس، وجرب الكثير من المهن، كانت أقربها إلى مزاجه وتفكيره هي الطباعة على الآلة الكاتبة التي لها مكانة خاصة في حياته، حتى إنه كان قد عنون روايته الأولى التي لم تصدر وربما لم تكتب كاملة، باسم “كاربنتر” (ماركة آلة كاتبة). وهو إذ يعتبر أن الآلة الكاتبة غيرت حياته، فإنه في زمن ما قبل الكومبيوتر كان يرقن نصوص بعض الكتّاب قبل أن يرسلوها للنشر، ومنهم أدونيس الذي أهداه آلة كاتبة حين شاخت آلته القديمة التي كان يداريها مثل كائن حميم. وشجعه العمل في ميدان الطباعة إلى إصدار كتابات بعض الأصدقاء من خلال دار نشر أسسها باسم “جلجامش”، وطبعت كتباً عديدة، منها ديوان لأمجد ناصر “سر من رآك”، ومجموعة قصصية لحسونة المصباحي بعنوان “السلحفاة”، ومجموعة قصصية للمغربي محمد المزديوي وأعمال أخرى. لكن الدار لم تعمّر، وأنشأها إلى جانب عمله في مطبعة يملكها لبناني اسمه ميشال فرح. وذلك في الوقت، كان يخطط للانتقال والاستقرار في لندن التي عشقها قبل أن يراها، ووضع مخطط رواية اطلق عليها “حنين الى الزمن الانكليزي”، لكنه لم يكتبها، وكان يريد منها استرجاع الطفولة العراقية من الحبانية في العراق، لكن أيضاً مديح للعهد الملكي في العراق الذي يُجمع العراقيون أنه كان أفضل العهود التي عاشها العراق في تاريخه الحديث.

وصموئيل، عراقي مسكون بالهوية العراقية، إلا أنه وفيّ لصورة ومحتوى العراق السابق، ولذا لم يزر العراق الذي تشكل بعد العام 2003. فمن ناحية، تركت عائلته البلد وتوفيت والدته (كرجيه) ودفنوها في دمشق، وأخوته هاجروا إلى اميركا واستراليا. ولصاموئيل موقف ثقافي سياسي مما آل إليه العراق بسبب الاحتلال الأميركي والتركيبة السياسية التي جاء بها. لكن الكاتب والمثقف ليس متعصباً أو منغلقاً، بل إن غالبية صداقاته من خارج الوسط العراقي، من سوريين ولبنانيين ومغاربيين وخليجيين، وبنى حول المجلة “بانيبال” حديقة ثقافية متنوعة وغنية، وما كانت ستنمو وتكبر لو لم تكن في لندن مدينة الحريات، وما لم يسهر عليها الثنائي صاموئيل وماغي، بإنفاق الوقت والجهد والمال حتى تصبح مجلة راسخة وذات قيمة ثقافية ومرجعاً للأدب العربي المترجم إلى اللغة الانكليزية.

أكثر من عشرين عاماً وشمعون يعمل على هذا المشروع، الذي اشتغل عليه بحب. و يحيلنا النجاح الذي حققه، إلى صاموئيل الانسان العصامي والمجتهد. هو رجل يعمل قبل كل شيء، وحين يبدأ عملاً، لا يتوقف عنه حتى ينجزه بإتقان، سواء دهن بيتاً، أو طبع نصاً، أو أعدّ طبخة كسكس أو سمك سلمون في الفرن. لا أنصاف قضايا لديه، فإما النجاح أو لا. وهكذا هو يعمل كما لو أنه يحارب. رجل يتحلى بمناقبية جندي في الجبهة على خط النار، وليس من حقه التراجع. وكثيراً ما كنت أربط بعض مواقفه في العمل، بقصص له رواها لي عن خدمته العسكرية في العراق، والتي كانت تجربة مهمة في حياته. ومن دون شك لعبت تربيته البيتية دوراً خاصاً في زرع الاستقامة تجاه العمل والصداقة.

بات صموئيل قطباً مؤثراً في الثقافة العربية، ومرجعاً لدى المؤسسات الدولية المعنية بالأدب العربي، فلا يمكن لمهرجان ثقافي دولي أو معرض كتاب أوروبي أو دار نشر اجنبية دعوة مثقف عربي أو الترجمه له، من دون مراجعة صاموئيل ومارغريت – صاحبا مجلة “بانيبال”. وهنا لا بد من التوقف قليلاً أمام ماغي، السيدة البريطانية التي تزوجت من صاموئيل وبعد أشهر انخرطت معه في مشروع “بانيبال”، وتحمل الزوجان سنوات طويلة قبل أن يحصلا على اعتراف دولي وعربي، وبعض الجوائز التي ساعدتهما في سداد قسط من كلفة العمل، وخصوصاً الترجمة التي تتم من قبل مترجمين على قدر عال من الحرفية، وهذا ما حفظ للمجلة مكانة خاصة بين المجلات الثقافية في العالم.

عن المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This