المستقبل بعد أزمة فيروس كورونا[1]

 

تقديم:

قدمت جريدة  البَايِيس El pais الإسبانية، يوم 4 ماي 2020 ملفها عن فيروس كورونا بما يلي: “فيروس أرعبَ العالم، وقيدَ جميعَ تحركاته (الحجر الصحي)، وحصد أرواح أكثر من 230.000 في جل أنحاء العالم. وغير طريقةَ الحياةِ التي كنا نعيشها. كيفَ سيكون العالم الذّي ينتظرنا بعدَ الخروج من هذهِ الأزمة؟ أي طريقٍ سنسلكه؟ خمسة وسبعون مفكراً وخبيراً يقدمونَ رؤيتهم وتصوراتهم كمفاتيح لحقبة جديدة”.

انتخبنا من هذا الملف خمسة مقالاتٍ من الإسبانيةِ إلى العربيةِ، من تخصصات مختلفة في الفلسفة والسوسيولوجية وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاقتصاد، لعرض نظرتهم للمستقبل بعد جائحة فيروس كورونا.

اذ سيقتصر دورنا بترجمةِ نصوص المساهمين في الملف والتصرف الطفيف في بعض النصوص والعناوين منها حتى تناسب السياق، مع الإحالة إلى الرابط الأصلي للنصوص المترجمة.

تأتي أهميةُ هذه النصوص، نظراً للأسماءِ المشاركةِ في هذا الملف، ولجدة التصورات المطروحة من طرف مجموعة من الباحثين والفلاسفة … في مجالاتٍ مختلفة، ما يجعل من هذه النصوص التي انتقيناها، صورة متكاملة للوضعية الحالية ولمآلاتها المستقبلية، في ظل السعي الحثيث من طرف جل العاملين في الحقول العلمية المختلفة، المساهمة في إيجاد حلول لمعضلاتٍ اقتصادية، اجتماعية، نفسية، بيئية، سياسية، بعدَ هذه الجائحةِ العالمية.

إستعادة الصلة بينَ الأجيال[2]

 Hartmut Rosa

فيلسوف ألماني، ومدير مركز ماكس فيبر للدراسات الثقافية والاجتماعية.

العلاج الذي كنا نقدمه لكبار السن، كل مرة، هو السبب في سوء الوعي [الحاصل]. في مجتمع يسير بِشكل متسارع، لا يعبئُ بقيمة المتقدمين في السن الذّينَ يمتلكونَ حِكمةَ الزمان، إذ يتم التخلي عنهم بوصفهم لا ينتمونَ إلينا في الوقتِ الحاضر، بل يتم عزلهم وتركهم لمصريهم الهش هناك محتجزون في مساكنهم، مفصولونَ عن الحياةِ الاجتماعية. والحقيقة أن فيروس كورونا، يقدم لنا تفسيراً لهذا التخلي في ظل هذه الظروف، التي سادَت فيها إجراءات التباعد الاجتماعي، كوسيلة فعالة لحمايةِ هشاشتهم.

على هاته الشاكلة، يتم تعبئة مسار طويل الأمد في مجتمعاتنا؛ إذ يتم تحويل التباعد الاجتماعي والزمني إلى تباعدٍ فيزيقي [جسدي]، وهنا بالذات يتم هدم جسر التواصل بين الأجيال، ما يخلف هشاشة عميقة في التواصل [بينهما]. لكن الأصعب هو هدم هذا الجسر الذي نمر بوساطاته إلى الماضي الذي يقطعنا عن المستقبل. إذا كان مجتمع ما في حاجة إلى مسألةٍ ذات [قيمة] “كالاعتراف” الأخلاقي والقانوني للأجيال القادمة، فافي حقيقة الأمر، قد تم تضييع الصلة بربط الماضي بالحاضر، أي بينَ ماضٍ لهُ معنى ومستقبلٍ واعدٍ.

لقد أضحت مهمة الاستماع والإجابة مع مرور الوقت. بالطريقة نفسها التي يذكرنا بها الشباب كل يوم جمعة من أجل مستقبل اتٍ. تذكرنا بأزمة فيروس كورونا وبالخسارة الكبرى لصوتٍ دافئ، مفعمٍ بالقوةِ والحياة، للأجيال السابقة، التي تمر أمام وجودنا الخاص نحوَ حياة مستقبلية. التي ننظر إليها ايكولوجياً الآن، ونجربها أكثر على المستوى الشخصي، عندها نشعر بألم الناس المعزولين والقابعينَ في مساكن أو شقق معزولة. بيد أنه كيف نفهم معنى كلمة “أزمة” في حد ذاتها، نجد أنفسنا وعلى الضد في مفترقِ الطرق، ضد فرصة تغيير المسارات. دعنا نعيد إنشاء رابطة للتواصل بين الأجيال بدقة متناهية في ظل هذه الظروف وفق شروط التباعد الجسدي.

لننظم شكلاً أكثر تواضعاً لحياتنا[3]    

Slavoj Žižek

فيلسوف سلوفيني، وصاحب كتاب الجائحة الذي يتحدث عن أثر فيروس كورونا على الرأسمالية.

هناك خطأ في فرض الحجر الصحي، لا يتوقف الأمر فقط بالاستغلال الفظيع الذي تمارسه الدولة تجاهنا بسبب الوباء، بل إنّها تعمد إلى السيطرة التامة وعلى كل شيء. تزداد قناعتي باستمرار أن نوعًا من العمل الرمزي واللاّمعقول متورط في هذا كله. والحقيقة المزرية هي أننا لا ندركُ كيف يوظف هذا كله، إذا قمنا بالتضحيةِ التي تؤدي إلى انهيار حياتنا الاجتماعية، عندها أمكننا فقط أن نحصل على الشفقة (يقصد التضامن). ما يثير الدهشة هو فهمنا الضئيل والمحدود -بما في ذلك علماء الفيروسات-  بسلوك هذا الفيروس. نتلقى سيلاً من التحذيرات والتوجيهات من طرفِ المسؤولين. أوامر صارمة كي نتلافى الإصابة بخطرِ العدوى، ولكن عندما تنخفض أعداد المصابين بالعدوى، يولدُ الخوف من جديد في كونِ هذه الطريقة التي نقوم بها لحماية أنفسنا، قد تكون أكثر الطرق التي تعرض حياتنا للخطر من خلال الموجة الثانية المتوقعة من تكرار هجوم الفيروس. كل الآمال في الخروج السريع (ارتفاع درجة الحرارة في فصل الصيف، مناعة القطيع، اللقاح …) قد تبددت.

هناك شيء واحد واضح على الأقل: أثناء الحجر الصحي الذي نعيشه، ذ نحتفظ بقدر الإمكان على قدرٍ كافٍ من مؤونة التغذية. لكن هناك ماهو أصعب، إذ تنتظرنا مهمةٌ شاقة وهي محاولة الخروج من الحجر الصحي، وابداع حياةٍ جديدة متعايشة مع الفيروس ذاته. علينا تغيير أسلوب خيالنا والتوقف عن الانتظار، انتظار أن يتوقف منحنى الفتك عند نقطة محددة. كي تعود كل الأشياء إلى طبعتها. لا يجب أن نتوقع أن الكارثة ستتوقف عندَ هذا الحد، بل ستطول هذه الوضعية أكثر فأكثر. عندما نصل إلى مستوى مطمئن في تسطيح منحنى الفيروس، وستمضي الأمور بعد ذلك بشكل أفضل قليلاً. لكن ستشرئبُ أعناق الأزمة من جديد، وستدومُ طويلاً. إن رغبتنا الدفينة، وما نفكر فيه دونَ توقف، شيء واحد وهو: متى ستنتهي هذه الجائحة؟ وماذا سيحدث في المستقبل؟ ومن المعقول أن نجد في الوباء الحالي فترة جديدة من المشاكل البيئية. في سنة 2017، وصفت هيئة الإذاعة البريطانية BBC ما قد ينتظرنا نتيجة تدخلنا في الطبيعة: “تغير المناخ، ذوبان الثلوج الذي كانت منذ آلاف السنين، تدهور التربة، كل هذا أدى إلى عودة سلسلة منَ الفيروسات القديمة، إلى الحياة بعد أن كانت كامنة من قبل ذلك”.

هل هذا يعني أننا في وضعيةٍ ميؤوسٍ منها؟ بكل تأكيد لا. إذا لاحظنا الأمور من الوضع الصحيح (وهو أمر صعب للغاية)، بالإمكان توقع حصد عدد قليل من ضحايا الفيروس، ومجتمعنا العالمي لديه كافة الموارد للتنسيق من أجل بقائنا جميعا وتنظيم شكل أكثر تواضعاً للحياةِ، فبوساطة التعاون والتنسيق على المستوى العالمي يمكن تلافي حصول الكارثة على المستوى المحلي، وتأمين قدر كاف من مؤونة التغذية، ما قد يجعل نظامنا الصحي على المستوى العالمي مستعداً بشكل أفضل للهجمات التالية. فهل سنكون قادرين على صنع ذلك؟

“إنذار للهومو سابين”[4]

Pepe Mujica

بيبي موخيكا، الرئيس الأورغوياني السابق.

لا شيء يزيد عن حدوده، هكذا قال اليونانيون، لهذا كل شيء له حدود حتىّ الطبيعةُ ذاتها لها حدودها، ولكننا ننسى ذلكَ باستمرار. لا يجب أن تمخر عُباب البحر دون ما يضمن لك النجاة، ولكن في زمنِ العولمة ننسى ذلك. وحدها قوة السوق والتكنولوجيا من تسيطر، وليس لدي الوعي السياسي بصيرورة هذه الحركة وعملها. تحولت الليبرالية القديمة إلى ليبرالية جديدة، لكنها في هذا التحول، فَقدت كل ما هو انساني. الآن؛ فقط يمكن أن الإيمان بالإله، بكونِ الوباء هو تحذير للهوموسابين.

إن تدمير القيم الإنسانية أدى إلى الفقر. وعند أي خطر يحتمي الناس بملاذٍ يحميهم. هؤلاء يتحدثون عن التأميم وإعادة التصنيع، وعن السيادة الصحية والاستشفائية. ليغتني الوطنيون والشوفينيون، بيدَ أن أجور الطبقات الدنيا تتدنى، سَيسَألون الحكومة وسيصرخونَ في الدروبِ والشوارع. عندها سيعيش الاستبداد ربيعه، سيتبنى هؤلاء القيم في النهاية لكن ثمن ذلك سيكون الفوضى والخراب. سيرفع البعض عقيرتهُ بحمل قيم التضامن الاقتصادي، وتمويل الفقراء عبر العالم.  لكن ذلك حتماً سيكون كعازف الليل المتأخر.

الأبناك المركزية في العالم الرأسمالي ستغرق بلادها بالدولارات والأورو. إذا فشل التعاون الدولي في تحقيق التخفيف من المنافسة، فبكل تأكيد، سيشهد العالم شرقاً وغرباً توتراتٍ جيوسياسية. أتساءلُ: هل نحن البشر وصلنا إلى الحدود البيولوجية لقدراتنا السياسية؟ هل سنتمكن من إعادة توجيه أنفسنا كأنواع وليس كطبقات اجتماعية أو كدولة؟ هل سيكون العلم في المستقبل في حِلٍ عن الزواج القسري بالسياسة؟ هل سنتعلم من درس الجائحة هذه من خلال رؤية فعالة لإحياء الطبيعة؟ هل سيترسخ الطب والتعليم والعمل بصيغتهِ الرقمية في حياتنا؟ وهل يعني ذلك أننا سنلج حقبة جديدة؟ هل ستكون هناك كتائب قوية من الأطباء قادرة على القتال من أجل الحياة في أي مكان، أم أننا سنستمر في إنفاق ثلاثة ملايين دولار في الدقيقة على الميزانيات العسكرية؟ كل هذا متوقف علينا نحن فقط.

شبكات عالمية فعالة[5]

Saskia Sassen

سوسيولوجية ولدت في هولندا، تعمل في جامعة كولومبا، مؤلفة كتاب: مدن زمَن الحرب.

نعيش في فترة الفاعلون المؤسسون للعمليات العابرة للحدود الوطنية والمسؤولين عنها دولًا، لكن شبكات هذه المدن، هي التي تسيطر على العناصر الأساسية للاقتصاد العالمي.

إلى حدودِ الآن، الرابح الأكبر لم تكن الحكومات أبداً، وإنما من يتحكم في دواليب الاقتصاد وهم الشركات الكبرى. بل على الوجه الأصح، حتى أكبر الفاعلين والمنخرطين في هذا الاقتصاد، مثل الفقراء والمهمشين، الذين يستعملونَ بشكل متزايد، شبكات التواصل، التي توفر لهم قدرة بسيطة في التدخل.

المقاولات الصغيرة ذات الربح المحدود كمثال واضح عن ذلك. السياحة، والاتجار الممنوع بالنباتات والحيوانات، واستعباد العمال في معامل صناعة المصبرات، وهكذا تعمل الكثير من الوحدات الاقتصادية اليوم عبر أنحاءِ العالم.

وبرغم ذلك، فإن امتيازات هذه المجالات المتصلة بشبكات الاتصال، يزداد كثرة مستعمليها، والاقبال عليها، ظناً منهم أنهم بذلك يخففونَ عن العمال عبوديتهم، وإنقاذ حياةِ الغابات والأنهار، والنباتات والحيوانات، والفرش المائية، لأرضنا.

ولكن أيضاً نعيشُ في حقبة من الحرب المفتوحةِ والمتسلسلة بشكلٍ متزايدٍ في الكثيرِ منَ المناطق. إذ سينتهي الأمر بكل هذا في منطقةٍ غير واضحة. لكن يظل الشئ الوحيد الجدير بالاهتمام هو أن نتكاثفَ جميعا، لحمايةِ الأرضِ، والهواءٍ والماء. ويفترض أحيانا استعمال السلاح، للفتك بمن يسيء استخدام ذلك. هل نحن حقاً سجناء دائرةٍ قمنا بإنشائها؟

التدفق التكنولوجي اللاّمتناهي [6]

Jaime Cuenca

فيلسوف وباحث إسباني، بجامعة دويستو باسبانيا، ومؤلف كتاب: قيمة التجربة الزمن الفارغ في عصرِ الحداثة المتأخرة”.

لا يمكننا تقدير حجم الملل والانزعاج دونَ أن نلغي عواقب ذلك علينا. وفي حالة الإنذار، واجبان سلبيان يجب علينا القيام بهما: الحفاظ على سلامة الجسد الاجتماعي، وتفادي ما أمكن تسرب شعوَر المللِ إلى النفوس.

انخرطَت الكثير منَ المؤسسات والشركات في توجيه عنايتنا نحو العديد منَ المحتويات السينمائية التي عالجت مسألة السجن، عبرَ الكثير من المنصاتِ. بشكلٍ مجاني أو بمقابل مادي: اليوغا، والطهي، والحفلات الفنية، والأفلام السينمائية، والمحاضرات. كما ظهرت أيضا العديد من المنصات التي تعرض محتويات اباحية وجنسية من Porn Hub  إلى  Prado . حَاربْ الملل بوساطةِ المحتويات التي توفرها الشبكات الرقمية. منذ أيام قليلة مضت أظهرت منصة Netflix قدرة رهيبة على ملء هذا الملل والفراغ: اذ يتحكم كل مستعمل في المحتوى والمدة التي يقضيها في استهلاك ما يودُ اختياره من محتوى، ودائما ما يصاحب ذلك تنويع وتجديد في المحتوى أيضا؛  اذ هناك سلسة من القوائم التي بإمكانكَ اختيارهَا وبتوصيات أيضا؛ واختصارات مكثفة ومُوجزة لعيناتٍ منَ المحتويات، التي يمكنكَ أن تتصفحها. خارج بيوتنا يستمرُ هذا اللهاة (السرعة، التدفق، التيار)، تملئ هذه المحتويات، وسائل النقل اليومية أو طوابير [الانتظار] (وسيؤوب لكي يملئها) داخل منازلنا مرةً آخرى، نعيش فائضاً من اللهاة المحموم الذي احتل كل شيء تقريباً في حياتنا.

تبرز ها مفارقة غريبة، وهي أننا نعيش حقبة التحكم بامتياز، لكن فيما يبدو أننا نطمئن ونفتقد إلى هذا التحكم والتمركز في حياتنا: سلسلة متواصلة ومتجددة لا تتناسب معَ المقدار الزمني (بغض النظر عن الزمن الذي تستغرقه). ومن المفارقاتِ أيضاً، رغم أهمية المحتويات المجانية المعروضة، فإن تواصله السائل والمستمر يدخلهُ في دائرةِ الفائض والتافهِ. هذا اللهاة المحموم من المحتويات الذي يواصل توصياتهِ علينا، ويحرمنا منَ توسيعِ مدركاتنا وأفاقنا. وينسف أي جهدٍ نقوم به نحن ونضفيه كقيمة لمحتوى [ما].

بالمقابل تعلمنا في فترةِ الحجر الصحي، أن نستخدم الأدوات المنزلية، واستعمال الفرن، إنها من علامات الأمل، لأنها تملء فراغنا وأوقاتَ الانتظار، ولو أن النتيجة تكون صغيرة في تكسير سلسلة الملل التي ولجنها.

******

[1]  https://elpais.com/especiales/2020/coronavirus-covid-19/predicciones/

[2]  https://elpais.com/especiales/2020/coronavirus-covid-19/predicciones/recuperar-el-vinculo-intergeneracional/

[3]  https://elpais.com/especiales/2020/coronavirus-covid-19/predicciones/organicemos-una-forma-de-vida-mas-modesta/

[4]  https://elpais.com/especiales/2020/coronavirus-covid-19/predicciones/una-advertencia-a-los-sapiens/

[5]  https://elpais.com/especiales/2020/coronavirus-covid-19/predicciones/redes-globales-eficaces/

[6]  https://elpais.com/especiales/2020/coronavirus-covid-19/predicciones/el-streaming-infinito/

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This